Indexed OCR Text

Pages 101-120

الموطأ
التمهيد
أبوهريرةَ: لا علمَ لى بذلك ، إنما أخبرنيه مُخبِرٌ ".
هذا الإسنادُ أثبتُ أسانيدِ هذا الحديثِ ، وهو حديثٌ جاء من وجوهٍ كثيرةٍ
متواترةٍ صِحاحٍ .
فى هذا الحديثِ دخولُ الفقهاءِ على السلطانِ ومذاكرتُهم له بالعلمِ . وفيه
ما كان عليه مروانُ من الاهتبالِ (١) بالعلم ومسائلِ الدينِ، مع ما كان فيه من
الدنيا . ومؤوانُ عندَهم أحدُ العلماءِ، وكذلك ابنُّه عبدُ الملكِ. وفيه ما يدُلُّ على
أن الشىءَ إذا تُنُوزِع فيه (١) رُدَّ إِلى مَن يُظَنُّ به أنه يُوجَدُ عندَه علم منه؛ وذلك أنَّ
أزواج رسولِ اللهِ وَ له أعلمُ الناسِ بهذا المعنى بعدَه من أجلِه وَلَه. وفيه أن مَن
کان عنده علمٌ فی شیء وسمِع خلافه، کان علیه إنکارُه ، من ثقةٍ سمع ذلك أو
غيرِ ثقةٍ، حتى يَتَبَّنَ له صحَّةُ خلافٍ ما عندَه .
وفيه أن الحُجَّةَ القاطعةَ عندَ الاختلافِ فيما لا نصَّ فيه من الكتابِ ، سنةٌ
رسولِ اللهِ وَله. وفيه إثباتُ الحُجَّةِ فى العملِ بخبرِ الواحدِ العدلِ، وأن المرأةَ
فى ذلك كالرجلِ سواءً ، وأن طريقَ الإخبارِ فى هذا غيرُ طريقِ الشهاداتِ . وفيه
طَلَبُ الحَّةِ وطلَبُ الدليلِ والبحثُ عن العلمِ حتى يَصِحّ فيه وجهُ العملِ ، ألا
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٥١)، وبرواية يحيى بن بكير (٢/٧ظ، ٣و - مخطوط)،
وبرواية أبى مصعب (٧٨٠). وأخرجه البخارى (١٩٢٥، ١٩٢٦)، والنسائى فى الكبرى (٢٩٣٧،
٢٩٣٨) من طريق مالك به .
(٢) الاهتبال : الاغتنام. اللسان (هـ ب ل).
(٣) ليس فى: الأصل.
١٠١

الموطأ
التمهيد
ترَى أن مروانَ حينَ أخبره عبدُ الرحمنِ بنُ الحارثِ عن عائشةَ وأمّ سلمةً بما
أخبره به فى هذا الحديثِ، بعَث إلى أبى هريرةَ طالبًا الحُجَّةَ ، وباحثًا عن
موقعها ؛ ليعرِفَ من أين قال أبو هريرةَ ما قاله من ذلك .
وفيه اعترافُ العالم بالحقِّ وإنصافُه إذا سمِع الحجّةَ، وهكذا أهلُ الدينِ
والعلم أولو إنصافٍ واعتراف .
وفيه الحكمُ الذى من أجلِه ورَد هذا الحديثُ ، وذلك أن الجُنُبَ إِذا أصابته
جنابةٌ من اللیلِ فی رمضان لم يَضُرَّه أن يُصبح ◌ُنُبًا ، ولم يُفسِدْ ذلك صيامه ، ولا
قدَح فى شىءٍ منه ، وهذا موضعٌ للعلماءِ فيه اختلافٌ وتنازُعٌ، قد ذكرنا ذلك
كلَّه فى بابٍ أبى طُوَالَ عبدِ اللهِ بنِ عبد الرحمنِ بنِ مَعمرٍ من هذا الكتاب"، ولم
نرَ تکریره هلهنا .
حدَّثنا خلَفُ بنُ القاسم ، قال : حدَّثنا مُؤمَّلُ بنُ يحيى ، قال: حدّثنا محمدُ
ابنُ جعفرٍ ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ المدينىِّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، قال :
حدَّثنا شعبةُ ، قال: حدَّثنى قتادةُ ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ ، عن عامرٍ بن أبى أميةً
أخى أمّ سلمةً، عن أمّ سلمةً، أن النبىَّ بَّهِ كان يُصبحُ مُجُنُبًا ثم يصومُ ذلك
اليوم
(٣)
القبس
(١) فى الأصل: ((للحجة)).
(٢) تقدم ص ٩٠ - ٩٦.
(٣) أخرجه أحمد ٢٢٥/٤٤ (٢٦٦٠٩)، وأبو يعلى (٦٩٩٩)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٠٥/٢ من
طريق يحيى بن سعيد به، وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٠٥/٢، وابن حبان (٣٥٠٠)، والطبرانى
٢٩٩/٢٣، ٣٠٠ (٦٦٩، ٦٧٢) من طريق شعبة به .
١٠٢

