Indexed OCR Text
Pages 101-120
الموطأ لأنهم كانوا يتأولونه بغيرِ علم بالسنةِ المبيّنةٍ له ، فكانوا قد حُرِموا فهمّه والأجرَ على تلاوتِه، فهذا، واللهُ أعلمُ، معنى قوله: ((لا يجاوِزُ حناجِرَهم)). يقولُ : لا ينتفِعُون بقراءته ، كما لا ينتفِعُ الآكلُ والشاربُ من المأكولِ والمشروبِ بما لا يجاوزُ حَنْجَرَتَّه . التمهید وقد قيلَ : إن معنى ذلك أنهم كانوا يتْلُونه بألسِنَتِهم ، ولا تعتقدُه قلوبُهم . وهذا إنما هو فى المنافقين، وروى ابنُّ وهبٍ عن سفيانَ بنِ عيينةً، عن عبيدِ اللهِ ابنِ أبى يزيدَ، قال: ذكرتُ الخوارجَ واجتهادَهم عندَ ابنِ عباسٍ وأنا عندَه، فسمِعتُه يقولُ : ليسوا بأشدَّ اجتهادًا من اليهود والنصارى، وهم يَضِلُّون . حدثناه خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ بنِ إسحاقَ الجوهرىُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجاج، قال: حدَّثنا خالى أبو الربيع، قال : حدثنا ابنُ وهپٍ، فذكره(٢). قال أحمدُ : وحدثنا أحمدُ بنُ صالحٍ، وعبدُ الرحمنِ بنُ يعقوبَ ، وسعيدُ بنُّ دَيْسَمِ، قالوا : حدَّثنا سفيانُ بنُ عبينةَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبى يزيدَ. فذكره(٣). وكانوا لتكفيرِهم الناسَ لا يقبلُون خبرَ أحدٍ عن النبيِّ وَ لِّ، فلم يعرِفوا لذلك شيئًا من سنتِه وأحكامِه المبيّنةِ لمجمَلٍ كتابِ اللهِ، والمخبرةِ عن مرادِ اللهِ من القبس (١ - ١) فى م: ((يعنى). وينظر جذوة المقتبس ص ٢١٠، وبغية الملتمس ص ٢٨٦. (٢) أخرجه سحنون فى المدونة ٤٨/٢ عن ابن وهب به. (٣) أخرجه عبد الرزاق (١٨٦٦٦)، وابن أبى شيبة ٣١٣/١٥ من طريق ابن عيينة به . ١٠١ الموطأ التمهید خطابه فى تنزيله بما أراد اللهُ من عبادِه فى شرائعه التى تعبَّدهم بها ؛ وكتابُ اللهِ عربىٌّ، وألفاظُه محتمِلةٌ للمعانی ، فلا سبيلَ إلی مرادِ اللهِ منها إلا یبیانِ رسولِه؛ ألا ترَى إلى قولِ اللهِ عز وجل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وألا ترى أن الصلاةَ والزكاةَ والحجَّ والصيامَ وسائرَ الأحكام إنما جاء ذكرُها وفرضُها فى القرآنِ مجمَلًا، ثم بيَّن النبيُّ وَلـ أحكامَها؟ فمَن لم يقبلْ أخبارَ العُدُولِ عن النبيِّ وَلِّ بذلك ضلَّ وصار فى عمياءَ، فلما لم يقبلِ القومُ أخبارَ الأمةِ عن نبيّها، ولم يكنْ عندهم فيهم(١) عَدْلٌ ولا مؤمنٌ، وكفّروا عليًّا وأصحابَه فمَن دونَهم، ضلُّوا وأضلُّوا، ومرَقوا من الدِّينِ، وخالفوا سبيلَ المؤمنين، عافانا اللهُ وعصَمنا من الضلالِ كلِّه برحمته وفضله ؛ فإنه القادرُ علی ذلك لا شريكَ له . ذكَر عبدُ الرزاقٍ ، عن معمرٍ ، عن أيوبَ ، عن نافعٍ ، قال : قيل لابنٍ عمرَ : إِن نَجْدَةَ يقولُ : إنك