Indexed OCR Text
Pages 461-480
الموطأ
أمامَ الجِنازةِ. قال: قد كان رسولُ اللهِ وَّله يمشِى بينَ يديْها، وأبو بكرٍ وعمرُ التمهيد
وعثمانُ ، وكذلكَ السُّنَُّ فى اتِباعِ الجنازةِ .
حدثنا سعيدُ بنُ عثمانَ، حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحيم، حدَّثنا أبو عروبةً
الحسينُ(١) بنُ محمدِ الحَّانِيُّ، حدَّثنا محمدُ بنُ الحارثِ البَزَّازُ، حدَّثنا
محمدُ بنُ سلمةَ، عن عباسٍ بنِ الحسنِ، عن الزُّهرىِّ، عن سالمٍ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
عمرَ، عن أبيه، قال: كان رسولُ اللهِ وَله وأبو بكرٍ وعمرُ يمشونَ أَمامَ
(٢)
الجِنازةِ (١).
واختلفَ الفقهاءُ فى المشي أمامَ الجِنازةِ وخلفَها، وفى أىِّ ذلكَ أفضلُ ؛
فقال مالكٌ، واللَّيثُ، والشَّافعىُّ: الشُّنَّةُ المشئُ أمامَ الجِنازةِ، وهو الأفضلُ.
وقال الثَّورىُّ: لا بأسَ بالمشى خلفَها وأمامَها ، والفضلُ فى ذلك سواءٌ. وقال أبو
حنيفةً وأصحابُه: المشئُ خلفَها أفضلُ. ولا بأسَ عندَهم بالمشيِ أمامَها،
وكذلك قال الأوزاعى : الفضلُ عندَنا المشئ خلفَها .
قال أبو عمر : ژُوی عن ابنِ عمر، وأبى هريرةً، والحسن بن علىٍّ ، وابنٍ
الزَّيرِ ، وأبى أَسيدِ السَّاعدىِّ، وأبى قتادةَ ، وعبيدِ بنِ عُميرٍ ، وشريحٍ ، أنَّهم كانوا
يمشون أمامَ الجنازةِ ويأمرون بذلك(٢). وهو قولُ الفقهاءِ الشّبعةِ المدنيِّين وأكثرِ
القبس
(١) فى ى: ((الحسن)). وينظر سير أعلام النبلاء ١٤/ ٥١٠.
(٢) أخرجه ابن عدى ١٦٦٦/٥ عن أبى عروبة الحرانى به، وأخرجه الطبرانى (١٣١٣٤) من طريق
عباس بن الحسن به .
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢٧٧/٣، ٢٧٨، وشرح معاني الآثار ٤٨١/١، وسنن البيهقى ٢٤/٤.
٤٦١
الموطأ
التمهيد الحجازيِّين. وقال الزُّهرىُّ: المشئ خلفَ الجنازةِ من خطأًّ الشَّةِ(١). وقال
أحمدُ بنُ حنبلٍ: المشئُ أمامَها أفضلُ. واحتجّ بتقديم عمرَ بنِ الخطّابِ الناسَ
فى جنازةِ زينبَ بنتِ جحشٍ ١٢ . وضعَّفَ أحمدُ حديثَ علىٍّ بن أبى طالبٍ ، أَنَّه
قال : فضلُ المشي خلفَها على المشيِ أمامَها كفضلٍ صلاةِ الجماعةِ على صلاةٍ
الفذٌّ .
قال أبو عمرَ : الحديثُ ذكَرِه عبدُ الرَّزَّاقِ (٣) ، عن الثَّورىِّ، عن عُروةَ بنِ
الحارث ، عن زائدةً بنِ أوسٍ الکندىِّ، عن سعیدِ بنِ عبد الرحمنِ بنِ اُبرَی ، عن
أبيه ، قال : كنتُ مع على بن أبى طالبٍ فى جنازةٍ، وعلىٍ آخذٌ بیدی، ونحن
خلفَها ، وأبو بكرٍ وعمرُ يمشيان أمامَها ، فقال: إنَّ فضلَ الماشِى خلفَها على
الذى يمشِى أمامَها كفضلِ صلاةِ الجماعةِ على صلاةِ الفذُّ ، وإنَّهما ليعلمان من
ذلك ما أعلمُ، ولكنَّهما سهْلان يُسهِّلان على الناسِ. وبه يأخذُ الثَّورىُّ.
وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ(٤) أيضًا بإسنادٍ فيه لينٌ من حديثِ الشَّامِّين، عن أبى
سعيد الخدرىِّ ، عن على بن أبى طالبٍ معنی حدیثِ ابنِ أبری، عن على ، فی
حديثٍ فيه طولٌ، وفيه : وقال لى علىٍّ: يا أبا سعيدٍ، إذا أنتَ شهِدْتَ جِنازةٌ
فقدِّمْها بينَ يدَيكَ ، واجعلْها نُصبَ عينيكَ ، فإنَّما هى موعظةٌ وتذكرةٌ وعِبرةٌ .
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٥٣١).
(٢) سيأتى فى الموطأ (٥٢٩).
(٣) عبد الرزاق (٦٢٦٣) .
(٤) عبد الرزاق (٦٢٦٧).
٤٦٢
الموطأ
التمهید
وذكَر (١) تمامَ الحدیثِ .
أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال حدَّثنا ابنُ الأعرابيّ، قال: حدَّثنا
الحسنُ بنُ محمدِ بنِ الصَّبَّاحِ الزَّعفرانىُّ وسعدانُ بنُ نصرٍ، قالا: حدَّثنا
سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن ابنِ المنكدرِ ، عن ربيعةً بنِ عبدِ اللهِ بنِ هُدیٍ(٢) ، أنَّه رأَى
عمر بن الخطّابِ يُقدِّمُ الناسَ أمام جنازة زينب بنت جحش ١ .