الموطأ
وأما الروايةُ عن أبى هريرةَ أنه قال(١): مَن أصبَح ◌ُجُنُبًا فقد أفطَر ذلك اليومَ.
فقد ذكرنا بعضَها فى بابٍ أبى طُوَالةَ أيضًا .
التمهيد
وأخبرنا محمدُ بنُّ أبانٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، وحدَّثنا خلَفُ بنُ
سعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال:
حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ ، قالوا : حدَّثنا أحمدُ بنُ خالدٍ ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ
إبراهيمَ ، قال : أخبرنا عبدُ الرزاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ، عن أبى
بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ قال : سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ : قال
رسولُ اللهِ وَلّ: ((مَن أدرَكه الصبحُ مُجُنُبًا فلا صومَ له)). قال: فانطلَقتُ أنا
وأبى فدخلنا على عائشةَ وأمّ سلمةَ ، فسألْناهما عن ذلك، فأخبرتانا أن رسولَ اللهِ
وَاليه كان يُصبحُ مجنُبًا من غيرِ حُلْم ثم يصومُ. قال: فدخلنا على مروانَ فأخبرناه
بقولِهما وقولِ أبى هريرةَ ، فقال مروانُ: عزَمتُ عليكما لَمَا ذهبتُما إلى أبى هريرةَ
فأخبَرتُماه . قال : فلقِينا أبا هريرةَ عندَ بابِ المسجدِ ، فقال له أبى: إن الأميرَ عزَم
علينا فى أمرٍ لِنذكُرَّه لك . قال: وما هو ؟ قال: فحدًّثه أبى. قال: فتلوَّن وجهُ أُبی
هريرةَ، ثم قال: هكذا حدَّثنى الفضلُ بنُ عباسٍ، وهو (١) أعلمُ . قال الزهرىُّ:
فحوَّل الحديثَ إلى غيرِهِ ().
القبس
(١) ليس فى: الأصل، ص٢٧، م.
(٢) فى الأصل، ص١٧، م، والمسند: ((هن)). قال ابن حجر: ((قوله: وهو أعلم. أى: بما روى
والعهدة عليه فى ذلك لا عَلىَّ. ووقع فى رواية النسفى عن البخارى: وهن أعلم. أى أزواج النبى
وَ *، وكذا فى رواية معمر، وفى رواية ابن جريج: فقال أبو هريرة: أهما قالتاه؟ قال: نعم. قال:
هما أعلم. وهذا يرجح رواية النسفى)). فتح البارى ١٤٥/٤.
(٣) عبد الرزاق (٧٣٩٦) - ومن طريقه أحمد ٢٤٣/٤٤ (٢٦٦٣٠) - وأخرجه البخارى=
١٠٣

الموطأ
التمهيد
قال عبدُ الرزاقِ (١): وأخبرنا ابنُ جريج، قال: أخبرنى عمرُو بنُ دينارٍ ، أن
يحيى بنَ جعدةَ أخبره، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ١ بنِ عبدِ القارِئِّ، أنه سمِع أبا
هريرةَ يقولُ : وربِّ هذا البيتِ، ما أنا قلتُ: ((مَن أَدرَ كه الصبحُ جُنُّبًا فَلْيُفطِرْ)).
ولکنْ محمدٌ قاله .
قال ابنُ جريج (١ : قلتُ لعطاءٍ : أَتَبِيتُ الرجلُ مُجُنُبًا فى شهرِ رمضانَ حتى
يُصبحَ، يتعمَّدُ ذلك ثم يصومُ؟ قال: أما أبو هريرةَ فكان ينهى عن ذلك ، وأما
عائشةُ فكانت تقولُ : ليس بذلك بأسٌ. فلما اختلَفا على عطاءٍ قال: يُتِمُّ صومَ
يومه ذلك ويُدِلُ يومًا .
قال أبو عمرَ: قد ثبت أن أبا هريرةً لم يسمَعْ ذلك من رسولِ اللهِ وَله،
واختلف عليه فيمن أخبره بذلك ؛ ففى رواية سُمىٍّ ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ
عنه ، أنه قال : أخبرنیه مُخپر. ولم يُسَمِّ أحدًا ، وفى روايةِ الزهرىِّ ، عن أبى بكرٍ
ابنِ عبدِ الرحمنٍ، عن أبى هريرةَ ، أنه قال : أخبرنى بذلك الفضلُ بنُ عباسٍ .
وكذلك روَى جعفرُ بنُّ ربيعةً، عن عِراكِ بنِ مالكِ، عن أبى بكرِ بنِ
عبدِ الرحمنٍ، عن أبى هريرةَ ، أنه قال: أخبرنى بذلك الفضلُ بنُ عباسٍ".
القبس
= (١٩٢٥، ١٩٢٦) من طريق الزهرى به .
(١) عبد الرزاق (٧٣٩٩).
(٢) فى ص١٧، ص٢٧، م: ((عمر)). وينظر تهذيب الكمال ٣٦٣/١٥.
(٣) عبد الرزاق (٧٤٠٠).
(٤) أخرجه النسائى فى الكبرى (٢٩٦٣ - ٢٩٦٥)، وابن بشكوال فى غوامض الأسماء ٦٦/١،
٦٧ من طريق جعفر بن ربيعة به.
١٠٤

الموطأ
وكذلك رواه يعلى بنُ عقبةً(١)، وعكرمةُ بنُ خالدٍ(٢)، وعبدُ الملكِ بنُ ایی
بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، كلّهم عن أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبى هريرةَ ، أنه
قال : حدَّثنيه الفضلُ بنُ عباسٍ .
التمهید
ورواه المقبُرىُّ، عن أبى هريرةَ قال: ابنُ عباسٍ حدَّثنيه .
ورواه عمرُ بنُّ أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن جدِّه، عن عائشةً .
فساق الخبرَ وقال: فأخبَرتُ أبا هريرةَ فقال: هى أعلمُ برسولِ اللهِ وَّ منا، إنما .
أُسامةُ بنُ زیدٍ حدَّثنی بذلك .
ذكره النسائى ، عن جعفر بن مسافرٍ، عن ابنِ أبی فُدَئك ، عن ابنِ أبی
ذِئب، عن عمر بن أبى بكر بن عبد الرحمنِ .
ورواه أبو حازم ، عن عبد الملك بن أبی بکر بن عبد الرحمن بن الحارث بنِ
هشامٍ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ بهذا الحديثِ ، وفيه : قال مروانُ لعبد الرحمنِ :
عزَمتُ عليك لَمَا أتيتَه فحدَّثْتَه: أعن رسولِ اللهِ وَ لَ تَروِى هذا؟ قال: لا ، إنما
حدَّثنى فلانٌ وفلانٌ. فرجَعتُ إلى مروانَ فأخبَرَتُه .
القبس
(١) فى م: ((عتبة)). وينظر تهذيب الكمال ٣٩٦/٣٢.
والحديث أخرجه النسائى فى الكبرى (٢٩٢٩، ٢٩٣٠)، والطحاوى فى شرح المشكل
(٥٣٨)، والطبرانى فى مسند الشاميين (٢١٢١)، والخطيب فى الأسماء المبهمة ص ٢٥٢، ٢٥٣
من طريق يعلى بن عقبة به .
(٢) أخرجه أحمد ١٤/٤٣ (٢٥٨١١)، والنسائى فى الكبرى (٢٩٢٩، ٢٩٣٠)، وابن خزيمة
(٢٠١١) من طريق عكرمة به .
(٣) النسائى فى الكبرى (٢٩٣١، ٢٩٣٢).
١٠٥

