Indexed OCR Text
Pages 401-420
الموطأ
فى الكبارِ منها. وهو قولُ زفرَ. وقال ابنُ عبدِ الحكم: مَن كانت عنده خمس الاستذكار
وعشرون سَقْبًا(١) فعليه بنتُ مَخاضٍ، وإن كانت أربعون حلوبةً فعليه فيها
جَذَعةٌ. وقال الشافعىُّ: السّنّ التى تؤخذُ فى الصدقةِ مِن الغنم والبقرِ والإبلِ
الجَذَعةُ مِن الضأنِ والثنيَّةُ مما سِواها، إلا أن تكونَ صغارًا كلُّها وقد حالَ
عليها حولُ أمّها، فإنه يؤخذُ منها الصغیرُ. قال: وحكمُ البناتِ حكمُ
الأمهاتِ إِذا حالَ عليها حولُ الأمهاتِ . وقال أبو حنيفةً ومحمدٌ : لا شىءً فى
الفُصْلانِ ، ولا فى العجولِ، ولا فى صغارِ الغنم ، لا منها ولا مِن غيرِها . وهو
قولُ جماعةٍ مِن تابِعِى أهلِ الكوفةِ .
ومِن ◌ُحُجَّتِهم ما رواه هشيمٌ، عن هلالٍ بنٍ خَبَّابٍ (١ ، أنه أخبره عن ميسرةً
أبى (٢) صالح، قال: حدَّثنا سويدُ بنُ غَفَلةَ، قال: أتانا مُصدِّقُ النبيِّ ◌َِتِ،
فَأَتَيْتُ فجلَستُ إليه، فسمِعتُه يقولُ: إن فى عهدى ألَّ آخذَ مِن راضعٍ لبنٍ (١)،
ولا أجمعَ بينَ مُفترِقٍ، ولا أُفرّقَ بينَ مُجتمع. قال: وأتاه رجلٌ بناقةٍ كَوْمَاءَ ،
القبس
(١) الشّقْبُ: ولد الناقة . التاج ( س ق ب).
(٢) فى م: ((حسان)). وينظر تهذيب الكمال ٣٣٠/٣٠.
(٣) فى ح، م: ((ابن)). وينظر تهذيب الكمال ١٩٧/٢٩.
(٤) أراد بالراضع ذات الدر واللبن. وفى الكلام مضاف محذوف تقديره : ذات راضع. ونهيه عن
أخذها لأنها خيار المال. و((من)) زائدة. وقيل: هو أن يكون عند الرجل الشاة الواحدة أو اللقحة قد
اتخذها للدر، فلا يؤخذ منها شىء. ينظر النهاية ٢/ ٢٣٠.
(٥) الناقة الكوماء: مشرفة السنام عاليته. النهاية ٢١١/٤.
٦٠
٤٠١
(موسوعة شروح الموطأ ٢٦/٨)
٠.٠
الموطأ
الاستذكار فأتى أن يأخذَها(١).
وقال أبو یوسف ، والثوریُ، والأوزاعُ : يؤخذُ منها إذا کانت خِرِفاناً ، أو
عجولًا ، أو فُصلانًا، ولا يُكلَّفُ صاحبُها أكثرَ منها . ورُوِى عن أبى يوسفَ أنه
قال : فى خمسٍ فُصلانٍ واحدةٌ منها أو شاةٌ .
واختلفوا فى المَعِيبةِ كلِّها؛ عِجافًا كانت أو مريضةٌ، فالمشهورُ مِن
مذهبٍ مالكِ أنه يلزَمُ صاحبها أن يأتىَ بما يجوزُ ضحيةً؛ ◌َذَعةٌ أو ثَنِيَّةً غيرَ
معيبةٍ .
وروَى ابنُ القاسم، أن عثمانَ بنَ الحكم سأل مالكًا عن الساعى يجدُها
عجافًا كلَّها ، فقال : يأخذُ منها .
قال سُحنونٌ: وهو قولُ المخزوميِّ، وبه قال مُطرّفٌ وابنُ الماجِشونِ.
قال أبو عمرَ: وهو قولُ الشافعىِّ وأبى يوسفَ . قال الشافعىُّ: لأنى إذا
کلفته صحیحةً كانت أكثرَ مِن شاةٍ معيبةٍ ، فأوجبتُ علیه أكثر مما وجب عليه .
قال: ولم توضع الصدقةُ (١) إلا رِفْقًا بالمساكينِ، مِن حيثُ لا يضرُّ بأربابٍ
الأموالِ ، فأما أبو حنيفةَ فقولُه فى المَعيبةِ نحوُ ذلك، وأما الصغارُ فلا يَرَى فيها
شيئًا على ما تقدَّم. واللهُ أعلمُ .
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٣٢/٣١ (١٨٨٣٧)، والنسائى (٢٤٥٦) من طريق هشيم به.
(٢) فى الأصل: ((السقيطة)).
٤٠٢
الموطأ
العملُ فى صدقةٍ عامَين إذا اجتمعا
٦٠٥ - قال يحيى: قال مالكٌ: الأمرُ عندَنا فى الرجلِ تَجِبُ علیه
الصدقةُ، وإبلُه مائةُ بعيرٍ ، فلا يَأْتِيه الساعِى حتى تَجِبَ عليه صدقةٌ
أُخرى ، فيأتيه المُصدِّقُ وقد هلكت إِلُه إلا خَمْسَ ذَوْدٍ .
قال مالكٌ: يأْخُذُ المُصَدِّقُ مِن الخَمسِ ذَوْدِ الصَّدقتَينِ اللَينِ وجَبتا
على ربِّ المالِ ؛ شاتَين، فى كلِّ عامٍ شاةٌ ؛ لأنَّ الصدقةَ إنما تَجِبُ على
ربِّ المالِ يومَ يُصدِّقُ مالَه، فإن هلَكت ماشيتُه أو نَمت ، فإنما يُصدِّقُ
المُصَدِّقُ زكاةَ ما يَجِدُ يومَ يُصدِّقُ، وإن تَظاهَرت على ربِّ المالِ
صدَقاتٌ غيرُ واحدةٍ ، فليس عليه أن يُصَدِّقَ إلا ما وجَد المُصَدِّقُ
عنده ، فإن هلکت ماشیتهاو وجبت علیه فيها صدقاتٌ ، فلم يُؤخَذْ منه
شيءٌ حتى هلكت ماشيتُه كلَّها، أو صارت إلى ما لا تَجِبُ فيه
الاستذكار
بابُ العملِ فى صدقةٍ عامَين إذا اجتمعا
قال مالكٌ: الأمرُ عندَنا فى الرجلِ تجبُ عليه الصدقةُ وإبلُه مائةُ بعيرٍ ، فلا
يأتِیه الساعى حتى تجب عليه صدقةٌ أُخرى ، فيأتيه المُصدِّقُ وقد هلكت إِبلُه إلا
خمسَ ذَوْدٍ .
