Indexed OCR Text

Pages 301-320

الموطأ
قال أبو عمرَ: ظاهرُ حديثِ عائشةَ وابنٍ عمرَ هذين سقوطُ الزكاةِ عن الاستذكار
الحَلْىِ، وبهذا ترجَم مالكٌ البابَ . وتأوَّل مَن أوجَب الزكاةَ فى الحَلْىِ، أن
عائشة١ً لم تُخرج الزكاةَ مِن حَلْي اليتامى ؛ لأنه لا زكاةً فى أموال اليتامى ولا
الصغارِ .
وتأوَّلوا فى الجوارى أن ابنّ عمرَ كان يَذهبُ إلى أن العبدَ يملِكُ ، ولا زكاةَ
على المالكِ حتى يكونَ حَوّا ، واستدلَّوا على مذهبٍ ابنِ عمرَ فى ذلك؛ لأنه
كان يأْذَنُ لعبيدِه بالتسَرِّى(٢) . وما تأوَّلُوه على عائشةً وابنٍ عمرَ بعيدٌ خارجٌ عن
ظاهرٍ حديثهما؛ لأن فى حديثِ ابنِ عمرَ أنه كان لا يُخرجُ الزكاةَ فيما كان
يُحَلِّى به بناتِهِ مِن الذهب والفضةِ، فليس فى هذا يتيمٌ ولا عبدٌ .
وروَى ابنُّ عيينةَ وغيرُه، عن عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ ، أنه
كان يُنكِحُ البنتَ له على ألفٍ دينارٍ، يُحلِّيها منه بأربعِمائةٍ دينارٍ فلا يزكِّيه(٢)،
وسنبيِّنُ ذلك فى بابٍ زكاةٍ أموالِ اليتامى (٤)، إن شاء اللهُ.
قال أبو عمرَ: لم يختلِفْ قولُ مالكٍ وأصحابِه، فى أن الحَلْيَ المتخَذَ
للنساءِ لا زكاةَ فيه، وأنه العملُ المعمولُ به فى المدينةِ، خارج عن قولِه
عليه الصلاةُ والسلامُ: ((ليس فيما دونَ خمسٍ أواقٍ مِن الورِقِ صدقةٌ))(٥).
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((وابن عمر).
(٢) سقط من: ح، وفى م: ((بالتحلى بالذهب)).
(٣) أخرجه الدارقطنى ١٠٩/٢ من طريق عبيد الله بن عمر به.
(٤) سيأتى ص ٣١١ - ٣١٥ .
(٥) تقدم فى الموطأ (٥٨٠).
٣٠١

الموطأ
الاستذكار كأنه قال: الصدقةُ واجبةٌ مِن الوَرِقِ فيما بلَغ خمسَ أواقٍ، ما لم يكنْ حَلْيًّا
مُتَّخَذًا لزينةِ النساءِ؛ بدليلِ ما انتشر بالمدينةِ عندَ علمائِها مِن أن لا زكاةً فى
الحَلْيِ. ولمَّا عطَف على هذا ◌َلِ ذِكْرَ الإبلِ وذِكْرَ الأوسقِ، وهى أموالٌ
يُطلبُ بها النَّماءُ، كما يُطلبُ بالذهبِ والورقِ فى التصرفِ بهما النماءُ،
وصار تاركُ التصرّفِ بها تبعًا للمتصرّفِ؛ لأنها لم توضَعْ إلا للتصرف بها -
عُلم بهذا المعنى أن الحَلْىَ لا زكاةَ فيه إذا كان مُتَّخَذًا للنساءِ؛ لأنه لا
يُطلبُ به النماءُ .
وقد اختلف المدنيون فى الحَلْيِ المُتَّخَذِ للرجالِ والمتَّخَذِ للكِراءِ ؛ فالزكاةُ
عندَ أكثرِهم فيه واجبةٌ ، وإنما تَسقُطُ عما وصَفْنا مِن حَلْىِ النساءِ خاصةً .
واختلف الفقهاءُ أهلُ الفتوى فى الأمصارِ فى زكاةِ الحَلْي؛ فذهَب فقهاءُ
الحجازِ ؛ مالكٌ ، والليثُ ، والشافعىُّ، إلى أنه لا زكاةً فيه. على أن الشافعىّ قد
جَبُّن عنه فى بعضٍ أوقاتِه، فقال: أستخيرُ اللهَ فى الحَلْىِ. وترَك الجوابَ فيه.
وخرّج أصحابُه مسألةَ زكاةِ الحَلْيِ على قولين ؛ أحدُهما ، أن فيه الزكاةَ على
ظاهرٍ قولِ النبيِّ وَ *: ((ليس فيما دونَ خمسٍ أواقٍ مِن الورِقِ صدقةٌ)). فدلّ
على أن فى الخَمسِ الأواقى فما زاد صدقةٌ، ولم يخُصَّ حَلْيًا مِن غيرِ حَلْي،
وكذلك قولُهُ وَ لِّفى الذهبِ: ((فى أربعينَ دينارًا دينارٌ)) . ولم يخُصَّ حَلْيًا مِن
غيرٍ حَلْي .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٤٠ - ٢٤٢.
٣٠٢

