Indexed OCR Text

Pages 521-540

الموطأ
التمهيد
جنازةٍ قد صُلِّى عليها، دعا وانصَرفَ، ولم يُعدِ الصلاةَ(١) . وقد يحتمِلُ ما
ذكَرنا عن عائشةً من صلاتِها على قبرٍ أخِيها عبدِ الرحمنِ أنَّها دعَتْ له . فكنتَى
القومُ عن الدُّعاءِ بالصَّلاةِ؛ لأَنَّهم كانوا عربًا، وهذا سائٌ فى اللُّغةِ ، والشَّواهدُ
عليه محفوظةٌ مشهورةٌ ، فأغنَى ذلك عن ذكرِها هلهنا . وإذا احتملَ هذا، فغيرُ
نكيرٍ أَنْ يُقالَ فيما ذكرنا من الآثارِ المرفوعةِ وغيرِها: إنَّه أَريدَ بذكرِ الصلاةِ على
القبرِ فيها الدُّعاءُ. إلّا أنْ يكونَ حديثًا مُفسَّرًا يُذكَرُ فيه أنَّه صفَّ بهم وكَبَّرَ
ورفَعَ وَهَ يديْه، ونحوُ هذا من وُجُوهِ المعارضةِ. ولكنَّ الصَّحيحَ فى النّظرِ أَنَّ
ذكرَ الصلاةِ على الجنائزِ إذا أتى مُطْلَقًا، فالمرادُ به الصَّلاةُ المعهودةُ على
الجَنَائِزِ، ومَن ادَّعَى غيرَ ذلك كانَتِ البيَّةُ علیه، وليسَ فيما(٢) ذكرنا من الآثارِ
عن الصحابةِ والتَّبعينَ ما يُرُدُّ قولَ مالكِ أنَّ الصلاةَ على القبرِ جاءَ وليسَ عليه
العملُ؛ لأنَّها كلَّها آثارٌ بصريَّةٌ وكوفيَّةٌ، وليس منها شىءٌ مدنيٌ؛ أعنى عن
الصحابةِ ومَن بعدَهم رضِى اللهُ عنهم، ومالكٌ رحِمه اللهُ إنَّما حكَى أنَّه ليس
عليه العملُ عندهم بالمدينة فى عصره وعصرٍ شُیوخِه، وهو كما قال، ما
وجَدْنا عن مدنيّ ما يؤُدُّ حكايتَه هذه، واللهُ تعالى قد نزَّهَه عن التُّهمةِ والكذبِ،
وحباهُ بالأمانةِ والصِّدقِ .
قال أبو عمرَ: مَن صلَّى على قبرٍ، أو على جنازةٍ قد صُلِّىَ عليها ، فمُباح له
ذلك؛ لأَنَّه قد فعَل خيرًا لم يحظُرْه اللهُ ولا رسولُه، ولا اتَّفقَ الجميعُ على المَنْعِ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٥٠٧.
(٢) فى النسخ: ((ما)). والمثبت يقتضيه السياق.
٥٢١

الموطأ
التمهيد منه، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]. وقد صلَّى
رسولُ اللهِ وَِّ على قبرٍ، ولم يأْتِ عنه نسخُه، ولا اتَّفقَ الجميعُ على المَنعِ منه،
فمَن فَعَلَ فغيرُ حرِجٍ ولا مُعَّفٍ ، بل هو فى حلِّ وسَعةٍ وأجرٍ جزيلٍ إن شاء اللهُ ، إلّا
أنَّه ما قدُمَ عهدُه فمكروة الصلاةُ عليه؛ لأنَّه لم يأتِ عن النبيِّ وٍَّ ولا عن
أصحابه انّهم صلَّوا على القبرِ إلَّا بحدثان ذلك ، وأکثُ ما ژُوِی فیه شھرٌ، وقد
أجمعَ العلماءُ أنَّه لا يُصلَّى على ما قدُمَ من القبورِ، وما أجمَعوا عليه فحُجَّةٌ،
ونحن نتَّعُ ولا نبتدِعُ . والحمدُ للهِ .
وقد قال ابنُّ حبيبٍ فيمَن نُسىَ أن يُصلَّى عليه حتى دُفنَ، أو فيمَن دفَه
يهودىٌّ أو نصرانىٌّ دونَ أنْ يُغْسَلَ ويصلَّى عليه، ثم خُشىَ عليه التَّغيُّرُ: إِنَّه
يُصلَّى على قبرِهِ، فإن لم يُخفْ عليه التَّغيُّرُ، نُبشَ وغُسِلَ وصُلِّىَ عليه إذا كان
بحِدثانِ ذلك. وقال عيسى بنُ دينارٍ : مَن دُفنَ ولم يُصلَّ عليه من قتيلٍ، أو
ميِّتْ، فإِنِّى أَرَى أَنْ يُصلَّى على قبرِه. قال: وقد بلغنى ذلك عن عبد
العزيز بن أبى سلمةً. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه : لا يُصلّى على جنازةٍ مرّتين ،
إلّا أنْ يكونَ الذى صلَّى عليها غيرَ وليّها، فيعيدُ ولُّها الصلاةَ عليها إنْ كانَتْ
لم تُدفنْ، وإنْ كانَتْ قد دُفتَتْ أعادَها على القبرِ. وقال يحيى بنُ معينٍ :
قلتُ ليحتَّى بنِ سعيدٍ: ترَى الصلاةَ على القبرِ؟ قال: لا ، ولا أرَى على مَن
صلَّى عليه شيئًا، وليسَ الناسُ على هذا اليومَ، وأنا أكرَهُ أنْ أفعلَ شيئًا أُخالِفُ
الناس فيه .
القبس
٥٢٢