قال مالكٌ: يأخذُ المُصدِّقُ مِن الخمسِ ذَوْدِ الصدقتَين الواجبتين على ربِّ
المالِ؛ شاتَين، فى كلِّ عام شاةً؛ لأن الصدقةَ إنما تجبُ على ربِّ المالِ يومَ
القبس
٤٠٣
الموطأ
الصَّدقةُ، فإنه لا صدقةً عليه ولا ضَمانَ فيما هلك، أو مضى من
السنین .
الاستذكار يصدِّقُ مالَه، فإِن هلكَت ماشيتُه أو نَمَت ، فإنما يُصدِّقُ المُصدِّقُ ما يجِدُ يومَ
يصدِّقُ، وإن تظاهرت على ربِّ المالِ صدقاتٌ غيرُ واحدةٍ ، فليس عليه أن
يُصدِّقَ إلا ما وجد المُصدّقُ عندَه، فإن هلگت ماشيتُه أو وجبت عليه فيها
صدقاتٌ، فلم يؤخذْ منه شىءٍ حتى هلكَت ماشيتُه كلُّها، أو صارَت إلى ما لا
تجبُ فيه الصدقةُ؛ فإنه لا صدقةَ عليه ولا ضمانَ فيما هلَك أو مضَى مِن
السنين) .
ومِن غيرِ ((الموطأً)): وسُئل مالكٌ عن رجلٍ كانت له أربعون شاةً ، فلم يأتِه
المصدِّقُ ثلاثةَ أعوامٍ ، ثم أتاه فى العامِ الرابعِ وهى أربعون، كم يأخذُ منها لعامِه
ذلك وللسنينَ الماضيةِ؟ فقال مالك: يأخذُ منها شاةً واحدةً . قال: ولو كانت
ثلاثًا وأربعين أخذ منها ثلاثَ شياهٍ أيضًا، وإن كانت إحدى وأربعين أخَذَ منها
شاتَين. وقال الشافعىُ كقول مالكٍ، وقال: أُحَبُّ إلىّ فى الأربعين أن يُؤْدَّى
عنها فى كلِّ سنةٍ شاةً، إذا كانت لم تنقُصْ فى كلِّ سنةٍ عن أربعين؛ لأنه قد
حالت عليها أحوالٌ، وهى فى كلِّها أربعون. هذا قولُه فى الكتابِ المصرىِّ،
وقال فى البغدادىِّ فى الرجلِ الذى تكونُ عندَه عشرٌّ مِن الإبلِ فيترُكُها سنينَ ، أنه
يؤخَذُ منها فى السنينَ كلِّها ؛ لأن صدقتَها مِن غيرِها . وقال فى الأربعينَ والثلاثِ
والأربعينَ إذا ترَكها صاحبُها فلم يزكِّها سنينَ كقولٍ مالكٍ وأصحابِه فى ذلك .
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((أو مضى من ماله))، وفى ح: ((من ماله)).
٤٠٤
النهى عن التضييق على الناسِ فى الصدقةٍ
الموطأ
٦٠٦ - حدَّثنى يحيى، عن مالك، عن يحيى بن سعيدٍ، عن
وما استحبَّه الشافعىُّ فى أن يؤخذَ مِن الأربعين أربعُ شياهٍ، كأنه قد أخذ منه الاستذكار
الساعى شأةً فى العامِ الأُولِ ، ثم أتَى فى الثانى فوجدها أربعين، ثم فى الثالث
والرابع مثل ذلك . وهو قول مالك فى الهارب بماشیتِه مِن الساعى . وقال
أبو يوسفَ ، وأبو حنيفةً، ومحمدٌ): مَن كانت عنده عشْرٌ مِن الإبلِ فلم يزكُها
سنتين، فإن عليه فى السنة الأولى شاتَين وفى الثانيةِ شاةً .
قال أبو عمرَ: جعَلوا الشاةَ المأخوذةَ عن(٢) الخمسِ الذَّؤْدِ(٣) كأنها منها،
فنقصت لذلك عن نصابها .
وقالوا فى الغنمِ : إذا كانت لرجلٍ عشرون ومائةُ شاةٍ ، وأُتَّى عليها سنتان ولم
یزگها ، فإن علیه ز کاةً سنتین، فی کلِّ سنةٍ شاةً ، ولو كانت إحدى وعشرين
ومائةً ، ولم يزكِّها سنتين، فإن عليه للسنة الأولى شاتَين، وللسنةِ الثانيةِ شاةً .
وقال أبو ثورٍ : إذا كانت لرجل عشرٌ مِن الإبل ، فحال عليها حولان ، فإن فيها
أربعًا مِن الغنمِ، وذلك أن زكاتَها مِن غيرِها، وليس زكاتُها منها فتنقُصَ .
بابُ النهي عن التضييق على الناسِ فى الصدقةِ
ذكر فيه مالكٌ حديثَ عائشةَ ، أنها قالت: مُوَّ على عمرَ بنِ الخطابِ بغنم
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((أبو حنيفة وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد بن جابر).
(٢) فى م: ((من).
(٣) فى ح، م: ((ذود)).
٤٠٥
الموطأ محمدٍ بنٍ يحِتِى بِنِ حَبَّانَ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ، عن عائشةَ زَوج
النبيِّ وَلّه، أنها قالت: مُوَّ على عمرَ بنِ الخطابِ بغنم مِن الصدقةِ،
فرأى فيها شاةً حافِلًا ذاتَ ضَرْع عظيم ، فقال عمرُ: ما هذه الشَّاةُ ؟
فقالوا : شأةٌ مِن الصدقةِ. فقال عمر: ما أعطَى هذه أهلُها وهم طائِعون ،
لا تَفْتِنوا الناسَ، لا تَأْخُذوا حِزّرَاتِ المسلمينَ، نَكُبوا عن الطعامِ .