الموطأ
التمهید
ذكَره النسائُ(١)، عن عمرٍو ابنٍ علىٍّ، عن فُضیلِ بنِ سليمانَ ، عن أبی
حازم، عن عبدِ الملكِ بن أبى بكرٍ .
والروايةُ الأُولى عن عبدِ الملكِ بن أبى بكرٍ رواها ابنُ مجريجٍ عنه .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغُ، قال: حدَّثنا
بکُ بنُ حمَّادِ وإسماعیلُ بُ إسحاقَ ، قالا : حدثنا مُسدّدٌ ، قال : حدثنا يحيى،
عن ابن جريجٍ، قال: حدَّثنى عبدُ الملكِ بنُ أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أبيه،
أنه سمع أبا هريرةَ يقولُ: مَن أصبَح ◌ُجُنُبًا فلا يَصُمْ. فانطلَق أبو بكرٍ وأبوه
عبدُ الرحمنِ فدخلوا على أَمِّ سلمةَ وعائشةَ، فكلتاهما قالت : كان رسولُ اللهِ
وَلّ يُصبحُ جُنُبًا من غيرِ حُلْمٍ ثم يصومُ. فانطلَق أبو بكرٍ وعبدُ الرحمنِ حتى أتیًا
أبا هريرةَ فأخبَراه، قال: هما قالتاه لكما؟ قالا: نعم. قال: هما أعلَمُ ، إنما
حدَّثنيه - أو أنبأنِيه - الفضلُ بنُ عباسٍ ".
أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدّثنا
أحمدُ بنُ شُعيبٍ، قال: أخبرنى أحمدُ بنُ عثمانَ ومعاويةُ بنُ صالح، قالا :
حدَّثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عُميرٍ، قال: سمِعتُ المقبُريَّ
يقولُ: كان أبو هريرةَ يُفتى الناسَ أنه مَن يُصبِحُ جُنُبًا فلا يصومُ ذلك
القبس
(١) النسائى فى الكبرى (٢٩٣٣، ٢٩٣٤).
(٢) أخرجه أحمد ٤٤٧/٤٢ (٢٥٦٧٣)، ومسلم (٧٥/١١٠٩)، والنسائى فى الكبرى (٢٩٣٥،
٢٩٣٦)، وابن خزيمة (٢٠١١) من طريق يحيى به، وأخرجه عبد الرزاق (٧٣٩٨)، ومسلم
(٧٥/١١٠٩)، والبيهقى ٢١٤/٤ من طريق ابن جريج به .
١٠٦

الموطأ
التمهيد
اليومَ، فبعثتْ إليه عائشةُ: لا تُحدِّثْ عن رسولِ اللهِ وَّهِ بمثلٍ هذا،
فأَشهَدُ على رسولِ اللهِ وَِّ أنه كان يُصبحُ جُنُبًا من أهلِه ثم يصومُ.
فقال : ابنُ عباسٍ حدَّثنيه(١).
قال أبو عمرَ : رجَع أبو هريرةَ عن فُتياه هذا؛ إذ بلَغْه عن عائشةَ وأمّ سلمةً
حدیثُهما فى ذلك .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ الجهم ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهَّابِ، أخبرنا عمرُ(١) بنُ قيسٍ، عن عطاءٍ
ابنِ مِيناءَ، عن أبى هريرةَ ، أنه قال: كنتُ حدَّثتكم: مَن أصبَح ◌ُنُبًا فقد أفطَر.
فإنما ذلك من كِيسٍ أبى هريرةَ، فمَن أصبَح ◌ُجُنُبًا فلا يُفطِرُ".
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدٌ
ويحيى، قالا: حدَّثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ قتادةَ يُحدِّثُ عن سعيدِ بنِ
المسيَّبِ ، أن أبا هريرةَ تَرَك فُتياه بعدَ ذلك.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الجهم،
قال: حدَّثنا عبدُ الوهَّابِ ، أخبرنا سعيدٌ ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أن
أبا هريرةَ رجَع عن قولِه ذلك قبلَ موتِه(٣).
القبس
(١) النسائى فى الكبرى (٢٩٢٧).
(٢) فى ص ١٧: ((عمرو)). وينظر تهذيب الكمال ٤٨٧/٢١.
(٣) أخرجه البيهقى ٢١٥/٤ من طريق عبد الوهاب به.
١٠٧

الموطأ
التمهید
أخبرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ شُعيبٍ ، قال : أخبرنا عبدُ الملكِ بنُ شعیبِ بنِ اللیثِ ، قال : حدَّثنی
أبى، عن جدِّى، قال: حدَّثنى عُقَيلٌ، عن ابن شهابٍ ، قال : أخبرنى ◌ُبيدُ اللهِ
ابنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه احتلَم ليلًا فى رمضانَ، فاستيقظ قبلَ أن يطلُعَ الفجرُ،
ثم نام قبلَ أن يغتسلَ، فلم يستيقِظْ حتى أصبَحَ، قال: فَلَقِيتُ أبا هريرةَ حينَ
أصبحتُ فاستفتيتُه، فقال: تُفطِرُ، فإن رسولَ اللهِ وَلّهِ كان يأمُرُ بالفِطرِ إذا
أصبح الرجلُ جُنُبًا. قال ◌ُبيدُ اللهِ: فِئتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ فذكَرتُ له الذى
أفتانى أبو هريرةَ، فقال: أُقسمُ باللهِ لئن أفطَرتَ لأُوْجِعَنَّ مَثْتَئِكَ(١)، فإن بدالك
فصُمْ يومًا آخَرَ(٢).
قال أبو عمرَ : لم يختلِفْ فقهاءُ الأُمصارِ بالحجازِ والعراقِ فى الصائمِ فى
رمضانَ وغیرِه يُصبحُ مُنُبًا ، أنه يصومُ ذلك اليوم ويُجزِئُه، ورُوِی عن بعضٍ
التابعين أنهم كانوا يَستحِبُّون لمن أصبَح ◌ُنُبًا فى رمضانَ أن يصومَ ذلك اليومَ
ويُدِلَه ، ومال إليه الحسنُ بنُ صالحٍ بنٍ حىٍّ . وهو قولٌ لا يَصِحُ فى النظرِ ولا من
جهةِ الأثرِ ، وقد ذكّرنا اختلافَ الفقهاءٍ على وجهِه فى هذه المسألةِ ووجوهِها
فى بابٍ أبى طُوَالةَ من هذا الكتابٍ(٢). والحمدُ للهِ .
القبس
(١) فى مصدر التخريج: ((شبيتك)).
(٢) النسائى فى الكبرى (٢٩٢٦) .
(٣) تقدم ص٩٤ - ٩٦.
١٠٨