الموطأ
والآخر، أن الأصلى المجتمع عليه فى الزكاة إنما هى فى الأموال النامية، الاستذكار
والمطلوب فيها التماء بالتصرف. ولم يختلف قول مالك وأصحابه فى أنه لا
زكاةَ فى الحَلْىِ للنساءِ يَلْنَه . وهو قولُ ابن عمر، وجابر بن عبدِ اللهِ، وأنسِ ينِ
مالكٍ، وسعيد بن المسيَّبِ على اختلافٍ عنه، والقاسم بن محمدٍ، وعليٍ
الشعبىِّ، ويحيى بن سعيدٍ، وربيعةً، وأكثرِ أهلِ المدينةِ - وبه قال أحمدً
وأبو عبيدٍ. قال أبو عبيدٍ(): الحَلْيُ الذى يكونُ زينةً ومتاعًا فهو كالأَتَاثِ،
وليس كالرَّقَةِ التى وردت الشّنَّةُ بأخذِ رُبٌع العُشرِ منها . والرَّقَةُ عندَ العربِ الورِقُ
المنقوشةُ ذاتُ السّكَّةِ السائرةِ بينَ الناسِ. وقال أبو حنيفةَ، والثورىُّ فى روايةٍ،
و)الأوزاعىُ، والحسنُ بنُ حىٍّ: الزكاةُ واجبةٌ فى الحَلْي من الذهبِ
والورِقِ كهى فى غيرِ الحَلْىِ. وقال محمدُ بنُ كثيرٍ، عن الأوزاعىِّ، عن
الزهرئّ : فی الحَلْی الز کاةُ . وقال اللیثُ : ما كان يُلَسُ وُعارُ فلا ز کاةً فیه ، وما
صُنع ليُفَرَّ به مِن الصدقةِ ففيه الصدقةُ .
ومَن أوجب الزكاةَ فى الحَلْيِ؛ عبدُ اللهِ بنُّ عباسٍ، وابنُ مسعودٍ، وعبدُ اللهِ
ابنُّ عمرٍو، وعطاءً، وسعيدُ بنُ جبيرٍ، وعبدُ اللهِ بنُ شدَّادٍ، وميمونُ بنُ
القبس
(١) ينظر الأم ٢/ ٤١، ومصنف عبد الرزاق (٧٠٤٥ - ٧٠٤٩)، والأموال لأبى عبيد (١٢٧٥ -
١٢٧٩، ١٢٨١، ١٢٨٣، ١٢٨٥، ١٢٨٦)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٥٤/٣، ١٥٥، وسنن
البيهقى ١٣٨/٤، والمحلى ٦/ ٩٤.
(٢) الأموال ص ٥٤٣.
(٣) سقط من النسخ. والمثبت يقتضيه السياق، وينظر المحلى ٩٣/٦، ٩٤.
(٤ - ٤) ليس فى: الأصل، م.
(٥) فى النسخ: ((عمر)). والمثبت من مصادر التخريج الآتية.
٣٠٣

الموطأ
الاستذکار مِهْرانَ، ومحمدُ بنُ سیرینَ، ومجاهدً، وجابر بنُ زیدٍ، والزهرىُّ، وإبراهیم
النخعىُ(١) . وجملةُ قولِ الثورىِّ فى زكاةِ الحَلْي، قال: ليس فى شىءٍ مِن الحَلْيِ
زكاةٌ مِن الجواهرِ واليواقيتِ إلا الذهب والفضةَ؛ إذا بلَغتِ الفضةُ مائتى درهم،
والذهبُ عشرین دینارًا ، فإن كان الجوهر والياقوتُ للتجارة ففيه الزكاةُ . قال
سفيانُ: وما كان عندَه فى سيفٍ، أو مِنْطَقةٍ(١٢)، أو قَدَح مُفضَّضٍ، أو آنيةِ فضةٍ ،
أو خاتم، فيَضُمُّ ذلك كلَّه بعدَ أن يحسُبَه ويَعرِفَ وزنَه ، فما كان منه ذهبًا ضمَّه
إلى الذهبٍ ، وما كان منه فضةً ضمَّه إلى الفضة، ثم زكّاه. وقال الأوزاعىُّ :
يُكَّى الحَلْىُ ذهبُه وفضتُه، ويُتركُ جوهرُه ولؤلؤُه .
قال أبو عمر : جملةُ قولِ الشافعی فی زكاةِ الحَلْی ؛ قال ببغدادَ - وهی
روايةُ الحسن بن محمد الزَّغْفَرانی عنه: لا ز کاةً فی خَلْی إذا استمتع به أهلُه فى
عملٍ مباحٍ. قال: فإن انكسر الحَلْىُ، "فكان أهلُه على إصلاحِه والاستمتاع
به زُكْىَ؛ لأنه قد خرَج مِن حدِّ التجملِ. قال: وكلُّ حَلْي على سيفٍ، أو
مصحفٍ، أو مِنْطقةٍ، وما أشبه هذا، فلا زكاةَ فيه . قال: وأما آنيةُ الذهبِ
والفضةِ مُصمَتَةً فتُركَّى، ولا ينبغى أن تُتَّخَذَ؛ لأنها منهىٌّ عنها .
قال : وكلُّ حليةٍ سوى الذهب والفضة ؛ مِن لؤلؤٍ ، أو ياقوت ، أو زبرجدٍ ،
القبس
(١) مصنف عبد الرزاق (٧٠٥٤ - ٧٠٦١، ٧٠٦٣)، والأموال لأبى عبيد (١٢٦١ - ١٢٦٤،
١٢٦٦، ١٢٦٧، ١٢٦٩ - ١٢٧٢، ١٢٧٤)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٥٤/٣.
(٢) المنطقة: كل ما شد به الوسط. التاج ( ن ط ق ).
(٣ - ٣) كذا فى النسخ. ولعل الصواب: ((فترك أهله إصلاحه)). أو: ((فكسل أهله عن
إصلاحه)). والله أعلم. وينظر الوسيط ٤٧٦/٢، ومنهاج الطالبين ١/ ٣١، ومغنى المحتاج ٣٩١/١.
٣٠٤