٥٣٦ - وحدَّثنى عن مالكِ، أنه سألَ ابنَ شهابٍ عن الرجلِ يُدرِكُ الموطأ
بعضَ التكبيرِ على الجنازةِ ويفوتُه بعضُه، فقال: يقضِى ما فاته من
٠٠
ذلك .
الاستذكار
وذكَر مالكٌ فى آخرِ هذا البابِ أنه سأل ابنَ شهابٍ عن الرجلِ يُدرِكُ بعضَ الـ
التكبيرِ على الجنازةِ ويفوتُه بعضُه، فقال: يقضِى ما فاتَه مِن ذلك(١).
قال أبو عمرَ: اختلف الفقهاءُ فى الذى يفوتُه بعضُ التكبيرِ على
الجِنازةِ، هل يُحرِمُ فى حينٍ دخولِه، أو ينتظرُ تكبيرةَ إمامِه؛ فروَى أشهبُ
عن مالكٍ، أنه يكبّرُ ولا ينتظرُ الإمامَ ليكبِّرَ بتكبيرِه. وهو أحدُ قولَى
الشافعىِّ، رواه المُزنيُ، وبه قال الليثُ، والأوزاعىُّ، وأبو يوسفَ. وقال
أبو حنيفةً ومحمدٌ : ينتظرُ الإمامَ حتى يُكبِّرَ فيكبِّرَ بتكبيرِه، فإذا سلَّم الإمامُ
قضَى ما عليه. ورواه ابنُ القاسم عن مالكِ، والبُوَيطِىُّ عن الشافعىِّ .
واحتجَّ بعضُ مَن قال هذا القولَ بقولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: ((ما أدرَكتُم
فصلُّوا، وما فاتكم فأَتِمُّوا)). ورُوِى: ((فاقضُوا))(١). إلا أنهم يقولون: إذا
كبَّرِ الإِمامُ خمسًا فلا يقضِى إلا أربعًا. والحُجَّةُ لروايةِ أشهبَ والمُزنيِّ عن
الشافِعِيِّ، أن التكبيرةَ الأُولى بمنزلةِ الإحرامِ، فينبغى أن يفعلَها على كلِّ
حالٍ، ثم يقضِىَ ما فاتَه بعدَ سلام إمامِه ؛ لأن مَن فاتَتْه ركعةٌ مِن صلاتِه لم
يَقْضِها إلا بعدَ سلامٍ إِمامِه .
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٤/٧ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٨٠).
(٢) تقدم تخريجه فى ٣٨/٤.
٥٢٣

الموطأ
الاستذ کار
واختلفوا إذا رُفعِت الجِنازةُ؛ فقال مالكٌ والثورىُّ: يقضِى ما فاتَه نَسَقًا
مُتتابِعًا ، ولا يَدْعو فيما بينَ التكبيرِ . وهو قولُ سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، وابن سيرينَ،
والشعبىِّ فى روايةِ إبراهيمَ، وحمادٍ، وعطاءٍ فى رواية ابن جريج . ورواه
البُوَيطِىُّ عن الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةً: يقضِى ما بقِىَ عليه مِن التكبيرِ . إلا أنه
قال : يَدعُو للميتِ بينَ التكبيرِ . ورواه المُزنىُّ عن الشافعىِّ. وعلى هذا جمهورُ
العلماءِ بالعراقِ والحجازِ، فى قضاءِ التكبيرِ دونَ الدعاءِ؛ لأَن مَن قال : يَقْضِى
نَسَقًّا متابعًا. لا يدعُو عندَه بينَ التكبيرِ. وقد ذكر ابنُ شعبانَ عن مالكِ
الوجهين؛ قال: قال مالكُ: مَن فاتَه بعضُ التكبيرِ على الجنازةِ ، إِن قضَاه نَسَقًا
فحسنٌ، وإن دعا بينُ تكبيراتِه فحسنٌ، ومَن استطاع الدعاءَ صنَعه . قال ابنُ
شعبانَ : يريدُ دعاءً مُخفَّقًا (٢) .
وذكّر ابنُ أبى شيبةً(٢) ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ ، عن هشامٍ، عن محمدِ بنِ
سيرينَ ، قال : يكبّرُ ما أدرَك، ويقضِى ما سبقه . وقال الحسنُ: يكبّرُ ما أدرَك،
ولا یقضِی ما سبقه .
قال أبو عمرَ : قد رُوِى فيمَن فاتَّه بعضُ التكبيرِ على الجِنازةِ أنه لا يَقْضِى ،
عن ابنِ عمرَ، والحسنِ، وربيعةً، والأوزاعيِّ(١) . ورواه جابرٌ الجُعْفِىُّ عن عطاءٍ
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٦٤١٢، ٦٤١٣)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٠٦/٣، والأوسط لابن المنذر
٤٤٨/٥، ٤٤٩.
(٢) فى ح، م: ((مخفيا)).
(٣) ابن أبى شيبة ٣٠٦/٣.
(٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣٠٦/٣، والأوسط لابن المنذر ٤٤٨/٥.
٥٢٤

ما يقولُ المصلّى على الجنازةِ
الموطأ
٥٣٧ - حدَّثنى يحيى عن مالك، عن سعيد بن أبى سعيد
المَقْبُرِىِّ، عن أبيه ، أنه سأل أبا هريرةَ: كيف تُصلِّى على الجِنازةِ ؟
فقال أبو هريرةَ : أَنا لَعَمْرُ اللهِ أخبرك؛ أَتَّبِعُها مِن أهلِها، فإذا وُضِعت
[٢٧] كبَّرتُ وحمِدتُ اللهَ وصلَّتُ على نبيّه، ثم أقولُ: اللهمَّ إنه
عبدُك ، وابنُ عبدِك ، وابنُ أمتِك، كان يشهدُ أن لا إلهَ إلا أنت ، وأن
محمدًا عبدُك ورسولك ، وأنت أعلم به ، اللهمّ إن كان مُحسنًا فزِدْ فی
إحسانه ، وإن کان مُسیئا فتجاوز عن سيئاته ، اللهمَّ لا تحرمنا أجرَه، ولا
تفتِنَّا بعدَه .
والشعبىِّ (١) . وبه قال ابنُ عُلَيَّةً، قال: ولو كان التكبيرُ يُقضَى ما رُفع النعشُ حتى الاستذكار
يَقضِىَ مَنُ(١) فاتَه. قال: ومَن قال: يقضِى نَسَقًّا مُتتابعًا ولا يقضِى الدعاءَ. فقد
ترَكُ ما يُعلمُ مِن سنةِ الصلاةِ على الجنائزِ. قال: وإذا رُفِع الميتُ فلِمَن يُدْعَى ؟
قال أبو عمرَ: ليس فيما ذكره ابنُ عُلَيَّةً مَقْنَعُ مِن الحجةِ .
بابُ ما يقولُ المصلّى على الجنازةِ
ليس فيه حديثٌ مسندٌ عندَه .
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٠٦/٣.
(٢) فى ح: ((ما)).
٥٢٥

