Indexed OCR Text

Pages 41-60

الموطأ
حدَّثھم ، قال : حدثنا جعفر بن محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ سابقٍ ، قال :
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ طَهْمانَ، عن عبدِ العزيزِ، عن عبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ ، عن عبدِ اللهِ
ابنِ عمرَ، أَنَّه سَمِعَه يقولُ: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((الشهرُ تسع وعشرون، ولا
تصومُوا حتى تَرَوه، ولا تُفْطِرُوا حتى تَرَوْهِ، إِلَّا أَن يُغَمَّ عليكم، فإن غُمَّ عليكم
فأخْصُوا العِدَّةَ))(١).
التمهید
ورَوَى هذا الحديثَ عن ابنِ عُمَرَ جماعَةٌ - أعْنِى حديثَ: ((الشهرُ تسئُ
وعشرون)) - منهم عمرُو بنُ دِينَارٍ (١)، وسَعْدُ بنُ عُبَيْدَةَ(١) ، وسعيدُ بنُ عمرو ،
وغيرهم. ومِمَّا يَدُلَّ على ما ذكَرْنَا فى صَدْرِ هذا البابِ ما حدَّثنا أحمدُ بنُ
محمدٍ ، قال: حدَّثْنا وَهْبُ بنُ مَسَرَّةَ، وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارِثِ بنُ
سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ، قال : حدَّثنا أبوبكرٍ
ابنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثَنَا غُْدَرّ، عن شعبةَ، عن الأسودِ بنِ قيسٍ، قال: سمِعتُ
سعيدَ بنَّ عمرو بنِ سعيدٍ، يُحَدِّثُ أَنَّه سَمِع ابنَ عُمَرَ يحدِّثُ عن النبيِّ وَِّ، أَنَّه قال:
(إِنَّ أُمَّةٌ أُمَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ، والشهرُ هكذا، وهكذا، وهكذا - وعَقَدَ الإبهامَ
فى الثَّالِئَةِ - والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا )) . يَغْنِی تمامَ ثلاثین )
القبس
(١) أخرجه الخطيب فى جزء تراثى الهلال (٢١) من طريق جعفر بن محمد به، وعنده: ((عبد
العزيز - يعنى الماجشون))، وليس ((الدراوردى)) كما ذكر المصنف فى الصفحة السابقة. وينظر
تهذيب الكمال ١٤/ ٤٧٢.
(٢) أخرجه أحمد ٤٣٤/٨ (٤٨١٥)، ومسلم (١٠/١٠٨٠) من طريق عمرو بن دينار به.
(٣) أخرجه أحمد ٢٥٠/١٠ (٦٠٧٤)، ومسلم (١٦/١٠٨٠) من طريق سعد به.
(٤) ابن أبى شيبة ٨٥/٣ - وعنه مسلم (١٥/١٠٨٠) - وأخرجه أحمد ٥٩/٩ (٥٠١٧)، والنسائى
(٢١٤٠) من طريق غندر به، وأخرجه البخارى (١٩١٣)، وأبو داود (٢٣١٩) من طريق شعبة به .
٤١

٦٣٩ - وحدّثنی یحتی ، عن مالك ، عن ثورِ بنِ زیدِ الدِیلی ، عن
الموطأ
عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، أن رسولَ اللهِ وَّ لَه ذكَرَ رمضانَ فقال: ((لا تصومُوا
حتى تَرَوا الهلالَ ، ولا تُفطِرِوا حتى تَرَوه، فإن غُمَّ عليكم فأكمِلُوا العَدَدَ
ثلاثين)) .
التمهید
مالكٌ، عن ثورِ بنِ زيدِ الدِّيلىّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَه
ذكّر رمضانَ فقال: ((لا تصوموا حتى ترَوُا الهلالَ، ولا تُفطِروا حتى تَرَؤْه، فإن
◌ُمَّ عليكم فأكمِلوا العِدَّةَ ثلاثين))(١) .
هكذا هذا الحديثُ فى ((الموطَّأَ)) عندَ جماعةِ الرُّواةِ عن مالك : عن ثورِ بنِ
زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ. ليس فيه ذكرُ عِكرمةً، والحديثُ محفوظٌ لعكرمةً، عن
ابنِ عباسٍ، وإنَّما رواه ثورٌ، عن عكرمةَ. وقد رُوِى عن رَوحِ بنِ عُبادةَ هذا
الحديثُ، عن مالكِ، عن ثورٍ، عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَلَه
ذكَر رمضانَ. ثم ساقَه إلى آخرِه سواءً. وليس فى ((الموطّأَ)) فى هذا الإسنادِ
عكرمةُ، وزعَموا أنَّ مالكًا أسقَط ذِكرَ عكرمةَ منه لأنَّه كرة أن يكونَ فی کتابِهِ ؛
لكلامٍ سعيدِ بنِ المسيَّبِ وغيرِه فيه . ولا أدرِى صِحَّةَ هذا؛ لأنَّ مالكًا قد ذكره
فى كتابٍ الحجّ، وصرَّحَ باسمِه ، ومال إلى روايته عن ابنِ عباسٍ، وترَك روايةً
عطاءٍ فى تلك المسألةِ ، وعطاءٌ أجلُّ التابعين فى علم المناسكِ والثّةِ والأمانةِ .
روَى مالكٌ(١) ، عن أبى الزبيرِ المكىِّ، عن عطاءِ بنِ أبى رباحٍ، عن عبدِ اللهِ
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١/٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٧٦٤). وأخرجه أبو
بكر الشافعى فى الغيلانيات (١٩٥)، والبيهقى ٢٠٥/٤ من طريق مالك به .
(٢) سيأتى فى الموطأ (٨٧٨).
٤٢