الموطأ.
أو غيرِها، فلا زكاةَ فيه، إنما الزكاةُ فى العينِ، وهو الذهب والفضةُ. وقال الاستذكار
بمصرَ : قد قيل: فى الحَلْي صدقةٌ. وهذا مما أستخيرُ اللهَ فيه، فمَن قال: فيه
زكاةٌ. زكّى كلَّ ذهبٍ وفضةٍ فيه، فإن كان منظومًا بغيرِه (١) ميّه ووزنه ، وأُخرَج
الزكاةَ منه بقدرٍ وزنه ، واحتاطَ حتى يَعلمَ أنه قد أدَّى جميعَ ما فيه . ومَن قال : لا
ز کاةً فی الحَلْی . فلا ز کاةً عنده فی خاتم ، ولا حلیة سیفٍ ، ولا مصحفٍ ، ولا
مِنْطقةٍ، ولا قِلادةٍ ، ولا دُمْلُجُ(٢) . قال: فإن اتخَذ الرجلُ شيئًا مِن حَلْيِ النساءِ
لنفسِه، فعليه فيه الزكاةُ. قال: ولو اتَّخَذ رجلٌ أو امرأةٌ إناءَ فضةٍ أو ذهبٍ،
زكّياه - فى القولَين جميعًا - ولا زكاةً فى شىءٍ مِن الحَلِّ إلا فى الذهبِ
والفضةِ. وقال أبو ثورٍ مثلَ قولِ الشافعىِّ البغدادىِّ.
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: كلُّ ما كان مِن دنانيرَ، أو دراهم ، أو فضةٍ؛ تِبْرًا
أو حَلْيًا، مكسورًا أو مَصوغًا، أو حليةَ سيفٍ، أو إناءً، أو مِنْطقةً، ففى ذلك كلِّه
الزكاةُ .
قال أبو عمرَ: مِن حُبَّةٍ مَن أوجب الزكاةَ فى الحَلْي مع ظاهرِ قولِه
وَله: ((وفى الرَّقَةِ رَبُعُ العُشرِ))). وقولِه ◌َّهِ: ((ليس فيما دونَ خمسٍ
أواقٍ مِن الورِقٍ صدقةٌ)). وإنما ذلك على عمومِه - حديثُ عمرو بنٍ
القبس
(١) فى الأصل: ((بعينه))، وفى ح: ((يعتبر وزنه))، وفى م: ((بعينه يعتبر وزنه)). والمثبت من الأم
٤١/٢.
(٢) الدملج والدُّمْلوج: سوار يحيط بالعضد . الوسيط ( دملج ) .
(٣) أخرجه أحمد ٢٣٢/١ (٧٢)، والبخارى (١٤٥٤)، وأبو داود (١٥٦٧)، والنسائى
(٢٤٤٦، ٢٤٥٤) من حديث أبى بكر الصديق.
٣٠٥
، (موسوعة شروح الموطأ ٢٠/٨)

قال يحتى: قال مالك: مَن كان عندَه تبرّ أو حَلىّ من ذهب أوفضةٍ
الموطأ
لا يُنتفعُ به للُيسٍ ، فإن عليه فيه الزكاةَ فى كلِّ عامٍ يُوزَنُ فيؤخذُ رِئُعُ
عُشْرِه إلا أن ينقُصَ من وزنٍ عشرين دينارًا عينًا أو مائتى درهم ، فإن
الاستذكار شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، أن امرأةً أَتَتْ رسولَ اللهِ وَلّهِ ومعها ابتةً لها،
وفى يدِ ابنِها مَسَكَتانٍ (١) مِن ذهبٍ، فقال لها: ((أَتُعْطِينَ زكاةَ هذا؟)).
قالت: لا. قال: ((أيَشُرُكِ أن يُسوَّرَكِ اللهُ بها يومَ القيامةِ سِوارَينٍ مِن
نارٍ؟)). فخلَعتْهما، وألقَتْهما إلى النبيِّ نَّهِ وقالت: هما للهِ ورسولِه".
فهذا وعيدٌ شديدٌ فى تركِ زكاةِ الحَلْيِ .
واحتجّ أيضًا بحديثٍ عبدِ اللهِ بنِ شدَّادٍ، عن عائشةَ، عن النبيِّ وَّهِ بنحوِ
(٣)
هذا(٢) .
ولكنَّ حديث عائشةً فى (( الموطأ)) بإسقاط الزكاة عن الحَلْي أثبتُ إسنادًا ،
وأعدل شهادةً، ويستحيلُ فى العقول أن تكون عائشةُ تَسمعُ مثلَ هذا الوعيدِ فی
تركِ زكاةِ الحَلْيِ وتخالفُه . ولو صحَّ ذلك عنها عُلِم أنها قد علِمتِ النسخَ مِن
ذلك .
وقولُ مالكِ أن مَن كان عندَه تِرُ، أو حَلْىٌ مِن ذهبٍ أو فضةٍ لا يُنتفعُ به
لُِّسِ، فإن عليه فيه الزكاةَ فى كلّ عامٍ .
القبس
(١) أى سواران، والواحدة مشكّة. حاشية السندى على سنن النسائي ٣٨/٥.
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٦٣)، والنسائى (٢٤٧٨) من طريق عمرو بن شعيب به.
(٣) أخرجه أبو داود (١٥٦٥)، والدارقطنى ١٠٥/٢، والحاكم ٣٨٩/١، والبيهقى ١٣٩/٤ من طريق
عبد الله بن شداد به.
٣٠٦

الموطأ
نقص من ذلك فلیس فیه ز کاةً ، وإنما تکونُ فیه الز کاةُ إِذا کان إنما
يُمسِكُه لغيرِ اللَّبس، فأما التِّبرُ والحَلْىُ المكسورُ الذى يريدُ أهلُه
إصلاحه ولُبسه ، فإنما هو بمنزلة المتاع الذی یکونُ عندَ أهلِه ، فليس
على أهلِه فيه زكاةٌ .
قال أبو عمرَ: هذا لا خلافَ فيه بينَ العلماءِ أن الزكاةَ فيه إذا كان لا يرادُ به الاستذكار
زينةُ النساءِ .
قال مالك: وأمَّا التِّبْرُ المكسورُ الذى يريدُ إِهلُه إصلاحه ولُبْسَه، فإنما هو
بمنزلةِ المتاعِ ، ليس فيه زكاةٌ .
قال أبو عمرَ: يريدُ مالك أنه مُعَدِّ للإصلاح للُبْسِ النساءِ، فكأنه حَلْىٌ
صحيحٌ مُتَّخَذٌ للنساءِ، وإذا كان كذلك فلا زكاةَ فيه عندَ أحدٍ ممن يُسقِطُ
الزكاةَ عن الحَلْى . والشافعىُّ يرى فيه الزكاةَ إذا كان مكسورًا؛ لأنه بمنزلةِ القِبرِ
عندَه، فلا تسقُطُّ الزكاةُ عندَه فى الذهبِ والفضةِ ، إلا أن يكونَ حَلْيًّا يَصلُغُ
للزينةِ ، ويُمكِنُ النساءَ استعمالُه. وأجمعوا أن لا ز كاةً فى العلی إذا کان جوهرًا
أو ياقوتًا لا ذهَب فيه ولا فضةَ، إلا أن يكونَ للتجارة، فإن كان للتجارة و كان
مختلِطًا بالذهب والفضةِ، عُرِف وزنُ الذهب والفضةِ وزكّى، وقوَّم الجوهر
المُديرُ عندَ رأسٍ كلِّ حولٍ - عندَ مالكِ وأكثرٍ أصحابِه - مع سائرٍ ◌ُروضٍ
تجارته، وإن كان غيرَ مُديرٍ زكّاها حينَ يبيعُها .
وأما غيرُ مالكِ، والشافعىُّ والكوفيُّون وجمهورُ العلماءِ، فإنهم أوجبوا على
القبس
٣٠٧