الموطأ
الاستذكار
مالكٌ، عن سعيدِ بنِ أبى سعيدِ المَقْبُرِىِّ، عن أبيه، أنه سأل أبا هريرةَ :
كيف تصلِّى على الجنازةِ؟ فقال أبو هريرةَ: أنا لَعَمْرُ اللهِ أُخبرُك؛ أَتَّبِعُها مِن
أهلِها ، فإذا وُضِعت كبّرتُ وحمِدتُ اللهَ وصلَّيتُ على نبيِّه، ثم أقولُ: اللهم إنه
عبدُك ، وابنُ عبدِك ، وابنُ أَمتِك، كان يشهدُ أن لا إلهَ إلا أنت ، وأن محمدًا
عبدُك ورسولُك، وأنت أعلمُ به ، اللهمَّ إن كان محسنًا فزِدْ فى إحسانِه، وإن
كان مُسِيئًا فتجاوَزْ عنه، اللهمَّ لا تحرِمْنا أجرَه، ولا تَقْتِنَّا بعدَه (١).
فى هذا الحديثِ جوابُ السائلِ عن أكثرَ مما سأل عنه، وذلك إذا أراد
المسئولُ تعليمه ما يعلمُ أن به الحاجةَ إليه . وفيه قصدُ الجِنازةِ إلى موضعِها فى
حينٍ حَمْلِها . وفيه أن الصلاةَ على الجِنازةِ ليس فيها قراءةٌ ، وهذا موضعً اختَلف
فيه العلماءُ، سنبيِّنُ ذلك بعدُ فى هذا البابِ ، إن شاء اللهُ. وأما الدعاءُ فليس فيه
شىءٌ مُؤْقَّتْ عندَ أحدٍ مِن العلماءِ .
ومعنى قوله : فِزِدْ فى إحسانِه. واللهُ أعلمُ، أى: ضاعِفْ له الأجرَ فيما
أحسن فیه، وتجاوز عن سيئُّ عمله .
وفيه أن المصلِّىَ على الجِنازةِ له أن يَشرَكَ نفسَه فى الدعاءِ بما شاء، والله
أعلمُ ؛ لقولِه : اللهمَّ لا تحرِمْنا أجرَه، ولا تَفْتِنَّا بعدَه.
ومِن الدعاءِ على الميتِ ما رُوِى عن أبى هريرةَ، قال: كنا نقولُ على
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣١١)، وبرواية يحيى بن بكير (١٣/٧ و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٠١٦). وأخرجه عبد الرزاق (٦٤٢٥)، وابن المنذر (٣١٦٩)، وإسماعيل بن
إسحاق فى فضل الصلاة على النبى (٩٣)، والبغوى فى شرح السنة (١٤٩٦) من طريق مالك به .
٥٢٦

الموطأ
٥٣٨ - وحدَّثنى [٨٢و] عن مالك، عن يحيى بن سعيدٍ، أنه قال:
سمِعتُ سعيدَ بنَ المسيَّبِ يقولُ : صلَّتُ وراءَ أبى هريرةَ على صبىٌّ لم
يعمَلْ خطيئةً قطَّ ، فسمِعتُه يقولُ : اللهمَّ أعِذْه من عذاب القبرِ .
الجِنازةِ: اللهمَّ أنت ربُّها، وأنت خلقتَها، وأنت هديتَها للإسلام، وأنت الاستذكار
قبضتها ، وأنت تعلمُ سرّها وعلانيتها ، چِئْنا شفعاءً فاغفر لها) . وعن عمر بنِ
الخطابِ رضِى اللهُ عنه ، أنه كان يقولُ : اللهمَّ هذا عبدُك خرَج مِن الدنيا ، ونزَل
بك أفقرَ ما كان إليك، وأنت غنيٌّ عنه، كان يشهدُ أن لا إله إلا أنت وأن محمدًا.
عبدُك ورسولُك، فاغفِرْ له وتجاوَزْ عنه، فإنا لا نعلمُ منه إلا خيرًاً) . وعن
محمدِ بنِ سيرينَ وإبراهيمَ ، أنه كان مِن دعائِهما على الميتِ الدعاءُ للمؤمنين
والمؤمناتٍ ، ثم يَدْعُوان بنحوِ ما ذكرنا عن عمرَ وأبى هريرةً(١).
والدعاء للميتِ استغفارٌ له، ودعاءٌ بما يحضُرُ الداعِىَّ مِن القولِ الذى يرجو
به الرحمةً له والعفوَ عنه، وليس فيه عندَ الجميع شىءٌ مؤقّتٌ .
مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ ، قال : سمِعتُ سعيدَ بنَ المسئَّبِ يقولُ :
صلَّيْتُ وراءَ أبى هريرةَ على صبىٍّ لم يعمَلْ خطيئةً قطّ ، فسمِعتُه يقولُ : اللهمَّ
أُعِذْه مِن عذاب القبرِ(٤).
القبس
(١) أخرجه الفسوى فى المعرفة ١٢٥/٣، والبيهقى ٤٢/٤ موقوفًا، وأخرجه أحمد ٤٤٥/١٢،
(٧٤٧٧)، وأبو داود (٣٢٠٠) مرفوعًا .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٦٤٢١)، وابن أبى شيبة ٢٩٢/٣، وابن المنذر (٣١٧٤).
(٣) ينظر مصنف عبد الرزاق (٦٤٣٢، ٦٤٣٥).
(٤) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٣/٧و - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٠١٧).
٥٢٧