كافرٌ. وأراد قتلَ مولاك إذ لم يقلْ : إنك كافرٌ. فقال عبدُ اللهِ : كذَب واللهِ ، ما كفَرتُ منذُ أسلمتُ . قال نافعٌ: و کان ابنُ عمرَ حین خرَج نجدةُ یری قتالَه. قال عبد الرزاق (١) : وأخبرنا معمر، عن ابنٍ طاوسٍ، عن أبيه، أنه كان يُحرِّضُ الناسَ على قتالِ زريقِ الحَرُورِىِّ. فأما قولُه: ((يقرءُون القرآنَ لا يجاوِزُ حناجِرَهم)). فالحناجِرُ جمعُ حَنْجَرَةٍ، القبس (١) سقط من: ر، وفى الأصل: (بهم)، وفى م: ((بنبيهم) . (٢) عبد الرزاق (١٨٥٨١). ١٠٢ الموطأ : التمهيد وهى آخرُ الحَلْقِ مما يلى الفمَ؛ ومنه قولُ اللهِ عز وجل: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١١]. وقيل: الحنجرةُ أعلى الصدرِ عندَ طَرفِ الحُلْقُومِ. وأما قولُه: ((يمرُّقون من الدِّينِ)). فالمُرُوقُ: الخروجُ السريعُ، «كما يمرقُ السهم من الرَّمِيَّةِ)). والرميَّةُ: الطرِيدةُ من الصيدِ، المرميَّةُ(١) ، وهى فعيلةٌ من الرمي ؛ لأن كلَّ فاعلٍ يُثْنَى على فعلِه فالاسمُ منه فاعلٌ ، والمفعولُ منه مفعولٌ؛ كقولك: ضرَب. فهو ضارِبٌ، والمفعولُ مضرُوبٌ، والأنثى مضروبةٌ ؛ فإذا بَيْتَ الفعلَ من بناتِ الياءِ، قلتَ : رمَى ، فهو رامٍ، والمفعولُ مَرْمِىٌّ، وكان أصلُه ((مَرْمُویّ))، حتى يكونَ على وزنِ مفعولٍ، فاستثقَلت العربُ ياءً قبلَها ضمةٌ ، فقلبت الواوَ ياءً، ثم أدغَمتها فى الياءِ التى بعدَها، فصار ((مَرْمِيٌّ))، فإذا أَنَّثْتَه قلتَ: مرميَّةٌ . وإذا أدخلتَ عليها الألف واللامَ قلتَ: المرميَّةُ والرميَّةُ . مثلَ المقتُولةِ والقتيلةِ . قال الشاعر : والنفسُ موقوفةٌ والموتُ غايتُها نَصْبَ الرميةِ للأحداثِ ترمِيها قال أبو عبيدٍ (١) فى قوله: (( كما يخرجُ السهمُ من الرميّةِ)). قال: يقولُ: القبس (١) بعده فى م: ((وأتت بهاء التأنيث لأنه ذهب مذهب الأسماء التى لم تجئ على مذهب النعت، وإن كان فعيل نعتا للمؤنث وهو فى تأويل مفعول كان بغير هاء نحو: لحية خصيب، وكف دهين، وشاة رمىٌّ؛ لأنها فى تأويل مخضوبة، ومدهونة، ومرمية، وقد تجىء فعيل بالهاء، وهى فى تأويل مفعولة تخرج مخرج الأسماء، ولا يذهب بها مذهب النعوت نحو النطيحة والذبيحة، والفريسة، وأكيلة السبع)). (٢) أبو عبيد فى غريب الحديث ٢٦٦/١، ٢٦٧. ١٠٣ الموطأ يخرج السهمُ ولم يتمسّكْ بشىءٍ، كما خرَج هؤلاء من الإسلام ولم يتمشّكوا بشىء . التمهید وقال غيرُه: قولُه: ((تتمارى فى الفُوقِ)). أى: تشكُّ، والتمارِى الشَّكُّ، وذلك يوجِبُ أَلَّا يُقْطَعَ على الخوارجِ ولا على غيرِهم من أهلِ البدعِ بالخروجِ من الإسلامِ، وأن يُشَكَّ فى أمرِهم، وكلُّ شىءٍ يُشَكُّ فيه ، فسبيلُه التوقفُ عنه دونَ القطعِ عليه . وقال الأخفشُ : شبَّهه برمية الرامى