وقال الطبرئُّ: إن كان المشیُّ لها راكبًا مشَى خلفها ، وإن كان ماشيًا
فحيثُ شاء. وروَى المغيرةُ بنُّ شُعبةَ أنَّ رسولَ اللهِ فَ لَه قال: ((الرّاکبُ يسيرُ
خلفَ الجِنازةِ ، والماشِى خلفَها وأمامَها ، وعن يمينها ، وعن يسارِها ، وحيثُ
شاء، إذا كان قريبًا منها، والطّفلُ يُصلَّى عليه)).
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدّثنا محمدُ بنُ بکرٍ ، حدّثنا أبو داودَ ، حدّثنا
وهبُ بنُ بقيّةً، حدَّثنا خالدٌ ، عن يُونسَ ، عن زيادِ بنِ تجبيرٍ ، عن أبيه ، عن المغيرة بنِ
شُعبةَ، قال: وأحسَبُ أنَّ أهلَ زيادٍ أخبرونى أنَّه رفَعه إلى النبيِّ وَِّلّه، قال: ((الرَّاكبُ
يسيرُ خلفَ الجنازةِ ، والماشِى يمشِى خلفَها وأمامَها ، وعن يمينها ، وعن يسارها،
قريبًا منها، والسّقطُ يُصلَّى عليه، ويدعَى لوالديه بالمغفرةِ والرَّحمةِ)) ..
القبس
(١) فى النسخ: ((ذلك)). والمثبت هو الصواب.
(٢) فى النسخ: ((هرير)). والمثبت من مصادر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٩/ ١٢٠.
(٣) أخرجه البيهقى ٢٤/٤ من طريق سعدان بن نصر به، وأخرجه ابن سعد ١١٢/٨، والطحاوى
فى شرح المعانى ٤٨١/١ من طريق ابن عيينة به .
(٤) أخرجه البيهقى ٨/٤ من طريق محمد بن بكر به . وهو عند أبى داود (٣١٨٠). وأخرجه
الطبرانى ٤٣٠/٢٠ (١٠٤٢) من طريق خالد بن عبد الله به .
٤٦٣
٠٠٠
الموطأ
التمهید
وحدثنا سعيدٌ وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ،
قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، حدثنا و کیتٌ، عن سعيدِ بنِ عبیدِ اللهِ ، عن
زيادٍ بنِ لجبيرٍ، عن أبيه، عن المغيرةِ بنِ شُعبةً، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّرِ:
((الرَّاكبُ خلفَ الجِنازةِ، والماشِى يمشِى منها حيثُ شاء))(٢).
قال أبو عمرَ: لم يُخرّجْ أبو داودَ فى هذا البابِ إلَّ حديثَ ابنِ عُيينةَ وحدَه،
عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه(١) . على ما ذكرناه فى هذا الكتاب ، وخرّجَ
حديث المغيرة للمخالفِ لا غيرُ .
وقد أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ یحتی ، قال : حدّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ
حمدانَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثَنِى أيِى، قال :
قُرِئَّ على سفيانَ ، قال : سمِعتَ يحيى الجابرَ ، عن أبى ماجد الحنفىٌّ ، قال :
سمِعتُ عبدَ اللهِ - يعنى ابنَ مسعودٍ - يقولُ: سألنا رسولَ اللهِ وَلّر عن السّيرِ
بالجِنازةِ ، فقال: ((الجِنازةُ متبوعةٌ وليست بتابعةٍ )). وكان سفيانُ يقولُ فيه
أحيانًا: ((وليس منها(٤) مَن تقدَّمَهَا))(٥).
القبس
(١ - ١) فى م، ومطبوع ابن أبى شيبة: ((عبد الله)). وينظر تهذيب الكمال ٥٤٥/١٠.
(٢) ابن أبى شيبة ٣/ ٢٨٠. وأخرجه أحمد ١٤٨/٣٠ (١٨٢٠٧)، وابن حبان (٣٠٤٩)،
والطبرانى ٤٣١/٢٠ (١٠٤٥) من طريق وكيع به.
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٥١.
(٤) فى النسخ: ((منا)). وأشار فى حاشية ى إلى أنه فى نسخة: ((منها))، وهى كذلك فى مسند
أحمد، وتحفة الأحوذي ١٣٧/٢، وعند الترمذى: ((منا))، وعند ابن ماجه: ((معها)).
(٥) أحمد ٦٤/٦ (٣٥٨٥). وأخرجه الترمذى (١٠١١)، وابن ماجه (١٤٨٤) من طريق يحيى الجابر به.
٤٦٤
الموطأ
قال أبو عمرَ : إسنادُ هذا الحديثِ ليس بالقوىِّ؛ لأنَّ أبا ماجدٍ ويحيِّى التمهيد
الجابرَ ضعيفانٍ .
وحدَّثناه عبدُ اللهِ ، حدَّثنا ابنُّ حمدانَ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ أحمدَ، حدَّثنا
أيِى، حدَّثنا أبو كاملٍ، حدَّثنا زُهيرٌ، حدَّثنا يحتَى بنُ الحارثِ أبو الحارثِ
الثَّمِىُّ ، أنَّ أبا ماجدٍ - رجلًا من بنى حنيفةً - قال : قال ابنُ مسعودٍ: سألْنا نبئًا
عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عن السّيرِ بالجنازةِ، فقال: ((الشَّيرُ ما دُونَ الخَبَبِ ، فإن
يكنْ خيرًا تُعَجَّلْ إليه ، وإن يكنْ غيرَ ذلك فبعدًا لأُهلِ النارِ ، الجنازةُ متبوعةٌ ولا
تَتْبُ ، لیس منها من تقدَّمَهَا))(١) .
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ، قال:
حدَّثنا سفيانُ، قال: حدّثنى يحيى الجابرُ ، أنه سَمِع أبا ماجدٍ الحنفىَّ
يُحدِّثُ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: سأَلْنا نبيََّا وَّر عن الشَّيرِ
بالجِنازةٍ، فقال: ((ما دونَ الخَبَبِ ، الجِنازةُ متبوعةٌ وليست بتابعةٍ ، وليس
منها(٢) مَن تقدَّمها)).
