Indexed OCR Text
Pages 361-380
الموطأ التمهيد وأمَّا قولُه: ((وصُفِّدَت الشياطِينُ)). أو: ((سُلْسِلَتْ فِيهِ الشياطينُ)) . فمعناه عندِى، واللهُ أعلمُ، أنَّ اللهَ يَعصِمُ فيه المسلمين أو أكثرَهم فى الأغلبِ مِن المعاصِی ، فلا تخلُصُ إلیھم فیه الشیاطینُ کما کانوا یَخلُصُون إلیه منهم فى سائرِ السَّنَةِ . وأمَّا الصَّفْدُ بتَخفيفِ الفاءِ فى كلامِ العَرَبِ، فهو الغَلُّ، فعلى هذا سواءٌ قولُه: ((صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ)). أو: ((سُلْسِلَتِ الشياطينُ)). يُقالُ: صَفَدْتُه أَصْفِدُه صَفْدًا وصُفُودًا، إذا أوْثَقْتَه. والاسمُ الصَّفادُ، والصِّفادُ أيضًا حبلٌ يُوثَقُ به ، وهو الصَّفَدُ أيضًا، والجمْعُ أصْغادٌ، والصَّفَدُ الغُلُّ. وفى غيرِ هذا الموضع (١) الصَّفَدُ : العَطَاءُ، يُقالُ منه: أَصْفَدتُ الرجلَ، إذا أعْطيتَه مالًا. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبى أُسَامَةً ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، قال: أخبرنا هِشامُ بنُ أبی هشام ، عن محمدِ بنِ محمدِ بنِ الأسوَدِ ، عن أبى سلمةً بنِ عبد الرحمنِ، عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَلَه: ((أَعطيَتْ أَمَّتِى خمسَ خصالٍ فى رمضانَ لم تُعْطَهُنَّ أُمَّةٌ قبلَها ؛ خُلُوفُ فَم الصائم أطيبُ عندَ اللهِ مِن ريحِ المسكِ، وتَسْتَغْفِرُ لهم الملائكةُ حتى يُفْطِرُوا، ويُزَيِّنُ اللهُ لهم كلّ يومٍ جَنَّه، ثم يقولُ: يُوشِكُ عبادى الصائمونَ أن يُلْقُوا عنهم المؤْنَةَ والأُذَى ثم يصِيرون إليكِ. وتُصَفَّدُ فيه مَرِدَةُ الشياطينِ ، فلا يَخْلُصُون إلى ما كانوا يَخْلُصون إليه فى غيرِهِ، وَيُغْفَرُ لهم آخِرَ ليلةٍ)). قيل: يا رسولَ اللهِ، أَهى ليلةُ القدرِ ؟ قال : القبس (١) فى الأصل، ن، م: ((المعنى)). ٣٦١ الموطأ التمهيد ((لا، ولكنَّ العامِلَ إِنَّما يُوَفَّى أجْرَه إذا انقضَى عملُه))(١). قال أبو عمرَ : هشامُ بنُّ أبى هشامٍ هذا ، هو هشامُ بنُّ زیادٍ أبو المِقْدامِ ، وفيه ضعْفٌ، ولكنَّه مُحتَمَلٌ فيما يرويه مِن الفضائل . وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويَةً، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: أخبرنا بشرُ بنُ هلالٍ، قال حدَّثنا عبدُ الوارثِ ، عن أيوبَ، عن أبى قلابةَ، عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((أتَاكم رمضانُ، شهرٌ مُباركٌ، فَرَض اللهُ عليكم فيه صيامَه ، تُفَتَّحُ فيه أبوابُ السَّماءِ، وتُغَلَّقُ فيه أبوابُ الجحيم، وتُغَلُّ فيه مَردةُ الشياطينِ، للهِ فيه ليلةٌ خيرٌ مِن ألفٍ شهرٍ، مَن محُرِمَ خيرَها فقد محرٍم))(٢) . وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا بكرُ بنُّ حمَّادٍ ، قال : حدَّثنا جامِدُ بنُّ عمرَ، قال: حدَّثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ ، عن أيوبَ السَّخْتيانيّ، عن أبى قِلابةً، عن أبى هريرة قال: قال النبيُّ وَلَه وهو يُبَشِّرُ أصحابه: ((جاءَكم شهرٌ مُبارٌَ ، فَرَضَ اللهُ علیکم صيامه، تُقَتَُّ فيه أبوابُ الجنَّةِ ، وتُغَلَّقُ فيه أبوابُ الجحيم ، وتُغَلُّ فيه الشياطينُ، فيه ليلةُ القدرِ خيرٌ مِن القبس (١) الحارث بن أبى أسامة (٣١٦ - بغية). وأخرجه أحمد ٢٩٥/١٣ (٧٩١٧)، والبزار (٩٦٣ - كشف)، والبيهقى فى الشعب (٣٦٠٢) من طريق يزيد بن هارون به . (٢) النسائى (٢١٠٥)، وفى الكبرى (٢٤١٦). وأخرجه أحمد ٥٩/١٢، ١٤/ ٥٤١، ٣٠٢/١٥ (٧١٤٨، ٨٩٩١، ٩٤٩٧)، وعبد بن حميد (١٤٢٧ - منتخب ) من طريق أيوب به . ٣٦٢ الموطأ التمهيد ألفٍ شهرٍ، مَن حُرِمَ خيرَها فقد حُرِم))(١). أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ معاويةً ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ شعيبٍ ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ بشّارٍ(١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن عَرْفَجةَ قال : كنتُ فى بيتٍ فيه عُتِبَةُ بنُ فَرَقَدٍ ، فأرَدْتُ أن أَحَدِّثَ بحديثٍ، وكان رجلٌ مِن أصحابِ النبيِّ وَّه كأنَّه أولَى بالحديثِ، فحَدَّثَ الرجلُ عن النبيِّ وَِّ قال: ((فِى رمضانَ تُفَتَّحُ له أبوابُ السماء(٢) ، وتُغلَّقُ فيه أبواب النار ، ويُصفَّدُ فیه كلُّ شيطان مريد ، ويُنادِی فيه مُنادٍ كلَّ ليلةٍ : يا طالبَ الخيرِ هَلُمْ، ويا طالِبَ الشَّرِّ أَمْسِْ))(٤). قال أبو عمرَ: رَوَى هذا الحديثَ سفيانُ بنُ عُبِيْنَةً، عن عَطَاءِ بنِ السائبِ، عن عَرْفَجَةَ، عن عُتبةَ بن فرقدٍ قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَ ظِهِ. فذكَرَهُ). وهو عندَهم خَطَأْ ، وليسَ الحديثُ لعُثْبَةَ، وإنَّما هو لرجلٍ مِن أصحابِ النبىِّ وَّلِ غيرِ عُتَبَةَ . وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرِ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ القبس (١) أخرجه إسحاق بن راهويه (١)، وابن أبى شيبة ١/٣ عن معتمر بن سليمان به . (٢) فى الأصل، م: ((يسار)). (٣) فى الأصل، م: ((الجنة)). (٤) النسائى (٢١٠٧)، وفى الكبرى (٢٤١٨). وأخرجه أحمد ٩١/٣١ (١٨٧٩٤)، عن محمد ابن جعفر به . (٥) أخرجه عبد الرزاق (٧٣٨٦)، والنسائى (٢١٠٦)، والطيرانى ١٣٢/١٧ (٣٢٥) من طريق سفيان بن عيينة به . ٣٦٣ الموطأ التمهيد أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبى شيبةَ، قال : حدَّثنا ابنُّ فُضَيْلٍ، عن عَطاءِ بنِ السائبِ، عن عرْفَجَةَ قال: كنتُ عندَ عُتبةً ابنِ فَوْقدٍ ، وهو يُحدِّثُنا عن رمضانَ. قال: فدَخَل علينا رجلٌ مِن أصحاب النبيِّ ◌َّهِ فِسَكَتَ عُتبةُ كأَنَّه هابَه، فلمَّا جلَسَ قال له ◌ُتبةُ: يا أبا فُلانٍ، حدِّثْنا بما سمِعْتَ مِن رسولِ اللهِ وََّ يقولُ فى رمضانَ. قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَه يقولُ: ((تُغَلَّقُ فيه أبوابُ النَّارِ، وتُفَتَّحُ فِيهِ أبوابُ الجنَّةِ، وتُصَفَّدُ فيه الشياطينُ، ويُنَادِى مُنادٍ كلَّ ليلةٍ: يا باغِىَ الخيرِ هلُمَّ، ويا باغِىَ الشرِّ أَقْصِرْ))(١). قال أبو عمرَ: هذه الأحاديثُ كلُّها تُفَسِّرُ حديثَ أبى سُهَيلٍ على المعنى الذى وصَفْنا، وهى كلُّها مُسنَدَةٌ ، ولهذا ما(٢) ذكَرْنا هذا الحديثَ فى المسْنَدِ ؛ لأَنَّ تَوْقِيفَه لا وَجْهَ له، إذْ لا يكونُ مثْلُه رأيًا . وبالله التوفيقُ . أخبَرَنا يحيى بنُ يوسفَ(٢)، حدَّثنا يُوسُفُ بنُ أحمدَ، حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ أبو ذَرٍّ، حدَّثنا محمدُ بنُ عيسى أبو عيسى التُّؤْمذىُّ، حدَّثنا الحسينُ بنُّ الأسودِ العِجْلُّ البغدادىُّ، حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، حدَّثنا الحسنُ بنُ صالحٍ، عن أبى بشرٍ، عن الزهرىِّ قال: تسبيحَةٌ فى رمضانَ أفضلُ مِن ألفِ تسبيحَةٍ القبس (١) ابن أبى شيبة ١/٣، ومن طريقه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٢٩٢٨). (٢) سقط من: م. (٣) بعده فى ق، ن: ((الأشعرى)). ٣٦٤ مالكٌ ، أنه سمِعَ أهلَ العلم لا يكرهونَ السواكَ للصائم فى رمضانَ فى ساعةٍ مِن ساعاتِ النهارِ ، لا فى أوَّلِه ولا فى آخرِهِ. قال: ولم أُسمَعْ أحدًا مِن أهلِ العلمِ یکرهُ ذلك ولا ینھی عنه . الموطأ التمهيد فى غيرِه(١). وذكَر مالكٌ فى هذا البابِ ، أنه سَمِع أهلَ العلم لا يَكرَهون السواكَ للصائم الاستذكار فى رمضانَ فی ساعةٍ من ساعاتِ النهارِ ؛ لا فى أولِه ولا فى آخرِه، قال : ولم يسمع أحدًا ینھی عنه . قال أبو عمر : اختَلَفَ الفقهاءُ فى السواكِ للصائم ؛ فرشخّص فيه مالكٌ ، وأبو حنيفةً، وأصحابُهما، والثورىُّ، والأوزاعىُّ، وابنُ عُلَيَةَ. وهو قولُ النَّخَعِىّ، ومحمدٍ بنٍ سِيرينَ، وعروةَ بنِ الزبيرٍ . وروايةُ الرخصةِ فيه أيضًا عن عمر وابنٍ عباسٍ ١. وحجةُ من ذهَب إلى هذا قولُه عليه السلامُ: ((لولا أن أشُقَّ على أمتى لأمرتُهم بالسواكِ لكلِّ صلاةٍ))(١). ولم يَخُصَّ رمضانَ من غيرِه، ولا خصَّ من السواكِ نوعًا رَطْبًا ولا يابسًا، ولا صدْرَ النهارِ ولا آخِرَه. وقد رُوِى عنه عليه السلامُ أنه كان يَستاكُ وهو صائم١ٌ. ورُوِى عنه عليه السلام قال: ((أفضلُ خصالِ الصائم السواكُ)) (٤). وكان مالكٌ رحِمه اللهُ يكرّهُ السواكَ الرَّطْبَ القبس (١) الترمذى (٣٤٧٢). وأخرجه ابن أبى شيبة ٤٣٢/١٠ عن يحيى بن آدم به، وأخرجه المزى فى تهذيب الكمال ٧٨/٣٣ من طريق الحسن بن صالح به. (٢) ينظر ما تقدم ص ٣٥١، ٣٥٢، وفى ٦٢٩/٣، ٦٣٠. (٣) تقدم تخريجه فى ٦٢٤/٣، ٦٢٧، ٦٢٨، ٦٣٠. (٤) أخرجه ابن ماجه (١٦٧٧)، والدارقطنى ٢٠٣/٢، والبيهقى ٢٧٢/٤ من حديث عائشة نحوه . ٣٦٥ الموطأ قال يحيى : وسَمِعتُ مالكًا يقولُ فى صيامٍ ستةِ أيامٍ بعدَ الفِطرِ مِن رمضانَ ، إنه لم يَرَأْحدًا مِن أهلِ العلم والفقهِ يصومُها ، ولم يبلُغْنِى ذلك عن أحدٍ مِن السّلفِ ، وإن أهلَ العلَمَّ يَكرَهُون ذلك ويخافونَ بدعته، وأن يُلحِقَ برمضانَ ما ليس منه أهلُ الجهالةِ والجفاءِ ، لو رأَوا فى ذلك رخصةً عندَ أهلِ العلمِ ورَأَوهم يعمَلُون ذلك . الاستذكار للصائم فى أول النهار وآخره . وهو قولُ أحمد، وإسحاقَ ، وژُوی ذلك عن زیادٍ ابنِ " مُحدَيرٍ، وأبى١ مَيْسَرَةَ، والشَّعْبِىِّ، والحكم بنِ عُتَيْبةَ. ورخّص فى السواكِ الرَّطْبِ؛ الثورىُّ، والأوزاعىُ، والشافعىُّ، وأبو حنيفةً وأصحابُه، وأبو ثَوْرٍ . وهو قولُ مجاهدٍ، وإبراهيمَ، وعطاءٍ، وابنٍ ◌ِيرِينَ، ورُوِى ذلك عن ابنٍ عمر(١) . وقال ابنُ عُلَيةَ: السواكُ سُنّةٌ للصائم(١) والمفطرِ ، والرطْبُ واليابسُ سواءٌ؛ لأنه ليس بمأكولٍ ولا مشروبٍ . وقال الشافعىُّ: أُحِبُّ السواكَ عندَ كلِّ وضوءٍ فى الليلِ والنهارِ، وعندَ تَغَيُّرِ الفم؛ إلا أنى أكرهُه للصائمِ آخرَ النهارِ ؛ مِن(٤) أجلِ الحديثِ فى خُلُوفٍ فَمِ الصائَمِ . وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ ، وإسحاقُ ابنُّ راهُويَه، وأبو ثَورٍ . ورُوِى ذلك عن عطاءٍ، ومجاهدٍ . ذكَر مالكٌ فى صيامٍ ستةٍ أيامٍ بعدَ الفطرِ أنه لم يرَأحدًا مِن أهلِ العلمِ والفقهِ يصومُها . قال: ولم يبلُغْنى ذلك عن أحدٍ مِن السلفِ ، وإن أهلَ العلم يكرهون القبس (١ - ١) فى الأصل: (حزير بن))، وفى م: ((يزيد بن)). والمثبت مما تقدم ص ٣٥١، وأبو ميسرة هو عمرو بن شرحبيل الهمدانى. ينظر تهذيب الكمال ٤٤٩/٩، ٦٠/٢٢ . (٢) تقدم تخريجه ص ٣٥٢، وينظر ما تقدم فى ٦٢٩/٣. (٣) فى الأصل، م: ((الصائم)). والمثبت مما تقدم ص٣٥٢. (٤) فى الأصل، م: ((ومن)). والمثبت مما تقدم ص٣٥١ . ٣٦٦ الموطأ ذلك ويخافون بدعته، وأن يُلحِقَ برمضانَ ما ليس منه أهلُ الجهالةِ ، لو رأوا فى الاستذكار ذلك رخصةً عندَ أهلِ العلم ، ورأوهم يعملون ذلك . قال أبو عمر : فی هذا المعنی عن النبى ټللټ حدیثٌ انفرد به عمرُ بنُ ثابتٍ ، عن أبى أيوب الأنصارىِّ، عن النبيِّ وَلِّ، أنه قال: ((مَن صام رمضانَ وأَتْبَعه بست مِن شوالٍ ، فكأنه صام الدهرَ)) . أخبرناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال : أخبرنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا النُّفيلُّ، وأخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ معاويةً، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنا خلَّادُ بنُ أسلمَ، قالا: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ، عن صفوانَ بنِ سليمٍ وسعدِ بنِ سعيدٍ ، عن عمرَ بنِ ثابتٍ الأنصارىِّ، عن أبى أيوبَ صاحبِ النبيِّ وَّهِ، عن النبيِّ وَّه قال: ((مَن صام رمضانَ ، ثم أتبعه ستًّا مِن شوالٍ، فكأنما صام الدهرَ))(١). وقال أحمدُ بنُ شعيبٍ : أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم ، قال : . حدَّثَنا أبو عبدِ الرحمنِ المقرئُ(١) ، قال: حدَّثنا شعبةُ بنُّ الحجاج، عن عبدِ ربّه ابنِ سعيدٍ، عن عمرَ بنِ ثابتٍ ، عن أبى أيوب الأنصارىِّ، أنه قال: مَن صام رمضانَ ، ثم أتبعه ستًّا مِن شوالٍ، فكأنما صام السنةَ كلَّها(٣). القبس (١) أبو داود (٢٤٣٣)، والنسائى فى الكبرى (٢٨٦٣). وأخرجه الحميدى (٣٨١)، والدارمى (١٧٩٥)، وابن خزيمة (٢١١٤) من طريق عبد العزيز بن محمد به . (٢) فى الأصل، م: ((المروى)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٣٢٠/١٦. (٣) النسائى فى الكبرى (٢٨٦٥). ٣٦٧ الموطأ هكذا ذكره موقوفا علی ابی ایوب ، وقد ژُوِی عن یحیی بنِ سعید ، عن عمر الاستذكار ابنِ ثابتٍ بإسنادِهِ مثلَه موقوفًا(١) . قال أبو عمر : انفرد بهذا الحديث عمرُ بنُ ثابت الأنصاریُّ، وهو مِن ثقاتٍ أهلِ المدينةِ . قال أبو حاتم الرازىُّ: عمرُ بنُ ثابتِ الأنصارىُّ سمِع أبا أيوبَ الأنصارىَّ، روَى عنه الزهرىُّ، وصفوانُ بنُ سلیم، وصالحُ بنُ کَیسانَ ، ومالكُ ابنُّ أنسٍ، وسعدٌ وعبدُ ربِّه ابنا سعيدٍ . وحدیثُ ثوبانَ بعضُدُ حدیثَ عمر بن ثابتٍ هذا . أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ ابنُ شعیب ، قال : اخترنی محمودُ بنُ خالدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ شعیبِ بنِ شابورَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ الحارثِ، قال: حدَّثنا أبو أسماءَ الرَّحَيِىُّ، عن ثوبان مولى رسولِ اللهِ وَلِّ، أنه سمع رسولَ اللهِ وَ لَه يقولُ: ((جعَل اللهُ الحسنةَ بعشْرٍ، فشهرُ رمضانَ بعشَرةٍ أشهرٍ ، وستةُ أيامٍ بعدَ الفطرِ تمامُ السَّنةِ »(١). قال أبو عمرَ: لم يبلُغْ مالكًا حدیثُ أبى أيوبَ ، على أنه حديثٌ مدنىٌّ ، والإحاطةُ بعلم الخاصةِ لا سبيلَ إليه، والذى كرِهه له مالكٌ أمرٌ قد بيَّنه القبس (١) كذا فى الأصل، م. وقد رواه النسائى فى الكبرى (٢٨٦٦) من طريق يحيى بن سعيد به مرفوعًا. وينظر تحفة الأشراف ٣/ ١٠٠. (٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م. والمثبت من سنن النسائي. (٣) النسائى فى الكبرى (٢٨٦١). وأخرجه أحمد ٩٤/٣٧ (٢٢٤١٢)، والدارمى (١٧٩٦)، وابن ماجه (١٧١٥) من طريق يحيى بن الحارث به. ٣٦٨ الموطأ قال يحيى: وسمِعتُ مالكًا يقولُ: لم أسمَعْ أحدًا مِن أهلِ العلم والفقهِ ومَن يُقْتَدَى به ينهَى عن صيامِ يومِ الجُمعةِ ، وصيامُه حَسَنٌ، الاستذکار وأوضحه، وذلك خشیةً أن يُضاف إلی فرض رمضانَ ، وأن یسبقَ(١) ذلك إلى العامةِ، وكان رحِمه اللهُ مُتحفّظًا كثيرَ الاحتياطِ للدينِ. وأما صيامُ الستةِ الأيامِ مِن شوالٍ على طلبِ الفضلِ ، وعلى التأويلِ الذى جاء به ثوبانُ رضِى اللهُ عنه، فإن مالكًا لا يكرَهُ ذلك إن شاء اللهُ؛ لأن الصومَ جُنَّةٌ، وفضلَه معلومٌ، يَذَرُ طعامَه وشرابَه وشهوته للهِ تعالى، وهو عملُ برِّ وخيرٍ، وقد قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ﴾ [ الحج: ٧٧] . ومالكٌ لا يجهَلُ شيئًا مِن هذا، ولم يكرّة مِن ذلك إلا ما خافَه على أهل الجهالةِ والجفاءِ إذا استمرّ ذلك ، وخشِى أن يَعدُّوهُمِن فرائضٍ الصيامِ مضافًا إلى رمضانَ، وما أظنُّ مالكًا جهِل الحديثَ، واللهُ أعلمُ؛ لأنه حدیث مدنٹ انفرد به عمرُ بنُ ثابت ، وقد قيل : إنه روَی عنه مالكٌ ، ولولا علمُه به ما أنكره، وأظنُّ الشيخَ عمرَ بنَ ثابتٍ لم يكنْ عندَه ممن يُعتمدُ علیه، وقد ترَك مالكٌ الاحتجاجَ ببعضٍ ما رواه عن بعضٍ شيوخِه إذا لم يثقْ بحفظِه ببعض ما رواه. وقد یمکنُ أن یکونَ جهل الحدیثَ ، ولو علمه لقال به، والله أعلمُ . وقال مالك : لم أسمع أحداً مِن أهلِ العلم والفقهِ ومَن يُقتدى به ینھی عن صيامٍ يومِ الجمُعةِ، وصيامُه حسنٌّ، وقد رأيتُ بعضَ أهلِ العلم يصومُه ، وأُراه كان يتحرّاه . القبس (١) فى م: ((يستبين)). وينظر حاشية ابن القيم على سنن أبى داود ٦٧/٧. ٣٦٩ ٠ (موسوعة شروح الموطأ ٢٤/٩) الموطأ وقد رأيتُ بعضَ أهلِ العلمِ يصومُه، وأُراه كان يتَّحَرَّاهُ . الاستذكار قال أبو عمرَ: اختلفتٍ الآثارُ عن النبيِّ بَّهِ فى صيامٍ يومِ الجمُعةِ ؛ فروَى ابنُّ مسعودٍ أن النبيَّ وَل ◌ِ كان يصومُ ثلاثةَ أيامٍ مِن كلِّ شهرٍ. قال: وما رأيتُه يُفطِرُ يومَ الجمعة. وهو حديث صحيح (). وقد رُوِى عن ابنِ عمر أنه قال: ما رأيتُ رسولَ اللهِ وَلَّهِ مفطرًا يومَ جمعةٍ قطُّ . ذكره ابنُ أبى شيبةً(١) ، عن حفصٍ بنِ غِيَّاتٍ ، عن ليثِ بنِ أبى سليمٍ، عن عميرٍ بن أبى عميرٍ، عن ابن عمرَ . ورُوِى عن ابنِ عباسٍ أنه كان يصومُ يومَ الجمعةِ ويواظِبُ عليه(٢). وأما الذى ذكّره مالكٌ، فيقولون: إنه محمدُ بنُ المنكدرٍ. وقيل : إنه صفوانُ بنُ سلیم . (٣ ورَوَى الداوردىُّ، عن صفوانَ بنِ سليم"، عن رجلٍ من بنى مجشَمَ ، أنه سمع أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((مَن صامَ يومَ الجمعةِ كُتِب له عشَرةُ أيامٍ ، عددُهن مِن أيامِ الآخرةِ ، لا تُشاكِلُهن أيامُ الدنيا)). رواه علىُّ بنُ المدينىٌّ وغيرُه عن الدَّرَاوردىِّ(٤) . القبس (١) أخرجه أحمد ٤٠٦/٦ (٣٨٦٠)، وأبو داود (٢٤٥٠)، والترمذى (٧٤٢)، والنسائى فى الکبری (٢٧٥٨)، وابن ماجه (١٧٢٥). (٢) ابن أبى شيبة ٤٦/٣. (٣ - ٣) ليس فى: الأصل، م. والسياق يقتضيه . (٤) أخرجه البيهقى فى الشعب (٣٨٦٢)، وفى فضائل الأوقات (٢٨٢) من طريق الدراوردى به . ٣٧٠ الموطأ وأما الآثارُ عن النبيِّ وَّر فى النهى عن صيامٍ يومِ الجمعةِ فحديثُ جابرٍ - الاستذكار على أنه قد رُوِى عنه أنه سُئل عن صيامٍ يومِ الجمعةِ ، فقال : قد نَهَى رسولُ اللهِ وَلِّ أن يُفْرَدَ بصومٍ - وحديثُ أبى هريرةَ وغيرِه. فأما حديثُ جابرٍ ؛ فحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ بنٍ أُسدٍ، قال: حدَّثنا حمزةٌ ابنُّ محمدِ بنِ علىٍّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال : أخبرنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، قال : حدَّثنا سفيانُ ، عن عبدِ الحمیدِ بنِ جبیرِ بنِ شیبةَ، عن محمدِ بنِ عبادٍ ، قال: سألتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ وهو يطوفُ بالبيتِ: أنَهَى رسولُ اللهِ أَالآ عن صيامٍ يومِ الجمعةِ؟ قال : نعم وربِّ هذا البيتِ(١). " وحدَّثنا عبدُ اللهِ، قال: حدَّثنا حمزةُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال : أخبرنا يوسفُ بنُ سعيدِ المِصِّيصىُّ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال : أخبرنى عبدُ الحميدِ بنُ جبيرِ بنِ شيبةَ ، أنه سمِع محمد بنَ عبادٍ بنِ جعفرٍ ، أنه سأل جابرَ بنَ عبدِ اللهِ وهو يطوفُ بالبيتِ : أُسمِعتَ رسولَ اللهِ ێینھی عن صيامِ يومِ الجمعةِ ؟ فقال : نعم وربِّ هذا البيتِ" . القبس (١) النسائى فى الكبرى (٢٧٤٥). وأخرجه الحميدى (١٢٢٦)، وأحمد ٢٥٤/٢٢ (١٤٣٥٣)، ومسلم (١١٤٣/ عقب ١٤٦)، وابن ماجه (١٧٢٤) من طريق سفيان به . (٢ - ٢) سقط من: م. والحديث عند النسائى فى الكبرى (٢٧٤٦). وأخرجه أبو عوانة (٢٩٢٠) من طريق حجاج به، وأخرجه أحمد ٥٩/٢٢ (١٤١٥٤)، والدارمى (١٧٨٩)، والبخارى (١٩٨٤)، ومسلم (١٤٦/١١٤٣) من طريق ابن جريج به . ٣٧١ الموطأ الاستذكار وحدَّثنا عبدُ اللهِ، قال: حدَّثنا حمزةُ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا عمرُو(١) بنُ علىّ، قال: حدَّثنا يحيى القطانُ، قال: حدَّثنا ابنُ جريجٍ، قال : أخبرنى محمدُ بنُ عبادِ بنِ جعفرٍ، قال: قلتُ لجابرٍ: أسمِعتَ رسولَ اللهِ وَهُ ينهَى أن يُفرَدَ يومُ الجمعةِ بصومٍ؟ قال: إى وربّ الكعبةِ (٢). هكذا رواه، فأسقَط مِن الإسنادِ عبد الحميدِ بنَ جبيرِ بنِ شيبةً ، وتابعه على ذلك النضرُ بنُ شُميلِ(٢)، وحفصُ بنُّ غِيَانٍ(٤). وأما حديثُ أبى هريرةَ؛ فحدَّثنا عبدُ اللهِ ، قال: حدَّثنا حمزةُ ، قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ منصورٍ ، والحارثُ بنُ مسكينٍ قِراءةً علیه واللفظُ له، عن سفيان ، عن عمرو بنِ دینارٍ ، عن یحیی بنٍ جَعْدً، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو القارئِّ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: ما أنا نهَيتُ عن صيامٍ يومِ الجمعةِ، محمدٌ وَ لَّ وربِّ هذا البيتِ نهَى عنه(٢). وعلى هذا حديثُ أبى هريرةَ عن النبيِِّ نَّهِ، أنه نهَى عن صيامِ يومِ الجمُعةِ، إلا أن يُصامَ قبلَه أو بعدَه ◌ُ(١) . وروَت جويريةُ زوجُ النبيِّ وَ لَه عن النبيِّ وَِّ مثلَ القبس (١) فى الأصل م: ((عمر)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ١٦٢/٢٢. (٢) النسائى فى الكبرى (٢٧٤٧). وأخرجه أبو يعلى (٢٢٠٦) من طريق ابن جريج به . (٣) أخرجه النسائى فى الكبرى (٢٧٤٨) من طريق النضر بن شميل به . (٤) أخرجه النسائى فى الكبرى (٢٧٤٩) من طريق حفص بن غياث به . (٥) النسائى فى الكبرى (٢٧٤٤). وأخرجه الحميدى (١٠١٧)، وأحمد ٣٤٧/١٢ (٧٣٨٨)، وابن خزيمة (٢١٥٧) من طريق سفيان بن عيينة به . (٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٣/٣، وأحمد ٢٦٦/١٦ (١٠٤٢٤)، والبخارى (١٩٨٥)، ومسلم (١٤٧/١١٤٤)، وأبو داود (٢٤٢٠)، والترمذى (٧٤٣)، والنسائى فى الكبرى (٢٧٥٦ - =. ٣٧٢ الموطأ ذكار ذلك(١) . وهذه الآثارُ كلُّها ذكرها النسوىُّ، وأبو داودَ ، وابنُّ أبى شيبةَ. والأصلُ فی صوم يوم الجمعة أنه عملُ بڑ لا يُمتَنئُ منه إلا بدليل لا معارِضَ له . وأما الذين كرِهوا صيامَه مِن الصحابة والتابعين فشبّهوه بيوم العيدِ ؛ فلذلك كرِهوا صومَه . ومنهم مَن قال : يُفطرُه ليقوَى على الصلاةِ ذلك اليومَ. كما قال ابنُ عمَ: لا يصامُ يوم عرفة بعرفةَ مِن أجلِ القوةِ على الدعاءِ(). ذكَر ابنُ أبى شيبةً(٣)، (٢) عن ابنِ عُلَيَةً) عمرانَ بنِ ظَبيانَ، عن حكيمِ بنِ سعدٍ، عن علىِّ ابنِ أبى طالبٍ رضِى اللهُ عنه، قال: مَن كان منكم متطوعًا مِن الشهرِ أيامًا فليكنْ فى صومِه يومُ الخميسِ ، ولا يصومُ يومَ الجمعةِ؛ فإنه يومُ طعامٍ وشرابٍ وذكرٍ ، فيجمعُ اللهُ يومَين صالحَين ؛ يومَ صيامِه ويومَ نُسُكِه مع المسلمين . وقد كرِه الشعبىُّ ومجاهدٌ أن يُعمَّدَ يومُ الجمعةِ بصومٍ (٥). وذكَر عن جريرٍ، عن(١) مغيرةَ، عن إبراهيمَ، أنهم کرِهوا صوم يوم الجمعةِ (٣) ليقوَوا على الصلاةِ . القبس = منتخب)، وابن ماجه (١٧٢٣)، وابن خزيمة (٢١٥٨). (١) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٣/٣، وأحمد ٣٣٧/٤٤ (٢٦٧٥٥)، وعبد بن حميد (١٥٥٥ - منتخب)، والبخارى (١٩٨٦)، وأبو داود (٢٤٢٢)، والنسائى فى الكبرى (٢٧٥٤). (٢) أخرج عبد الرزاق (٧٨٢٣) عن ابن عمر أنه كان يكره صيام يوم عرفة، وأخرج عن عروة وعطاء (٧٨٢١) بمعنى ما أورده المصنف . (٣) ابن أبى شيبة ٣/ ٤٤. (٤ - ٤) ليس فى: الأصل، م. والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٣/٣. (٥) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٤٤/٣ - ٤٦ . (٦) فى الأصل، م: ((بن)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٥٤٠/٤، ٣٩٧/٢٨. ٣٧٣ الموطأ کتابُ الاعتكافِ ذِكر الاعتكافِ وعن وكيع، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن ابنِ سيرينَ ، قال: لا تخْصُوا يومَ الاستذكار الجمعةِ بصومٍ بينَ الأيامِ ، ولا ليلةَ الجمعةِ بقيامٍ بينَ الليالى(١). وممن كرِه صومَ يومٍ الجمعةِ الزهرىُّ، وأحمدُ ، وإسحاقُ . وقال الشافعىُّ: لا يتبينُ لى أنه نُهِى عن صيامِ يومِ الجمعةِ إلا على الاختيارِ . التمهید القبس کتابُ الاعتكافِ العكوفُ فى اللغةِ والقرآنِ هو اللُّبْثُ ببقعةٍ مخصوصةٍ ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَأَتَوَأْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَاءٍ لَّهُمْ ﴾ [الأعراف: ١٣٨]. وقال: ﴿سَوَآءَ اُلْعَكِّفُ فِيهِ وَالْبَادٍ﴾ [الحج: ٢٥]. فجرَتِ الشريعةُ على عادتِها فى قَصرِ اللَّفظِ المشتركِ على بعضٍ متناولاتِه، أو تخصيصِ العامّ على بعضٍ محتمَلاتِه كما فعَلت اللغةُ ، فصار فى الشريعةِ عبارةً عن ملازمةِ المسجدِ فى العبادةِ . وله ثلاثةُ أركانٍ ؛ النيةُ ، والصومُ، وملازمةُ المسجدِ ، وأقلُّه يوم وليلةٌ . وقال الشافعىُّ: أقلُّه لحظةٌ . وقد كنا بمدينةِ السلامِ إذا دخَلْنا المسجدَ مع فخرِ الإسلامِ (١) ابن أبى شيبة ٣/ ٤٥. ٣٧٤ الموطأ التمهيد القبس المُقامُ(١) ساعةٍ فيه فيقولُ: لا تْسَوا نيةَ الاعتكافِ يُكْتَبْ لكم ثوابُه. وهذا لأن الصومَ عندَنا شرطٌ فيه. وقال الشافعىُّ: ليس بشرطٍ ؛ لقولٍ عمرَ: يا رسولَ اللهِ، إنى نذَرْتُ أن أَعتكِفَ ليلةً فى الجاهليَّةِ. قال له النبيُّ وَلَه: ((أَوْفٍ بنذرٍك)). قلنا: قد رُوِى أنه قال: إنى نذَرْتُ أن أعتكِفَ يومًا وليلةً ). جوابٌ آخرُ: العربُ تعبّرُ بالليلةِ عن اليومِ والليلةِ ؛ ولذلك قالوا: صُمْنا مع رسولِ اللهِ ﴿ل﴿ تسعًا وعشرين أكثرَ مما صُمْنا معه ثلاثين). فعبّروا بالليلِ عن النهارِ، فإن قيل: فكيف قال النبىُ وَّه لعمرَ: ((أوفِ بنذْرِك)). ونذرُ الكافرِ لا يلزَمُ بعدَ الإسلامِ بإجماع؟ قلنا: لما كان عمرُ قد نذَره فى الجاهليةِ، فلمَّا أسلَم أراد أن يكفِّرَ ذلك بمثله فى الإسلام، فلما نواه وسأل النبيَّ وَلِّ عنه أعلَمه أنه لَزِمه، وكلُّ عبادةٍ أو عملٍ ينفرِدُ به العبدُ عن غيرِهِ يلزَمُه بمجردِ النيةِ العامةِ الدائمةِ؛ كالنذرِ فى العباداتِ، والطلاقِ فى الأحكامِ، وإن لم يتلقَّظْ بشىءٍ من ذلك. كذلك رواه أشهبُ عن مالكِ نصًّا، ونقله عنه جميعُ أصحابِه تنبيهًا فيمن قال لزوجِه: اسقِنى ماءً. وأراد الطلاقَ، فإنه يلزَمُه بإجماع منهم. وقولُه : اسقِنى ماءً. ليس بصريح، ولا كنايةٍ، فهو بمنزلةِ الإشارةِ، فلا يلزَمُ الطلاقُ (١) فى م: ((فأقام)). (٢) أخرجه أحمد ٣٦٦/١ (٢٥٥)، والبخارى (٢٠٤٢)، ومسلم (١٦٥٦)، وأبو داود (٣٣٢٥)، والترمذى (١٥٣٩)، والنسائى (٣٨٢٩)، وابن ماجه (١٧٧٢). (٣) ذكره الدارقطنى فى العلل ٣٠/٢. (٤) تقدم تخريجه ص ٦٤ . (٥) فى د: ((على)). (٦) فى ج: ((العارمة))، وفى م: ((العارضة)). (٧) فى ج، م: ((يقع)). ٣٧٥ الموطأ التمهید القبس