الموطأ
الاستذكار
فى هذا الحديثِ مِن الفقهِ الصلاةُ على الأطفالِ ، والسنةُ فيها كالصلاةِ
على الرجالِ بعدَ أن يَستهلَّ الطفلُ. وعلى هذا جماعةُ الفقهاءِ وجمهورُ
أهلِ العلمِ، والاختلافُ فيه شذوذٌ ، والشذوذُ قولُ مَن قال: لا يُصلَّى على
الأطفالِ . وهو قولٌ تعلَّق به بعضُ أهلِ البدعِ، وللفقهاءِ قولان فى الصلاةِ
على الأطفالٍ؛ أحدُهما، يُصلَّى على السّقْطِ منهم وغيرِ السّقْطِ . والثانى،
لا يُصلَّى على الطفل حتى يَستهلَّ صارخًا. والقولُ الذى ترَكه أهلُ الفتوى
بالحجازِ والعراقٍ ألَّا يُصلَّى على الطفلِ، رُوِى عن سَمُرةَ بنِ مُجُنْذُبٍ،
وسعيد بن جبيرٍ، وسويدِ بنِ غَفَةَ. وممن قال: لا يُصلَّى عليه حتى يستهلَّ
صارخًا. الزهرىُّ، وإبراهيمُ النخَعىُّ، والحكمُ بنُ عُتيبةَ، وحمادٌ،
والشعبىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وسائرُ الفقهاءِ بالكوفةِ والحجازِ " .
وممن قال: يُصلَّى على السّقْطِ وغيرِهِ. أبو بكر الصديقُ، وعبدُ اللهِ بنُ
(٢)
عمرَ).
وروَى قتادةُ ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ ، قال فى السّقْطِ يقَعُ ميتًا : إذا تمَّ خلقُه
ونُفِخ فيه الروحُ صُلِّى عليه (٣). وهو قولُ ابنٍ أبى ليلى وابن سيرينَ(٤). وژُوِى عن
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣١٨/٣، ٣١٩، وشرح معانى الآثار ١/ ٥٠٧، والأوسط لابن
المنذر ٤٠٣/٥، ٤٠٤.
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٣١٧/٣، ٣١٨، والأوسط لابن المنذر ٤٠٤/٥.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٦٦٠١)، وابن أبى شيبة ٣١٨/٣.
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (٦٦٠١)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣١٧/٣.
٥٢٨

الموطأ
النبيِّ الَّله من حديث المغيرة بن شعبةَ، أنه قال: ((الطفلُ يُصلّى عليه)). الاستذكار
وهذا يحتمِلُ أن يكونَ : يُصلَّى عليه إذا استهلّ.
وذكر ابنُّ أبى شيبةً(١) ، قال: حدَّثنا ابنُ عُليَّةً، عن أيوبَ ، عن نافعٍ، أن ابنَ
عمرَ صلَّى على سِقطٍ .
وأما قولُه: لم يعمَلْ خطيئةً قطُّ. فمأخوذٌ مِن قولِ النبيِّ وَّةِ: ((رُفع القلمُ
عن ثلاثةٍ)). فذكَر منهم الصبىُّ حتى يحتلمَ (١) . وقال عمرُ بنُ الخطابِ : الصغيرُ
تُكتبُ له الحسناتُ ولا تُكتبُ عليه السيئاتُ(١) . وسنبينُ هذا المعنى عندَ قولِه
وَ لّ فى الصبى، ألهذا حجّ؟ قال: ((نعم ولكِ أجرٌ))(٤).
وأمَّا قولُه فى الصبىّ: اللهمَّ أعِذْهِ مِن عذابِ القبرِ. فيشهدُ له قولُ اللهِ تعالى:
﴿يَغْفِرُ لِمَنْ كَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءٌ﴾ [الفتح: ١٤]. ولو عذَّب اللهُ عبادَه
أجمعين كان غيرَ ظالم لهم، كما أنه إذا هدَى ووفَّق مَن شاء منهم ، وأضلّ
وخذَل مَن شاء منهم، كان غيرَ ظالمٍ لهم ، وإنما الظالمُ مَن فَعَل غيرَ ما أُمِر به،
واللهُ تعالى غيرُ مأمورٍ لا شريكَ له. وعذابُ القبرِ غيرُ فتنةِ القبرِ بدلائلَ واضحةٍ
مِن السنةِ الثابتةِ ، قد ذكرناها فى غيرِ هذا الموضع. وإذا دَعا للصبىِّ أن يُعِيذَه اللهُ
القبس
(١) تقدم ص ٤٦٣ .
(٢) ابن أبى شيبة ٣١٧/٣.
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٩٦٤) من الموطأ .
(٤) سيأتى فى الموطأ (٩٦٤).
٥٢٩
( موسوعة شروح الموطأ ٣٤/٧)

٥٣٩ - وحدّثنی عن مالك ، عن نافع، أن عبد الله بن عمر کان لا
الموطأ
يقرأُ فى الصلاة على الجنازةِ .
الاستذكار مِن عذاب القبرِ فالكبيرُ أولَى بذلك. ومِن الدعاءِ المحفوظِ فى الصلاةِ على
الميتِ: ((اللهمَّ قِهِ فتنةَ القبرِ وعذابَ النارِ)) (١) .
مالكٌ ، عن نافعٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان لا يقرأ فى الصلاةِ على الجنازةِ(٢).
واختلف العلماءُ فى هذا المعنى ؛ فرُوِى عن ابنِ عمرَ، وأبى هريرةَ(٢)،
وفَضالةَ بنِ عبيدٍ (١)، أنهم كانوا لا يقرءُون فى الصلاة على الجنازةِ . ورُوِى عن
ابنِ عباسٍ، وعثمانَ بنِ حُنيفٍ ، وأبى أَمامةَ بنِ سهلٍ بنٍ مُنيفٍ ، أنهم كانوا
يقرءُون بـ: ((فاتحةِ الكتابِ )) على الجِنازةِ(٥) . وهو قولُ جماعةٍ مِن الصحابةِ
والتابعين بمكةً والمدينةِ والبصرةِ ، كلُّهم كان يرَى قراءةَ: ((فاتحة الكتاب )) مرةً
واحدةً فى الصلاة على الجنازةِ فى أولٍ تكبيرةٍ فى الصلاةِ ، إلا ما رواه حمادُ بنُ
سلمةَ ، عن حميدٍ ، عن الحسن ، أنه كان يقرأ فى الصلاة على الميتِ فى الثلاثِ
تکبیرات بـ: «فاتحة الكتاب ))) .
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٩٧/٣٩ (٢٣٩٧٥)، ومسلم (٨٦/٩٦٣)، وابن ماجه (١٥٠٠)، من حديث
عوف بن مالك .
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٣/٧ ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (٩٧٠).
(٣) تقدم فى الموطأ (٥٣٧).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٩٩/٣.
(٥) سیأتی تخريجه ص ٥٣٢.
(٦) ذكره ابن المنذر فى الأوسط ٤٣٩/٥ معلقا.
٥٣٠