القبس
(١) أحمد ٢٧٩/٦ (٣٧٣٤). وأخرجه أحمد ٥٤/٧ (٣٩٣٩)، وابن عدى ٢٦٥٩/٧، والبيهقى
٢٢/٤ من طريق زهير به .
(٢) فى النسخ: ((منا)).
٤٦٥
( موسوعة شروح الموطأ ٣٠/٧ )
الموطأ
التمھید
قال سفيانُ: وهذه الكلمةُ: ((ليسَ مِنها (١) من تقدَّمَهَا)). لا أدرِى أمرفوعةٌ ،
أو قولُ عبدِ اللهِ؟
رواه أبو عوانةً ، عن یحیی الجابر پاسنادِه مثله. وقال فيه: « ليس معها من
تقدَّمَها)) . مرفوعًا (٢) .
وقد ژُوِی فی هذا الباب حدیثٌ هو عندهم مُنکٌ ؛ من حدیث ◌ُدْج بنِ
مُعاويةً أخِى زُهيرِ بنِ مُعاويةً، عن كِنانةً مولَى صفيَّةً، عن أبى هريرةَ، أنَّ
النبىُّ وَلِ﴿ قال: ((امشُوا خلفَ الجنازةِ)).
فهذا ما جاء من الآثارِ المرفوعةِ فى هذا البابِ ، وأمَّا الصحابةُ والتَّابعونَ ؛ فروىَ
عن أنسٍ بنِ مالكِ، ومعاويةً بنِ قُرَّةً، وسعيدِ بنِ جبيرٍ ، أَنَّهم كانوا يمشون خلفَها(١).
وقد روى عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، قلتُ : كيف المشئ فى الجنازةِ ؟ فقال :
أما ترانِى أمشِى خلفَها)؟ وهذا عندِى لا يثبتُ عنه، واللهُ أعلم ، والصَّحیحُ ما
رواه ابنُ شهابٍ ، عن سالم، عنه. على ما ذكرناه فى هذا البابِ . وبالله التوفيقُ .
وروَى أشهبُ ، عن مالكِ ، أنَّه سألَه عن قولِ ابنِ شهابٍ : المشئُ خلفَ
الجنازةِ من خطأً الشُنَّةِ . أَذلكَ على الرِّجالِ والنّساءِ؟ فقال: إنما ذلك للرّجالِ.
القبس
(١) فى النسخ: ((منا)).
(٢) أخرجه أبو داود (٣١٨٤) من طريق أبى عوانة به .
(٣) فى النسخ: ((جريج)). وينظر تهذيب الكمال ٤٨٨/٥.
(٤) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢٧٨/٣، وشرح معاني الآثار ١/ ٤٨٢.
(٥) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٤٨٣/١ من طريق نافع به .
٤٦٦
الموطأ
وكرِةٍ أن يتقدَّمَ النساءُ أمامَ النَّعشِ وأمامَ الرِّجالِ . وقال الأثرمُ: ذكرْتُ لأَيِى عبدٍ التمهيد
اللهِ الحديثَ الذى رُوى عن علىِّ، أَنَّه مشَى خلفَ الجنازةِ، وأبو بكرٍ وعمرُ
أمامَها، وقال: إنَّهما ليعلمان أنَّ المشىَ خلفَها أفضلُ. فتكلَّمَ فى إسنادِهِ،
وقال : ذلك عن زائدةً بنِ خراشٍ . قلتُ له: لأَنَّه مجهولٌ؟ فقال: نعم، لأَنَّه
ليس بمعروف .
قال أبو عمرَ : زائدةُ بنُ خراشِ هذا هو كُوفيٌّ، من المشايخ الذين
لم يروِ عنهم غيرُ أبى إسحاقَ، وليس الحديثُ الذى ذُكرَ لزائدةَ بنِ
خراشٍ، وإنَّما هو الزائدةَ بنِ أوسٍ، فاللهُ أعلمُ ممَّنْ جاءَ الوَهْمُ فى
ذلك .
وذكر أبو بكر الأثرمُ بالأسانيدِ الحسانِ، عن عثمانَ بنِ عقَّانَ، وطلحةً ،
والزبيرِ ، وابنٍ عباسٍ، وأبى هريرةَ، وأبى أُسيدٍ، وأبى قتادةَ، وعبيدِ بنِ عُميرٍ،
وشريحٍ، والأسودِ بنِ يزيدَ، والقاسمٍ، وعروةَ، وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، والشَّائبِ
ابنِ يزيدَ، وسليمانَ بنِ يسارٍ، وسعيدِ بنِ المسيّبِ، وبسرِ بنِ سعيدٍ (١)،
وعطاءِ بنِ يسارٍ، وابنٍ شهابٍ، وربيعةً، وأبى الزِّنادِ، كلُّهم يمشون أمامَ
(٢)
الجنازة
القبس
(١) فى النسخ: ((سعد)). وينظر تهذيب الكمال ٤/ ٧٢.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٦٢٨٧)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٧٧/٣، ٢٧٨، وشرح معانى
الآثار ١/ ٤٨١، وسنن البيهقى ٤/ ٢٤.
٤٦٧
الموطأ
التمهید
قال أبو بكرٍ: وحدثنا علىُّ بنُ أحمدَ ، قال : حدثنا عبدُ اللهِ بنُ وهب ، قال :
أخبرنى يحيى بنُ أَيُّوبَ ، عن يعقوبَ بنِ إبراهيمَ ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ ، قال :
ما رأيتُ أحدًا ممّن أدركْتُ من أصحابِ النّبِىِّ وَلِّ إلَّا وهم يمشون أمامَ الجِنازةِ،
حتى إنَّ بعضَهم لينادِى بعضًا ليرجعوا إليهم .