الموطأ
التمهید
ابنِ عباسٍٍ ، أنَّه سُئلَ عن رجلٍ وقَع على امرأتِه وهو بمنَّى قبلَ أنْ يُفيضَ ، فأمَره
أنْ ينحَرَ بَدَنةً. وروَى مالكٌ(١) أيضًا، عن ثورٍ بنٍ زيدِ الدِّيلىِّ، عن عكرمةً
مولَى ابنِ عباسٍ ، قال: أظنُّه عن ابنِ عباسٍ ، أَنَّه قال: الذى يصيبُ أهلَه قبلَ
أن يُفيضَ، يعتمِرُ ويُهدِی . وبه قال مالكٌ .
قال أبو عمرَ : عكرمةُ مولَى ابنِ عباسٍ من جِلَّةِ العلماءِ، لا يقدمځ فیہ کلامُ
من تكلّم فيه ؛ لأنَّه لا حُجّةً مع أحدٍ تكلّم فيه . وقد يحتمِلُ أن يكونَ مالكٌ جُن
عن الرواية عنه ؛ لأَنَّه بلَغْه أنَّ سعيدَ بنَ المسيّبِ كان يرمِيه بالكذبِ ، ويحتمِلُ أن
يكونَ لِما نُسِب إليه من رأى الخوارج، وكلُّ ذلك باطلٌ عليه إن شاء اللهُ. وقد
قال الشافعىُ فی بعض كتبه: نحن نتّقی حدیث عكرمةً . وقد روى الشافعىُّ عن
إبراهيمَ بنِ أبى يحتَّى، والقاسمِ العمرىِّ، وإسحاقَ بنِ أبى فروةَ، وهم ضُعفاءُ
متروكونَ . وهؤلاءٍ كانوا أولَى أن يُتَّقَى حديثُهم، ولكنَّه لم يَحتَجَّ بهم فى حكمٍ ،
وكلَّ أحدٍ من خلقِ اللهِ يُؤخذُ من قولِه ويُتركُ إلَّ رسولَ اللهِ وَه .
قال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بن حنبلٍ، عن أبيه، عن إسحاقَ الطبَّاعِ، قال :
سأَلتُ مالكَ بنَ أنسٍ ، قلتُ : أَبلَغك أنَّ ابنَ عمرَ قال لنافعٍ : لا تكذِبْ علىَّ كما
كذَب عكرمةُ على ابنِ عباسٍ ؟ قال: لا ، ولكن بلَغنى أنَّ سعيدَ بنَ المسئَّبِ قال
ذلك لبُردٍ مولاه(١) . وقيل لابن أبى أَويسٍ: لِمَ لم يكتُبْ مالكٌ حديثَ عكرمةً
مولَى ابنِ عباسٍ ؟ قال: لأنَّه كان يرَى رأىَ الإباضيةِ .
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٨٧٩).
(٢) العلل ومعرفة الرجال ٢٦٠/١ (١٥٠٠).
٤٣

الموطأ
التمهید
وأمّا قولُ سعيدٍ بنِ المسيَّبِ فيه، فقد ذكّرَ العلَّةَ الموجبةً للعداوةِ بينَهما
أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ نصرٍ المروزىُّ فى كتابٍ ((الانتفاع بجلود الميتة))، وقد
ذكّرتُ ذلك وأشباهَه فى كتابى كتابٍ ((جامع بيانِ أخذِ العلم وفضلِه وما ينبغِى
فى روايته وحملِه)) فى بابٍ قولِ العلماءِ بعضِهم فى بعضٍ ، فأغنى ذلك عن
إعادتِه ههُنا . وتكلّم فيه ابنُ سيرينَ ، ولا خلافَ أَعلمُه بينَ نُقَّادِ أهلِ العلم أنَّه
أعلمُ بكتابِ اللهِ من ابنٍ سيرينَ، وقد يظنُّ الإنسانُ ظنًّا يغضَبُ له ولا يمَلِكُ
نفسه .
ذكَر الحلوانىُّ، عن زيدِ بنِ الحُبابِ قال: سمِعْتُ الثَّورىَّ يقولُ: خذوا
تفسيرَ القرآنِ عن أربعةٍ؛ عن عكرمةً، وسعيدِ بنِ جبيرٍ، ومجاهدٍ،
والضحّاكِ(٢) . فبدأ بعكرمةَ.
وقال ابنُ عُليّةً ، عن أيوب ، عن عمرو بن دينارٍ قال : دفع إلىَّ جابرُ بنُ زيد
مسائلَ أسألُ عنها عكرمةَ . قال: فجعَل جابرٌ يقولُ : هذا عكرمةُ ، هذا مولَی ابنٍ
عباسٍ ، هذا البحر ، فاسألوه(٣) .
وقال سفيانُ بنُ عيينةً، عن عمرو بنِ دينارٍ قال : أعطانِى جابرُ بنُ زيدٍ
صحيفةً فيها مسائلُ، فقال: سلْ عنها عكرمةَ. قال: فكأنَّى تبطَّأْتُ. قال :
فانتزَعَها من يدِى، وقال: هذا عكرمةُ، هذا مولَى ابنِ عباسٍ، هذا أعلمُ
القبس
(١) جامع بيان العلم وفضله ١٠٨٧/٢ - ٠١١١٩
(٢) أخرجه ابن عدى ١٤١٥/٤، وأبو نعيم فى الحلية ٣٢٨/٣، ٣٢٩ من طريق زيد به.
(٣) أخرجه ابن سعد ٣٨٥/٢، ٢٨٨/٥، والعقيلى ٣٧٤/٣ من طريق ابن علية به.
٤٤

الموطأ
الناسٍ(١).
التمهيد
وقال جريرٌ(١)، عن مُغيرةً، عن إبراهيمَ، قال: قيل لسعيدِ بنِ جبيرٍ: أتعلَمُ
أحدًا أعلمَ منك؟ قال: نعم، عكرمةُ. قال: فلمَّا قُتِل سعيدُ بنُ جبيرٍ قال
إبراهيمُ: ما خلَّف بعدَه مثلَه (٣).
قال أبو عبدِ اللهِ المروزىُّ: وحدَّثنا يحيى بنُ يحيى، قال: حدَّثنا إسماعيلُ
ابنُّ عُليَّةً، عن أيوبَ قال : ثُبُحتُ عن سعيد بن جبيرٍ أنه قال: لو كفَّ عنهم عكرمةُ
من حديثه لشُدَّتْ إليه المطايا(٤) .
قال : وحدَّثنا إسحاقُ بنُ راهويه، قال : أخبرنا یحتی بنُ ضُریسٍ ، عن أبى
سنانٍ، عن حبيبٍ بنٍ أبى ثابتٍ قال: اجتمَع عندِى خمسةٌ لا يجتمِعُ عندِی
مثلُهم أبدًا؛ عطاءٌ، وطاوسٌ، ومجاهدٌ، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وعكرمةُ ، فتذاكروا
التفسيرَ، فأقبَلَ مجاهدٌ وسعيدُ بنُ جبيرٍ على عكرمةً يسألانِه عن التفسيرِ وهو
(٥)
يُجيبهما(*).
قال : وحدَّثنا محمدُ بنُّ عُبيدٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيُّوبَ قال :
اجتمَع عكرمةُ وسعيدُ بنُّ بجبيرٍ وطاوسٌ وعدَّةٌ من أصحابٍ ابنِ عباسٍ، فكان
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٤٨٤) من الموطأ .
(٢) فی قی: (( جابر).
(٣) أخرجه ابن معين ٣٥٨/٣ (١٧٤٠ - تاريخ الدورى)، والعقيلى ٣٧٥/٣، وأبو نعيم في الحلية
٣٢٦/٣ من طريق جرير به.
(٤) أخرجه ابن سعد ٣٨٥/٢، ٢٨٨/٥ من طريق ابن علية به .
(٥) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣٢٦/٣، ٩/٤ من طريق يحيى به.
٤٥