حينئذٍ إلا بمجردِ النيةِ. ألا تَرى إلى اتفاقِ الأمة على أنه لو قال لزوجه : أنت طالقٌ. ويريدُ بذلك: مِن وَثاقٍ . أنه لا يلزَمُه شىءٌ . وأما وجوبُ النية فیه فباتفاقٍ ؛ لأنه عبادةٌ . وأما الصوم فليس لأحدٍ من علمائنا على وجوبٍ الصوم دليلٌ به احتفالٌ، وأكثرُ ما عوَّل عليه مالكٌ رحِمه اللهُ (١ قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِىِ الْمَسِةِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فخاطَب بذلك الصائمين. وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأنه خطابٌ خرَج على (١) حالٍ ، فلا يلزَمُ أن يكونَ شرطًا فى جميعٍ الأحوالِ، وقد اعتكَف النبىُّ وَِّ عشْرًا مِن شؤَّالٍ (١)، ولم يذكُرْ فعلَ الصيامِ ولا تؤكّه ، فالمسألةُ عَسِرةُ المأخذِ فى الشريعةِ ، وليس عندى سبيلٌ إلا ما أومأْنا إليه فى ((مسائلِ الخلافِ)) من أن الاعتكافَ هو ملازمةُ المسجدِ بالنيةِ ، فالنيةُ تقطَعُ قلبه عن الدنيا وعلائقِها، والمسجدُ يمنَعُ بدنَه مِن الاشتغالِ بأشغالِها؛ لأن المساجدَ بيوتٌ أذِن اللهُ أن تُرفَعَ ويُذْ كَرَ فيها اسمُه ، ليس فيها عملٌ فی غیرِهِ ، فلا يجوزُ له أن یفعَلَ من الدنيا إلا ضرورةَ الآدميةِ؛ وهى الطعام والشرابُ ومالُه، فمُنِع مِن الأكلِ نهارًا؛ لأنه أحدُ الأسبابِ المنقطعةِ من ١ الدنيا، ويُمنَغُ مِن الخروجِ عن المسجدِ إلا لحاجةٍ الإنسانِ أو لتحصيلِ القوتِ ، ومنَعه مالكٌ تفطّنًا لهذه الدقيقةِ مِن قراءةِ العلم؛ لأنه مِن أسبابِ الدنيا، وقصَره على الذكرِ المجردِ ، وقال غيرُه مِن العلماءِ: يقرأُ العلمَ إذا خَلَصت له النيةُ للهِ . وبه أقولُ، والشرطُ فى الاعتكافِ يأتى فى الحجّ إن شاء اللهُ . (١ - ١) ليس فى : د. (٢) فى ج، م: ((عن)). (٣) سيأتى فى الموطأ (٧٠٤) . ٣٧٦ ٦٩٩ - حدّثنی یحتی ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة بنِ الزبير، عن عَمْرَةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ زَوج النبيِّ وَ لِّ، أنها قالت: كان رسولُ اللهِ وَّهِ إِذا اعتكَفَ يُدنِى إِلىَّ رَأْسَه فَأَرَجُلُه ، وكان لا يدخُلُ البيتَ إلا لحاجةِ الإنسانِ . الموطأ التمهید مَالِك ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عمرةً بْتِ عبدِ الرحمنِ ، عن عائشةً، قالت: كان رسولُ اللهِ ◌َێ إذا اعتگف یُدنِی إلَّ رأسه فأرجُلُه، وكان لا يدخُلُ البيتَ إِلَّ لحاجةِ الإنسانِ(١) . هكذا قال مالِكٌ فى هذا الحديثِ : عن ابن شهابٍ، عن عروةً، عن عمرةً، عن عائشةَ. كذلك رواه عنه مُمهورُ رُواةٍ ((الموطّا)). وممّن رواه كذلك فيما ذكَر الدَّار قطْنُ(٢)؛ معنُ بنُ عيسَى(٢)، والقعنبِىُّ، وابنُ القاسم(٤)، وأبو المصعبِ(٥)، وابنُ ◌ُكَيرِ(١)، ويحتِى بنُ يحتى؛ يعنى النَّسابوريَّ، وإسحاقُ بنُ الطَّاعِ(٧)، وأبو سلمةً القبس (١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٧٧). (٢) ينظر علل الدارقطنى (٥/ق١٤٩ - مخطوط). (٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٢٧٢/٣ من طريق معن بن عيسى به. (٤) أخرجه النسائى فى الكبرى (٣٣٧٤) من طريق ابن القاسم به. (٥) الموطأ برواية أبى مصعب (٨٦٠). (٦) فی م: «کثیر). والأثر فى الموطأ برواية يحيى بن بكير (٩/٧ ظ - مخطوط). (٧) أخرجه أحمد ٣٠٢/٤٣ (٢٦٢٦١) عن إسحاق بن الطباع به . ٣٧٧ الموطأ التمهيد منصورُ بنُ سلمةً الخزاعىُّ (١)، وروحُ بنُ عُبادةَ، وأحمدُ بنُّ إسماعيلَ(١) ، وخالدُ ابنُ مَخْلَدٍ، وبشرُ بنُ عمرَ الزَّهرانیُّ . حدَّثَنَا خلفُ بنُ قاسم ، حدَّثنا أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ إسحاقَ بنِ مهرانَ السَّرَّاج، قال: حدَّثنا عمِّى وأبى، قالا: حدَّثنا يحتِّى بنُ يحيِّى النيسابورىُّ، قال: قرأتُ على مالكِ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عمرةً، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ وَلِّ إذا اعتكفَ يُدنِى إِلىَّ رأسَه فأرجُلُه، وكان لا يدخُلُ البَيْتَ إِلَّا لحاجةِ الإنسانِ(). وحدَّثنا خلفٌ، حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ إسحاقَ ، حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ مسلمةَ، عن مالكِ بإسنادِه مثلَهُ(٤) . وذگره ابنُ وهب فی «مُوطِّه))(٥)، فقال: أخبرنى مالكٌ، ویونُ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن ابن شهابٍ، عن عروةً وعمرةً بْتِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ، أنَّها كانت إذا اعتكفَتْ فى المسجدِ، فدخَلتْ بيتَها ، لم تسألْ عن المريضِ إلَّ وهى مارَّةٌ. وقالت عائشةُ: إِنَّ رسولَ اللهِ نَّه لم يكنْ يدخُلُ البَيْتَ إِلَّ لحاجةِ الإنسانِ. فأدخَلَ حديثَ بعضِهم فى بعضٍ ، وإنَّما يُعرفُ جمعُ عروةً القبس (١) أخرجه أحمد ٢٥١/٤١ (٢٤٧٣١) عن أبى سلمة منصور بن سلمة به. (٢) أخرجه الخطيب فى الكفاية ص ٢٥٣، والذهبى فى سير أعلام النبلاء ٣٤٧/٥ من طريق أحمد ابن إسماعیل به . (٣) أخرجه مسلم (٦/٢٩٧) عن يحيى بن يحيى النيسابورى به. (٤) أخرجه أبو داود (٢٤٦٧) عن القعنبى به . (٥) ابن وهب فى موطئه (٣٠٩). ٣٧٨ الموطأ التمهید وعمرةً(١) () فى هذا الحديث٢ِ) ليونسَ واللَّيثِ(٣)، لا لمالكِ، والمحفوظُ عن مالكٍ عندَ (٤) أكثرِ رُواتِه فى هذا الحديثِ : عن ابن شهابٍ، عن °عروةَ، عن عمرة ) . وأمّا سائر أصحاب ابن شهابٍ غیرَ مالك ، فقال أکثُهم فیه : عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عائشةً. منهم معمرٌ ()، وسفيانُ بنُّ حسينٍ (١، وزيادُ بنُ سعدٍ (١)، والأوزاعىُّ(١) . وكذلكَ رواه بُندارٌ ويعقوبُ الدَّورقىُ، عن عبد الرحمنِ ابنِ مهدىٌّ، عن مالكِ، عن الزُّهرىِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت : كان رسولُ اللهِ وَِّ إذا اعتكفَ يُدنِى إلىَّ رَأْسَهُ فأرجُلُه، وكان لا يدخُلُ البيتَ إِلَّ الحاجةِ الإنسانِ(١٠) . لم يذْكُرْ عمرةَ فى هذا الحديثِ. وتابعَ ابنَ مهدئٍّ على ذلك إسحاقُ بنُّ سُليمانَ الرَّازِىُّ، وأبو سعيدٍ مولَى بنى هاشم، ومحمدُ بنُ إدريسَ الشافعىُّ على اختلافٍ عنه، وبشرُ بنُ عمرَ وخالدُ بنُ مخلدٍ على اختلافٍ عنهما أيضًا، والمعافَى بنُ عمرانَ الحمصىُّ . القبس (١) فى ق، م: ((عائشة)). (٢ - ٢) سقط من: م. (٣) أخرجه أحمد ٦٨/٤١ (٢٤٥٢١)، والبخارى (٢٠٢٩)، ومسلم (٧/٢٩٧)، وأبو داود (٢٤٦٨)، والترمذى (٨٠٥)، والنسائى فى الكبرى (٣٣٧٥)، وابن ماجه (١٧٧٦) من طريق الليث به، وأخرجه ابن خزيمة (٢٢٣٠، ٢٢٣١)، وابن الجارود (٤٠٩) من طريق يونس به. (٤) فى م: ((عن)). (٥ - ٥) فى م: ((عمرة عن عروة)). (٦) أخرجه البخارى (٢٠٤٦) من طريق معمر به . (٧) أخرجه النسائى فى الكبرى (٣٣٧٢) من طريق سفيان بن حسين به . (٨) أخرجه النسائى فى الكبرى (٣٣٦٩) من طريق زياد بن سعد به . (٩) سيأتى فى الصفحة التالية . (١٠) أخرجه النسائى فى الكبرى (٣٣٧٣) عن يعقوب به . ٣٧٩ الموطأ التمهيد وقال محمدُ بنُ المثنَّی: عن عبد الرحمنِ بنِ مهدئٍّ، عن مالك، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ، عن عمرةَ ، عن عائشةً ، أنَّها كانت تعتكفُ وتمۇ بالمريضِ ، وتسألُ به، وهى تمشِى . قال عبدُ الرحمنِ : فقلتُ لمالكٍ: عن عروةً، عن عمرةَ؟ وأعدْتُ عليه، فقال: الزُّهرىُّ، عن عروةَ، عن عمرةَ. أو : الزُّهرُّ، عن عمرةَ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلامِ الخُشَنىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، عن مالكِ ، عن الزُّهرىِّ، عن عروةَ، عن عمرةَ، عن عائشةً ، أنَّها كانت تعتکفُ . وذكره إلى آخرِه . وهذانِ حديثانٍ؛ أحدُهما، فى ترجُلِ النبيِِّ مَّهِ والآخرُ، فى مُرورٍ عائشةَ بالمريضِ، وقولها: كان رسولُ اللهِ نَّهِ لا يدخُلُ البيْتَ إِلَّ لحاجةٍ الإنسانِ . اختلَف فيهما أصحابُ الزُّهرىِّ عليه . حدَّثَنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ مُعاويةً، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُّ أبى حسَّانَ ، قال: حدَّثنا هشام بنُ عمَّارٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال : حدَّثنا الأوزاعىُّ، قال: حدَّثَنِى الزُّهرىُّ، قال: حدَّثَنِى عروةُ، أنَّ عائشةً قالت: كان رسولُ اللهِ وَلِّ يأتينى وهو يعتكفُ (١) فى المسجدِ حتى يُتَّكَّ على عتبةٍ بابٍ محجرتى، فأغسلُ رأسَه وأنا فى حُجرتِى، وسائرُه فى المسجدِ . القبس (١) فى مصدرى التخريج: ((معتكف )). (٢) أخرجه أحمد ٤١/ ١١١، ١١٢ (٢٤٥٦٤)، والنسائى فى الكبرى (٣٣٨٢) من طريق الأوزاعی به . ٣٨٠