قال: وحدثنا سعيدُ بنُ منصورٍ، قال: حدَّثنا ابنُ المباركِ، قال: حدَّثنا
موسى الجهنى، قال: سألتُ عبدَ الرحمنِ بنَ أبى ليلَى عن المشْيِ بينَ يدَي
الجنازة ، فقال: كُنَّا نمشِی بین یدی الجنازة مع أصحاب رسولِ اللهِ پے لا يرون
بذلك بأسًا .
قال: وحدثنا سعيدٌ، حدَّثنا هُشيمٌ، عن مُغيرةَ: قال إبراهيمُ لأبى وائلٍ وأنا
أسمعُ : أكان أصحابُك يمشون أمامَ الجِنازةِ ؟ قال : نعم .
قال: وحدثنا سعيدٌ ، قال: حدثنا أبو الأحوصِ ، عن عمران بنِ مسلم ، عن
سويدٍ بنٍ غفَةً ، قال: إنَّ الملائكةَ لتمشِى أمامَ الجِنازةِ .
وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ (١) ، عن أبى جعفرِ الرَّازىِّ، عن حُميدِ الطَّيلِ، قال:
سمِعتُ العيزارَ يسألُ أنسَ بنَ مالكِ عن المشي أمامَ الجنازةِ ، فقال أنس : إنما
أنت مُشيّعٌ، فامشٍ إن شئْتَ أمامَها، وإن شئْتَ خلفَها ، وإن شئْتَ عن يمينِها ،
وإن شئْتَ عن يسارِها .
القبس
(١) عبد الرزاق (٦٢٦١).
٤٦٨
الموطأ
٥٢٩ - وحدثنى عن مالك ، عن محمد بنِ المُنكدر ، عن ربيعةً بن
عبدِ اللهِ بنِ [٨١و] الهُدَيرِ، أنه أخبرَه، أنه رأى عمرَ بنَ الخطابِ يُقَدِّمُ
الناس أمام الجنازة ، فى جنازة زينب بنت جحشٍ .
٥٣٠ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن هشام بن عروةً ، قال: ما رأيتُ
أبى قطَّ فى جِنازةٍ إلا أمامَها . قال: ثم يأتِى البقيعَ فيَجلِسُ حتى يَمُُّوا
عليه .
٥٣١ - وحدَّثنى يحيى عن مالك، عن ابن شهاب، أنه قال:
المشئ خلفَ الجِنازةِ من خطأُ السُنَّةِ .
وأردَف مالكٌ هذا الحديثَ (١) بحديثه عن محمدِ بنِ المُنْكَدرِ، عن الاستذكار
ربيعةً بنِ عبدِ اللهِ بنِ الهُدَيرِ ، أنه رأَى عمرَ بنَ الخطابِ يُقَدِّمُ الناسَ أمامَ الجِنازةِ ،
فى جنازة زينب بنت جحشٍ ().
وعن هشام بن عروةَ، أنه قال: ما رأيتُ أبى قطُّ فى جنازةٍ إلا أمامَها ، ثم
يأتى البقيعَ فيجلسُ حتى يمرُّوا عليه(٣).
القبس
(١) يشير إلى الحديث المرفوع (٥٢٨) من الموطأ.
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٠٨)، وبرواية يحيى بن بكير (١٣/٧ظ - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٠٢٥). وأخرجه الشافعى ٢٧٢/١، والطحاوى فى شرح المعانى ١/ ٤٨١، والبيهقى
فى المعرفة (٢١١٩) من طريق مالك به .
(٣) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٣/٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٠٢٣).
٤٦٩
الموطأ
وعن ابنٍ شهابٍ، أنه قال: المشئُ خلفَ الجِنازةِ مِن خطأً الشُنَّةِ (١).
الاستذكار
فأُورَد مالكٌ فى هذا البابِ السُّنَّةَ، وعمَلَ الخلفاءِ بذلك ومَن بعدَهم،
واشتهر (١) ذلك بالمدينةِ عندَهم، حتى جعَله ابنُ شهابٍ، مع علمِه بآثارٍ مَن
مضَى، سُنَّةً مسنونةٌ، وجعَل ما خالَفها خطأً . وهذا كلُّه خلافُ ما ذهب إليه
أهلُ العراقِ مِن الكوفيِين وغيرِهم، فأجازوا المشىَ خلفَها وعن يمينها وعن
يسارِها وأمامَها. واختلف العلماءُ فى الأفضلِ من ذلك ؛ فقال مالكٌ، والليثُ،
والشافعىُّ، وأصحابُهم: السُّنَّةُ المشئُ أمامَ الجِنازةِ، وهو الأفضلُ. وبه قال
أحمدُ بنُ حنبلٍ . وقال الثورىُّ: لا بأسَ بالمشي خلفَها وأمامَها، والفضلُ فى
ذلك سواءٌ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه: المشئُ خلفَها أفضلُ. ولا بأسَ عندَهم
بالمشى بينَ يدَيها وخلفَها، وعن يمينها وشمالها ، إلا أن المشىَ عندَهم خلفَها
أفضلُ، ("وكذلك قال الأوزاعىُّ: المشئُ عندَنا خلفَها أفضلُ". وحُجَّةُ هؤلاء
ومَن قال بقولِهم حديثُ علىٍّ بنِ أبى طالبٍ مِن روايةِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبزَى،
قال : كنتُ أمشِى مع علىٍّ فى جنازةٍ ، وهو آخذٌ بيدى ، وهو يمشِى خلفَها ،
وأبو بكرٍ وعمرُ يمشيان أمامَها ، فقلتُ له فى ذلك، فقال : إن فضلَ الماشى
خلفَها على الماشى أمامَها كفضلِ صلاةِ المكتوبةِ على صلاةِ النافلةِ ، وإنهما
لَیعلمان ذلك ، ولكنهما سهلان () يُسهِّلان على الناس. وقد ذكرنا إسناده فى
القبس
(١) الموطأ برواية يحيى بن بكير (١٣/٧ظ - مخطوط)، وبرواية أبى مصعب (١٠٢٦). وأخرجه
الطحاوى فى شرح المعانى ٤٨١/١ من طريق مالك به .