الموطأ
التمهيد
عكرمةُ صاحبَ الحديثِ .
قال : وأخبرنا محمدُ بنُ یحیی ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال :
حدَّثنا حمادُ بنُ زيدٍ ، قال : قال رجلٌ لأيوبَ : أكان عكرمةُ يُتَّهَمُ؟ فسكَتَ
هُنيهةٌ ثم قال: أمَّا أنا فإِنِّى لم أكنْ أَتَّهِمُه(١) .
وبه عن أيوب قال : قال عكرمةُ : أرأيت هؤلاء الذين يُكذِّبوننی من خلفِى ،
أفلا يُكذِّبونینی فی وجهِی(٣)؟
قال : وحدَّثنا الحلوانىُ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ ، قال: حدَّثنا سلَّامُ
ابنُ مسكينٍ ، قال : سمِعتُ قتادةً يقولُ : كان الحسنُ من أعلم الناسِ بالحلال
والحرامٍ ، وكان عطاءٌ من أعلم الناسٍ بالمناسكِ ، وكان عكرمةُ من أعلم الناسِ
-(٣)
بالتَّفسيرِ ().
قال: وحدثنا الحلوانئُ ، قال: حدثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الکریم الصنعانىُّ ،
قال : حدَّثنا عبدُ الصمدِ بنُ معقلٍ ، أَنَّ عكرمةَ قدِم على طاوسٍ اليمنَ، فحمَلَه
طاوسٌ على نجيبٍ ، وأعطاه ثمانينَ دينارًا ، فقيلَ لطاوسٍ فى ذلك، فقال: ألا
أشترِى علمَ ابنِ عباسٍ لعبدِ اللهِ بنِ طاوسٍ بنجيبٍ وثمانينَ دينارًا()؟
القبس
(١) أخرجه ابن سعد ٢٨٩/٥، وأحمد فى العلل ١٥٩/١ (٨١٦)، والعقيلى ٣٧٥/٣، ٣٧٦ من
طریق سلیمان به .
(٢) أخرجه ابن سعد ٢٨٨/٥ عن سليمان به.
(٣) أخرجه الفسوى فى المعرفة ٧٠١/١، ٧٠٢ من طريق سلام به.
(٤) أخرجه العقيلى ٣٧٦/٣ من طريق الحسن بن على الحلوانى به .
٤٦

الموطأ
التمهید
وذگر عباسٌ() ، عن یحیی بن معين ، قال : حدّثنا محمدُ بنُّ فُضیل، قال :.
حدَّثنا عثمانُ بنُ حَكيم، قال: جاء عكرمةُ إلى أبى أمامةَ بنِ سهلٍ وأنا جالسٌ،
فقال: يا أبا أمامةَ، أسمِعْتَ ابنَ عباسٍ يقولُ: ما حدَّثكم به عكرمةُ فصدِّقوه،
فإِنَّه لم يكذِبْ علىَّ؟ قال : نعم.
وقد روِّينا أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ قال له : اخرُجْ يا عكرمةُ فأفْتِ الناسَ ، ومَن
سأَلِكَ عمَّا لا يعنِيه فلا تُفْتِهِ، فإنَّك تطرَحُ عن نفسِك ثُلُثُىْ مُؤنةِ الناسِ (١).
قال عباسٌ(١) : قال يحيى بنُ معينٍ : مات ابنُ عباسٍ وعكرمةُ عبدٌ ، فباعه
علىُّ بنُ عبدِ اللهِ، فقيل له : تبيعُ علمَ أبيك ؟ فاسترجعَه .
وقال عثمانُ بنُ سعيدِ السِّجستانىُ() : قلتُ ليحيى بن معينٍ: عكرمةُ
أحبُّ إليك أو سعيدُ بنُ جبيرٍ؟ فقال: ثقةٌ وثقةٌ . قلتُ : فعكرمةُ أو عبيدُ اللهِ بنُ
عبدِ اللهِ؟ فقال : كلاهما . ولم يختر.
وقال أبو الحسنِ أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ صالح الكوفىُّ : عكرمةُ مولَى ابن
عباسٍ ثقةٌ ، وهو برىءٌ مما رماه الناسُ به من الحرورية .
وذكّر عيسى بنُ مسكينٍ ، عن محمدِ بنِ الحجاجِ بنِ رِشدينٍ ، عن أحمدَ
القبس
(١) تاريخ الدورى ٢٥٩/٣ (١٢١٧).
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ٨/٧.
(٣) تاريخ الدورى ١٠٥/٣ (٤٣٣).
(٤) تاريخ الدارمى (٣٥٧).
(٥) ثقات العجلى (١١٦٠).
٤٧
:

الموطأ
التمهيد
ابنِ صالحِ المصرىِّ قال: عكرمةُ مولَى ابنِ عباسٍ بربرىٌّ من المغربِ . وقال أبو
العربٍ : سمِعتُ قُدامةَ بنَ محمدٍ يقولُ: كان خُلفاءُ بِنِى أَمِيَّةً يُرسِلونَ إلى
المغربِ يطلُّبونَ بجلودَ الخرفانِ التى لم تُولدْ بعدُ، العسليَّةِ . قال : فربَّما ذُبحَتِ
المائةُ شاةٍ فلا يُوجدُ فى بطنِها إلا واحدً عسلىٍّ، كانوا يتَّخذونَ منها الفِراءَ،
فكان عكرمةُ يستعظمُ ذلك ويقولُ: هذا كُفرّ، هذا شركٌ. فأخَذ ذلك عنه
الصَّفريَّةُ والإباضيّةُ، فكفَّروا الناسَ بالذَّنوبِ.
قال أبو عمر: لهذا كان شُحنون یقول : يزعمون أنَّ عكرمة مولی ابنِ عباسٍ
أضلَّ المغربَ .
قال أبو عمرَ: نزَل عكرمةُ مولَى ابنِ عباس المغربَ، ومَكَث بالقيروانِ
بُرهةٌ ، ومِن الناسِ مَن يقولُ: إنَّ مات بها . والصحيح أنَّه مات بالمدينةِ هو و کثیُُّ
عزَّةَ الشاعرُ فى يومٍ واحدٍ. ذكَر ابنُ أبي مريمَ، (عن ابن١ٍ) لهيعةً، عن أبى
الأسودِ قال: أنا مدَخْتُ المغربَ لعكرمةً مولَى ابنِ عباسٍ، ذكَرْتُ له حالَ
أهلِها ، فخرج إلى المغربِ ومات بها(٢).
قال أبو عبدِ اللهِ المروزىُّ: قد أجمَع عامَّةُ أهلِ العلمِ على الاحتجاجِ
بحديثٍ عكرمةَ ، واتَّفقَ على ذلك رُؤساءُ أهلِ العلمِ بالحديثِ من أهلِ عصرٍنا؛
منهم أحمدُ بنُّ حنبلٍ، وإسحاقُ بنُّ راهُويَه، وأبو ثورٍ ، ويحتّى بنُ معينٍ ، ولقد
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) أخرجه ابن عدى ١٩٠٦/٥ من طريق ابن أبى مريم به.
٤٨

الموطأ
سألتُ إسحاقَ بنَ راهُويَه عن الاحتجاج بحديثه، فقال لى: عكرمةُ عندَنا إِمامُ التمهيد
الدُّنيا . وتعجّبَ من سُؤالِى إِيَّه. قال: وأخبرنى غيرُ واحدٍ أنَّهم شهدوا يحتِی بنَ
معينٍ وسأله بعضُ الناسِ عن الاحتجاج بحديثٍ عكرمةَ فَأظهَر التَُّجُبَ . قال
المروزىُّ : وعكرمةُ قد ثبتَتْ عدالته بصحبةِ ابنِ عباسٍ وملازمتِهِ إِيَّاه، وبأَنَّ غيرَ
واحدٍ من أهلِ العلمِ روَوا عنه وعدَّلوه، وما زالَ أهلُ العلمِ بعدَهم يرؤُونَ عنهِ .
قال: ومَنْ روَى عنه من جِلَّةِ التابعينَ ؛ محمدُ بنُّ سيرينَ، وجابرُ بنُ زيدٍ ،
وطاوسٌ ، والزهرىُّ، وعمرُو بنُّ دينارٍ ، ويحيى بنُّ سعيدٍ الأنصارىُّ، وغيرهم .
قال أبو عبدِ اللهِ المروزىُّ: وكلَّ رجلٍ ثبتَتْ عدالتُه بروايةِ أهلِ العلمِ عنه،
وحملهم حديثَه ، فلن يُقبلَ فيه تجريحُ أحدٍ جرَّحُه حتى يثُتَ ذلك عليه بأمرٍ لا
يُجهلُ وأنْ يكونَ جرحةٌ، فأمَّا قولُهم: فُلانٌ كذَّابٌ . فليسَ ممَّا يثبُتُ به جرحٌ
حتی یتبیّنَ ما قاله .
حدّثنا محمدُ بنُ إبراهیم ، حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ یحتی، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُّ أَيُّوبَ الَّقْىُّ، قال: سمِعتُ أبا بكرٍ أحمدَ بنَ عمرٍو البزَارَ يقولُ: روَى
عن عكرمةَ مائةً وثلاثونَ - أو قال : قريبٌ من مائةٍ وثلاثينَ - رجلًا، من وُجُوهِ
البلدان ، بینَ مگئٍّ ، ومدنئٍ ، و کوفئٍ، وبصرئٍّ، ومِن سائرِ البُلدانِ ، گلّهم
روی عنه ، ورضى به .
قال أبو عمرَ : جماعةُ الفقهاءِ وأئَةُ الحديثِ الذين لهم بصرّ بالفقهِ
والنّظرِ (١ هذا قولُهم١)؛ أنَّه لا يُقبلُ من ابنِ معينٍ ولا من غيرِهِ فِيمَن اشتُهِر بالعلمِ
القيمس
(١ - ١) فى ق: ((بين أقوالهم)).
٤٩
(موسوعة شروح الموطأ ٤/٩)

الموطأ
التمهید
وعُرِفَ (١) به، وصحَّتْ عدالته وفهمُه ، إلا أن يُتبيَّنَ الوجْهُ الذى يُجَرُِّه به على
حسَبٍ ما يجوزُ من تجريح العدلِ المبرّزِ العدالةِ فى الشَّهاداتِ . وهذا الذى لا
يَصِحُ أن يُعتقدَ غيرُه، ولا يَحِلُّ أن يُلتَفَتَ إلى ما خالفَه . وقد ذكرنا بيانَ ذلك
فى بابِ قولِ العلماءِ بعضِهم فى بعضٍ من كتابنا ((كتابٍ العلم)) (١)، فأغنَى
ذلك عن إعادتِه ههُنا . وباللهِ توفيقُنا .
وذكَر الزُّبِيرُ، قال: حدَّثَنِى عمِّى مُصعبٌ، قال: حدَّثنِى الواقدىُّ، قال:
حدَّثنى خالدُ بنُ القاسمِ البياضىُّ ، قال : ماتَ عكرمةُ مولَی ابنِ عباسٍ و کثیُّرُ بنُ
عبد الرحمنِ الخزاعىُّ صاحبُ عزَّةً فى يومٍ واحدٍ، فى سنةٍ خمسٍ ومائةٍ،
فرأيتُهما جميعًا صُلِّى عليهما بعدَ الظّهرِ فى مسجدِ الجنائزِ، فقال الناسُ: مات
اليومَ أفقَهُ الناسِ وأشعرُ الناسِ(١) .
وقال : قال(٤) المفضَّلُ بنُ فَضالةَ: ماتَ عكرمةُ وكثيّرُ عزَّةً فی یومٍ واحدٍ ،
فَأُخرِجَ جِنازتاهما، فما علِمتُه تخلَّفَ رجلٌ ولا امرأةٌ بالمدينةِ عن جِنازَتيهما .
قال : وقيل : مات اليومَ أعلمُ الناسِ وأشعرُ الناسِ. قال: وغلَب النِّساءُ على جِنازةٍ
كُثِيرٍ يَكينَه ويذكُوْنَ عِزَّةَ فى نُدیتِهِنَّ إِيَّه .
وهذا الحديثُ صحیحٌ لعكرمةً ، عن ابنِ عباسٍ .
القبس
(١) فى ق: ((شهر)).
(٢) جامع بيان العلم وفضله ١٠٨٧/٢ - ١١١٩.
(٣) أخرجه ابن سعد ٢٩٢/٥ عن الواقدى به .
(٤) ليس فى: الأصل، م.
٥٠