الموطأ
وذكر ابنُّ أبى شيبةً(١)، "عن وكيع عن أزهرَ السَّمَّانِ، عن ابن عونٍ ، الاستذكار
قال: كان الحسنُ يقرأ بـ: ((فاتحة الكتابِ)) فى كلِّ تكبيرةٍ على الجنازةِ .
وأما اختلافُ أئمة الفتوى بالأمصارِ فى ذلك ؛ فقال مالكٌ فى الصلاةِ على
الجنازة : إنما هو الدعاء، وإنما ((فاتحُ الكتاب )) لیس بمعمول بها ببلدنا . وقال
الثورىُّ: يُستحَبُّ أن يقولَ فى أولِ تكبيرةٍ : سبحانك اللهمّ وبحمدِك. وهو قولُ
الحسنِ بنِ حىٍّ ؛ قال الحسنُ بنُّ حىٍّ: ثم يصلِّى على النبى عليه السلام ، ثم يكبّرُ
الثانيةَ، ثم يَدعو للميتِ ، ثم يكبِّرُ الثالثةَ ويدعو للميتِ، ثم يكبّرُ الرابعةَ ويصلِّی
على النبيِّ وَّ، ثم يسلِّمُ عن يمينِه ويسارِهِ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: يَحمَدُ
الله ويُثنى عليه بعدَ التكبيرة الأولى، ثم يكبّرُ الثانيةَ فيصلِّى على النبيِّ وَلِّ، ثم
يكبّرُ الثالثةَ فيشفعُ للميتِ ، ثم يكبّرُ الرابعةَ، ثم يسلِّمُ ، وليس فى الدعاءِ شىءٌ
مؤقّت ولا يقرأ فيها . وقال الشافعىُّ: یکبُّ، ثم يقرأ بـ: ((فاتحة الكتاب))، ثم
يكبُّ الثانيةَ، ثم يَحمَدُ اللهَ ويصلِّى على النبىِّ وَ لّهِ ويدعُو للمؤمنين والمؤمناتِ ،
ثم يكبّرُ الثالثةَ ويدعو للميتِ ، ثم يكبّرُ الرابعةَ ويسلِّم . وقولُ أحمد بن حنبل
كقولِ الشافعىِّ، وهو قولُ داودَ فى قراءةٍ: «فاتحة الكتاب)) .
وذكَر الطحاوىُّ(٤)، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبى داودَ البُلُّسيُّ، قال: حدَّثنا
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٢٩٧/٣، ٢٩٨.
(٢ - ٢) سقط من النسخ . والمثبت من مصدر التخريج .
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، وفى ح: ((عن ابن عوف و))، وفى م: ((قال)). والمثبت من مصدر
التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٣٢٣/٢.
(٤) شرح المعانى ٥٠٠/١
٥٣١

الموطأ
الاستذكار أبو اليمانِ ، قال: أخبرنا شعيبٌ، عن الزهرىِّ، عن أبى أمامةَ بنِ سهلٍ بنِ مُنيفٍ ،
وكان مِن كُبراءِ الأنصارِ وعلمائهم وأبناءِ الذين شهدوا بدرًا مع النبيِّ بَطِّ، أن
رجلًا مِن أصحابِ النبيِّ وَلِّ أخبره أن السنةَ فى الصلاةِ على الجِنازةِ أن يكبُرَ
الإمامُ، ثم يقرأ بـ: ((فاتحة الكتابِ)) سًا فى نفسِه، ثم يُخلِصَ الدعاءَ فى
التكبيراتِ الثلاثِ . قال ابنُّ شهابٍ : فذكرتُ الذى أخبرنى أبو أمامةً مِن ذلك
لمحمدِ بنِ سويدِ الفِهرىِّ، فقال: وأنا سمعتُ الضحاكَ بنَ قيسٍ يحدِّثُ عن
حبيبٍ بنِ مَسلَمةَ فى الصلاةِ على الجنائزِ مثلَ الذى حدَّثك به أبو أمامةً .
وذكّر عبدُ الرزاقِ(١) ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهرىِّ، قال: سمِعتُ أبا
أمامةَ بنَ سهلٍ بنٍ مُنيفٍ يحدِّثُ ابنَ المسيَّبِ ، قال: السنةُ فى الصلاةِ على
الجنائزِ أن يكبّرَ، ثم يقرأ بـ: ((أمّ القرآن))، ثم يصلِّىَ على النبيِّ وَلِّ ، ثم يُخلصَ
الدعاء للميتِ ، ولا يقرأ إلا فى التكبيرة الأولى ، ثم يسلِّمَ فى نفسِه عن يمينِه .
وروَى الثورىُّ(٣)، وشعبةُ (٤) ، وإبراهيم بنُ سعدٍ (٥) ، وجماعةٌ ، عن سعدِ بنِ
إبراهيمَ، عن طلحةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عوفٍ ،أنه أخبره قال : صلَّيتُ خلفَ ابنِ
عباسٍ، فقرأ بـ: ((فاتحة الكتابِ)) حتى أسمعَنا ، فسألته عن ذلك فقال(٩): سنةٌ
القبس
(١) فى م: (يختم).
(٢) عبد الرزاق (٦٤٢٨).
(٣) أخرجه البخارى (١٣٣٥)، وأبو داود (٣١٩٨)، والترمذى (١٠٢٧) من طريق سفيان به.
(٤) أخرجه البخارى (١٣٣٥)، والنسائى (١٩٨٧) من طريق شعبة به .
(٥) أخرجه النسائى (١٩٨٦)، والبيهقى ٣٨/٤ من طريق إبراهيم بن سعد به .
(٦) سقط من: م.
٥٣٢