(٢) فى الأصل، م: ((اشتهار)).
(٣ - ٣) سقط من: ح، م.
(٤) ليس فى : الأصل، م.
٤٧٠
الموطأ
((التمهيدِ)) (١) ، مِن حديثِ عبدِ الرزاقِ وغيرِه، عن الثورىِّ. قال عبدُ الرزاقِ: الاستذكار
وبه يأخذُ الثورىُّ(١) .
وروَى أبو سعيد الخدرىُّ عن علىّ مثلَه بمعناه، وزاد: قال لى علىٍّ:
يا أبا سعيدٍ ، إذا شهِدتَ جِنازةً فقدِّمْها بينَ يدَيك، واجعلْها نُصْبَ عينيك،
فإنما هى موعظةٌ وتذْكِرةٌ وعِبْرةٌ ) . ومِن حديثٍ ابنٍ مسعودٍ ، أنه كان يقولُ:
سألْنا رسولَ اللهِ وَ لِّه عن الشَّيْرِ بالجِنازةِ، فقال: ((الجِنازةُ متبوعةٌ وليست
بتابعةٍ ، وليس معها مَن تقدَّمها))(٢) .
ومِن حديث المغيرةِ بنِ شعبةً، عن النبيِّ ◌ِِّ قال: ((الراكبُ يسيرُ خلفَ
الجِنازةِ، والماشى يمشِى خلفَها وأمامَها ، وعن يمينها ويسارِها، قريبًا
منها))(١). ومِن حديث أبى هريرةَ، أن النبيَّ وَلَه قال: ((امشُوا خلفَ
الجِنازةِ)) . فهذا ما جاء مِن الآثارِ المرفوعةِ فى هذا البابِ ، وهى كلُّها أحاديثُ
كوفيةٌ لا تَقومُ بأسانيدِها حُجَّةٌ، وقد ذكرناها بأسانيدِها وعللِها فى
(( التمهيدِ))(٤).
ورُوِى عن أنسٍ بنِ مالك، ومعاويةَ بنِ قُوَّةً ، وسعيدِ بنِ جبيرٍ ، أنهم كانوا
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٤٦٢.
(٢) تقدم تخريجه ص ٤٦٤، ٤٦٥.
(٣) تقدم تخريجه ص ٤٦٣ .
(٤) تقدم تخريجها ص ٤٦٢ - ٤٦٨.
٤٧١
الموطأ
الاستذكار يمشُون خلفَ الجنازة . ورُوِى عن نافع مولى ابنِ عمرَ ، أنه قال: قلتُ لابنِ
عمرَ: كيفَ المشئ فى الجنازةِ؟ فقال: أمَا ترانى أمشِى خلفَها(١)؟ فهذا
يُعارضُه حديثُ ابنِ شهابٍ المذكورُ فى هذا البابِ، وحديثُ أهلِ المدينةِ
أثبتُ . واللهُ أعلمُ .
وأما الصحابةُ رضِى اللهُ عنهم ؛ فرُوِى عن عثمانَ، وطلحةً ، والزبيرٍ ، وابنٍ
عباسٍٍ، وأبى هريرةَ، والحسنِ بنِ علىٍّ، وابنِ الزبيرِ، وأبى أُسَيدِ الساعدىِّ،
وأبى قتادةَ الأنصارىِّ، أنهم كانوا يمشُون أمامَ الجِنازِ(١) .
وروى ابن وهب ، عن یحیی بن أيوب ، عن يعقوب بن إبراهيم ، عن محمدِ بنِ
المنكدرِ ، قال: ما رأيتُ أحدًا ممن أدركتُ مِن أصحابٍ رسولِ اللهِ بَلّ إلا وهم
يمشُون أمامَ الجِنازةِ، حتى إن بعضَهم لُنادِى بعضًا ليرجعَ إليهم .
وذكّر ابنُ المباركِ ، عن موسى الجُهَنىِّ ، قال: سألتُ عبد الرحمنِ بنَ أبى
ليلى عن المشي بينَ يدَيِ الجِنازةِ ، فقال: كُنَّا نمشِى بينَ يدَي الجنازةِ مع
أصحابِ رسولِ اللهِ وَّ، فلا يَرَون بذلك بأسًا.
وأما التابعون؛ فرُوِى عن السائبِ بنِ يزيدَ، وعبيدِ بنِ عُميرٍ، وشُريح
القاضى، والأسودِ بنِ يزيدَ، وسالمٍ بنِ عبدِ اللهِ، والقاسمِ بنِ محمدٍ ،
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٤٦٦.
(٢) تقدم تخريج الآثار عنهم ص ٤٦٧.
٤٧٢
الموطأ
وسعيدِ بنِ المسيَّبِ، وعروةَ بنِ الزبيرِ، وسليمانَ بنِ يسارٍ، وسائرِ الفقهاءِ الاستذكار
السبعةِ المدنيِّين، ويُشْرٍ " بنِ سَعيدٍ ، وعطاءِ بنِ يسارٍ، وابنٍ شهابٍ، وربيعةً،
وأبى الزنادٍ ، أنهم كانوا يمشُون أمامَ الجِنازةِ (١) .
وذكَر هشيمٌ، عن مغيرةَ ، عن إبراهيمَ ، أنه قال لأبى وائلِ : أكان أصحابُك
يمشُون أمامَ الجِنازةِ ؟ قال : نعم .
قال أبو عمرَ : المشئُ أمامَ الجِنازةِ أكثرُ عن العلماءِ مِن الصحابة والتابعين
ومَن بعدَهم مِن الخالِفين، وهو مذهبُ الحجازيِّين، وهو الأفضلُ إن شاء اللهُ .