الشديد الساعدِ إذا رمَی فأنفذ سهمه فى جنبٍ الرميةِ، فخرَج السهمُ من الجانبِ الآخرِ من شدَّةِ رميه وسرعةٍ خروجٍ سهمِه ، فلم يتعلقْ بالسهم دمّ ولا فَوْثٌ؛ فكأن الرامىَ أخَذ ذلك السهمَ فنظَر فی التَّصْلِ - وهو الحديدةُ التى فى السهم - فلم يرَ شيئًا ، يريدُ من فَوْثٍ ولا دمٍ ، ثم نظَر فى القِدْحِ - والقدح عودُ السهمِ نفسُه - فلم يرَشيئًا ، ونظَر فى الرِّيشِ فلم يرَ شيئًا . وقولُه: ((تتمارَى فى الفُوقِ)). الفُوقُ: هو الشقُّ الذى يدخلُ فيه (١) الوَتَرْ، أى : يشكُّ إن كان أصاب الدمُ الفوقَ. يقولُ: فكما خرَج السهمُ خالِيًّا نقِيًّا من الفَرْثِ والدمٍ لم يتعلقْ منهما بشيءٍ، فكذلك خروجُ هؤلاء من الدِّينِ، يعنى الخوارج . وفى غيرِ حديثٍ مالكِ ذُكِرِ الرُعْظُ، وهو مدخَلُ السهمِ فى الزُّجّ، والرّصَافُ، وهو العَقَبُ الذى يُشَدُّ عليه. والقُذَذُ، وهو الريشُ، واحدتُها قُذَّةٌ. القبس (١) فى م: ((فى)). ١٠٤ الموطأ أخبرنا خلفٌ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجاج، حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: النَّصْلُ: الحديدةُ، والرّضَافُ: العَقَبُ، والقُذَذُ : الريشُ، والنَّضِىُّ: السهمُ كلَّه إلى الريشِ. التمهيد قال أبو عمرَ: قد قال فيهم رسولُ اللهِ وَلِ: ((يخرجُ قوم من أمتى))(١). إن صحّت هذه اللفظةُ فقد جعَلهم من أمتِه، وقد قال قوم: معناه من أمتى بدعواهم . ذكَر الحميدىُّ(٢) ، عن ابنِ عيينةً، عن ابنٍ جدعانَ ، عن أبى نضرةً ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتى تقتتلَ فئتان عظيمتان ، دعواهما واحدةٌ ، فبينما هم كذلك، إذ مرَقت مارقةٌ كأنما يمرقُ السهمُ من الرميَّةِ ، تقتلُها أَوْلى الطائفتين بالحقِّ)). حدَّثنا أحمدُ بنُّ محمدٍ، حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، حدَّثنا أبو علىٍّ الحسنُ بنُ علىِّ الرافقىُّ(١) بأنطاكيةَ سنةَ ثلاثٍ وعشرين " وثلاثمائةٍ) ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ محمدِ بنِ أبى الخناجرٍ (٥) ، قال: حدَّثنا مؤملُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا مباركُ بنُ فَضَالةَ، عن علىِّ بنِ زيدٍ، عن أبى نضرةَ، عن أبى سعيدٍ الخدرىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: («تلتقِى من أمَّتى فئتان عظيمتان، القبس (١) سيأتى ص١٠٧، ١٠٨. (٢) الحميدى (٧٤٩). (٣) فى ر: ((الواقفى)). (٤ - ٤) ليس فى: الأصل، م. (٥) فى النسخ: ((الحناجر)). والمثبت من سير أعلام النبلاء ٢٤٠/١٣. ١٠٥ الموطأ التمهيد دعواهما واحدةٌ، فبينما هم كذلك، إذ مرَقت بينَهما مارقةٌ تقتُلُهم أَوْلِی الطائفتين