الموطأ
٦٤٩ - وحدثنى عن مالك، عن شُمَئِّ مَولَی ابی بکرٍ ، عن أبى
بَكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةً وأمّ سلمةَ زَوجَى النبيِّ وَلِّ، أنهما
قالتا: إن كان رسولَ اللهِ وَله ليُصبحُ جُنُبًا مِن جماع غيرِ احتِلامِ ثم
يصومُ .
التمهید
وذكر عبدُ الرزاق(١)، عن ابنٍ عيينةً ، عن هشام بن عروةً ، عن أبيه قال : مَن
أدرَ كه(٢) الصبحُ مُنُبًا وهو مُتعمّدٌ لذلك أبدل الصيامَ، ومَن أُتَی ذلك على غیرِ
عمدٍ لم يُدله.
ورُوِى عن علىٍّ، وابنِ عمرَ، وابنٍ مسعودٍ ، وأبى الدرداءِ، وزيدِ بنِ ثابتٍ ،
وابنٍ عباسٍ: لا يُدِلُهُ(١). وهؤلاء فقهاءُ الصحابةِ، وهم القدوةُ، مع ما صحَّ عن
النبىِّ وَل﴿ من روايةِ عائشةَ وأَمّ سلمةَ فى ذلك. وباللَّهِ التوفيقُ.
مالكٌ، عن سُمَيِّ مولى أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمن، عن أبى بكرِ بنِ
عبد الرحمنِ، عن عائشةً وأمّ سلمةَ زوجَي النبيِّ وَّرِ، أنهما قالتا: إن كان
رسولُ اللهِ وَ﴿ لَيُصبحُ مُجُنًُّا من جِماعٍ غيرِ احتلامٍ ثم يصومُ .
القبس
(١) عبد الرزاق (٧٤٠٥).
(٢) فى الأصل، ص ٢٧: ((أدرك)).
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (٧٤٠١، ٧٤٠٣، ٧٤٠٤)، ومصنف ابن أبى شيبة ٨٠/٣ - ٨٢.
(٤) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣/٧و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٧٨١). وأخرجه أحمد
٨٤/٤٠ (٢٤٠٧٤)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٠٥/٢، والبغوى فى شرح السنة (١٧٥١) من
طريق مالك به .
١٠٩

الموطأ
ما جاء فى الرخصةِ فى القُبلةِ للصائم
٦٥٠ - حدَّثنى يحتَى، عن مالكِ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءٍ
ابنِ يَسارٍ ، أن رجلًا قَبَّل امرأته فى رمضانَ وهو صائمٌ، فوجَد مِن ذلك
وَجْدًا شديدًا، فأرسَل امرأتَه تَسألُ له عن ذلك، فدخَلت على أُمّ سلمةً
زوج النبيِّ وَله، فذكرت ذلك لها، فأخبرتها أُمُّ سلمةَ أن رسولَ اللهِ
وَالّه يُقَبِّلُ وهو صائم، فرجعتْ فأخبرت زوجها بذلك، فزادَه ذلك
التمهید
روَى هذا الحديثَ قومٌ عن أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أبيه ، عن عائشةً
وأمّ سلمةً. ولا معنى لذكرٍ أبيه فيه؛ لأنه شهِد القصةَ مع أبيه كلَّها عندَ أبى
هريرةَ، وعندَ عائشةَ وأمّ سلمةَ ، وهذا محفوظٌ من روايةِ سُمَىِّ وغيرِه جماعةٍ .
وباللَّهِ التوفيقُ .
مالكٌ، عن زيد بن أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ ، أنَّ رجلاً قبَّلَ امرأته وهو
صائمٌ فى رمضانَ، فوجَد من ذلك وَجدًا شديدًا، فأرسَل امرأتَه تسألُ له عن
ذلك، فدخَلتْ على أمِّ سلمةً زوج النبيِّ وَلِّ، فذكَرتْ ذلك لها، فأخبَرتْها أُمُ
القبس
الرخصةُ فى القُبلةِ للصائمِ
ذكّر مالكٌ حديثَ أمّ سلمةَ، وهو مثلُ الذى قبلَه فى الاقتداءِ بفعلِ النبيِّ وَّل
وإحالةِ الصحابةِ فى قصدِ البيانِ عليه، كما كان هو يُحِيلُ وَلِّ عليه، وقولُ
١١٠

الموطأ
شرًّا، وقال: لسنا مِثلَ رسولِ اللهِ وَلَّهِ، اللهُ يُحِلَّ لرسولِه ما شاءَ. ثم
رجَعتِ امرأَتُه إِلى أَمّ سلمةَ، فوجَدتْ عندَها رسولَ اللهِ وَله، فقال
رسولُ اللهِ وَهِ: ((ما لهذه المرأةِ؟)). فأخبرته أُمُ سلمةَ، فقال: ((ألا
أخبرتِيها أنی أفعَلُ ذلك ؟)). فقالت : قد أُختُها ، فذهبتْ إلی زوجها
فأخبرَته، فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مِثلَ رسولِ اللهِ وَ لَهِ، اللهُ يُحِلَّ
لرسوله ما شاءَ. فغضِب رسولُ اللهِ وَ له وقال: ((واللهِ إنى لأتقاكم للهِ
وأعلَمُکم بحُدُودِه » .
سلمةَ أَنَّ رسولَ اللهِ وَّلَهِ يُقبّلُ وهو صائم، فرجَعَتْ فأخبرَتْ زوجها بذلك، فزادَه التمهيد
ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثلَ رسولِ اللهِ وَّهِ، يُحِلُّ اللهُ لرسوله ما شاء. ثم رجَعَتِ
امرأتُه إلى أَمّ سلمةَ، فوجَدَتْ عندَها رسولَ اللهِ وَّةِ، فقال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((ما
لهذه المرأة؟)). فأخبرته أُمُّ سلمةَ، فقال: ((ألا أخبرتِيها أَنِّى أَفعَلُ ذلك؟)).
فقالَتْ : قد أخبرتُها ، فذهَبتْ إلى زوجِها فأخبَرَتْه ، فزادَه ذلك شرًّا، وقال: لسنا
مثلَ رسولِ اللهِ وَهِ، يُحلُّ اللهُ لرسولِه ما شاء. فغضِب رسولُ اللهِ وَلَه وقال:
القبس
السائلِ: اللهُ يُحِلُّ لرسولِه ما شاء. يعنى أنه لما رأَى النبيُّ وَّهِ يختصُّ بأشياءَ ظنَّ أن
هذا منها، فبيَّن النبيُّ ◌َ لَّ أن الأصلَ الاسترسالُ على الاستدلال بجميع أفعاله، حتى
يقومَ الدليلُ على تخصيصِه بها. وقولُه: (إنى لأتقاكم لله)). ذكَر قولَه: ((أخشاكم)).
مقرونًا بالرجاءِ، وذكر قولَه: ((أتقاكم)). على القطع، ورجاءُ رسولِ اللهِ مَّ﴾ قطعٌ ؛
لأنه « لا يَخيب١ُ) ظُّه بربِّه، وقَطْعُه قَطْعٌ؛ لأنه خبرٌ عن حقيقةِ حالِه، أعلَمَهم بذلك
(١ - ١) فى ج: ((لم يخيب))، وفى م: ((لم يخب)).
١١١