ولا بأسَ عندى بالمشى خلفَها وحيثُ شاء الماشى منها؛ لأن اللهَ عزَّ وجلَّ لم
يَحْظُرْ ذلك ولا رسولَه، ولا أعلمُ أحدًا مِن العلماءِ كرِه ذلك، ولا ذكر أن مشیَ
الماشى خلفَ الجِنازةِ يُحبِطُ أجرَه فيها ويكونُ كمَن لم يشهَدْها، وقد قال
رسولُ اللهِ وَهِ: ((مَن شيّع جِنازةً وصلَّى عليها كان له قيراطٌ مِن الأجرِ، ومَن
قعَد حتى تُدفنَ كان له قيراطان، والقيراطُ كأُحُدٍ))(٣). ولم يَخُصَّ الماشىَ
خلفَها مِن الماشى أمامَها . وفى عملِ العلماءِ بالعراقِ والحجازِ قرنًا بعد قرنٍ مما
ذكّرنا عنهم ما يدُلُّ على قولِنا ، وباللهِ توفيقُنا . ومَن استحبَّ المشىَ أمامَها ،
فإنما ذلك عندَه على الرّجالِ لا على النساءِ.
القبس
(١) فى النسخ: ((بشر)). والمثبت مما تقدم فى ص ٤٦٧.
(٢) تقدم تخريج الآثار عنهم ص ٤٦٧.
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (١٢٦٤) من حديث البراء بن عازب.
٤٧٣
الموطأ
. الاستذكار
روَى أشهبُ ، عن مالكِ ، أنه سأله عن قولٍ ابنٍ شهابٍ: المشئ خلفَ
الجِنازةِ مِن خطأً السنةِ . أذلك على الرجالِ والنساءِ؟ فقال : إنما ذلك للرجالٍ .
وكرِهِ أن يَتقدَّمَ النساءُ أمام النعشِ وأمامَ الرجالِ .
قال أبو عمرَ : قد كرِه جماعةٌ مِن العلماءِ شهودَ النساءِ الجنائزَ على كلّ
حالٍ، وقد ذكّرنا اختلافَ العلماءِ فى ذلك، ووجوه أقوالِهم فى ((التمهيدِ)) (١).
والحمدُ للهِ .
وأما قولُه فى الحديثِ: كانوا يمشُون أمامَ الجِنازةِ . دليلٌ على أن الأغلب
مِن العملِ فى ذلك المشئ لا الركوبُ، وكذلك ينبغى لكل مستطيعٍ على
المشي مع الجنازة أن یمشی معها ، ولا یر کب إلا من عذرٍ . قال ابنُ شهاب : ما
ركِب رسولُ اللهِ وَّهِ فِى جِنازةٍ قطُّ(٢) .
ورُوِى عن ثوبانَ، أنه رأى قومًا يركبون فى جنازةٍ، فقال: أما
تَسْتَخْيون؛ إن الملائكةً لتمشِى وأنتم على ظهورِ الدوابٌ(١).
وعن ابن عباسٍ : الراكبُ مع الجِنازةِ كالجالسِ فى بيتِه، إلا أن تكونَ
،و(٤)
به علةٌ .
وعن عبدِ اللهِ بنِ رباح، قال: للماشى قِيراطان ، وللراكب قيراطٌ (٥).
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديث (١٠٥٨) من الموطأ.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٦٢٨٤)، وابن سعد ٣٨٥/١.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٨٠/٣، والبيهقى ٢٣/٤، وتقدم مرفوعًا ص ٤٥٠.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٣/ ٢٨١.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٧٩/٣.
٤٧٤
الموطأ
النهى عن أن تُتْبَعَ الچِنازةُ بنارٍ
٥٣٢ - وحدَّثنى يحتَى عن مالكِ، عن هشام بن عروةً، عن أسماءَ
بنتٍ أبى بكرٍ ، أنها قالت لأهلِها : أجمِرُوا ثيابِى إذا مِتُّ ، ثم حنِّطونى ،
قال أبو عمرَ: ليس الركوبُ بمحظورٍ ، ولكنَّ المشىَ لمَن قدَر عليه أفضلُ الاستذكار
إن شاء اللهُ، والدليلُ على جوازِ الركوبِ - وإن كانت السنةُ المشی کالجمُعةِ
والعيدين - حديثُ المغيرة بن شعبةً، عن النبيّ ◌َالتي، أنه قال: ((الراکبُ یسیرُ
خلفَ الجِنازةِ )) الحديث.
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ(٢) وسفيانُ، قالا(٢): حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وضاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ ، قال :
حدّثنا و کیت، عن سعيد بن عبيد الله ، عن زیادٍ بن جبير، عن أبيه، عن
المغيرة بن شعبةً، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((الراكبُ يسيرُ خلفَ الجِنازةِ ،
والماشى يمشِى منها حيثُ شاء))(٥).
بابُ النهي عن أن تُتْبَعَ الچِنازةُ بنارٍ
مالكٌ، عن هشامٍ بنِ عروةَ، عن أسماء بنتٍ أبى بكرٍ ، أنها قالت لأهلها :
القبس
(١ - ١) سقط من: ح .
(٢) بعده فى: الأصل، م: ((سليمان و)). وينظر بغية الملتمس ص٣٩٩.
(٣) فى م: ((قالوا)).
(٤ - ٤) فى الأصل، م: ((عبيد)). وقد تقدم على الصواب ص ٤٦٤.
(٥) تقدم تخريجه ص ٤٦٤.
٤٧٥
ولا تذُرُّوا على كفنِى حِناطًا ، ولا تَنْتَعُونی بنارٍ .
الموطأ
٥٣٣ - وحدَّثنى عن مالك، عن سعيدِ بنِ أبى سعيدِ المقْبُرىِّ ، عن
أبى هريرةَ ، أنه نهَى أَن يُتْبَعَ بعدَ موتِه بنارٍ .
قال يحتِى : سمِعتُ مالكًا يكرَهُ ذلك.
الاستذكار أُجمِروا ثيابى إذا مِتُّ، ثم حَنِّطونى، ولا تَذُرُّوا على كفَنِى حِناطًا (١)، ولا
تَتْتَعونی بنارٍ .