الموطأ
وحقٌّ. وفى رواية بعضِهم : إنما جهَرتُ لتعلَموا أنها سنةٌ .
الاستذكار
وزُوِى مِن حديث جابرٍ عن النبيِّ وَالتّر، أنه قرأ بـ: ((فاتحة الكتاب)) بعد
التكبيرة الأولى(١) . ولیس بثابت عن جابرٍ.
واحتجَّ داودُ وأصحابُه فى هذا البابِ بقولِ رسولِ اللهِ وَلَه: ((لا
صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتابِ)) (٢). وهى صلاةٌ عندَ جميعِهم لا
تجوزُ إلى غيرِ القبلةِ ولا بغيرِ وُضوءٍ، إلا الشعبىَّ، فإنه شذَّ فأجازها بغيرِ
وضوءٍ، وقال: إنما هو دعاءً. ولم يُتَابَعْ على ذلك. وممن رأى القراءةَ
بـ: ((فاتحةِ الكتابِ)) فى الصلاةِ على الجنازةِ؛ الحسنُ بنُ علىَّ،
وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، ومكحولٌ، والضحاكُ بنُ مزاحم. ذكر ذلك كلّه
أبو بكرِ بنُ أبى شيبةً(٣).
قال(٤): وحدَّثنا عبدُ الأعلى، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ
إبراهيمَ، عن أبى أمامةَ بنِ سهلٍ بنِ محنيفٍ ، عن عبيدِ بنِ السَّبَّاقِ ، أنه حدَّثه أنه
رأى سهلَ بن حنيفٍ صلَّى على ميتٍ، فقرأ بـ: «فاتحة الكتاب )» فى أولٍ
تكبيرة .
القبس
(١) أخرجه الشافعى ١/ ٢٧٠، والبيهقى ٣٩/٤.
(٢) تقدم فى ٢٩٥/٤، ٢٩٦.
(٣) ابن أبى شيبة ٢٩٧/٣، ٢٩٨.
(٤) ابن أبى شيبة ٢٩٨/٣.
٥٣٣

الموطأ
الاستذكار
وفيما أجاز لنا أبو الحسن محمدُ بنُّ أحمدَ بنِ العباسِ الإخميمىُّ وكتَب به
إلينا، قال: حدَّثنا أبو جعفرِ الطحاوىُّ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ شيبةً، قال :
حدَّثنا روحُ بنُ عبادةَ، قال: حدَّثنا داودُ بنُّ نافذٍ(١) ، قال: قلتُ
لعبدِ اللهِ بنِ عبيدِ بنِ عميرٍ: كيف كان شيخاك عبدُ اللهِ بنُّ الزبيرِ وعبيدُ
ابنُّ عميرٍ يصلّان على الجنائزِ؟ قال: كانا يقرآنِ بـ: ((أمّ القرآنِ))،
ويصلِيان على النبيِّ وَلِّ، ويستغفران للمؤمنين والمؤمناتِ، ثم يقولان:
اللهمَّ أفسِخْ له فى قبرِهِ، واعرُجْ إليك بروحِه، وألحِقْه بنبيّه، واخلُفْه فى
عَقِبِه بخيرِ .
وممن كان لا يقرأ فى الصلاة على الجنازة، ويقولُ: ليس فيها
قراءةٌ . وينكرُ القراءةَ فيها؛ أبو العاليةِ، ومحمدُ بنُ سيرينَ، وأبو بردةَ بنُّ
أبى موسى، وعامرٌ الشعبىُّ، وإبراهيمُ النخَعىُّ، وبكرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزنئُّ ،
وميمونُ بنُّ مِهرانَ، وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وعطاءُ بنُ أبى رباحٍ،
وطاوس الیمانیُّ .
ذكَر ذلك كلَّه أبو بكرِ بنُ أبى شيبةً(١) عنهم بأسانيدَ جيادٍ .
· القبس
(١) بياض فى: م، وفى الأصل، ومصدر التخريج: ((ناقد))، وفى ح: ((ناجد)). والمثبت من
التاريخ الكبير ٢٣٧/٣، والجرح والتعديل ٤٢٦/٣.
(٢) مصنف ابن أبى شيبة ٢٩٨/٣ - ٢٩٩.
٥٣٤

الموطأ
الصلاةُ على الجنائزِ بعدَ الصبح
إلى الإسفارِ وبعدَ العصرِ إلى الاصفِرارِ
٥٤٠ - حدَّثنى يحيى عن مالك، عن محمدِ بنِ أبی حَرْملةً مولَی
عبد الرحمنِ بنِ أبى سفيانَ بنِ حُوَيطبٍ ، أن زينبَ بنتَ أبى سلمةً
تُوقِّيتْ، وطارقٌ أَميرُ المدينةِ ، فأتِى بجنازتها بعدَ صلاةٍ الصبحِ
فوُضِعت بالبقيع، قال: وكان طارقٌ يُغلِّسُ بالصبح. قال ابنُ أبى
حَرْملةَ: فسمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ يقولُ الأهلِها: إما أن تصلُّوا على
جِنازتكم الآنَ، وإما أن تتركوها حتى ترتفع الشمسُ .
الاستذكار
بابُ الصلاةِ على الجنائزِ بعدَ الصبح والعصرِ
مالكٌ، عن محمدِ بنِ أبى حَرْملةَ ، أنه سمِع عبدَ اللهِ بنَ عمرَ فى جنازةٍ
زينبَ بنتِ أبى سلمةَ وقد أتى بها بعدَ الصبح، وكان يومَئذٍ طارقٌ(١) أميرَ
المدينةِ ، فغلَّس بالصبح، قال: فسمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ يقولُ: إما أن تصلُّوا
على جنازتكم الآنَ ، وإما أن تتركوها حتى ترتفع الشمسُ ) .
قال أبو عمرَ: أتيتُ بمعنى الحديثِ دونَ لفظِه. وقد أوضحنا فى
(( التمهيد)) علةً حديث مالك، عن هشام بن عروةَ: ((إذا بدا حاجبُ الشمسِ
القبس
(١) هو طارق بن عمرو الأموى مولى عثمان بن عفان، وجهه عبد الملك بن مروان من الشام فغلب له على
المدينة وأخرج عنها عامل ابن الزبير، وثقه أبو زرعة. قال ابن حجر: والمشهور أنه كان من أمراء الجور، توفى
فى حدود الثمانين. تاريخ دمشق ٤٣٠/٢٤، وتهذيب الكمال ٣٤٨/١٣، وتقريب التهذيب ١٥٦/٢.
(٢) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٣/٧ و- مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٠٢١). وأخرجه ابن سعد
٨/ ٤٦١، ٤٦٢، والبيهقى ٢/ ٤٦٠، ٣٢/٤، وابن عساكر ٤٣٢/٢٤، ٤٣٣ من طريق مالك به.
٥٣٥