الموطأ
((واللهِ إنّى لأتقاكم للهِ وأعلمكم بحدودِه))(١).
التمهید
هذا الحديثُ مرسلٌ عندَ جميع رواةِ ((الموطّاً)) عن مالكٍ. وهذا المعنَى؛
أنَّ رسولَ اللهِ وِهِ كان يُقبَّلُ وهو صائمٌ، صحيحٌ من حديث عائشةً، وحديثِ
أُمّ سلمةً(٢)، وحديثِ حفصةً(٢)، ثُروَى عنهنَّ كلُّهِنَّ وعن غيرِهِنَّ، عن النبيِّ وَهـ
على سبيلِ الاعتقادِ والإعلامِ بالدينٍ، لا على سبيلِ الفخرِ على المسلمين، وقدروت
القبس
عائشةُ رضِى اللهُ عنها أن النبيُّ وَهِ كان يُقَبِلُهَا وهُو صَائِمٌ، وكانت تقولُ : وَكُمْ
يَمْلِكُ نَفْسَهُ كَمَا كان رسولُ اللهِ وِ يَمْلِكُ نَفْسَهُ(٤)؟ فلذلك شدَّد فيه ابنُّ القاسمِ
عن مالكٍ فى كلِّ صومٍ؛ لأنها لا تَدعو إلى خيرٍ ، ورخّص فيها فى التطوّعِ مِن رواية ابنٍ
وهپ، وذگرہ ابئُ حبیپ . والصحیح عندی ما فی الحدیث من قولها : واتُگم
يَمْلِكُ إِرْبَهُ كما كان رسولُ اللهِلهِ يَهْلِكُ إِزْبَةُ)؟ فلا يَنْبغى لأحدٍ أن يتعرَّضَها إلا
أن يكونَ شيخًا كبيرًا مُنْكسِرَ الشهوةِ، ولعلَّ هذا السائلَ كان كذلك؛ لأن فى
تعاطيها تغريرًا بالعبادةِ، وتعريضًا لها لأسبابِ الفسادِ ، وذلك مكروة باتفاقٍ مِن الأمةِ
حيثُ يُوقَّعُ، فهذا مثلُه.
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٥٢)، وبرواية يحيى بن بكير (٣/٧و، ٣ظ - مخطوط)،
وبرواية أمى مصعب (٧٨٢). وأخرجه الشافعى ٤٥٢/١ (٦٨٩)، والطحاوى فى شرح المعانى ٢/
٩٤، والبيهقى فى المعرفة (٢٤٩٢) من طريق مالك به .
(٢) سيأتى تخريجه ص ١٢٢ - ١٢٤.
(٣) أخرجه أحمد ٤٢/٤٤، ٤٣ (٢٦٤٤٥ - ٢٦٤٤٨)، ومسلم (١١٠٧)، والنسائى فى
الكبرى (٣٠٨٠، ٣٠٨٢، ٣٠٨٣)، وابن ماجه (١٦٨٥).
(٤) سيأتى فى الموطأ (٦٥٥) .
(٥) المنتقى للباجى ٤٧/٢ .
(٦ - ٦) سقط من : ج .
١١٢

الموطأ
من وُجوهٍ ثابتةٍ، وقد ذكَّر منها مالكٌ حديثَ هشام بن عروةَ، عن أبيه ، عن التمهيد
عائشةً أنّها قالت : إِن کان رسولُ اللهِ ټآلټ لیقُلُ بعضَ أزواجِه وهو صائمٌ . ثم
تضحكُ(١) . عطف به علی حدیث زید بن أسلم هذا فی ((الموطّاً)). ونحن
نذكُرُ ما رُوِىَ فى ذلك من حديثٍ عائشةً عن النبيِّ وَ لتر فى بابٍ بلاغاتِ
مالكٍ(٢)؛ لأَنَّه بلَغه أنَّ عائشةَ كانت إذا ذكَرَتْ أَنَّ رسولَ اللهِ وَهِ يُقْبَّلُ وهو
صائمٌ تقولُ: وأُکم أملَكُ لنفسه من رسول الله ێ(٣)؟ ونذكُرُ هلهُنا ما رُوِى
فى ذلك من حديثٍ أَمِّ سلمةَ خاصَّةً دونَ غيرِها من الآثارِ ؛ إذْ هى التى رُفعَ عنها
هذا الحديثُ ههُنا . وباللهِ العونُ .
وفى هذا الحديث من الفقهِ أنَّ القُبلةَ للصائم جائزةٌ فى رمضانَ وغيرِه ، شابًّا
كان أو شيخًا، على حُمومِ الحديثِ وظاهرِه؛ لأَنَّ رسولَ اللهِ وَلِهِ لم يَقُلْ
للمرأةٍ : هل زوجكِ شابٌّ أم شيخٌ؟ ولو ورَد الشرعُ بالفرقِ بينَهما لما سكت عنه
رسولُ اللهِ ◌ِّهِ؛ لأَنَّه المبيِّنُ عن اللهِ مُرادَه من عبادِه. وأظنُّ () الذى فرَّقَ بينَ
الشيخِ والشابٌّ فى القُبلةِ للصائمِ ذهَب إلى قولٍ عائشةً فى حديثها فى هذا
البابٍ : وأيُّكم أملَكُ لإزبه من رسولِ اللهِ أَلے؟ أى : أملَكُ لنفسِه وشهوته من
رسولِ اللهِ پلہے. وبهذا أيضًا احتجُّ مَن کرِهَها ، وسیأتی هذا الحديثُ فى بابٍ
بلاغاتِ مالكٍ(٢) ، ويأتى القولُ فيها هناك إن شاء اللهُ. وممَّن كرِهِ القُبلةَ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٦٥١).
(٢) سيأتى ص ١٣٠ - ١٣٣.
(٣) سيأتى فى الموطأ (٦٥٥).
(٤) بعده فى م: ((أن)).
١١٣
( موسوعة شروح الموطأ ٨/٩)