الموطأ
قال مالكٌ : ليس فى اللؤلؤُّ، ولا فى المسكِ ، ولا العنبرِ، زكاةٌ .
الاستذكار التاجرِ تقويمَ الغُروضِ فى كلّ عامٍ إذا اشتراها بنية التجارةِ ، مُديرًا كان أو غيرَ
مُديرٍ ؛ لأن كلَّ تاجرٍ يطلُبُ الربحَ فيما يَشترِيه، وإذا جاءه الربح باع إن شاء، فهو
مدير.
قال أبو عمرَ: مَن أسقَط الزكاةَ عن الحَلْي المستعمَلِ وعن الإبلِ والبقرِ
العوامل فقد اطَرد قياسُه، ومَن أوجب الزكاةَ فى الحَلْيِ والبقرِ العواملِ فقد
اطَّرد أيضًا قياسه، وأمَّا مَن أوجب الزكاةَ فى الحَلْيِ ولم يوجِئْها فى البقرِ
العواملِ، أو أوجبها فى البقرِ العواملِ وأسقَطها مِن الحَلْيِ، فقد أخطأ طريقَ
القیاس .
قال مالكٌ: ليس فى اللؤلؤُّ ، ولا فى المِسْكِ، ولا فى العنبرِ، زكاةٌ .
قال أبو عمر : أما اللؤلؤ والمشكُ والعنبُ ، فلا خلاف انه لا ز كاةً فى أعيانها
کسائر القُروض، وسیأتی ذ کژ مذاهب العلماءِ فى التجارة بالُروضِ فی بابٍ
زكاةِ العُروضِ إن شاء اللهُ .
قال أبو عمر : واختلفوا فى العنبر واللؤلؤ؛ هل فیھما خُمُسُ حينَ يَخْرجان
مِن البحرِ أم لا؟ فجمهورُ الفقهاءِ على أن لا شىءَ فيهما ، وهو قولُ أهلِ المدينةِ،
وأهل الكوفة، والليث ، والشافعى، وأحمدَ، وأُبی ثورٍ ، وداودَ .
وقال أبو يوسفَ (١) : فى اللؤلؤِ والعنبرِ وكلُّ حليةٍ تخرجُ مِن البحرِ الخُمُسُ.
القبس
(١) بعده فى ح: ((ومحمد).
٣٫٠٨

الموطأ
وهو قولُ عمر بن عبد العزيز ، لم يُختلَفْ عنه فى ذلك، و کان یکتبُ به إلى
◌ُمَّالِه. واختلف فيه عن ابنِ عباسٍ ؛ فژُوِی عنه أن فيه الخُمُسَ ، وژُوِى عنه أنه لا
شىءَ فيه ؛ لأنه شىءٍ دَسَره البحرُ().
الاستذكار
روی معمر والثورىُّ، عن ابن طاوسٍ ، عن أبيه، عن ابن عباس ، أنه سأله
إبراهيمُ بنُ سعدٍ عن العنبرِ، فقال: إن كان فى العنبرِ شىءٌ ففيه الخُمُسُ(١).
وروَى ابنُّ عيينةَ وابنُ جريجٍ، عن عمرو بنِ دينارٍ ، عن أَذَيْنَةَ، عن ابنِ
عباسٍ، أنه كان لا يرى فى العنبرِ خُمُسًا ، ويقولُ: هو شىءٌ دسَره البحرُ، ليس
(٤)
فيه شىءٌ(٤).
و٨° ابنُّ عيينةً، عن عمرو بنِ دينارٍ ، سمِع رجلًا يقالُ له: أَذَينةُ. يقولُ:
سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: ليس العنبرُ برِكازٍ، وإنما هو شىءٌ دسَره البحرُ.
وابنُ عيينةَ أيضًا) ، عن (٧) ابنٍ طاوسٍ، عن أبيه، أن ابنَ الزبيرِ استعمل
القبس
(١) دسره البحر: أى دفعه وألقاه إلى الشط. النهاية ١١٦/٢.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠١٢٢) عن معمر به. وأخرجه عبد الرزاق (٦٩٧٦)، وابن أبى شيبة ١٤٣/٣
من طریق الثوری به .
(٣ - ٣) سقط من: ح، م، وفى الأصل: ((وليس فى حديثه)). وينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٤٢/٣.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٦٩٧٧) عن ابن جريج به. وأخرجه الشافعى ٤٢/٢، والبيهقى ١٤٦/٤
من طريق ابن عيينة به .
(٥ - ٥) سقط من: ح.
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ١٤٢/٣، والبيهقى ١٤٦/٤ من طريق ابن عيينة به .
(٧) فی ح: (وروی)).
٣٠٩

الموطأ
ز کاةُ أموالِ الیتامی والتجارةُ لهم فيها
٥٩٠ - حدَّثنى يحيى، عن مالكِ ، أنه بلغه أن عمرَ بنَ الخطاب
قال : أنَّجِروا فى أموالِ اليتامَى ؛ لا تأكُّلُها الزكاةُ .
الاستذكار إبراهيمَ بنَ سعدِ بنِ أبى وقاصٍ على بعضٍ تِهامةً ، فَأَتَّى ابنَ عباسٍ يسألُّه عن العنبرِ
هل فيه زكاةٌ ؟ فقال ابنُ عباسٍ: إن كان فيه شىءٌ ففيه الخُمُسُ(١).
قال أبو عمرَ: لمَّا قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ﴾
[التوبة: ١٠٣]. وأمرهم تعالى ذكْرُه بإيتاء الزكاة، فأخذ رسولُ اللهِ وَالتّ مِن بعضٍ
الأموالِ دونَ بعضٍ - علِمنا بذلك أن الله تبارك وتعالى لم يُرِدْ جميعَ الأموالِ،
وإنما أراد البعضَ، وإذا كُنَّ على يقينٍ مِن أن المرادَ هو البعضُ مِن الأموالِ ، فلا
سبيلَ إلى إيجابٍ زكاةٍ إلا فيما أخَذه رسولُ اللهِ وَّهِ ووقَف عليه أصحابَه .
باب زکاةٍ أموال الیتامی والتجارة لهم فيها
ذكَّر فيه مالكٌ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: أنَّجِروا فى أموالِ اليتامى ؛ لا
تَأْكُلُها الزكاءُ(٢)
القبس
زکاةُ مالٍ الصپیانِ
رُوِى عن النبيِّ وَله، أنه حثَّ على التجارة فى أموالِ الصبيانِ أولياءَهم ؛ لئلّا
تأكُلَها الصدقةُ()، ولكن عوّل مالكٌ على حديثِ عمرَ بنِ الخطابِ رضِى اللهُ
(١) أخرجه الشافعى ٤٢/٢، والبيهقى ١٤٦/٤ من طريق ابن عيينة به نحوه.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣/٤و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٦٦٠).
(٣) أخرجه الترمذى (٦٤١)، والدارقطنى ١٠٩/٢، ١١٠، والبيهقى ١٠٧/٤، من حديث
عبد الله بن عمرو بن العاصى .
٣١٠