الاستذكار مِن الصدقةِ، فرأى فيها شاةً حافلًا ذاتَ ضَرْع عظيم، فقال: ما هذه الشاةُ؟
فقالوا : شأةٌّ مِن الصدقةِ . فقال عمرُ: ما أعطَى هذه أهلُها وهم طائعون ، لا تفتِنوا
الناسَ؛ لا تأخُذوا حَزَراتِ المسلمين، نَكَبوا عن الطعامِ (١).
قال أبو عمرَ: قولُه: حافلًا. يعنى التى قد امتَلأ ضرعُها لبنًا، ومنه قيل:
مجلس حافلٌ ومُخْتَفِلٌ. وإنما أُخذت ، واللهُ أعلمُ، مِن غنم كلُّها لبونٌ ، كمالو
كانت كلُّها رُتَّى أُخذ منها ، أو لو كانت كلُّها مواخضَ أَخذ منها ، ولكن عمرَ
رضى اللهُ عنه كان شديدَ الإشفاقِ على المسلمين كالطيرِ الحذرٍ (٢)، وهكذا
يلزمُ الخلفاءَ فيمَن أمَّروه واستعمَلوه الحذرُ منهم، واطلاعُ أعمالهم. وكان
رضى اللهُ عنه إذا قيل له : ألا تستعملُ أهلَ بدرٍ؟ قال: أَدْنِّسُهم بالولايةِ() ! على
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٨/٤ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٦٩٧). وأخرجه
الشافعى ٥٦/٢، وأبو عبيد فى الأموال (١٠٨٨)، وابن زنجويه فى الأموال (١٥٦٣)، والبيهقى
١٥٨/٤ من طريق مالك به .
(٢) ذكر المصنف فى الاستيعاب ١١٠٩/٣ عن ابن عباس فى وصفه لعمر رضى الله عنه: كالطير
الحذر الذى قد نُصِب له الشَّرَك، فهو يراه، ويخشى أن يقع فيه .
(٣) أخرجه ابن سعد ٢٨٣/٣.
٤٠٦
الموطأ
أنه قد استعمَل منهم قومًا؛ منهم سعدٌ ، ومحمدُ بنُ مَسلمةً. ورُوِى عن حذيفةً الاستذكار
أنه قال لعمرَ : إنك لتستعملُ الرجلَ الفاجرَ! فقال: أستعملُه لأستعينَ بقوتِه ، ثم
أكونَ بعدُ على قَفاه . يريدُ : أستقصِى عليه وأعرفُ ما ( يعملُ به ١).
والدليلُ على أن الشاةَ الحافلَ لم تُؤخذْ إلا على وجهها، أنه(١) لم يأمرْ
برَدِّها، ووعَظ وحذَّر تنبيهًا ليوقَفَ على مذهبِه، ويُنشَرَ(١) ذلك عنه، فتطمئنَّ
نفوسُ الرعيةِ ويخافَ عاملُهم. وأما الحَزَراتُ ، فما غلَبِ على الظنِّ أنه خيرٌ
المالٍ وخيارُه. وقال صاحبُ ((العينِ)): الحَزراتُ خيارُ المالِ(٤). وقيل:
الحَزَراتُ كرائمُ الأموالِ. وكذلك قال رسولُ اللهِ وَلِّ لمعاذٍ بنٍ جبلٍ حينَ بعثَه
إلى اليمنِ: ((إياك وكراثمَ أموالِهم، واتقٍ دعوةَ المظلومِ)) .
وأما قولُه: نَكْبوا عن الطعام. فمأخوذٌ، واللهُ أعلمُ، مِن قولِ رسولِ اللهِ
وَله : ((إنما تَخْزُنُ(٢) لهم ضروعُ مواشيهم أَطعمتَهم))(٧). فكأنه قال: نكِبوا
عن ذواتِ الدَّرِّ، وخُذوا الجَذَعةَ والثنيةَ.
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا
القبس
(١ - ١) فى ح: ((يعمله)).
(٢) فى الأصل، ح: ((لأنه)).
(٣) فى الأصل: ((ينتشر)).
(٤) العين ١٥٧/٣.
(٥) سيأتى تخريجه الصفحة القادمة.
(٦) فى الأصل، م: ((تحدث)).
(٧) سيأتى فى الموطأ (١٨٨١).
٤٠٧
الموطأ
الاستذکار أبو داود، قال: حدّثنا أحمدُ بنُ حنبل، قال: حدّثنا و کیٹ، قال : حدثنا ز کریا
ابنُّ إسحاق المکئُّ ، عن یحیی بنِ عبدِ اللهِ بنِ صَٹفئٍ ، عن أبى معبدٍ ، عن ابنِ
عباسٍ، أن رسولَ اللهِ وَله بعَث معاذًا إلى اليمن فقال: ((إنك تأتى قومًا أهلَ
كتابٍ)). فذكر الحديثَ، وفى آخرِه: «فإن أطاعوا ، فإياك و کرائم أموالهم،
واتقٍ دعوةَ المظلومِ)) ().
ومِن حديثٍ أنس، عن النبيِّ وَّهِ، أنه قال: ((المُعْتدِى فى الصدقةِ
(٢)
كمانیھا)»(١).
قال أبو عمرَ: وقد وعَظ رسولُ اللهِ وَالْ أَربابَ المواشى، كما وعَظ
الشُّعاةَ؛ ومِن حديثٍ جريرٍ، عن النبيِّ ◌َ، قال: ((لا ينصرِفُ المُصدِّقُ
عنكم إلا وهو راضٍ))(١). وقد ذكّرنا أسانيدَ هذه الآثارِ فى ((التمهيدِ)).
وفى سماعٍ أبى قُوَّةَ: قلتُ لمالكٍ ما قولُه: نكْبوا عن الطعامِ؟ فقال لى:
يريدُ اللبنَ. قال مالكٌ: ولا يأخذُ المصدِّقُ لَبونا إلا أن تكونَ الغنمُ كلُّها ذاتَ
لبنٍ، فيأخذُ حينئذٍ لبونًا مِن وسَطِها، ولا يأخذُ حَزَراتِ الناسِ.
القبس
(١) أبو داود (١٥٨٤)، وأحمد ٤٩٨/٣ (٢٠٧١). وأخرجه الترمذى (٦٢٥)، والنسائى
(٢٠٢١)، وابن ماجه (١٧٨٣) من طريق وكيع به .