الموطأ
حدَّثنا أبو عبدِ اللهِ محمدُ ابنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ التمهيد
معاويةً، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ شُعيبٍ ، قال: حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ ، وحدَّثنا
عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ
حمَّادٍ ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قالا جميعًا: حدَّثنا أبو الأحوصِ، قال: حدَّثُنا
سماٌ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَله: (( لا تصوموا قبلَ
رمضانَ ، صوموا للرؤيةِ، وأفطِروا للرؤيةِ، فإن حالَتْ دُونَه غَيايةٌ(١) فأكمِلوا
(٢)
ثلاثین)»(٧).
ورواه شعبةٌ (٣) ، وأبو عوانةً(٤) ، وحاتمُ بنُ أبى صَغيرةَ، عن سماكٍ مثلَه .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا عبدُ الحمیدِ بنُ
أحمدَ الورَّاقُ، قال: حدَّثنا الخضِرُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو بكر الأثرمُ ، قال :
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ بكرِ السَّهمىُّ، وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أسدِ الجُهَنىُّ،
قال : حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ شُعیبٍ ، قال : أخبرنا
إسحاقُ بنُ إبراهيمَ ، قال: أخبرنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ ، قالا جميعًا: حدَّثنا حاتمُ
القبس
(١) غياية: سحابة أو قَتَرة. النهاية ٤٠٣/٣، ٤٠٤.
(٢) النسائى (٢١٢٩)، وفى الكبرى (٢٤٤٠). وأخرجه الترمذى (٦٨٨)، وابن حبان (٣٥٩٤)
من طريق قتيبة به. وأخرجه الطبرانى (١١٧٥٦) من طريق مسدد به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ٢٠، وأبو
یعلی (٢٣٥٥) من طريق أبی الأحوص به .
(٣) أخرجه ابن خزيمة (١٩١٢)، وابن حبان (٣٥٩٠)، والحاكم ٤٢٤/١، ٤٢٥ من طريق
شعبة به .
(٤) أخرجه الطيالسى (٢٧٩٣)، والبيهقى ٢٠٨/٤ من طريق أبى عوانة به .
٥١

الموطأ
التمهيد
ابنُّ أبى صغيرةً، عن سماكٍ قال : سمِعتُ عكرمةَ يقولُ : سمِعتُ ابنَ عباسٍ
يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ مَه يقولُ: ((صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن
حال بينكم وبينَه سحابةٌ أو غَيايةٌ فأكمِلوا العدَّةَ، ولا تستقبِلوا الشَّهرَ استقبالًا ، لا
تستقبلوا رمضانَ بيومٍ من شعبانَ )) (١) . اللَّفظُ لحديثِ ابنِ عبدِ المؤمن.
وقرَأْتُ على أحمدَ بنِ قاسم التميمىِّ ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال :
حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ بكرٍ ، قال : حدّثنا حاتمٌ،
عن سماكٍ قال: دخلتُ على عكرمةً فى يومٍ وقد أُشْكَلَ علىَّ أمرُه ؛ أمِن رمضانَ
هو أم من شعبانَ ، فأصبَحتُ صائمًا، وقلتُ : إن كان من رمضانَ لم يسبقُنِى،
وإن كان من شعبانَ كان تطوَّعًا . فدخَلتُ على عكرمةً وهو يأْكُلُ خُبزًا وبقلًا
ولتّا، فقال: هلمّ إلى الغداءِ. فقلتُ: إِنِّى صائمٌ. فقال: أحلِفُ عليكَ
لتُفطِرَنَّه. فقلتُ: سبحانَ اللهِ ! فقال: أحلِفُ باللهِ لَتُفطِرَنَّه. قال: فلمَّا رأَيتُه لا
يستثنى أفطرْتُ، فعذَّرْتُ(١) لبعضٍ الشىءٍ وأنا شبعانُ، ثم قلتُ : هات . فقال :
سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: ((صوموا لرؤيته،
وأفطِرِوا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينَه سحابةٌ أو غَيايةٌ فكِّلوا العدَّةَ، ولا
تستقبلوا الشَّهرَ استقبالاً ، لا تستقبِلوا رمضانَ بيومٍ من شعبانَ))(٢).
القیس
(١) النسائى (٢١٢٨)، وفى الكبرى (٢٤٣٩). وأخرجه أحمد ٤٤٥/٣ (١٩٨٥)، والدارمى
(١٧٢٥) من طريق إسماعيل به.
(٢) فى م: ((فعدت))، وتصحفت عند البيهقى: ((فغدوت))، وعند الطحاوى دون هذه القصة،
والتعذير: التقصير، أى: قصرت فى الأكل وأريته أنى أبالغ وأجتهد فى الأكل . ينظر النهاية ١٩٨/٣.
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٤٣٦/١، وفى شرح المشكل (٣٧٦٧)، والبيهقى ٢٠٧/٤
من طریق عبد الله بن بكر السهمی به.
٥٢