٥٩١ - وحدثنى عن مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن الموطأ
أبیە ، أنهقال: كانت علٹنشنُتللمی وآخًا لی یتیمین فی حجرها ، فكانت،
تُخرج من أموال الزكاة.
٥٩٢ - وحدَّثنى عن مالك، أنه بلغه أن عائشةَ [٣٠وا زوجَّ النبيِّ وَه
كانت تُعطِى أموالَ التطمتَى مَن يَتَّجرُ لهم فيها.
الاستذكار
وعن عائشةً مثلَه فى التجارة فى أموالِ اليتامى خوفّ الزكاةِ(١).
وعن عائشةً أنها كانت تُخرِجُ عن يتيمين فى حَجْرِها من أموالهما
.(٢)
الزكاةَ(١) .
قال أبو عمر : رُوي عن علي بن أبى طالبٍ، وعبدِ الله بن عمر، والحسنِ
ابنِ علىَّ، وجابرٍ ، أنه التكلفة واجبة فى مالٍ اليتيم، كما رواه مالك، عن عمر
القبس
عنه؛ لأنه خليفةٌ، وكان يكفر بذلك، ولم يثبت له مخالف مِن الصحابةِ رضِى اللهُ
وقال أهلى العراقِ: ليس فى ملل الصبى زكاة. وقد قال الله تبارك وتعالى
الرسولِهِ وَله ﴿وَةٌ مِّ أَقَوْلِمْ صَلَقَةٌ﴾. كما قال تعالى: ﴿وَقَِّ أَمْوَلِهِمْ حَّ﴾
[القاريات: ١٩]. وقال النبيُّ وَلَتَ كَلَةٌ حَقُّ العَالِ)) .. فحيثٌما وُجِد المالُ تُؤْخَذُ منه
الركلةُ كما يُؤْخَذُ منه المُشرُ، وإن كل لحِىٌّ ، فإن قيل: هى عيادةً، ولا يتعلَّقٌ
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣/٤ط - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٦٦٢).
(٢) الموطأ برواية يحمى بن بكير (٣/٤ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٦٦١). وأخرجه
الثانى ٢٦/٢، وابن زنجويه فى الأموال (١٨١٢)، والبيهقى ١٠٠٨/٤ من طريق مالك به.
٣١١

الموطأ
الاستذكار وعائشةً، وقال بقولهم مِن التابعين عطاءً، وجابرُ بنُ زيدٍ، ومجاهدٌ، وابنُ
سيرينَ (١) . وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُهما، والحسنُ بنُ حىٍّ ، والليثُ
ابنُ سعدٍ . وإليه ذهَب أبو ثورٍ ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وجماعةٌ .
وذكَر أحمدُ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ الفضلِ
الُدَّانِئُ، قال: حدَّثنا معاويةُ بنُ قُوّةً، عن الحكم بن أبى العاصِ الثقفىّ، قال :
قال لى عمرُ: إن عندى مالَ يتيمٍ قد كادت الصدقةُ أن تأتى عليه(٢) .
وذکر عن القطان ، عن حسين المعلّم، عن مكحول وعن" عمرو بنِ
شعيب، عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ، عن عمرَ: ابْتَغُوا بأموالِ اليتامى لا تَأْكُلُها
و(٤)
الزكاةُ(٤) .
قال أحمدُ : أخبرنا یزیدُ بنُ هارون ، عن سفيان ، عن عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ ، عن
ابنِ عمرَ، أنه كان يزكّى مالَ اليتيمِ(٥).
القبس
بالصبىّ تكليفٌ . قلنا : وإن كانت عبادةً، تجوزُ فيها النيابةُ، فإن تعذَّر إعطاءُ الصبىّ
ناب عنه وليه .
(١) ينظر الأم ٢٩/٢، ١٧٠/٧، ومصنف عبد الرزاق (٦٩٨٠، ٦٩٨١، ٦٩٨٣، ٦٩٩٣)،
ومصنف ابن أبى شيبة ١٤٩/٣، ١٥٠، وسنن البيهقى ١٠٧/٤، ١٠٨، والمحلى ٣٠٦/٥، ٣٠٧.
(٢) ذكره ابن حزم فى المحلى ٣٠٦/٥ من طريق أحمد بن حنبل به ، وأخرجه البخارى فى تاريخه
٣٣١/٢، والبيهقى ٢/٦ من طريق القاسم بن الفضل الحدانى به.
(٣ - (٣) فى النسخ: ((عن)). والمثبت من الأموال.
(٤) أخرجه أبو عبيد فى الأموال (١٣٠١) عن يحيى بن سعيد القطان به، وأخرجه الدارقطنى ١١٠/٢ -
ومن طريقه البيهقى ١٠٧/٤ - من طريق حسين المعلم عن عمرو بن شعيب - وحده - به.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ١٥٠/٣ من طريق عبد الله بن دينار به.
٣١٢