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٨٥)، والترمذى (٦٤٦)، وابن ماجه (١٨٠٨).
(٣) أخرجه أحمد ٥٢٣/٣١ (١٩١٨٧)، ومسلم (٩٨٩)، والترمذى (٦٤٧)، والنسائى
(٢٤٦٠).
٤٠٨
الموطأ
٦٠٧ - وحدّثنی عن مالك ، عن یحتی بن سعيد ، عن محمدِ بنِ
يحيى بنِ حَبَّانَ، أنه قال: أخبرَنى رجلانٍ من أَشْجَعَ، أن محمدَ
ابنَ مَسلَمةَ الأنصارىَّ كان يأتيهم مُصَدِّقًا، فيقولُ لربِّ المالِ :
أُخرِجْ إلىَّ صدقةً مالِكَ. فلا يَقودُ إليه شاةً فيها وفاءً مِن حقِّه إلا
قبِلَها .
قال مالك : الشنَّةُ عندَنا والذى أدرَكْتُ عليه أهلَ العلمِ ببلدِنا ، أنه لا
يُضَيَّقُ على المسلمين فى زكاتِهم، وأن يُقبَلَ منهم ما دفَعوا مِن أموالهم.
وذكّر مالكٌ أيضًا فى هذا البابِ حديثَ محمدٍ بنِ مَسلمةً أنه كان لا يؤتَّى الاستذكار.
بشاةٍ فيها وفاءً مِن حقِّه إلا قبِلها(١) . وكان عمرُ بنُ الخطابِ يبعثُه ساعيًا. وهذا
الحدیثُ لا مدخلَ فیه للقول ، ولا معنی فیه مشکِلٌ یحتاج إلی تفسیر ، وحسبُ
كلِّ مَن أُعطِى حقَّه أن يقبلَه . والوفاءُ العدلُ فى الوزنِ وغيرِهِ، فإن أراد بالوفاءِ
هلهنا الزيادةَ، فلا أعلمُ خلافًا بينَ العلماءِ أنه ينبغى للعاملِ على الصدقةِ إذا طاع
رِب٣ُّ) المالِ "بأوفَى ممَّا عليه، أن يأخذَ ذلك للمساكينِ، ولا يردَّ ما طاع لهم
به ربّ المالِ ولیس ذلك له .
وقولُ مالكِ: الشُنَّةُ عندَنا والذى أدركتُ عليه أهلَ العلم ببلدنا، أنه لا
يُضيّقُ على المسلمين فى زكاتِهم، وأن يُقْبَلَ منهم ما دفعوا مِن أموالهم.
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٨/٤ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٦٩٨). وأخرجه
الشافعی ٥٧/٢، وابن زنجويه فى الأموال (١٥٦٤)، والبيهقى ١٠٢/٤، ١٥٨ من طريق مالك به.
(٢ - ٢) فى الأصل: ((طاع من))، وفى م: ((أعطى رب)). وطاع: انقاد. الوسيط (ط وع).
(٣ - ٣) فى ح: ((أوفى عليه))، وفى م: (( فأوفى عليه )).
٤٠٩
الموطأ
أخذُ الصدقةٍ ومَن يجوزُ له أَخِذُها
٦٠٨ - حدَّثنى يحتِى، عن مالك، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن عطاءِ بنِ
يَسارٍ، أن رسولَ اللهِ وَ له قال: ((لا تَحِلُّ الصدقةُ لغَنِىٌّ إلا لخمسةٍ؛ لغازٍ
فى سبيلِ اللهِ، أو لعاملٍ عليها، أو لغارمٍ ، أو لرجلٍ اشتراها بمالِه، أو لرجلٍ
له جارٌ مسكينٌ، فتُصُدِّقَ على المسكينِ، فأُهدَى المسكينُ للغَنِيِّ)).
التمهيد
مالكٌ، عن زيد بن أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِ قال: ((لا
تحلُّ الصَّدقةُ لغنىٌ إلَّا لخمسةٍ ؛ لغازٍ فى سبيلِ اللهِ ، أو لعاملٍ عليها ، أو لغارمٍ، أو
لرجلٍ اشتراها بمالِهِ، أو لرجلٍ له جارٌ مسكينٌ، فتصدِّقَ على المسكينِ ، فأهدَى
المسكينُ للغنىّ))(١) .
الاستذكار
قال أبو عمرَ : هى السُّنَّةُ عندَ الجميع ، إذا دفَع أربابُ الأموالِ ما يلزمُهم فلا
تَضْبِيقَ حينئذٍ على أحدٍ منهم ، إنما التضييقُ أن يُطلب منهم غيرُ ما فُرِض عليهم .
وفيما مضَى مِن أقوال العلماءِ فيمَن غَمُه كلُّها جَزباءُ، أو ذواتُ عيوبٍ ، أو
صِغارٌ، ما يُبيِّنُ لك معنى التضييقٍ مِن غيرِهِ . واللهُ أعلمُ .
مَن يجوزُ له أخْذُ الصدقةِ :
القبس
بيَّن اللهُ عز وجل مَصْرِفَ الزكاةِ فى قوله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ﴾
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٤٣)، وبرواية يحيى بن بكير (٨/٤ظ - مخطوط )، وبرواية
أبى مصعب (٧٠٠). وأخرجه الشافعى ٧٣/٢، ٨٤، وابن زنجويه فى الأموال (٢٠٠٨)، وأبو داود
(١٦٣٥)، والحاكم ٤٠٨/١ من طريق مالك به .
٤١٠
الموطأ
هكذا رواه مالكٌ مُرسلًا ، وتابعَه على إرسالِه ابنُ عُبينةَ وإسماعيلُ بنُ أُميَّةَ .
ورواه الثَّورئُّ، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار ، قال: حدّثنِی
الثَّبْتُ()، عن النبيِّ وَلِ. فذكَرَه(٢).
التمهيد
ورواه معمرٌ، عن زيدِ بنِ أُسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبى سعيدٍ
القبس
إلى آخرِ الآيةِ [التوبة: ٦٠]. فتعيّنَتْ لهم، ثم رُوِى عن النبيِّ وَلِّ أنه قال: ((لا تَجِلُ
الصَّدَقَةُ لِغَنِىِّ إلَّا لِخَمْسَةٍ). وكما أنه حرَّم الصدقةَ على كلِّ أحدٍ عدا أصنافٍ(٣)،
فكذلك أيضا حرَّم المسألةَ على مَن كان عندَه غَداءٌ وعَشاءٌ، وفى روايةٍ : وعلى مَن
كان عنده أُوقِيَّةٌ(٤). وهو الصحيح، فأما العاملُ فيأَخُذُ منها نصيبَه أجرةً له على تكفُّلِ
ذلك، وأما الغارِيمُ وهو أحدُ رجلين؛ إمّا رجلٌ له - مثلاً - مائةُ دینارٍ وعلیه مائةُ دینارٍ ،
فهو فقيرٌ غارِيمٌ يحِلُّ له أخْذُ الصدقةِ ، ولا تُؤْخَذُ منه عندَنا. وقال الشافعىُّ: تؤخَذُ منه
ويُعْطَى. وقد بيَنَّاها فى ((مسائلِ الخلافِ))، وأما الرجلُ الذى اشتراها بمالِه ، أو الذى
أَهْدَى له المتصدَّقُ عليه، فذلك مجازٌ؛ لأنها ليست بصدقةٍ بعدَ الشراءِ والهديةِ ،
وإنما هى خالصُ مِلْكٍ، وقد بيَّن النبيُّ وَّهِ ذلك بقوله: ((قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا)(٥).
وأما الغازى فى سبيلِ اللهِ فإنهم أهلُ الدِّيوانِ، يُفْرَضُ لهم العطاءُ، وتُصْرَفُ إليهم
الصدقةُ .
(١) فى ص٤، م: ((الليث)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٧١٥٢) عن الثورى عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من
أصحاب النبى وَ ل و، وأخرجه الدار قطنى فى العلل ٢٧١/١١ من طريق الثورى عن زيد بن أسلم قال
حدثنى الثبت عن النبى 8 198، بدون ذكر عطاء بن يسار. وينظر سنن أبى داود عقب (١٦٣٦)،
وعلل ابن أبى حاتم ٢٢١/١، وسنن البيهقى ١٥/٧.
(٣) فى م: ((الأصناف)).
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٩٥٣).
(٥) سيأتى تخريجه ص ٤١٨ - ٤٢٠ .
٤١١
الموطأ
الخدرىٌّ، عن النبيِّ وَ ر.
التمهيد
فأمَّا روايةُ ابنِ عُيينةَ؛ فحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ .
مُطرّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عُثمانَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ
الأيلىُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينةً، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ ،
قال: قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((لا تحلُّ الصَّدقةُ لغنىٌّ إلّ لخمسةٍ؛ رجلٍ اشتراها
بمالِهِ، أو رجلٍ أُهدَيَتْ لَه، أو لعاملٍ عليها، أو لغارمٍ، أو لغازٍ فى سبيلِ اللهِ))(١).
وأمّا روايةُ إسماعيلَ بنِ أُميَّةً، فرواها ابنُ عُلِيَّةً، عن إسماعيلَ بنِ أُميَّةً، عن
زيد بن أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن النبيِّ بَّهِ. بلفظِ حديثٍ مالكٍ حرفًا
بحرف .
وأمَّا روايةُ معمرٍ؛ فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ ويعيشُ بنُ سعيدٍ ، قالا:
حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدثنا محمدُ بنُ غالب، قال : أخبرنى أحمدُ
ابنُ عبدِ اللهِ بنٍ صالح - يعنى الكوفىَّ - قال: حدَّثنى أحمدُ بنُ صالحٍ -
يعنى المصرىَّ - قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ بنُ همَّامٍ بنِ نافع، قال: حدَّثنا
معمرٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، عن أبى سعيد الخدرىِّ،
قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((لا تحلُّ الصَّدقةُ لغنىٌّ إلَّا لخمسةٍ؛ لعاملٍ
عليها، أو لرجلٍ اشتراها بمالِهِ، (أو غارم" ، أو غازٍ فى سبيلِ اللهِ، أو
القبس
(١) ذكره أبو داود عقب (١٦٣٦)، وابن أبى حاتم فى العلل ٢٢١/١ عن ابن عيينة به .
(٢ - ٢) سقط من: ص ٤.
٤١٢
الموطأ
التمهید
مسكينٍ تُصدِّقَ عليه فأهدَى منها لغنىٌ))(١).
وحدَّثنا خلفُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدٍ ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ خالدٍ ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزَّاقِ .
فذگر پاسنادِه مثلَه سواءً .
وفى هذا الحديثِ منَ الفقْهِ ما يدخلُ فى تفسيرِ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّمَا
الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ﴾ الآية. وتفسيرٌ لقولٍ رسولِ اللهِ وَّهِ: (( لا تحلُّ
الصَّدقةُ لغنىٌ، ولا لِذِى مِرَّةٍ سوىٍ(٢))(٣). وقولُه هذا عُمومٌ مخصوصً بقوله فى
هذا الحديثِ: ((إِلَّ لخمسةٍ)).
٦
وأجمَعَ العلماءُ على أنَّ الصَّدقةَ المفروضةَ لا تحلُّ لأحدٍ مِن الأغنياءِ غيرِ مَن
ذُكرَ فى هذا الحديثِ منَ الخمسةِ الموصوفينَ فيه ، وكانَ ابنُ القاسم يقولُ : لا
يجوزُ لغنىٌّ أنْ يأخذَ مِن الصَّدقةِ ما يستعينُ به على الجهادِ وينفقُه فى سبيلِ اللهِ ،
وإنَّما يجوزُ ذلك للفقيرٍ. قال: وكذلك الغارمُ لا يجوزُ له أنْ يأُخذَ منَ الصَّدقةِ ما
تَقِی(٤) بها مالَه ویؤدِّى منها دينه، وهو عنها غنىٌّ . قال: وإذا احتاج الغازِى فى
القبس
(١) عبد الرزاق (٧١٥١) - ومن طريقه أحمد ٩٦/١٨ (١١٥٣٨)، وأبو داود (١٦٣٦)، وابن
ماجه (١٨٤١)، وابن خزيمة (٢٣٧٤).
- (٢) المرّة: القوة والشدة. والسوى: الصحيح الأعضاء. النهاية ٣١٦/٤.
(٣) أخرجه أحمد ٨٤/١١ (٦٥٣٠)، والترمذى (٦٥٢) من حديث عبدالله بن عمرو بن
العاصى .
(٤) فى م: ((يفى)).
٤١٣
الموطأ
غزوته - وهو غنئٌ له مالٌ غائبٌ عنه - لم يأخذْ مِن الصَّدقة شيئًا ، واستقرضَ،
التمهيد
فإذا بلغَ بلدَه ، أدَّى ذلك مِن مالِهِ .
هذا كلُّه ذكره ابنُ حبيبٍ ، عن ابنِ القاسمِ ، وزعَم أَنَّ ابنَ نافعٍ وغيرَه خالفَه
فى ذلك .
(١ وذكر ابنُّ أبى زيدٍ وغيرُه، عن ابنِ القاسمِ، أَنَّه قال فى الزَّكاةِ : يُعطَی
منها الغازی وإن كان معه فى غزاته ما یکفیه من ماله، وهو غنيٌّ فى بلده .
ورؤَى ابْنُّ وهب ، عن مالكِ أنَّه يُعطَى منها الغُزاةُ ، ومَن لزِمَ مواضعَ الرِّباطِ ،
فُقْراءَ كانوا أو أغنياءَ . وذكَر عيسَى بن دينارٍ فى تفسيرِ هذا الحديث ، قال : تحِلُّ
الصَّدقةُ لغازٍ فی سبیلِ اللهِ قد احتاج فى غزوتِه، وغاب عنه غناه ووَفْرُه ، قال : ولا
تحلُّ لمنْ كان معه مالُه منَ الغزاةٍ ، إِنَّما تحلُّ لمنْ كان مالُه غائبًا عنه منهم . قال
عیسی: وتحلَّ لعامل عليها، وهو الذى يجمعُها للمساکینِ مِن عند أربابٍ
المواشِى والأموالِ، فهذا يُعطَى منها على قدرٍ ("سعيِهِ، لا على قدرٍ" ما جمَع مِن
الصَّدقاتِ والعشورِ، ولا يُتنظرُ إلى الثُّمُنِ، وليسَ الثَّمُنُ بفريضةٍ ، وإنّما له قدرُ
اجتهاده وعمله. قال: وتحلّ لغارم ◌ُرمًا قد فدته وذهب بماله ، إذا لم یکنْ
غُرمُه فی فسادٍ ، ولا دیتُه فی فسادٍ ، مثل أن یستدینَ فی نکاح أو حجّ ، أو غیرِ
ذلك مِن وُجوهِ الصَّلاحِ والمباح. قال: وأمّا غارٌ لم يفدخهُ الغرمُ، ولم يحتجْ،
القبس
(١ - ١) فى ص ٤: ((وروى أبو زيد)).
(٢ - ٢) سقط من: ص ٤.
٤١٤
الموطأ
وقد بقىَ له مِن مالِه ما يكفِيه، فإِنَّه لا حقَّ له فى الصَّدقاتِ. قال: التمهيد
وتحلُّ لرجلٍ اشتراها بمالِه، ولرجلٍ له جارٌ مسكينٌ تُصدِّقَ عليه، فأهدَى
المسكينُ للغنىِّ .
وأمَّا الشَّافعىُّ وأصحابُه، وأحمدُ بنُ حنبلٍ ، وسائرُ أهلِ العلم - فيما علمتُ
- فإِنَّهم قالوا: جائزٌ للغازِى فى سبيلِ اللهِ إذا ذهبَتْ نفقتُه ومالُه غائبٌ عنه أنْ
يأخذَ مِن الصَّدقةِ ما يُبلِّغُه. قالوا: والمتحمّلُ (١) بحَمالةٍ فى صلاحٍ وبِرٍّ،
والمتداينُ فى غيرِ فسادٍ، كلاهما يجوزُ له أداءُ دَينِهِ مِنَ الصَّدقةِ، وإنْ كان
الحميلُ غنيًّا فإنَّه جائزٌ له أخذُ الصَّدقةِ إذا وجبَ عليه أداءُ ما تحمَّلَ به وكانَ ذلك
يُجحفُ بمالِه .
واحتجَّ مَن ذهبَ إلى هذا بحديثٍ قبيصةً بنِ المخارقٍ ، وبظاهرٍ حديثٍ
زيد بن أسلمَ هذا .
فأمّا حديثُ قبيصةً؛ فحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدُ بنُ مُسرهدٍ، قال: حدَّثنا
حِمَّادُ بنُ زيدٍ ، عن هارونَ بنِ رئابٍ ، قال: حدَّثنِى كنانةُ بنُ نُعیم ، عن قبيصةً بنِ
المخارقِ، قال: تحمَّلْتُ بحَمالةٍ، فَأَتَيْتُ النبىَّ وَّهِ أسألُه فيها، فقال: ((أقمْ
يا قبيصةُ حتَّى تأتينا الصَّدقةُ فنأمرَ لكَ بِها)). ثم قال لى رسولُ اللهِ وَِّ :
((يا قبيصةُ، إِنَّ المسألةَ لا تحلُّ إلَّا لأحدٍ ثلاثةٍ؛ رجلٌ تحقَّلَ بحَمالةٍ فحلَّتْ لَه
القبس
(١) فى م: ((المحتمل)).
(٢) بعده فى م: ((الحديث)).
٤١٥
الموطأ
: التمهيد المسألةُ حتَّى يُصيبَها، ثُمَّ يُمسكُ، ورجلٌ أصابته جائحةٌ فاجتاحَتْ مالَه ،
فحلَّتْ لَه المسألةُ حتَّى يُصيبَ قِوامًا من عيشٍ - أو سِدادًا من عيشٍ - ورجلٌ
أصابته فاقةٌ حتَّى يقولَ ثلاثةٌ من ذوِى الحِجا من قومِهِ: أصابَتْ فُلانًا الفاقةُ
فحلَّتْ لَه المسألةُ حتَّى يُصيبَ قِوامًا من عيشٍ - أو سِدادًا من عيشٍ - فما سواهُنَّ
يا قبيصةٌ منَ المسألةِ فسختٌ))(١).
فقولُه: ((رجلٌ تحقَّلَ بحَمالةٍ، فحلَّتْ لَه المسألةُ حتَّى يُؤدِّيَها، ثُمَّ
يُمسكُ)) . دليلٌ على أنَّه غنىٌّ؛ لأنَّ الفقيرَ ليسَ عليه أنْ يُمسكَ عن السُؤالِ مع
فقرِه، ودليلٌ آخرُ وهو عطفُه ذكرَ الذى ذهَب مالُه، وذكرَ الفقيرِ ذِى الفاقةِ ، على
ذكرٍ صاحبِ الحَمالةِ، فدل على أنَّه لم يذهبْ مالُه، ولم تُصبْه فاقةٌ ، واللهُ
أعلمُ.