الموطأ
التمهید
للصَّائم؛ عبدُ اللهِ بنُّ مسعودٍ (١)، وعبدُ اللهِ بنُّ عمرَ(١)، وعروةُ بنُ الزُّبِيرِ() . وقد
رُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ أَنَّه قال: يقضِى يومًا مكانَه(١). وكرِه مالكٌ القُبلةَ للصَّائِمِ
فى رمضان للشيخ والشابِ ؛ ذهب فيها إلى ما رواه عن ابنِ عمرَ، أَنَّه کان ینھی
عن القُبلةِ والمباشرةِ للصَّائمِ . ولِما رواه عن هشامِ بنِ عروةً، عن أبيه ، أنَّه
قال: لم أرَ القُبلةَ للصَّائمِ تدعُو إلى خيرٍ (١) . ولم يذهَبْ فيها إلى ما رواه عن زيدٍ
ابنِ أسلمَ ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، أَنَّه رخّصَ فيها للشيخِ ، وکرِهَها
(٤)
للشاب(٤) .
وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ إبراهيمَ بنِ الحدَّادِ، حدَّثنا.
زكريًّا بن يحيى السِّجزىُّ وجعفرُ بنُ محمدِ الفریائیُ، قالا: حدَّثنا قتيبةٌ، قال:
حدَّثنا حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ ، عن فُضيلٍ بن مرزوقٍ ، عن عطيّةً ، عن ابنِ عباسٍ
فى القُبلةِ للصَّائم، قال: إنَّ عُروقَ الخُصيتين مُعلَّقَةٌ بالأنفِ ، فإذا وجَد الرِّيحَ
تحرَّكَ، وإذا تحرّكَ دعا إلى ما هو أكثرُ من ذلك، والشيخُ أَملَكُ لإرِهِ (٥) .
وذكَر عبدُ الرزاقِ (١): أخبرنا معمرٌ، عن عاصم بنِ سليمانَ، عن أبى مِجْلَزِ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٧٤٢٦)، والطبرانى (٩٥٧٢)، والبيهقى ٢٣٤/٤.
(٢) سيأتى فى الموطأ (٦٥٨).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٦٥٦).
(٤) سيأتى فى الموطأ (٦٥٧).
(٥) أخرجه الطبرانى (١٠٦٠٤) من طريق فضيل بن مرزوق به .
(٦) عبد الرزاق (٧٤١٨).
١١٤

الموطأ
قال : جاءَ رجلٌ إلى ابنِ عباسٍ شيخٌ يسألُه عن القُبلةِ وهو صائمٌ فرخَّصَ له، فجاءَه التمهيد
شابٌّ فنهاهُ .
قال(١) : وأخبرنا ابنُ عيينةً، عن عُبيدِ اللهِ بنِ أبى يزيدَ قال: سمِعْتُ ابنَ
عباسٍ يقولُ : لا بأسَ بها إذا لم يكنْ معها غيرُها . يعنى القُبلةَ.
قال(٢) : وأخبرنا ابنُ عيينةَ، عن إبراهيمَ بنِ ميسرةً، عن طاوسٍ ، عن ابنٍ
عباسٍ، أَنَّه سُئلَ عن القُبلةِ للصائم، فقال: هى دليلٌ إلى غيرِها، والاعتزالُ
أکیس .
قال أبو عمرَ: كلُّ من كرِهها فإنَّما كرِهها خوفًا من (١) أن تُحدِثَ شيئًا
يكونُ رَفَئًا؛ كإِنزالِ الماءِ الدَّافقِ، أو خروج المذي(٤) ، وشبْهِ ذلك ممَّا لا يجوزُ
للصائمِ، وقد قال ◌َله: ((من كان صائمًا فلا يَرفُثْ)) (٥). فدخَل فيه رَفَتُ
القول ، وغِشيانُ النِّساءِ، وما دعا إلى ذلك وشِبْهُه .
ذكَر عبدُ الرزاقِ (٩) ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ، عن ابنِ المسيَّبِ، أنَّ عمرَ بنَ
الخطابِ كان ينهى عن القُبلةِ للصائم، فقيل له: إنَّ رسولَ اللهِ وَهِ كان يُقْبِّلُ
القبس
(١) عبد الرزاق (٧٤١٥).
(٢) عبد الرزاق (٧٤١٦).
(٣) سقط من: م.
(٤) فى م: ((المنى)).
(٥) سيأتى فى الموطأ (٦٩٦).
(٦) عبد الرزاق (٧٤٠٦).
١١٥