الموطأ
قال : وحدَّثنا ابنُ مهدئٍّ، عن سفيانَ، عن حبيبٍ بن أبى ثابتٍ ، عن ابنٍ الاستذكار
لأبى رافعٍ، قال: باع لنا علىِّ أرضًا بثمانين ألفًا ، ثم أعطاناها ، فإذا هى تَنقُصُ،
فقال: إنى كنتُ أزكيها(١) .
وذَكَر عبدُ الرزاقِ (٢) ، عن ابنِ جریجٍ، عن أبى الزبيرِ ، أنه سمِع جابرَ بنَ
عبدِ اللهِ يقولُ فى الذى يلى مالَ اليتيم، قال: يُعطِى زكاته .
قال أبو عمرَ : فهذا مِن طريقِ الاتباعِ ، وأما مِن طريقِ النظرِ ، فالقياسُ على ما
أجمع المسلمون عليه مِن زكاةِ ما تُخرجُه أرضُ اليتيمِ مِن الزرعِ والثمارِ، وهو
مالم يَختلفْ فيه حجازىٌّ ولا عراقيٍّ مِن العلماءِ. وقد أجمعوا أيضًا أن فى مالٍ
مَن لم يبلُغْ ولم تجِبْ عليه صلاةٌ أَرْشُ ما يَجْنِيهِ مِن الجناياتِ ، وقيمةُ ما يُتلفُّه
مِن المُتَلَّفاتِ. وأجمعوا على أنَّ الحائضَ والذى يُجَنَّ أحيانًا لا يُراعَى لهم مقدارُ
أيامِ الحيضِ والجنونِ مِن الحولِ. وهذا كلُّه دليلٌ على أن الزكاةَ حقُّ المالِ،
وليست كالصلاةِ التى هى حقُّ البدنِ ؛ فإنها تَجِبُ على مَن تَجِبُ عليه الصلاةُ ،
وعلی من لا تَجِبُ علیه . وقال سفيان الثوریّ وأبو حنيفةً وأصحابُه : لا ز کاةً فی
مالٍ يتيمٍ ولا صغيرٍ إلا فيما تُخرِجُ أرضُه مِن حَبِّ أو تمرٍ. وهو قولُ جمهورٍ "أهلِ
العراق٣ِ) ، وإليه ذهب الأوزاعىُ، إلا أن (٢)الثورىّ قال": إذا بلَغ اليتيمُ فادفَعْ إليه
القبس
(١) أخرجه الشافعى ١٧٠/٧ عن ابن مهدى به بمعناه، وأخرجه عبد الرزاق (٦٩٨٦)، والبيهقى
١٠٧/٤ من طريق سفيان الثورى به .
(٢) عبد الرزاق (٦٩٨١).
(٣ - ٣) فى ح: ((العلماء)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((الثورى والأوزاعى قالا))، وفى م: ((الأوزاعى والثورى قالا)).
٣١٣

الموطأ
مالَه وأعطيته بما ويجب عليه، فإن شاء تركى وإن شاء ترك.
الاستذكار
قال أبو عمر: هذا ضعيفٌ مِن القول.
وقال ابن أبى ليلى: فى أموال اليتامى الزكاة، وإن ◌َّاها عنهم الوصىُّ فرج".
وهذا أيضًا فى الوصِىِّ المأمون أضعفُ مما مضى.
وقال ابنُّ شُبرمةً: لا زكاةَ فى مالِ اليتيم الذهب والفضةٍ، وأما
الماشيةُ وما أخرجتْ أَرضُه ففى ذلك الزكاةُ. وهذا أيضًا تحكّمٌ؛ "إلا أنّ"
الشُّبْهَةَ فيه ما كانَ الشُعاةُ يأخذونه عامًّا .
ومَدارُ المسألةِ على قولَين؛ قولُ أهلِ الحجازِ بإيجابٍ الزكاةِ فى أموالٍ
اليتامى ، وقولُ أبى حنيفةً ومن تابعه، لا زكاةَ فى أموالهم إلا ما تُخريجه الأرضُ.
وزعَم الطحاوىُّ أن الفرقَ بينَ ما تُخرمجه أرضُ الصغيرِ وبينَ سائرِ مالِهِ، أن الزكاةَ
حقٍّ طارئٌّ على مِلْكِ ثابتٍ للمالكِ قبلَ وجوبِ الحقِّ، فهو طُهْرةٌ، والزكاةُ لا
تَلزمُ إِلا مَن تَلحقُه الطهارةُ، والرّكازُ وثمرةُ النخلِ والزرُ لحدوثِها يجبُ حقُّ
الزكاة فيها، فلا يملِكُها مالكُها إلا وهو حقٍّ واجبٌ للمساكينِ، فصار
کالشر کةٍ، فاستوی فیه حقُّ الصغیرِ والكبيرِ .
قال أبو عمرَ : مُحال أن تَجِبَ الصدقةُ إلا علی مِلْكِ ، فکیف لم يَملِكْ ما
تخرجُ مِن الأرضِ حتی وجبت فیه الز کاةُ ؟! ومعلوم أن الزكاةً إنما وجبت فيما
أخرجَته الأرضُ على مالكِ أصلٍ ما زُرع فيها وما أخرجَته، ولا فرقَ بينَ ذلك
القبس
(١) فى ح: ((ضمن)).
(٢ - ٢) فى ح: ((لأن)).
٣١٤

٥٩٣ - وحدَّثنى عن مالك، عن يحيى بن سعيدٍ، أنه اشتَرَى لبنی الموطأ
أخيه - يتامَى فى حَجْرِهِ - مالاً، فِيع ذلك المالُ بعدُ بمالٍ كثيرٍ(١).
قال مالكٌ : لا بأسَ بالتجارة فى أموالِ اليتامَى لهم، إذا كان الولىُّ
مأمونًا فلا أَرَى عليه ضمانًا .
وبينَ سائرِ ما تَجبُ فيه الزكاةُ مِن مالِه ، إلا حيثُ فَوَّقت السُّنَّةُ مِن مرور الحولِ، الاستذكار
فهذا هو الصحيحُ، وما خالَف هذا فلا وجه له ولا معنَّى يَصِحُ، واللهُ أعلمُ .
وقد أجمعوا أنه مالكٌ له إِذْ حلَّ بيعُه قائمًا(٢) قبلَ حصادِهِ، واللهُ عزَّ وجلّ
يقولُ: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّةُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وكذلك لا معنَى لتشبيهِه
بالرِّكازِ؛ لأَن الرَّكازَ لا يجرِى مَجْرَى الصدقةِ، إنما يجرِى مَجْرَى الفَىءِ،
وبنفسِ الغنيمةِ يجِبُ الخُمُسُ فيها لمَن سمَّى اللهُ عزَّ وجلَّ . وأحسنُ ما يُحتُّ به
لهم، واللهُ أعلمُ ، أن مَن وجَبت عليه الصدقةُ مأمورٌ بأدائِها ، والطفلُ غيرُ جائزٍ أن
يتوجّه إليه خطابٌ بأمرٍ أو نهي ؛ لأنه غيرُ مُكلَّفٍ ، لكن الإجماعَ فيما تُخرجُه
أرضُه یدُلَّ علی أن حکم الز کاةِ فی مالِه لیس کحکم ما یَلزَمُه فی بدنِه مِن
الفرائضِ ، واللهُ أعلمُ . وممن قال بأن لا زكاةً فى مال اليتيم ولا الصغيرِ؛ أبو وائلٍ،
وسعيدُ بنُّ المسيَّبِ ، وإبراهيمُ النخَعىُّ، والحسنُ البصرىُّ، وسعيدُ بنُّ جبيرٍ(٣)
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣/٤ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٦٦٣).
(٢) فى الأصل، م: ((فإنما)).
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (٦٩٩٤ - ٦٩٩٦)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣/ ١٥٠، ١٥١،
والأموال لأبى عبيد (١٣١٨، ١٣١٩، ١٣٢١)، والأموال لابن زنجويه (١٨٢٣، ١٨٢٥،
١٨٢٧- ١٨٣٠، ١٨٣٢، ١٨٣٣).
٣١٥