الموطأ
وروَى هذا الحديثَ حمَّادُ بنُّ سلمةً، عن عمرو بنِ دينارٍ، عن ابنٍ التمهيد
عباسٍ . ولم یسمعه عمرو من ابنِ عباسٍ، وإنَّما پروِیه عمرُو بنُ دینارٍ، عن
محمدٍ بن محنينٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ عليه السّلامُ مثلَه .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وأحمدُ بنُّ قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، قال: حدَّثنا روحُ بنُ عُبادةَ، قال :
حدَّثنا زكريًّا بنُّ إسحاقَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ دينارٍ، أَنَّ محمدَ بنَ محُنينٍ
أخبرَه، أنَّه سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: إنَّى لأعجبُ من هؤلاء الذين يصومون قبلَ
رمضانَ، إِنَّما قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إذا رأَيْتُم الهلالَ فصوموا، وإذا رأَيتُموه
فأفطِرِوا ، فإن غُمَّ عليكم فعُدُّوا ثلاثين))(١).
وأمّا قولُه پے فى هذا الحدیث إذ ذكر رمضانَ: ((لا تصوموا حتى تروا
الهلالَ)). فالصِّيامُ لاسمِه معنيانٍ؛ أحدُهما لُغوىٌّ، والآخرُ شرعيٌّ تعبَّدَ اللهُ به
عبادَه . فأمَّا معنَى الصيام فى اللُّغَةِ ، فمعناه الإمساكُ عمَّا كان يصنعُه الإنسانُ
"وغيره ) من حر کةٍ، أو کلام، أو أکلٍ، أو شُرب، أو مشي، ونحو ذلك من
سائر الحر کاتٍ ، فإذا أُمسَكَ عمَّا كان يصنَُه سُمِّی صائمًا فى اللّغة ، وليس ذلك
القبس
(١) أخرجه الحارث بن أبى أسامة (٣١٤ - بغية)، والنسائى (٢١٢٣)، والطحاوى فى شرح المعانى
٤٣٦/١ من طريق حماد بن سلمة به .
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١ / ٤٣٦، وفى شرح المشكل (٣٧٦٤ مكرر)، والبيهقى ٢٠٧/٤
من طريق روح به، وأخرجه أحمد ٣/ ٤٠٥، ٤٣١/٥ (١٩٣١، ٣٤٧٤)، والدارمى (١٧٢٨)،
والنسائى (٢١٢٤) من طريق عمرو بن دينار به. ووقع عند الدارمى وأحمد فى الموضع الثانى : ((جبير)).
بدلا من: «حنين)). وينظر المؤتلف والمختلف ٣٧١/١، والإكمال ٢٧/٢، وتهذيب الكمال ٢٥/ ١٢٠.
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، م.
٥٣

الموطأ
التمهید
معنَى الصِّيامِ المأمورِ به المسلمون فى القرآنِ والسّنَّةِ . والدَّليلُ على أنَّ الإمساكَ
يُسمَّى صومًا قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ حاكيًا عن مريمَ: ﴿إِنِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾
[مريم: ٢٦]. أىْ: إمساكًا عن الكلام. وقال المفسّرونَ: أى: صمتًا. وتقولُ
العربُ: خيلٌ صائمةٌ . إذا كانت قائمةٌ (١) دونَ أكلٍ ولا رعي. قال النابغةُ(١) :
خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ تحتَ العَجَاجِ وخيلٌ تعلُّكُ اللُّجُما(٣)
يقولُ: خيلٌ مُمسكةٌ عن الأكلِ، وخيلٌ آكلةٌ . وقال امرؤُ القيسِ(٤):
فدعْها وسلِّ الهَمَّ عنك بجسرةٍ ذَمولٍ إذا صامَ النهارُ وهجّرا (٥)
ومعناه : إذا أمسكَتِ الشمسُ عن الجري، واستوَتْ فى كبدِ السَّماءِ.
وقال بشرُ بنُ أبی خازمٍ(١) :
دٍ ما تطعَمُ النومَ إلَّ صياما
نعامًا بوجرةً(٧) صُفرَ الخُدو
القبس
(١) فى الأصل، م: ((واقفة)).
(٢) فى م: ((الشاعر)). والبيت فى ديوان النابغة ص ١١٢.
(٣) العجاج: الغبار، وعلکت الدابةُ اللجام تعلُکہ عَلکا: لا گَتْه وحرّ کتہ فی فیھا . اللسان (ع ج ج،
ع ل ك).
(٤) ديوانه ص ٦٣.
(٥) فى م: ((سجرا)). والجسرة: الناقة الماضية، وقيل: الطويلة الضخمة. والذَّمول: التى تسير سير
الذّمیل، وهو ضرب من سیر الإبل، وقيل: هو السیر اللینِّ ما کان. ینظر اللسان (ج س ر، ذ م ل).
(٦) ديوانه ص ١٩١، وروايته :
د لا تطعم الماء إلا صياما
نعاما بخطمة صعر الخدو
(٧) وجرة: موضع بين مكة والبصرة. التاج (وج ر).
٥٤

الموطأ
وأمَّا الصِّيامُ فى الشَّريعةِ، فالإمساكُ عن الأكلِ والشّربِ والجماع من التمهيد
اطّلاع الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ . وفرائضُ الصَّومِ خمسٌ ؛ وهى العلمُ بدخول
الشهرِ، والنَّةُ ، والإمساكُ عن الطَّعامِ والشَّرابِ والجماعِ، واستغراقُ طرفَي
النَّهارِ المفترضِ صيامُه. وسننُ الصِّيامِ ألا يرفُثَ الصائمُ، ولا يغتابَ أحدًا .
وسنذكُرُ ذلك فى موضعِه إن شاء اللهُ(١).
وأمّا قولُهُ: ((فإن غُمَّ عليكم)). فذلك من الغيمِ والغمامِ، وهو السَّحابُ،
يقالُ منه: يوم غمّ، وليلةٌ غَّةٌ. وذلك أن تكونَ السماءُ مُغِيمةً. وفى الآثارِ
المذكورة فى هذا البابِ ما يُوضِّحُ لك ذلك، والحمدُ للهِ .
وروَى هذا الحديثَ عن النبيِّ بَّ كما رواه ابنُ عباسٍ، أبو هريرةً؛ من
حديث أبى سلمةً عنه(١)، ومِن حدیثِ محمدِ بنِ زياد عنه ، ومِن حدیثِ
سعيدِ بنِ المسيَّبِ عنه (١ ، ومِن حديثِ الأعرج عنه(١) ، وحذيفةُ بنُ الیمانِ ؛ من
روايةٍ جريرٍ، عن منصورٍ، عن رِبعىٍّ، عن حذيفةً ١٢ . ورواه ابنُ عمرَ، عن النبيِّ
وَلِّ مثلَه، إلّا أنَّه قال: ((فإن غُمَّ عليكم فاقدُروا له))(١). وحديثُ ابنِ عباسٍ
يفسّرُ حديثَ ابنِ عمرَ فى قوله: ((فاقدُروا له)). وكذلك جعَله مالكٌ فى كتابِه
بعدَه مفسّرًا له. وقد كان ابنُ عمرَ يذهَبُ فى قولِه: ((فاقدُروا له)) . مذهبًا
القبس
(١) سيأتى ص٣٤٤ - ٣٤٩.
(٢) تقدم تخريجه ص ١٣.
(٣) تقدم تخريجه ص ١٣، ١٤.
(٤) أخرجه أبو داود (٢٣٢٦)، والنسائى (٢١٢٥)، وابن خزيمة (١٩١١) من طريق جرير به.
(٥) تقدم فى الموطأ (٦٣٧، ٦٣٨).
٥٥