بالحقِّ))(١). حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم، حدَّثَنا محمدُ بنُ معاويةً ، حدَّثَنا أبو يعلى محمدُ بنُ زهيرِ الأُثُلِّئُ (٢) القاضىّ بِالأُبَلَّةِ(٣)، حدَّثنا يعقوبُ بنُ إسحاقَ بنِ زيادٍ القُلُوسيُّ، حدَّثنا بشيرُ بنُ عبادٍ الساعدىُّ(٤) ، حدَّثنا القاسمُ بنُّ الفضلِ، حدَّثنا أبو نضرةَ، عن أبى سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: (( تمرُّقُ مارقةٌ عندَ فُرْقةٍ من الناسِ، تقتلُها أَوْلِى الطائفتين بالحقّ))(٥). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قراءةً منى عليه، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم، قال : حدَّثنا بكرُ بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا مسددٌ، قال: حدثنا عبدُ الواحدِ ، قال: حدَّثنا مجالدٌ، قال: حدَّثنا أبو الوداكِ، قال: سمِعتُ أبا سعيد الخدرىَّ يقولُ : قال رسولُ اللهِ وَله: ((يخرجُ قومٌ من أمتى بعدَ فُوْقةٍ من الناسِ ، أو عند اختلافٍ من الناسٍ ؛ قومٌ يقرءون القرآنَ كأحسنٍ ما يقرؤُه الناسُ، ويرعَونه كأحسنٍ ما يرعاه الناسُ، يمرقون من الدِّينِ كما يمرُقُ السهمُ من الرميّةِ ، يرمى الرجلُ الصيدَ، فينفُذُّ الفرثَ والدمَ، فيأخذُ السهمَ، فيتمارى أصابه شىءٌ أم لا، هم القبس (١) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٧٦٥٩) من طريق مبارك به . (٢) فى ر، م: ((الأيلى)). وينظر سير أعلام النبلاء ٥٠٧/١٤. (٣) فى ص، ر، م: (الأيلى). والأبلة: بلدة على شاطئ دجلة البصرة. مراصد الاطلاع ١٨/١. (٤) فى ص، ر: ((العابدى)). (٥) أخرجه أحمد ٣٧٥/١٧، ٣٣/١٨، ٤١١ (١١٢٧٥، ١١٤٤٨، ١١٩٢١)، ومسلم (١٥٠/١٠٦٤)، وأبو داود (٤٦٦٧)، والنسائى فى الكبرى (٨٥٥٧) من طريق القاسم به . ١٠٦ الموطأ شرارُ الخَلْقِ والخليقةِ ، يقتلُهم أَوْلى الطائفتين باللهِ، أو أقربُ الطائفتين إلى التمهيد (١) اللهٍ))(١). حدثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال : حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدّثنا محمدُ بنُ وضاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بِنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا علىُ بنُ مُسهرٍ، عن الشيبانىِّ ، يعنى أبا إسحاقَ، عن يَسيرٍ (١) بنِ عمرٍ و قال: سألتُ سهلَ بنَ حُنَيْفٍ : هل سمِعتَّ رسولَ اللهِ نِلهِ يذكرُ هؤلاء الخوارجَ؟ قال: سمِعتُه، وأشار بيده نحوَ المشرقِ، يقولُ: ((يخرج منه قومٌ يقرءون القرآنَ بألسنتهم لا يعدو تراقِیھم، يمرقون من الدِّينِ كما يمرُقُ السهمُ من الرميَّةِ))(1). وروى ابن وهب ، عن يونس بنِ یزید ، عن ابن شهاب ، عن أبى سلمةً بنِ عبد الرحمنٍ، عن أبى سعيد الخدرىِّ قال: بينا نحن عندَ رسولِ اللهِ وَلهوهو يَقْسِمُ قَسْمًا ، أتاه ذو الخُوْصِرَةِ، وهو رجلٌ من بني تميم ، فقال: يا رسولَ اللهِ، اعدِلْ. فقال رسولُ اللهِ وَهِ: «ويلك، ومَن يعدِلُ إذا لم أعدلْ؟! لقد خِبتُ وخسِرتُ إذا لم أعدلْ)). فقال عمر: يا رسولَ اللهِ ، ائذنْ لى فيه فأضرب عنقه . القبس : (١) أخرجه أبو يعلى (١٠٠٨) من طريق مجالد به مختصرًا. (٢) فى م: ((بشير)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠٢/٣٢. (٣) ابن أبى شيبة ٣٠٤/١٥ - ومن طريقه مسلم (١٥٩/١٠٦٨) - وأخرجه الطبرانى (٥٦٠٧) من طريق على بن مسهر به، وأخرجه أحمد ٣٥١/٢٥ (١٥٩٧٧)، والبخارى (٦٩٣٤)، ومسلم (١٥٩/١٠٦٨)، والنسائى فى الكبرى (٨٠٩٠) من طريق أبى إسحاق الشيبانى به. ١٠٧ الموطأ التمهید فقال: ((دعْه؛ فإن له أصحابًا يحقِرُ أحدُكم صلاته مع صلاتِهم، وصيامَه مع صيامِهم، يقرءون القرآنَ لا يجاوزُ تراقِيَهم، يمرقون من الإسلامِ كما يمرُقُ السهم من الرميةِ ، ينظُرُ إلى نَصْلِه فلا يُوجدُ فيه شىءٌ ، ثم ينظُرُ إلى رِصَافِه فلا يُوجدُ فيه شىءٌ، ثم ينظُرُ إِلى نَضِيُّه فلا يُوجدُ فيه شىءٍ - وهو القِدْخُ - ثم ينظُرُ إلی قُذَذِه فلا يُوجدُ فیه شىءٌ ؛ سبق الفرثَ والدم ، آیُھم رجلٌ اسودُ ، إحدى عَضُدَيْه مثلُ ثَذْىِ المرأةِ ، أو مثلُ البَضْعَةِ(١) تَدَرْدَرُ(١)؛ يخرجون على حينٍ فُرقةٍ من الناسٍ)). قال أبو سعيدٍ: فأشهدُ أنى سمِعتُ هذا من رسولِ اللهِ وَ له، وأشهدُ أن علىَّ بن أبى طالبٍ قاتلهم وأنا معه ، فأمَر بذلك الرجلِ فالتُّمِس فُجِد ، فأُتِی به حتى نظرتُ إليه على نعتِ رسولِ اللهِ وَ له الذى نعَت (١). وحدثنا سعيدُ بنُّ نصرٍ ، قال : حدّثنا قاسمٌ ، قال : حدَّثنا ابنُ وضاحٍ ، قال : حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ آدمَ، عن سعيدِ بنِ (٤) عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ راشدٍ، عن الزهرىِّ، عن أبى سلمةَ بنِ عبد الرحمنِ والضحاكِ بنِ قيسٍ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، قال: بينا رسولُ اللهِ وَه يقسِمُ مغنمًا يومَ حنينٍ، أتاه رجلٌ من بني تميمٍ يقالُ له: ذو الخُوَيْصِرَةِ. القبس (١) البضعة: القطعة من اللحم. النهاية ١٣٣/١. (٢) تدردر: أى ترجرج تجىء وتذهب. والأصل تتدردر، فحذف إحدى التاءين تخفيفًا . النهاية ٢ / ١١٢. (٣) أخرجه مسلم (١٤٨/١٠٦٤)، والنسائى فى الكبرى (٨٥٦٠)، والطحاوى فى شرح المشكل (٤٠٧١)، وابن حبان (٦٧٤١) من طريق ابن وهب به . (٤) فى ص، م: ((عن)). ١٠٨ الموطأ التمهيد فقال: يا رسولَ اللهِ، اعدِلْ. قال: ((لقد خِبتُ وخسِرتُ إن لم أعدِلْ)). فقال عمرُ: يا رسولَ اللهِ ، دعنى أقثُلْه. قال: ((لا، إن لهذا أصحابًا