الموطأ
وهو صائمٌ. فقال: مَن ذا له من الحفظِ والعصمةِ ما لرسولِ اللهِ وَله؟
التمھید
قال الزهرىُّ: وأخبرنى من سمِع أصحاب رسولِ اللهِ وَ لَه يتناهون عن القُبلةِ
صِيَامًا(١)، ويقولون: إنَّها تدعُو إلى أكثرَ منها(٣) . .
قال أبو عمر : لا أُرَی معنی حدیثِ ابنِ المسئَّبِ فی هذا البابِ عن عمرَ ،
إلَّ تَنزَّهَا واحتياطًا منه؛ لأنَّه قد رُوِى فيه عن عمرَ حديثٌ مرفوعٌ، ولا يجوزُ أن
يكونَ فيه(٢) عندَ عمرَ حديثٌ مرفوعٌ() ويخالفَه إلى غيرِه .
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، ابنُ المفسّرِ، حدَّثنا أحمدُ
ابنُّ علىٍّ، حدَّثنا أبو بكرٍ وعثمانُ ابنا أبى شيبةَ ، قالا : حدَّثنا شَبَابُ بنُ سَوَّارٍ ، عن
لیٹ بن سعدٍ، عن بُکیرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأشجّ، عن عبد الملك بن سعيد
الأنصارىِّ، عن جابرٍ بنِ عبدِ اللهِ الأنصارىٌّ، عن عمر بن الخطابِ قال: هشَشْتُ
إلى امرأتى فقبّلتُها وأنا صائمٌ، فأتيْتُ رسولَ اللهِ وَّهِ فقلْتُ: يا رسولَ اللهِ ، أَتَيْتُ
أمرًا عظيمًا؛ قبَلْتُ وأنا صائم. فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أرأيتَ لو تمضمضْتَ
بالماءِ وأنت صائمٌ؟)). قال: قلتُ: لا بأسَ. قال: ((ففيمَ؟)) (١).
القبس
(١) فى ص ٤: ((صائما)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٧٤١٧) عن معمر عن الزهرى به، وعنده: أكبر منها .
(٣) سقط من: م.
(٤) ابن أبى شيبة ٣/ ٦٠. وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٨٩/٢ من طريق شبابة به، وأخرجه
أحمد ٢٨٦،٢٨٥/١، ٤٣٩ (٣٧٢،١٣٨)، وعبد بن حميد (٢١ - منتخب)، والدارمى (١٧٦٥)،
وأبو داود (٢٣٨٥)، والنسائى فى الكبرى (٣٠٤٨)، وابن خزيمة (١٩٩٩) من طريق الليث به .
١١٦

الموطأ
وكان الشافعىُّ يكرّهُها لمن حرّكتْه بها شهوتُهُ(١) ، وخاف أن يأتىَ عليه منها التمهيد
شىءٌ، ولم یکرهها لمن أمِنَ علیه . وقال أبو ثورٍ : إذا كان يخافُ أن يتعدَّى إلى
غيرِها لم يتعرَّضْ لها. ورُويَتِ الرُّخصةُ فى القُبلةِ للصَّائمِ عن عمرَ بنِ
الخطابِ(١) . ولا يصِحُ ذلك عنه، ورُوِيَتْ عن سعدِ بنِ أبى وقّاصٍ، وأبى
هريرةَ، وابنِ عباسٍ أيضًا، وعائشةً (١) . وبه قال عطاءٌ، والشعبىُّ، والحسنُ".
وهو قولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ ، وإسحاقَ بنِ راهُويَه، وداودَ بنِ علىٍّ. ولا أعلَمُ أحدًا
رخّصَ فيها لمن يَعلَمُ أنَّه يتولَّدُ عليه منها (°شىءٌ مماْ) يُفسِدُ صومَه. وقال أبو
حنيفةً وأصحابُه : لا بأسَ بالقُبلةِ إذا كان يأمَنُ على نفسِه. قالوا : فإن قبَلَ فَأَمنَى
فعليه القضاءُ، ولا كفَّارَ عليه(٢). وهو قولُ الثورىِّ، والحسنِ بنِ حَىٍّ،
والشافعىِّ، فيمن قبَّلَ فأُمنَى، أنَّ عليه القضاءَ، وليس عليه كفَّارةٌ . وقال ابنُ
عُليَّةَ : لا تُفسِدُ القُبلةُ الصَّومَ ، إلّا أن ينزِلَ الماءُ الدافقُ. ولو قبَّلَ فأمذَى لم يكنْ
عليه شىءٌ عندَ الشافعىِّ، وأبى حنيفةَ ، والثَّورىِّ، وابنٍ عُليَّةَ ، والأوزاعيِّ . وقال
أحمدُ : مَن قِبَلَ فأمذَى أو أمنَى فعليه القضاءُ. ولا كفَّرةَ عليه عندَه إلّ على مَن
جامَع فأؤْلجَ ناسيًا أو عامدًا. وسيأتِى ذكرُ كفَّارةِ المفطرِ فى رمضانَ بجماعٍ أو
القبس
(١) فى م: ((شهوة)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (٦٥٢).
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (٧٤١١، ٧٤١٣ - ٧٤١٥، ٧٤٢١، ٧٤٢٢)، ومصنف ابن أبى
شيبة ٦٠/٣ .
(٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٦٠/٣، والمحلى ٣١٥/٦، ٣١٦.
(٥ - ٥) فى م: ((ما)).
(٦) سقط من: م.
١١٧

الموطأ
التمهيد
أكلٍ فى بابِ ابنِ شهابٍ، عن حُميدٍ، إن شاء اللهُ(١) . وقال مالكٌ: لا أُحبُ
للصائم أن يُقبّلَ، فإِن قبَّلَ فى رمضانَ فَأَنزَل، فعليه القضاءُ والكفَّارةُ ، وإنْ قَبَلَ
فأمذَى ، فعليه القضاءُ، ولا كفَّارةَ . وقال ابنُ خُوازٍ بندادَ : القضاءُ على مَن قِبَلَ
فأمذَى عندَنا مُستحَبٌّ ليس بواجبٍ .
وفيه من الفقْهِ أيضًا إيجابُ العملِ بخبرِ الواحدِ الثِّقَةِ ، ذكرًا كان أو أُنْثَى ،
وعلى ذلك جماعةُ أهلِ الفقهِ والحديثِ أهلُ الشّنَّةِ ، ومَن خالَف فى ذلك فهو
عندَ الجميعِ مُبتدِعٌ . والدَّليلُ على ما قُلْنا من العملِ بخيرِ الواحدِ من هذا الحديثِ
قولُ رسولِ اللهِ وَّله لأم سلمةَ: ((ألا أخبرتِيها؟)). فأوضَح بذلك أنَّ خبرَ أُمّ
سلمةَ يجبُ العملُ به، وكذلكَ خبرُ المرأةِ لزوجِها ، ولو كان خبرٌ أَمّ سلمةً لا
يلزَمُ المرأةَ، أو(١) خبرُ المرأةِ لا يلزَمُ زوجَها، لَمَا قال رسولُ اللهِ وَّهِ لأمّ سلمةَ:
((ألا أخبرتِيها؟)). لأَنَّها كانَتْ تقولُ: وكيف كنتُ أُخبرُها عنك وحدى ؟
وأُّ (١) فائدةٍ فى نقلِى عنك وحدِى؟ أو كيف تنقُلُ المرأةُ الخبرَ وحدَها إلى
زوجِها؟ وهذا بيِّنَّ فى إيجابِ العملِ بخبرِ الواحدِ وقَبولِه ممَّن جاء به إذا كان
عدلًا ، والحجَّةُ فى إثباتِ خبرِ الواحدِ والعملِ به قائمةٌ من الكتابِ والسُّنَّةِ ودلائلِ
الإجماع والقياسِ ، وليس هذا موضعَ ذ کرِها ، وقد أفردنا لذلك كتابًا تقصّيْنا فيه
الحجّةَ على المخالفينَ ، والحمدُ للهِ ، وإنَّما قصَدْنا فى كتابنا هذا لتخريجِ ما فى
القبس
(١) ينظر ما سيأتى ص ١٨١ - ٢٠٥ .
(٢) فى م: ((و)).
(٣) فى ص ٤: ((فأى)).
١١٨