وأجمع العلماءُ على أنَّ الصَّدقةَ تحلّ لمن عمل عليها وإنْ كان غنيًّا ،
وكذلك المشترى لها بماله، والذى تُهْدَى له - على ما جاء فى هذا الحديث -.
فكذلك سائرُ مَن ذُكِر فيه . واللهُ أعلمُ .
وظاهرُ هذا الخبر یقتضِی أنَّ الصَّدقةَ تحلّ لهؤلاءِ الخمسةِ فی حالٍ غناهُم،
ولو لم يجز لهم أخذُها إلّا مع الحاجةِ والفقرِ لما كان للاستثناءِ وجَةٌ ؛ لأنَّ اللهَ قد
القبس
(١) أخرجه الدارمى (١٧٢٠)، وأبو داود (١٦٤٠)، عن مسدد به، وأخرجه الطيالسى (١٤٢٤)،
والدارمى (١٧٢٠)، ومسلم (١٠٤٤)، والنسائى (٢٥٧٨، ٢٥٧٩)، وابن خزيمة (٢٣٦١)،
وابن حبان (٣٣٩٦) من طریق حماد بن زيد به .
٤١٦
الموطأ
أباحّها للفقراء والمساكينِ إباحةً مُطلقةً، وحقُّ الاستثناءِ أنْ يكونَ مُخرِجًا مِن التمهيد
الجملةِ ما دخَل فى عُمومِها، هذا هو الوجْهُ، واللهُ أعلمُ .
وژُۇِّینا عن عبد الرحمنِ بنِ أُبی نُعم آنَّه قال: كنتُ جالسًا عندَ عبدِ اللهِ بنِ
عُمِرَ، فجاءَتْه امرأةٌ ، فقالتْ: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إِنَّ زوجَها(١) تُوفِّى ، وأوصَى
بمالٍ فى سبيلِ اللهِ . قال: هو فى سبيلِ اللهِ كما قال. قلتُ: إِنَّكَ لم تزذها إلّ
عَمَّى(٢)، قد سألتْكَ فأخبرها. فأقبلَ علىَّ، فقال: يا ابنَ أبى نُعم، أتأمرنى أنْ
آمرّها أنْ تدفعه إلى هذه الجيوشِ الذينَ يخرجونَ فيفسدونَ فى الأرضِ ، ويقطعونَ
السَّبِيلَ؟ قال: فقلتُ: فتأمرُها بماذا؟ قال: آمرُها أنْ تُنفقَه على أهلِ الخيرِ،
وعلى مُحُجَّاجٍ بيْتِ اللهِ ، أولئكَ وفدُ الرحمنِ ، ليسوا كوفدِ الشّيطان . يُحرُِّها
ثلاثًا . قلتُ : وما وفدُ الشَّيطانِ؟ قال: قومٌ يأتونَ هؤلاءِ الأمراءَ، فيمشونَ إليهم
بالنَّميمةِ والكذبِ ، فيُعطّونَ عليها العطايا، ويجازَونَ عليها بالجوائزِ .
وفى هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّ مَن جازَ له أخذُ الصَّدقةِ، وحلَّتْ له،
أَنَّه يتصرّفُ فيها ويملكُها ، ويصنعُ فيها ما شاءً مِن بيع، وهبةٍ، وغير ذلك ممَّا
أُحبَّ؛ ولذلك ما يطيبُ أكلُها لمنِ اشتراها، ولمنْ أُهديَتْ إليه . وقد تقدَّمَ
القولُ فى معنَى هديَّةِ المسكينِ مِن الصَّدقةِ للغنىٌّ ، فى بابٍ ربيعةً، فى قصَّةٍ لحم
بريرةً؛ إِذْ قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((هو عليها صدقةٌ، وهو لنا هديَّةٌ))(٤).
القبس
(١) فى م: ((زوجى)).
(٢) فى م : (( غما)).
(٣) أخرجه الفاكهى فى أخبار مكة ٤١٣/١ (٨٩٠) من طريق عبد الرحمن بن أبى نعم به .
(٤) سيأتى فى شرح الحديث (١٢١٣) من الموطأ .
٤١٧
(موسوعة شروح الموطأ ٢٧/٨)
الموطأ
التمهيد
حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُّ فطيسٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ سَبُّويه (١) السّجْسِىُّ(١)،
قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزَّاقِ ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن يحيى بنٍ أبى كثيرٍ، عن
أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أَمّ سلمةَ، أنَّ النبيَّ وَّهِ دخَل عليها، فقال:
((أعندكِ شىءٌ؟)) فقالتْ: لا ، إلَّا رِجلُ شاةٍ تُصدِّقَ به على امرأةٍ فأهدتْهُ لنا .
فقال النبىُّ وَلَّهِ: ((قرّبِيهِ، فقدْ بلغَتْ محلّها))(٣).
ومعنَى قولِه هذا، واللهُ أعلمُ، أىْ: قد بلغَتْ حالًا تحلُّ لنا فيها؛ إذْ هى هديَّةٌ
أهداها مَن يملكُها، وإنْ كان أصلُها صدقةً فلا يَضُرُ(٤)؛ لأنَّها ليسَتْ بصدقةٍ من
المُهدِى. ويحتملُ أنْ يكونَ أرادَ بلغَتْ موضعَها الذى قدَّرَ اللهُ أَنْ تُؤْكلَ فيه،
فهو محلُّها؛ وهو منَ الوجْهِ الأُوَّلِ؛ أنَّها بلغَتْ حالًا حلَّ له فيها
أكلُها. ويحتملُ أنْ يكونَ أرادَ قد بلغَتِ الحاجةُ محلَّها، فنحنُ نأكلُ الرّجلَ
وغيرَ الرّجلِ لحاجتِنا إلى ذلك، واللهُ أعلمُ بما أرادَ بقولِه ذلك).
حدَّثْنِى محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطرّفٍ، قال: حدّثنا
القبس
(١) فى ص ٤: ((سيبويه))، وفى م: ((شيبويه)). وسبويه يروى بالسين المهملة والشين المعجمة. ينظر
الإكمال ٢٤/٥، وتبصير المنتبه ٧٧٢/٢.