الموطأ
التمھید سنذكره عنه فی بابٍ حديث نافع من كتابنا هذا إن شاء اللهُ، ونذكُرُ مَن تابعَه
على تأويله ذلك ومَن خالفَه فيه (١)، ونذكُرُ هناك كثيرًا من معانى هذا
البابِ إن شاء اللهُ، ولا قوَّةً إِلَّ باللهِ .
. وفى حديث ابنِ عباسٍ هذا من الفقهِ أنَّ الشهرَ قد يكونُ تسعًا وعشرينَ.
وفيه أنَّ اللهَ تعبَّد عبادَه فى الصَّومِ برؤيةِ الهلالِ لرمضانَ، أو باستكمالٍ شعبانَ
ثلاثينَ يومًا. وفيه تأويلٌ لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ
فَلْيَصُمّْةٌ﴾ [البقرة: ١٨٥] . أَنَّ شهودَه رؤيتُه أو العلمُ برؤيته . وفيه أنَّ اليقينَ لا يُزيلُه
الشَّكُّ، ولا يُزيلُه إِلَّ يقينٌ مثلُه؛ لأَنَّهِ وَلَّهِ أَمَرِ الناسَ أَلَّ يَدَعُوا ما هم عليه من یقینِ
شعبانَ إلَّا بيقينِ رُؤيةٍ أو استكمالِ العدَّةِ، وأنَّ الشكّ لا يعمَلُ فى ذلك شيئًا،
ولهذا نهَى عن صومِ يومِ الشكُّ اطِّراحًا لإعمالِ الشكِّ، وإعلامًا أنَّ الأحكامَ لا
تجبُ إلَّا بيقينٍ لا شكَّ فيه . وهذا أصلٌ عظيمٌ من الفقْهِ؛ ألا يدَعَ الإنسانُ ما هو
عليه من الحالِ المتيقّنةِ إلَّا بيقينٍ من انتقالِها .
وقولُهُ وَه: ((فإن غُمَّ عليكم، فأكمِلوا العِدَّةَ ثلاثینَ يومًا)). يقتضِى
استكمالَ شعبانَ قبلَ الصِّيامِ، واستكمالَ رمضانَ أيضًا. وفيه دليلٌ على أنَّه لا
يجوزُ صیام یوم الشٹِ خوفًا أن یکون من رمضان ، وقد ذكرنافی بابٍ نافعٍ، عن
ابنِ عمرَ، من كتابِنا هذا اختلافَ الفقهاءِ فى صيامِ يومِ الشكُّ على أنَّه من
رمضانَ ، بأتمّ من ذكرٍ ذلك ههنا؛ لأنَّ ذلك الموضعَ أولَى به؛ لقول النبيِّ وَّلـ
فى حديثِ ابنِ عمرَ: ((فاقدُروا له)).
القبس
(١) تقدم ص ٢٥ - ٢٧.
٥٦

الموطأ
التمھید
واختلَفَ العلماءُ فى صومٍ آخرٍ يومٍ من شعبانَ تطوُّعًا؛ فأجازَه مالكٌ
وأصحابُه، والشافعىُّ وأصحابُه، وأبو حنيفةً وأصحابُه، وأكثرُ الفقهاءِ ، إذا كان
تطوُّعًا ولم يكنْ خوفًا ولا احتياطًا أن يكونَ من رمضانَ، ولا يجوزُ عندَهم
صومُه على الشَّكُّ، قال مالكٌ: إِن تُيُقْنَ أَنَّه من شعبانَ جاز صومُه تطوُّعًا .
وهو قولُ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةً: لا يُصامُ يومُ الشكِّ إلَّا تطوُّعًا. وقال
الثورىُّ: لا يُلوَّمُ (١) يومُ الشكِّ، ولا يصومُ أحدٌ يومَ الشَّكِّ. وسيأتى القولُ
فيمن صامَه على الشَّكِّ؛ هل يُجزُه من رمضانَ؟ عندَ قوله: ((فاقدُروا له)).
فى بابِ نافعٍ، "عن ابنِ عمرً) إن شاء اللهُ(٣).
وقال بعضُ أهلِ العلم من أهلِ الحديثِ : إِنَّه لا يجوزُ صيامُ يومينٍ قبلَ
رمضان من آخرٍ شعبان ، إلّا لمن كان له عادةُ صیام شعبان . واحتُوا بحديثٍ
النبىّ ◌َآلے: «لا یتقدَّمْ أحدُ کم رمضان بیوم ولا یومینٍ، إلّا أن یکونَ صومًا کان
يصومُّه أحدُكم، فليُتِمَّ صومَه(٢٤)). رواه يحتَى بنُ أبي كثيرٍ(*) ومحمدُ بنُ
عمرٍو (١)، عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ نَّهِ. قالوا: وفى قوله:
القبس
(١) يُلوَّم: يُنتظر. ينظر النهاية ٢٧٨/٤.
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م. وينظر ما تقدم فى الموطأ (٦٣٧).
(٣) تقدم ص ١٦ - ٢٤ .
(٤) فى ق: ((صيامه)).
(٥) أخرجه أحمد ١٢٨/١٢، ١٢٩، (٧٢٠٠)، والبخارى (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢) من
طریق یحیی بن أبی کثیر به.
(٦) أخرجه أحمد ٤٠٩/١٥ (٩٦٥٤)، والترمذى (٦٨٤) من طريق محمد بن عمرو به.
٥٧