الموطأ
ز كاةُ الميراثِ
٥٩٤ - حدَّثنى يحيى ، عن مالكِ، أنه قال: إن الرجلَ إذا هلك
ولم يؤدِّزكاة مالهِ ، إنى أَرَى أن يُؤْخَذَ ذلك من ثُلُثِ مالِه، ولا يُجاوَزَ بها
الثلثُ، وتُبدَّى على الوصايا ، وأُراها بمنزلةِ الدَّينِ عليه ، فلذلك رأيتُ
أن تُبدَّى على الوصايا .
قال مالكٌ : وذلك إذا أوصى بها الميتُ . قال : فإن لم يوصٍ بذلك
الميتُ ، ففعَل ذلك أهلُه، فذلك حسنٌّ، وإن لم يفعَلْ ذلك أهلُه لم
الاستذكار
باب زکاة الميراثِ
مالكٌ ، أنه قال : إن الرجلَ إذا هلَك ولم يُؤْدِّ زكاةَ مالِه، إنى أرى أن يُؤْخِذَ
ذلك مِن ثُلُثِ مالِهِ ، ولا يُجاوَزَ بها الثُّلُثُ، وتُبُدَّى على الوصايا، وأُراها بمنزلةٍ
الدَّينِ عليه، فلذلك رأيتُ أن تُبَدَّى على الوصايا، وذلك إذا أوصى بها الميتُ،
فإن لم يوصٍ بها، ففعَل ذلك أهلُه، فهو حسنٌّ، وإن لم يفعلوا لم يَلزَمْهم
(١)
ذلك(١).
قال أبو عمرَ : إنما يُؤخذُ مِن ثُلُثِ مالِه إذا أوصى بها؛ لأنه لو جعَلها كالدَّينِ
من جمیعِ المالِ ، لم يشأ رجلٌ أن يحرم وارثه مالَه کلَّه ويمتعه منه لعداوته له إلا
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (٣/٤ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٦٦٥) .
٣١٦

الموطأ
يَلزَمْهم ذلك .
قال يحيى : قال مالك: والسُّنةُ عندَنا التى لا اختلافَ فيها ، أنه لا
یجبُ علی وارث ز کاةٌ فی مالٍ ورِثه فی دینٍ ، ولا عَرضٍ ، ولا دارٍ ، ولا
عبدٍ ، ولا وليدةٍ ، حتى يحولَ على ثمنٍ ما باع من ذلك أو اقتضَى
الحولُ من يومَ باعه وقبَضه .
متَعه ، بأن يُقِرَّ على نفسِه مِن الزكواتِ الواجباتِ عليه فى سائرٍ عُمُرِه بما يَستغْرِقُ الاستذكار
مالَه جميعًا، فمنع مِن ذلك، ومجعِل ما أوصى به لا يَتَعدَّى ثُلُثَه على سُنَّةٍ
الوصايا، ورأى أن يُبتدأ بها على سائرِ الوصايا؛ تأكيدًا لها وخوفًا ألَّ يحِلَّ الثلثُ
جميعَ وصاياه، وقد قال: إن المدَّرَ فى الصحةِ يُيَدَّى عليها. وقال بعضُ
أصحابنا : وصداقُ المریضِ يُتَدَّی أیضًا . وسیأتی هذا المعنى فى الوصايا إن شاء
اللهُ .
مے
وأما قولُه: وأُراها بمنزلةِ الدَّينِ. فكلامٌ ليس على ظاهرِه؛ لأن الدَّينَ عندَه
وعندَ غيرِهِ من العلماءِ مِن رأسٍ مالِ الميتِ ، ولا ميراثَ ولا وصيةَ إلا بعدَ أداءٍ
الدَّينِ، وهذا أمرٌ مُجتمَعٌ عليه، وإنما أراد أن الزكاةَ تُبَدَّى على الوصايا بمنزلةٍ
تَبديةِ الدَّينِ عليها وعلى غيرِها مِن الوصايا، ( وكأن عندَه أمرًا أَشكلَ؛ فلذلك١)
القبس
(١ - ١) فى الأصل: ((وكان عنده أمرا لأشكل فكذلك)). وفى ح: ((وكان عند أمر لأشكل.
فلذلك))، وفى م: ((ولو كان عنده أمرا لأشكل فلذلك)). والمثبت ما يقتضيه السياق .
٣١٧