(٢) فى ص٤، م: ((السجستى)). وينظر ما تقدم ٤١١/٦، ٥٥٤ .
(٣) عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧٩/١ - ومن طريقه أحمد ٢٤٢/٤٤ (٢٦٦٢٨)، والطبرانى
٢٥٩/٢٣ (٥٣٩).
(٤) فى ص٤، م: ((تضر)).
(٥ - ٥) سقط من: ص ٤.
٤١٨
الموطأ
التمهيد
سعيدُ بنُ عُثمانَ ، قال : حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيلىُّ ، قال: حدَّثنا سُفیانُ
ابنُّ عُيِينةَ ، عنِ الزُّهرىِّ، عن عُبيدِ بنِ السَّباقِ ، عن جويريةَ بنتِ الحارثِ ، قالتْ:
دخّل علىَّ رسولُ اللهِ وَِّ ذاتَ يومٍ، فقال: ((هلْ عند كنَّ شىءٌ؟)) قلتُ : لا ،
إِلَّ عظمّ أُعطيتْه مولاةٌ لنا مِن الصَّدقةِ. قال: ((قَرِّيِيهِ، فقدْ بلغَتْ محلّها))(١) .
وروَى ابْنُ عُليَّةً، عن خالدِ الحذَّاءِ، عن حفصةَ بنتِ سيرينَ، عن أُمّ عطيَّةً،
قالت: بعَث إلىَّ النبيُّ وَِّ شاةً منَ الصَّدقةِ، فبعثْتُ إلى عائشةً منها بشىءٍ،
فلمَّا خرجَ رسولُ اللهِ وَلِ إلى عائشةَ، قال: ((هلْ عندَكم من شىءٍ؟ )) قالت :
لا ، إِلَّ أنَّ أَمَّ عطيَّةَ بعثَتْ إلينا مِن شاتِها التى بعثتمْ بها إليها. فقال: ((إِنَّها قدْ
بلغَتْ محلَّها))(٢).
كذا قال ابنُ عُليَّةَ، وخالفه أبو شهابٍ، فقال فيه: عن أُمّ عطئَةَ، قالتْ:
بعَثتْ إلىَّ نسيبةُ الأنصارِيَّةُ بشاةٍ . وذكَره (٣).
حدَّثنا سعيدُ بنُّ نصرٍ ، قال : حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ
وضَّاحِ ، قال : حدّثنا أبو بكرِ بنُ أبی شیبةَ ، قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، عن
أبِى شهابٍ، عن خالدِ الحذَّاءِ، عن حفصةَ بنتِ سيرينَ، عن أُمّ عطيّةَ ، قالتْ :
القبس
(١) أخرجه الحميدى (٣١٧)، وأحمد ٤١٠/٤٥ (٢٧٤٢٠)، ومسلم (١٠٧٣ / عقب ١٦٩) من
طريق سفيان به .
(٢) أخرجه أحمد ٢٨٢/٤٥ (٢٧٣٠١)، ومسلم (١٠٧٦) من طريق ابن علية به.
(٣) ذكر ابن حجر فى فتح البارى ٣٠٩/٣، ٣١٠، ٢٠٤/٥، أن الإسماعيلى استدل بهذه الرواية على أن
نسيبة غير أم عطية ، وتعقبه بأن أم عطية هى نسيبة ، وأن الصواب فى هذه الرواية: بُعِقَتْ إلى نسيبةً، على
البناء للمجهول، وأن السياق كان يقتضى أن تقول: ((إلىّ)). بدلًا من: ((إلى نسيبة))، لكن وضع الظاهر
موضع المضمر إما تجريدا، وإما التفاتا؛ لأن أم عطية أخبرت عن نفسها بما يوهم أن الذى تخبر عنه غيرها .
٤١٩
قال مالكٌ : الأمرُ عندَنا فى قَسْم الصدقاتِ ، أن ذلك لا يكونُ إلا
الموطأ
على وجهٍ الاجتهادِ مِن الوَالِى، فأىُّ الأصنافِ كانت فيه الحاجةُ
والعَددُ ، أوثِرَ ذلك الصِّنْفُ بقَدْرِ ما يَرى الوالى، وعسى أن يَنْتَقِلَ ذلك
إلى الصِّنفِ الآخرِ بعدَ عام أو عامَينٍ أو أعوام، فيُؤْثَرُ أهلُ الحاجةِ والعددِ
حيثما كان ذلك، وعلى هذا أدرَكْتُ مَن أرضَى مِن أهلِ العلم .
قال مالكٌ: وليس للعامل على الصدقاتِ فريضةٌ مُسمّاةٌ إلا على
قَدْرِ ما يَرى الإمامُ .
التمهيد
بعثَتْ إلىّ نُسيبةُ الأنصاريَّةُ بشاةٍ، فأرسلْتُ إلى عائشةَ منها، فقال رسولُ اللهِ
وَلِ﴿: ((هلْ عندَكم شىءٌ؟)) فقالت: لا، إلَّا ما أرسلَتْ به نُسيبةٌ مِن تلكَ
الشَّاةِ. قال: ((هاتٍ، فقدْ بلَغَتْ مَحِلَّها))(١).
الاستذكار
قال مالك: الأمرُ عندَنا فى قَسْم الصدقاتِ، أن ذلك لا يكونُ إلا على وجهِ
الاجتهادِ مِن الوالى، فأىّ الأصنافِ كانت فيه الحاجةُ والعددُ أَوثر ذلك الصُّنفُ بقدر
ما يرى الوالى، وعسى أن ينتقلَ ذلك إلى الصِّنفِ الآخَرِ بعدَ عامٍ أو عامين أو أعوامٍ،
فيؤثَّرُ أهلُ الحاجةِ حيثُ كان ذلك، وعلى ذلك أدرَكتُ مَن أَرضَى مِن أهلِ العلمِ .
قال مالكٌ: وليس للعاملِ على الصدقاتِ فريضةٌ مسماةٌ إلا على قدرٍ ما يَرى الإمامُ.
قال أبو عمرَ : اختلف العلماءُ مِن لدُنِ التابعين فى كيفيةٍ قَسْم الصدقاتِ ،
القبس
(١) أخرجه البخارى (١٤٤٦)، والبيهقى ٣٣/٧ من طريق أحمد بن عبد الله بن يونس به، وينظر
حاشية (٣) من الصفحة السابقة .
٤٢٠