يخرجون عندَ اختلافٍ من(١) الناس، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقِیھم أو حناجرهم، يمرُقون من الدِّينِ كما يمرُقُ السهمُ من الرميَّةِ ؛ آيتُهم رجلٌ منهم كأن يدَه تدىُ المرأةِ، أو كأنها بَضْعَةٌ تَدَرْدَرُ)). فقال أبو سعيدٍ: سمِعَتْ أَذُنِى من رسولِ اللهِ وَ لهيومَ حنينٍ، وَبَصُرَتْ عينى مع علىٍّ بن أبى طالبٍ حينَ قَتَلَهم فنظَرتُ إليه(٢) . وذكَر الضحاكَ فى هذا الحديثِ طائفةٌ عن يونسَ، وعن الأوزاعىِّ، عن الزهرىِّ(٣) ، وطائفةٌ تقولُ فيه: الضحاكُ المِشرَقيُّ. وطائفةٌ تقولُ: الضحاكُ بنُ مزاحمٍ. ولم يذكره معمرٌ(). وروى ابن وهب ، عنعمرو بن الحارث ، عن بکیرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأشجّ، عن بُشْرِ بنِ سعيدٍ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبي رافع مولى رسولِ اللهِ وَّله، أن الحروريةَ لما خرَجت، وهو مع علىٍّ بن أبى طالبٍ، فقالوا: لا محُكّمَ إلا للهِ . فقال علىٍّ: كلمةُ حَقِّ أُرِيد بها باطلٌ؛ إن رسولَ اللهِ وَ لَهِ وصَف أناسًا ، إنى لأُعرِفُ صفتَهم القبس (١) فى الأصل، ص: ((بين)). (٢) ابن أبى شيبة ٣٢٩/١٥. ومن طريقه ابن أبى عاصم فى السنة (٩٢٣). (٣) أخرجه أحمد ١٦٤/١٨ (١١٦٢١)، والبخارى (٦١٦٣)، وابن أبى عاصم فى السنة (٩٢٤)، والنسائى فى الكبرى (٨٥٦١)، والطحاوى فى شرح المشكل (٤٠٧٢) من طريق الأوزاعى به. (٤) سيأتى ص ١١١. ١٠٩ الموطأ التمهيد فى هؤلاء؛ يقولون الحقَّ بألسنتِهم، لا يجاوزُ هذا منهم - وأشار إلى حَلْقِه - من أبغضٍ خَلْقِ اللهِ إليه ، منهم أسودُ ، إحدى يديه كطُئي (١ شاةٍ وحَلَمَةٍ قَدْي . فلما قتَلهم علىُ بنُ أبى طالبٍ، قال: انظُروا، انظُروا. فلم يجدُوا شيئًا، فقال : ارجِعوا، فواللهِ ما كَذبتُ ولا كُذِبتُ. مرتين أو ثلاثًا، ثم وجَدُوه فى خَرِبةٍ ، فَأَتَوا به حتى وضَعوه بين يدَيْه ، فقال عبيدُ اللهِ : أنا حاضرٌ ذلك من أمرِهم وقولَ علىٍّ فيهم. قال بُكَيْرُ بنُ الأشجُّ: وحدثنى رجلٌ ، عن إبراهيمَ بنِ محُنَينٍ ، أنه قال : رأيتُ ذلك الأسودَ(٢). قال أبو عمرَ: قولُه: ((يخرج)). وقولُه: ((إن لهذا أصحابًا يخرجون عند اختلاف من الناسِ)). يدُلَّ على أنهم لم يكونوا خرَجوا بعدُ ، وأنَّهم يخرجون فيهم، وقد استدلّ بنحوِ هذا الاستدلالِ مَن زعَم أن ذا الخُوَيْصِرَةِ ليس ذا النُّدَيَّةِ ، واللهُ أعلمُ. ويحتمِل قولُه: ((إن لهذا أصحابًا)). يريدُ على مذهبِه، وإن لم يكونوا ممن صحِبه، كما يقالُ لأتباع الشافعىِّ، وأتباعِ مالك، وأتباعٍ أبى حنيفةً ، وغيرهم من الفقهاءِ فیمن تبعهم علی مذاهپھم : هؤلاء أصحابُ فلانٍ ، وهذا من أصحابٍ فلانٍ . واللهُ أعلمُ . ویقالُ : إن ذا