الموطأ
لم يحصُّلْ فيه لفظُه، واللهُ أعلمُ. وما استحسَنَه للورثةِ إن لم يوصٍ الميتُ بز كاةٍ
الاستذكار
مالِهِ ، فمُستحسَنَّ عندَ غيرِهِ ممن لا يرى الزكاةَ مِن رأسِ المالِ .
وذكر ابنُ وهب، عن يونسَ، عن ربيعةً، فيمَن مات وعليه زكاةٌ ، أنها لا
تُؤخذُ مِن مالِه وعليه ما تحقّل(١).
وقد ژُوی عن مالك ، فیمن مات ولم یُفرّطْ فی إخراج ز کاةٍ ماله، وصح
أنَّه (١) لم يُخرِجْها ، أنها بمنزلةِ الدَّينِ تُؤخذُ مِن رأسٍ مالِه. وقال الشافعىُّ: الزكاةُ
◌ُبدأ بها قبلَ دیون الناسِ ، ثم يُقسمُ مالُه بینَ غرمائِه؛ لأن مَن وجبت فى مالِهِ
زكاةٌ ، فليس له أن يُحدِثَ فى مالِه شيئًا حتى يُخرِجَ الزكاةَ ، وله التصرفُ فى مالِه
وإن كان عليه دَيْنٌّ ما لم يُوقِفِ الحاكمُ مالَه للغرماءِ. قال أبو ثورٍ : الزكاةُ بمنزلةٍ
الدَّينِ . وهو قولُ أحمد بن حنبل وجماعةٍ مِن التابعين. قال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ
حنبلي : سألتُ أبى عن رجلٍ أوصَى بالثُّلُثِ، فنظَر الوصىُّ فإذا الرجلُ لم يُعطِ
الزكاةَ؟ قال: يُخرجُ الزكاةَ، ثم يُخرجُ الثلثَ. وأما أبو حنيفةً وأصحابُه فقالوا
فیمن أوصی بز كاة ماله، وبحج، و کفارات أيمانٍ : إنه يبدأ بالزكاةٍ إن قصُر
الثلثُ عن وصاياه، ثم بالحجّ الفرضِ ، ثم بالكفارة . قالوا : ولو أوصى بشىءٍمِن
القُربِ؛ ز کاةٍ ، أو حُ، أو غير ذلك، وأوصی لقوم بأعيانهم ، بُدئ بالذین
أوصی لهم بأعيانهم.
القبس
(١) ذكره ابن حزم فى المحلى ١١٧/٦ من طريق ابن وهب به .
(٢) فى الأصل، م: ((ثم)).
٣١٨

قال: وقال مالك : الشنُ عندنا أنه لا يجبُ على وارث فی مالٍ وِثه
الزكاةُ حتى يحولَ عليه الحولُ .
الموطأ
قال مالك : الشُنَّةُ عندَنا أنه لا تَجبُ على وارثٍ فى مالٍ ورثه الزكاةُ حتى الاستذكار
يحولَ عليه الحولُ.
قال أبو عمرَ: هذا إجماعٌ مِن جماعةٍ فقهاءِ المسلمين، والحديثُ فيه
مأثورٌ عن علىٍّ وابنٍ عمرَ ، أنه لا زكاةً فى مالٍ حتى يحولَ عليه الحولُ، وقد رفَع
بعضُهم حديثَ ابنِ عمرَ (١) . ولا خلافَ فى هذا بينَ جماعةِ العلماءِ ، إلا ما جاءٍ
عن ابن عباسٍ ومعاويةً، کما قد ذكرناه فى صدر هذا الكتاب(١)، ولم يُعرّجْ أحدٌ
مِن الفقهاءٍ عليه ولا التفَت إليه .
قال مالكٌ : فإن كان المالُ الذى ورِثه دَينًا فلا زكاةً عليه فيه حتى يَقبضه
ثم يَحولَ عليه الحولُ بعدَ قبضِهِ له، وإن كان المالُ الموروثُ عرضًا لم
تجبْ عليه فى شىءٍ منه زكاةٌ حتى يَبيعَه ثم يَحولَ عليه الحولُ مِن یومَ باعه .
وقال أبو حنيفةً: لا يزكِّى الوارثُ الدَّينَ حتى يَقبضه. كقولٍ مالكٍ. وقال
الشافعىُّ : الوارثُ كالموروثِ فى الدَّينِ، يعتبرُ فيه الحولَ مِن يومَ ورِثه
وأمگّنه أخذُه ممن هو عليه، فإن تركه وهو قادرٌ على أخذِه زكّاه لما مضى
إذا قبضه .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٢٦٣ .
(٢) تقدم فى الموطأ (٥٨٥)، ص ٢٧٢، ٢٧٣.
٣١٩

الموطأ
الزكاةُ فى الدَّينِ
٥٩٥ - حدّثنی یحتی ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن السائب
ابن یزید ، أن عثمان بن عفان کان یقول : هذا شھرُز کاتِکم ، فمَن کان
عليه دَينٌّ فَلْيُؤَدِّ دَيْنَه حتى تَحْصُلَ أموالُكم، فتُؤَدُّوا منها الزكاةَ .
الاستذكار
بابُ الزكاة فى الدَّینِ
مالكٌ، عن ابنٍ شهابٍ ، عن السائبِ بنِ يزيدَ، أن عثمانَ بنَ عفان كان
يقولُ : هذا شهرُز كاتِكم، فمَن كان عليه دَيْنٌ فَلْيؤدِّ دَيتَه حتى تَحصُّلَ أموالكم،
فتُؤدُّوا منها الزكاةً(١) .
وروی مالكٌ ، عن یزید بن خُصَیفةً ، أنه سأل سليمان بنَ یسارٍ عن رجلٍ له
مالٌ وعليه دَيْنٌ مثلُه: أعليه زكاةً؟ فقال: لا(٢).
قال أبو عمرَ : قولُ عثمانَ بنِ عفانَ رضِى اللهُ عنه يَدُلَّ على أن الدَّينَ يَمنُ
مِن زكاةٍ العينِ، وأنه لا تَجبُ الزكاةُ على مَن عليه دينٌ . وبه قال سليمانُ بنُّ
يسارٍ ، وعطاءُ بنُّ أبى رباح، والحسنُ البصرىُّ، وميمونُ بنُّ مِهرانَ ، والثورىُّ،
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٢٣)، وبرواية يحيى بن بكير (٣/٤ظ - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (٦٦٨). وأخرجه الشافعى ٥٠/٢، وابن زنجويه فى الأموال (١٧٥٤)، والبيهقى
١٤٨/٤ من طريق مالك به.
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٢٤)، وبرواية يحيى بن بكير (٤/٤و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (٦٧٠). وأخرجه أبو عبيد فى الأموال (١٢٥١)، وابن رَنجويه فى الأموال (١٧٥٥)،
والبيهقى ١٤٨/٤ من طريق مالك به، وسيأتى ص ٣٢٥.
٣٢٠