قال أبو عمرَ : ورُوِى عن عائشةً أنها أوصت : لا تَنْبَعوا چِنازتی بمِجمرٍ فيه
نارٌ(٢) . وقولُ عائشةَ هذا مع قولٍ أختها أسماءً يَدلَّ على أنه لا بأسَ بتجمیرٍ ثیابٍ
المیت ، وأنه لا يجوزُ أن تُتبعَ الجنازةُ بمِجْمٍ فیه نارٌ.
مالكٌ(٣) ، عن سعيدِ بنِ أبى سعيدِ المَقْثُرِىِّ، عن أبى هريرةَ، أنه نهَى أن يُتْبَعَ
بعدَ موتِه بنارٍ (١) . وكان مالكٌ يكرهُ ذلك.
قال أبو عمرَ: قد رُوِى حديثُ أبى هريرةَ مرفوعًا عن النبيِّ وَّهِ، أنه قال:
القبس
(١) فى الأصل: ((حنوطا)). والحناط والحنوط واحد؛ وهو ما يخلط من الطيب الأكفان الموتى
وأجسامهم خاصة. النهاية ١/ ٤٥٠.
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٧١/٣.
(٣) قال أبو عمر فى التمهيد: ((مالك عن سعيد بن أبى سعيد، عن أبى هريرة ، أنه نهى أن يتبع
بنار. وهذا مجتمع عليه ، وقد رويت الكراهية فى ذلك من حديث ليث ، عن مجاهد ، عن ابن
عمر، عن النبى (َچر)).
(٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٣٠٩)، وبرواية يحيى بن بكير (١٣/٧ و - مخطوط)، وبرواية
أبى مصعب (١٠١٥) . وأخرجه عبد الرزاق (٦١٥٥) عن مالك به .
٤٧٦
الموطأ
(لا تُتَبَعُ(١) الجِنازةُ بصوتٍ ولا نارٍ(٢)). ولا أعلمُ بينَ العلماءِ خلافًا فى كراهةٍ الاستذكار
ذلك .
ورُوِّينا عن أبى سعيد الخدرىِّ، وعمرانَ بنِ مُصينٍ، وأبى هريرةَ، أنهم
وَصَّوا بِأَلَّا يُتْبَعُوا بنارٍ ولا نائحةٍ، ولا يُجعَلَ على قطيفةٍ حمراءَ(١) . وأظنُّ اتباعَ
الجنائزِ بالنارِ كان مِن أفعالِهم فى الجاهليةِ نُسِخ بالإسلامِ ، واللهُ أعلمُ، وهو مِن
فعلِ النصارى، ولا ينبغى أن يُتشبّهَ بأفعالِهم، وقد قال النبىُّ ◌َّ: ((إن اليهودَ
والنصارَى لا يَصْبُغُون - أو قال: لا يَخضِبون - فخالِفوهم)) (١). وقال بعضُ
العلماءِ: لا تجعَلوا آخرَ زادى إلى قبری نارًا . وفيما ذكرنا مِن إجماع العلماءِ فيه
شفاء إن شاء اللهُ .
وأما قولُ أسماءَ: أجمِروا ثيابى. فهى السنةُ أن تُجمَّرَ ثيابُ الميتِ ، وكان
ابنُ عمرَ يُجمِّرُها® وترًا) . وقد أجمعوا على الكافور فى خنوطِ الميتِ، وقد أمر
به رسولُ اللهِ وَلَّهِ فِى غَسلِ (١) ابنتِه، وأكثرُهم يُجيزُ فيه المِسكَ، وكرِهه قومٌ،
القبس
(١) فى ح: ((تتبعوا)).
(٢) أخرجه أحمد ٣١٦/١٥، ٤٨٥/١٦ (٩٥١٥، ١٠٨٣١)، وأبو داود (٣١٧١).
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢٧١/٣، والأوسط لابن المنذر ٣٧٠/٥- ٣٨٢.
(٤) أخرجه البخارى (٣٤٦٢)، ومسلم (٢١٠٣) من حديث أبى هريرة.
(٥) يجمرها: أى يجمر ثيابه هو. وينظر ما تقدم فى ٣٨٩/٢.
(٦) تقدم تخريجه فى ٣٨٩/٢.
(٧) فى ح: (( كفن)).
٤٧٧
الموطأ
الاستذكار والحجةُ فى قولِ رسولِ اللهِ وَلَّهِ: ((أطيبُ الطِّيبِ المِسكُ))(١). وكان ابنُ عمرَ
يَتَّبَعُ مَغابِنَ(١) الميتِ بالمِسكِ(٢)، وقال: هو أطيبُ طِيبِكم(٤). وقال مالك: لا
بأسَ بالمسكِ والعَنبرِ فى الخَنوطِ . وقال ابنُ القاسم : يُجعلُ الخَنوطُ على جسدٍ
الميتِ وفيما بينَ الأكفانِ، ولا يُجعلُ مِن فوقِها(١) . وقال إبراهيمُ النخعىُّ: يوضعُ
الخَنوطُ على أعضاءِ السجودِ ، وجبهتِه، وأنفِه، وركبتيه، وصدورٍ قدميه .
وقال أبو يوسفَ: أجمعَ أصحابنا على أن يوضعَ الخَنوطُ فى رأسِه ولحيته،
ويوضعَ الكافورُ على مواضعِ السجودِ. وقال الشافعىُ: يُحتَّطُ رأسُه
ولحيثُه، ويُذَرُّ الكافورُ على جميعِ جسدِه وثوبِهِ الذى يُدرَجُ فيه؛ أُحِبُ
ذلك له . وقال المُزنىُّ: لا خلافَ بينَ العلماءِ أنه يوضعُ الحَنوطُ على مواضعِ
السجودِ ، فإن فضَل فرأسُه ولحيثُه مع مساجدِه، فإن فضّل فمَغابِئُه، فإن اتَّسَع
الحنوطُ فحکمُ جمیع جسده فی القیاس واحد ، إلا ما کان مِن عورته التی کان
يسترها فی حیاته، وإن عجز الكافورُ اسْتُعِین بالذّرِيرَة، ويُسحقُ معها حتى
يأتِىَ على جميعِه .