الموطأ
الأخبارِ من المعانى، وقد علِمْنا أنَّ النَّاظرَ فيه ليس ممَّن يُخالفُنا فى قَبولِ خبرِ التمهيد
الواحدِ . وبالله التوفيقُ .
وفيه أنَّ فعلَ رسولِ اللهِ وَّلَهُ كلَّه يحسُنُ التَّأْسِّى به فيه على كلِّ حالٍ ، إِلَّا أن
يُخِرَ رسولُ اللهِ وَلَّهِ أَنَّه له خاصَّةٌ ، أو ينطِقَ القرآنُ بذلك، وإلَّ فالاقتداءُ به أقلُّ
أحوالِه أن يكونَ مندوبًا إليه فى جميع أقواله، ومن أهلِ العلمِ مَن رأى أنَّ جميعَ
أفعالِه واجبٌ الاقتداء بها كوجوبٍ أوامره . وقد بيًّّا الحجّةَ فیما اختُلِفَ فيه من
ذلك فى غيرِ هذا الكتابِ. والدَّليلُ على أنَّ أفعالَه كلَّها يحسُنُ التَّسِّى بِه ◌َاِلـ
فيها قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾
[الأحزاب: ٢١]. فهذا على الإطلاقِ، إلَّا أن يقومَ الدَّليلُ على خُصوصٍ شيءٍ منه
فيجبَ التَّسليمُ له، ألا ترَى أنَّ الموهوبةَ لما كانت له خاصةً(١) نطَق القرآنُ بأنَّها
خالصةٌ له من دون المؤمنين(١). وقال وَ لَه فى الوصالِ: ((إنِّى لستُ كهيئتكم؛
إِنِّى أَبِيتُ يُطعمُنِى رِّى ويَسقينِى)) (١). فأخبرَ بموضع الخصوصِ. على أنَّ من
العلماءِ مَن لم يجعَلِ الوصالَ خُصوصًا له، وجعَله من بابِ الرِّفقِ والتَّيسيرِ على
أُمَّتِه، وسنبيِّنُ القولَ فى ذلك فى كتابنا هذا عندَ ذكرِ هذا الحديثِ إن شاء اللهُ .
صِرَّطِ اللَّهِ﴾
قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ (@)
[الشورى: ٥٢، ٥٣]. وقال ◌َله: ((خُذوا عنِّى مناسككم))(٤). وقال: ((صلُّوا
القبس
(١) كذا فى النسخ. ولعل الصواب فى م: ((خالصة)).
(٢) يشير إلى الآية (٥٠) من سورة ((الأحزاب)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٦٧٥).
(٤) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٩٦٢) من الموطأ .
١١٩

الموطأ
كما رأيتُمونى أُصلِّى)»(١). وقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: إنَّ اللهَ بعَث إلينا محمدًاً وَه
التمهيد
ونحن لا نعلَمُ شيئًا ، فإنَّما نفعلُ كما رأيناه يفعلُ(٢).
وفى غضبٍ رسولِ اللهِ وَّهِ وقوله: ((واللهِ إنِّى لأخشاكم للهِ وأعلمُكم
بحدودِهِ)) . دليلٌ على أنَّ الخصوصَ لا يجوزُ ادِّعاؤُه عليه بوجهٍ من الوُمجوهِ ، إلَّا
بدليلٍ مُجتمَعٍ عليه، وقال بَّهِ: (( إَّمَا يُعِثْتُ مُعلِّمًا(٣) مُيسْرًا(٤)) (٥). و((يُعِثْتُ
رحمةً مُهداةً)) (١) . صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه، فلا يجوزُ ادِّعاءُ الخصوصِ عليه
فى شىءٍ إِلَّ فيما بان به خُصوصُه فى القرآنِ ، أو ) السُنَّةِ الثابتةِ ، أو الإجماع؛
لأَنَّا(٨) قد أمِرنا باتِّباعِه والتَّسِّى به، والاقتداءِ بأفعالِهِ، والطّاعةِ له، أمرًا مُطلقًا،
وغيرُ جائزٍ عليه أن يُخَصَّ بشىءٍ فیسكُتَ لأُمَّتِه عنه، ويتركَ بیانَه لها، وهى
مأمورةٌ باتِّباعِه، هذا ما لا يظنُّه ذُولُبِّ مسلمٌ بالنبيِّ ◌َِهِ.
حدَّثنِى سعيدُ بنُّ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدَّثنا جعفرُ بنُّ
القبس
٠٠
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٧٠٢) من الموطأ .
(٢) تقدم فى الموطأ (٣٣٤).
(٣) فى ص ٤: ((رجلا)).
(٤) فی م: ((مبشرا)).
(٥) أخرجه مسلم (١٤٧٨)، والبيهقى ٣٨/٧ من حديث جابر.
(٦) أخرجه الترمذى فى العلل (٦٨٥)، والبزار (٢٣٦٩)، والطبرانى فى الأوسط (٢٩٨١)، وفى
الصغير ٩٥/١، وابن عدى ١٥٤٦/٣ من حديث أبى هريرة. وينظر سؤالات حمزة (١٠٣).
(٧) فى ص ٤: ((و)).
(٨) فى م: ((لأنه)).
١٢٠