٥٤١ - وحدَّثنى عن مالك، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ قال :
الموطأ
يصلَّى على الجنازةِ بعدَ العصرِ وبعدَ الصبحِ، إذا صُلِّيتا لوقتِهما .
الاستذكار فأخّروا الصلاةَ حتى تَبْرُزَ)) (١). وأن هذه اللفظةَ: ((حتى تبرُزَ)). لا تصحُ؛
لاضطرابِ الرواةِ فيها؛ فمنهم مَن يقولُ: ((حتى تُشرِقَ)). ومنهم مَن يقولُ:
((حتى ترتفعَ)). و: ((حتى تبيضَّ)). وهو الصحيحُ؛ بدليلٍ حديثٍ مالكِ هذا
مِن قولِ ابنِ عمرَ وفعلِه . وهو حديثٌ لم يضطربْ رواتُه ، واضطَربوا فى حديثٍ
مالكٍ، عن هشامٍ بنِ عروةً، عن أبيه، على ما وصفتُ لك، واختلفوا فى
إسنادِهِ، وأصحُ ما فيه روايةُ مالكٍ مرسلةً. ويقضِى على هذا كلِّه حديثُ
عمرِو بنِ عَبَسةً (١) ، وأبى أمامةً، والصُّنابحىِّ، وغيرِهم، أن الشمسَ تطلُعُ مع
قرن الشيطانِ ، فإذا ارتفعت فارَقها(١) . ولم يقلْ: فإذا برَزت فارَقها . بل قد جاء
فى الأحاديث الثابتةِ: ((حتى ترتفعَ)). و: ((حتى تبيضَّ)). وهذا يوضحُ لك أن
معنی قوله فی حدیث هشام بن عروةً، عن أبيه: (( حتى تبرُزَ)) . أى: حتى تبرُزَ
مرتفعةً بيضاءَ. وعلى هذا يصِحُ استعمالُ الأحاديثِ كلِّها .
مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يُصلِّى على الجنازةِ بعدَ
الصبحِ وبعدَ العصرِ، إذا صُلِّيتا لوقتِهما(٤).
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٥١٥).
(٢) فى ح، م: (عنبسة)).
(٣) تقدم فى ٨٢/٣ - ٨٨.
(٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣١٣)، وبرواية يحيى بن بكير (١٣/٧و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٠٢٠). وأخرجه عبد الرزاق (٦٥٦١)، وابن المنذر (٣٠٧٢)، والبيهقى ٤٥٩/٢
من طريق مالك به .
٥٣٦

الموطأ
وهذا بابٌ اختلف العلماءُ فيه قديمًا وحديثًا ، وقد ذكرناه فى كتابٍ الصلاةِ الاستذكار
مِن كتابنا هذا مبسوطًا، والحمدُ للهِ. وأما اختلافُ الفقهاءِ أئمة الفتوى فى
ذلك ؛ فقال مالكٌ فى روايةِ ابنِ القاسم عنه: لا بأسَ بالصلاةِ على الجنائزِ بعدَ
العصرِ ما لم تصفرَّ الشمسُ، فإذا اصفرَّت لم يُصَلُّ عليها ، إلا أن يُخافَ تغيُُّها ،
فإن خِيف ذلك صُلِّى عليها . قال : ولا بأسَ بالصلاةِ على الجنائزِ بعدَ الصبحِ ما
لم يُسِفِرْ، فإذا أسفَر فلا يصلُّوا، إلا أن يخافُوا عليها. وهذا معنى الحديثَين
المتقدمین عن ابن عمر ، ومذهبُ ابن عمر معلومٌ قد تقدّم ذکژه ؛ أنه لا یُمنثُ مِن
الصلاةِ إلا عندَ الطلوعِ والغروبِ.
وذكر ابنُ عبدِ الحكم، عن مالكِ ، أن الصلاةَ على الجنائزِ جائزةٌ فى
ساعاتِ الليلِ والنهارِ ؛ عندَ طلوعِ الشمسِ، وعندَ غروبها ، وفى كلِّ وقتٍ . وهو
قولُ الشافعىِّ، قال الشافعىُّ: يُصلَّى على الجنائزِ فى كلِّ وقتٍ. لأن النهىَ عندَه
إنما ورَد فى التطوعِ لا فى الواجبٍ ولا فى المسنونِ مِن الصلواتِ. وقد يئنًّا
وجوه أقوالِ العلماءِ فى هذا البابِ فى كتابٍ الصلاةِ مِن هذا الكتاب .
وقال الثورىُّ: لا يُصلَّى على الجِنازةِ إلا فى مواقيت الصلاةِ، ويُكرَه الصلاةُ
عليها نصفَ النهارِ، وحينَ تغرُبُ الشمسُ، وبعدَ الفجرِ حتى تطلُعَ الشمسُ .
وقال الليثُ أيضًا: لا يُصلَّى عليها فى الساعاتِ التى تُكرهُ الصلاةُ فيها . وقال
الأوزاعىُ: يُصلَّى عليها ما دام فى ميقاتِ العصرِ، فإذا ذهَب وقتُّ العصرِ لم
يُصَلَّ عليها حتى تغرُبَ الشمسُ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: لا يُصلَّى عليها عندَ
الطلوعِ، ولا عندَ الغروبِ، ولا نصفَ النهارِ ، ويُصلَّى عليها فى غيرِها مِن
القبس
٥٣٧