القبس
(١) أخرجه أحمد ٣٧١/١٧ (١١٢٦٩)، ومسلم (١٩/٢٢٥٢)، وأبو داود (٣١٥٨) من حديث
أبى سعيد الخدرى .
(٢) المغابن: الأرفاغ، وهى بواطن الأفخاذ عند الحوالب، جمع مَغْبَن ، وهى معاطف الجلد أيضا .
ينظر النهاية ٣٤١/٣.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٦١٤١).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٦١٣٩).
(٥) فى الأصل، م: ((فوقه)).
(٦) الذريرة: هو نوع من الطيب مجموع من أخلاط. النهاية ١٥٧/٢.
٤٧٨
التكبير على الجنائزِ
التمهید
وأمّا الصلاةُ عليه، فاخْتَلَف العلماءُ فيها؛ فمنهم من قال: إنها فريضةٌ .
ومنهم مَن قال: إنها سُنَّةٌ. وإذا قلنا: إنها فريضةٌ. فإنها مِن فرائضِ الميتِ ، مَن
قام بها أجْزَأه، لا مِن فرائضِ الناسِ، وهذا الذى يُعبِّرُ العلماءُ عنه بفرضٍ كفايةٍ .
فإن قيل: مَيِّزوا لنا فرضَ الكفايةِ مِن فرضٍ (١) الأعْيانِ. قلنا: ذلك بيِّنٌّ ؛ أمَّا فرضُ
العينِ فَيَتَعَيَّنُ على كلِّ عينٍ فِعْلُه، وأمّا فرضُ الكفايةِ فهو الذى يُخاطَبُ به الكُلُّ،
وإن فعَله واحدٌ أَثيب الجميعُ، وإن لم يُفْعَلْ أَثِم الجميعُ. فإن قيل: ومتى خُوطِب
الجميعُ فَلَزِمَهم(١) فعلُه؟ إذا قلنا: إنما خُوطِب به واحدٌ وجماعةٌ غيرُ مُعَيِِّين،
تَعَیَّهم المُبادرةُ إلی الفعلِ لِمَن یسّر اللهُ تعالى ذلك له، وليس يَستَحيلُ خطابُ
واحدٍ غيرِ مُعيَّنٍ، وقد قال كثيرٌ مِن علمائِنا: إن الكُلَّ خُوطِب به. وقد بيًّّا
فسادَ(١) ذلك فى كُتبٍ الأصولِ.
تنبية على وهم: قال بعضُ علمائِنا: الصلاةُ على الميتِ فرضٌ ؛ لقولِ اللهِ
تعالى: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدَا﴾ [التوبة: ٨٤]. فحرَّم اللهُ تعالى الصلاةَ
على المنافقين، فوجَب بذلك الصلاةُ على المؤمنين. وهذه عَثْرَةٌ لا لَعًا لها()،
(١) فى م: ((فروض)).
(٢) فى ج، م: ((فيلزمهم)).
(٣) سقط من : ج، م .
(٤) إذا دعى للعاثر بأن ينتعش قيل: لمًا لك ... قال أبو عبيدة : من دعائهم: لا لئًا لفلان . أى : لا
أقامه الله . ينظر اللسان ( ل ع و ).
٤٧٩
و
الموطأ
القبس
الموطأ
التمهيد
القبس
ولَوَدِدتُ أن تُمْحَى مِن كُتِنا ولو بماءِ المُقْلَةِ ، وكأنَّه أشار على غفلةٍ إلى مسألةٍ
بديعةٍ مِن أصولِ الفقهِ؛ وهى أن النهى عن الشىءٍ أمرّ بضِدِه، و"الأمرَ بالشىءٍ
نهىٌّ عن ضدِّه، على الاختلافِ والتفصيلِ الذى فى كتبٍ الأصول، وتلك
المسألةُ صحيحةٌ مَلِيحةٌ، وليستْ مسألةُ هذا منها؛ لأن الصلاةَ على المنافقين
ليست بضدٍّ للصلاةِ(١) على المؤمنين، لا فِعْلًا ولا تَوْكًا، ولو تَغَطّن لهذا التحقيقِ
ما سقَط فى هذه المَغْواةِ، ولم يَخْتَلِفِ العلماءُ فى أنها صلاةٌ، وإنما اخْتَلَفوا فى
الوضوءِ لها والقراءةِ فيها؛ فقال العلماءُ بأَجْمَعِهم إلا مَن شدَّ منهم: لا بُدَّ مِن
الوضوءِ فيها. ويَلْزَمُ مَن شَرَط (١) الوضوءَ أن يَشْترِطَ (٤) القراءةَ ضرورةً؛ لأن الذى قال:
(لا صلاةَإلَّ بِطُهُورٍ)(٥). هو الذى قال: ((لا صلاةَ إِلَّ بـ: ((فاتحة الكتابِ)))(١). ولا
يُعلَمُ هذا إلا بهذا، ولا يُنَجِّى مِن هذا المُلْتَطَمِ حديثُ أَبِى هُرِيرةَ: أَنْا لَعَمْرُ اللهِ
أُخبِرُك؛ أَبِعُها مِن أهلِها(١) . وذكَر الدعاءَ، ولم يَذكُرِ القراءةَ؛ فإنَّ قولَ أبى هريرةً
وحدَه لو سُلِّم، ما كان محُجَّةً، فكيف وقد عارَضَه ما روَى البخارىُّ عن ابنٍ
(١) فى ج، م: ((أو)).
(٢) فى ج، م: ((الصلاة)).
(٣) فى د: ((شروط)).
(٤) فى د: ((يشرط)).
(٥) تقدم تخريجه فى ٤٣٣/٣، ٤٣٤ بمعناه، وسيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٩٤٤) من الموطأ .
(٦) تقدم تخريجه فى ٢٩٥/٤، ٢٩٦.
(٧) تقدم فى الموطأ (٥٣٧).
٤٨٠
٠