الموطأ
التمهید
((ولا يومين)). دليلٌ على أنَّ ذلك تطوُّعٌ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يكونَ الشكُّ فی
یومین .
قال أبو عمرَ: وزعَم بعضُ أصحابِنا أنَّ فى صومِ رسولِ اللهِ وَلِّ شعبانَ
تطوُّعًا ، دليلًا على أنَّ نهيَه عن صومٍ يومِ الشَّكُّ إِنَّما هو على الخوفِ أنْ يكونَ من
رمضانَ، وأنَّ هذا هو المكروهُ.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدّثنا
محمدُ بنُّ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا أبو (١) صالح، قال: حدَّثنی معاويةُ بنُ صالحٍ،
أنَّ عبدَ اللهِ بنَ قيسٍ (٢) حدَّثَه، أنَّه سمِع عائشةَ تقولُ: كان رسولُ اللهِ وَالْهِ يصومُ
شعبانَ ویصِلُه برمضانَ(٣) .
وروَى سالمُ بنُ أبي الجعدِ، عن أبى سلمةَ، عن أُمِّ سلمةَ، عن النبىِّ وَلِّ أَنَّه
كان يصومُ شعبانَ ويصِلُه برمضانَ(٤) . رواه عن سالم جماعةٌ لم يختلفوا عليه .
ورؤَى يحيى بنُ أبى كثيرٍ، عن أبى سلمةً، عن عائشةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) ويقال: ((ابن أبى قيس)). وهو أصح كما قال المزى فى تهذيب الكمال ١٥/ ٤٦٠، وهو الموافق
لمصادر التخريج .
(٣) أخرجه البغوى فى شرح السنة (١٧٧٩) من طريق أبى صالح به، وأخرجه أحمد ٣٥٤/٤٢
(٢٥٥٤٨)، وأبو داود (٢٤٣١)، والنسائى (٢٣٤٩) من طريق معاوية به .
(٤) أخرجه أحمد ١٣٥/٤٤، ١٨٨ (٢٦٥١٧، ٢٦٥٦٢)، والترمذى (٧٣٦)، وابن ماجه
(١٦٤٨)، والنسائى (٢١٧٤، ٢٣٥١) من طريق سالم به .
٥٨

الموطأ
التمهيد
کان یصومُ شعبانَ گلَّه(١)
قال: وهذه الآثارُ كلُّها تدُلُّ على أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ إِنَّما كان يصومُ يومَ
الشكِّ تطوُّعًا ، لا خوفًا أن يكونَ من رمضانَ .
قال أبو عمرَ: ليس فى صيامِه شعبانَ تطوعًا دفعٌ لما تأوَّلَه أولئك فى النَّهي
عن صوم يومِ الشَّكُّ تطوُّعًا؛ لأنَّ فى الحديثِ: ((إلَّا أن يكونَ فى صومٍ
يصومُه)). وفى ذلك دلالةٌ على أنَّ النَّهىَ عن تقدُّمِ رمضانَ بيومٍ أو يومينٍ إنَّما هو
على ذلك الوجهِ ، واللهُ أعلمُ .
وأمّا قولُه بِّهِ: ((صوموا لرؤيته)). فمعناه: صُوموا اليومَ الذى يلى ليلةً
رُؤيته من أوَّلِهِ . ولم يُردْ: صُوموا من وقتٍ رُؤيته. لأُنَّ الليلَ ليس بموضعٍ
صيامٍ. وإذا رِىءَ الهلالُ نهارًا فإنَّما هو اللّيلةِ التى تأتى، هذا هو الصحيحُ إِن
شاء الله .
وقد اختلفَتِ الرّوايةُ فى هذه المسألةِ عن عمرَ رضِى اللهُ عنه؛ ذکر
عبدُ الرزاقٍ(١)، عن معمرٍ ، عن الأعمش، عن أبى وائلٍ قال: كتَب إلينا عمرُ
ونحن بخانِقِينَ: إذا رأيتُم الهلالَ نهارًا فلا تُفطِرِوا حتى يشهَدَ رجلان أنَّهما
القبس
(١) أخرجه أحمد ٩١/٤١، ٤٣٦ (٢٤٥٤٢، ٢٤٩٦٧)، والبخارى (١٩٧٠)، ومسلم ٨١١/٢
(١٧٧/٧٨٢) من طریق یحیی به.
(٢) عبد الرزاق (٧٣٣١، ٩٤٣١).
(٣) خانِقِين: بلدة من نواحى السواد فى طريق همذان من بغداد، وهو أيضًا اسم بلدة بالكوفة . ينظر
معجم البلدان ٣٩٣/٢، والتاج (خ ن ق).
٥٩

الموطأ
التمهيد
رأياه بالأمسِ . ففى هذا الخبرِ عن عمرٌ اعتبارُ شهادة رجلينٍ على رؤية الهلالِ ،
ولم يخُصَّ عشًّا من غيرٍ عشئٍ. وقد ذكرنا مسألة الشّهادةِ على الهلالِ فى بابٍ
(١)
نافع(١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم المقرئُ، قال : حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ حَبابةً ،
قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ البغوىّ، قال: حدَّثنا علىُ بنُ
الجعدِ ، قال: حدَّثنا زُهيرُ بنُ مُعاويةً، عن الأعمشِ، عن شقيقِ بنِ سلمةً قال :
كتَب إِلينا عمرُ بنُ الخطابِ ونحنُ بخانِقِينَ : إِنَّ الأُهلَّةَ بعضُها أ کبر من بعضٍ ،
فإذا رأَيتُم الهلالَ نهارًا فلا تُفطِروا حتى يشهَدَ عدلانِ أنَّهما رأياه بالأمسِ(٤).
ورُوِىّ عن علىّ بن أبى طالبٍ مثلُ ذلك.
ذكَره عبدُ الرزاقِ (١) ، عن الحسنِ بنِ عُمارةً، عن الحكم، عن يحيى بنٍ
الجزَّارِ، عن علىَّ.
وقد رُوىَ من حديثٍ أبى إسحاقَ، عن الحارثِ ، أَنَّ هلالَ الفطرِ رِىءَ
نهارًا، فلم يأْمُرْ علىَّ بن أبى طالبِ الناسَ أنْ يُفطِروا من يومِهم ذلك .
وروی الزهرىُّ، عن سالم، عن ابنِ عمر قال : لا تُفطِروا حتی ◌ُی من
القیس
(١) تقدم ص ٣١ - ٣٥،
(٢) البغوى فى الجعديات (٢٧٠٥). وأخرجه ابن أبى شيبة ٦٧/٣، ٦٩، والبيهقى ٢١٣/٤، ٢٤٨ من
طریق الأعمش به .
(٣) عبد الرزاق (٧٣٣٣).
٦٠