الموطأ
الصلاةُ على الجنائزِ فى المسجدِ
٥٤٢ - وحدَّثنى يحيى عن مالك، عن أبى النضرِ مولَی عمرَ بنِ
عبيدِ اللهِ، [٨٢ظ] عن عائشةَ زوج النبيِّ بَله إنها أمَرت أن يُمَوَّ عليها
بسعدِ بنِ أبى وقاصٍ فى المسجدِ حينَ مات لتدعوَ له ، فأنكر ذلك
الناشُ عليها، فقالت عائشةُ: ما أسرعَ الناسَ! ما صلَّى رسولُ اللهِ وَل
على سُهَيلٍ ابنٍ بيضاءَ إلا فى المسجدِ .
الاستذكار الأوقاتِ. وحُجَّتُهم حديثُ عقبةً بنٍ عامٍ، رواه الليثُ بنُ سعدٍ ()،
وعبدُ اللهِ بنُّ وهبٍ (١)، ووكيُ ، وغيرُهم، عن موسى بنِ عُلَىِّ ، عن أبيه،
عن عقبةً بنِ عامٍ، قال: ثلاثُ ساعاتٍ نَهَى رسولُ اللهِ وَلِّ أن نصلِّيَ فيهن أو
نقبُرَ فيهن موتانا ؛ عندَ طلوع الشمسِ حتى تبيضٍّ، وعندَ انتصافٍ النهارِ حتى
تزولَ، وعندَ اصفرارِ الشمسِ حتى تغيبَ .
التمهید
مالكٌ، عن أبى النضرِ مَولَى عمرَ بنِ عُبيدِ اللهِ، عن عائشةَ زوج النبيِّ وََّ،
أنها أمَرت أن يُمَرَّ عليها سعدُ بنُ أبى وقاصٍ فى المسجدِ حينَ مات لتَدعُوَله،
فأنكر ذلك الناسُ عليها. فقالت عائشةُ: ما أسرَعَ الناسَ! ما صلَّى رسولُ اللهِ
مَلُ على شُهَيلِ ابنِ بيضاءَ إلَّ فى المسجدِ(٤).
القبس
(١) تقدم تخريجه ص٣٥٧، ٣٥٨ .
(٢) أخرجه مسلم (٨٣١) من طريق ابن وهب به .
(٣) أخرجه أحمد ٦٠٤/٢٨ (١٧٣٧٧)، وأبو داود (٣١٩٢) من طريق وكيع به .
(٤) الموطأ برواية أبى مصعب (١٠/٨). وأخرجه الشافعى ٧/ ٢١١، وعبد الرزاق (٦٥٧٨)، والفسوى فى
المعرفة ٢١٥/١، والطحاوى فى شرح المعانى ٤٩٢/١، والبيهقى فى المعرفة (٢١٦٨) من طريق مالك به .
٥٣٨

الموطأ
هكذا هو فى ((الموطأً)) عندَ جمهورِ الرواةِ منقطِعًا. وروَاه حمادُ بنُّ خالدٍ التمهيد
الخياطُ ، عن مالكِ، عن أبى النضرِ، عن أبى سلمةً، عن عائشةً . فانْفرَد بذلك
عن مالك .
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أحمد القاضى ،
حدَّثنا يحيى بنُ محمدِ بنِ صاعدٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ خُزيمةً (١) الواسطىُ، حدَّثنا
حمادُ بنُ خالدِ الخياطُ ، عن مالكٍ وعبدِ العزيزِ بن أبى سلمةَ ، عن أبى النَّضرِ ، عن
أبى سَلَمةً، عن عائشةَ قالت: ما أسرَع الناسَ إلى الشرّ! ما صلَّى رسولُ اللهِ وَه
على سُهَيلِ ابنِ بيضاءَ إلّ فى المسجدِ().
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا البغوىُّ، قال: حدَّثنی جَدِّى أحمدُ بنُ مَنیعٍ،
قال: حدَّثنا حمادُ بنُ خالدِ الخياطُ ، قال: حدّثنا مالكٌ، عن أبى النَّضرِ، عن
أبى سلمةَ، عن عائشةَ قالت: ما صلَّى رسولُ اللهِ وَ لَه على سُهَيلِ ابنٍ بيضاءَ إلَّا
فى المسجد .
وكذلك رواه الضحاكُ بنُّ عثمانَ، عن أبى النَّضرِ ، عن أبى سلمةً ، عن
عائشةً .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا
أبو داودَ، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى فُدَيْك ، عن
القبس
(١) فى ص ١٧: ((حزامة))، وفى م: ((خديمة)).
(٢) ذكره الدارقطنى فى العلل (٥/ق٧٢ - مخطوط) عن حماد بن خالد به .
٥٣٩

الموطأ
التمهيد الضحاكِ، يعنى ابنَ عثمانَ، عن أبى النَّضرِ، عن أبى سلمةً، عن عائشةً
قالت: واللهِ لقد صلَّى رسولُ اللهِ وَلَّ على ابْنَى بيضاءَ فى المسجدِ؛
سُهَيلٍ وأخيه(١).
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّنا
أبو داودَ ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ منصورٍ ، قال: حدّثنا فُلَیحُ بنُ سلیمانَ ، عن
صالح(٢) بن عجلانَ ( ومحمدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبّاد١ٍ، عن عبَادِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
الزُّبِيرِ، عن عائشةَ قالت: ما صلَّى رسولُ اللهِ وَِّ على سُهَيلِ ابنِ البيضاءِ إِلَّ فِى
(٤)
المسجد (٤).
قال أبو عمرَ: أما قولُ عائشةَ فى هذا الحديثِ : ما أسرَع الناسَ ! ففيه
عندَهم قولان؛ أحدُهما، ما أسرَعَ النِّسيانَ إلى الناسِ ! أو: ما أسرَعَ ما نَسِى
الناسُ! والقولُ الآخرُ، ما أسرَعَ الناسَ إلى إنكارِ ما لا يَعرِفون ! أو: إنكارٍ ما لا
يجِبُ(٥)! أو: إنكارٍ ما قد نَشوه أو جَهِلوه! أو: ما أسرَعَ الناسَ إلى العيبِ
والطّعنٍ! ونحوُ هذا. ثم احتَجَّت عليهم بالحُبََّّةِ اللازمةِ لهم، إذ أنكروا عليها
أمرها بأن يُموّ بسعدٍ علیھا فیصلَّی علیه فى المسجدِ ، و کان سعدُ بنُ أُمی وقاصٍ
القبس
(١) أبو داود (٣١٩٠). وأخرجه مسلم (١٠١/٩٧٣) عن هارون بن عبد الله به.
(٢) بعده فى النسخ: ((عن)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٣ - ٣) كذا فى النسخ، ومصادر التخريج، وفى تهذيب الكمال ٧١/١٣، وأطراف المسند ٦٢/٩:
((محمد بن عباد بن عبد الله)) وهو الصواب .
(٤) أبو داود (٣١٨٩). وأخرجه أحمد ٤٧١/٤١ (٢٥٠١٤)، والبخارى فى تاريخه ١٣٤/١ عن
سعید بن منصور به .
(٥) فى م: (يحب)).
٥٤٠