الخويصرة اسمُه ◌ُزُقُوص. ورُوِی عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِىِّ أنه قال: حُرْقُوصُ بنُ زُهَيرٍ هو ذو النُّدَيَّةِ، وهو الذى قال للنبيِّ وَله : القبس (١) الطبى: بضم الطاء وكسرها، الضَّرع. ينظر النهاية ٣/ ١١٥. (٢) أخرجه مسلم (١٥٧/١٠٦٦)، وأبو نعيم فى مستخرجه (٢٣٨٧) من طريق ابن وهب به. ١١٠ الموطأ ما عدَلتَ . التمهيد وذكر المدائنُّ عن نعيم بن حكيم ، عن أبى مريم ، قصةً ذى النُّدَيَّةِ بتمامِها وطولها، وقال : يقالُ له : نافعٌ ذو الثديَّةِ. وذكر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ، عن أبى سلمةً، عن أبى سعيد الخدرىِّ، قال: بينا رسولُ اللهِ وَ لَهِ يقسِمُ قَسْمًا، إذ جاء ابنُ أبى الخُوَيْصِرَةِ، فقال: اعدِلْ يا محمدُ. فقال: ((ويلَك، إذا لم أعدِلْ فمَن يعدلُ؟!)). قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إن له أصحابًا يمرقون من الدِّينِ كما يمرقُ السهمُ من الرميَّةِ ، فيهم رجلٌ ، إحدى يدَيْه، أو على يدَيْه، مثلُ ثَدْيِ المرأةِ ، أو مثلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، يخرجون على حينٍ فَتْرَةٍ من الناسِ )). قال: فنزَلت فيهم : ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ فِى الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنْهَآَ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨]. قال أبو سعيدٍ : أشهدُ أنى سمِعتُ هذا الحديثَ من رسولِ اللهِ وَله، وأشهدُ أن عليًّا قتَلهم، وأنا حينَ قتَلهم معه، حتى أَتِىَ برجلٍ على النعتِ الذى قال رسولُ اللهِ وَله . أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، قال : حدَّثنا سفيانٌ، وحدثنا عبدُ الوارثِ ، قال: حدَّثنا قاسمٌ ، قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ القبس (١) عبد الرزاق (١٨٦٤٩). ١١١ الموطأ التمهید زهيرٍ، حدَّثنا علىُ بنُ الجعدِ، حدَّثنا زهيرٌ، جميعًا عن الأعمشِ، عن خيثمةً، عن سُوَيْدِ بنِ غَفَلَةً، عن علىٌّ بن أبى طالبٍ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلَلـ يقولُ : ((يكونُ قومٌ فى آخرِ الزمانِ ، سفهاءُ الأحلام، يقرءون القرآن لا يجاوزُ تراقِيَهم، يمرقون من الدِّينِ كما يمرُقُ السهمُ من الرميّةِ ، فأينما لقِيتَهم فاقتُلْهم؛ فإِنَّ قتلَهم أجرٌ لمن قتلَهم)) (١) . وروی یحیی بن آدم ، عنإسرائیلَ ، عن محمدِ بنِ قیسٍ(٢)، عن (٢مالك بن الحارثِ" ، قال: شهِدتُ مع علىِّ النهروانَ، فلما فرغ منهم قال: اطلبوه، اطلبوه. فطلَبوه فلم يقدِرُوا على شىءٍ؛ فأخَذه الكربُ، فرأيتُ جبينَه يتحدَّرُ منه العَرَقُ، ثم وجَده، فخوَّ ساجدًا وقال: واللهِ ما كَذَبْتُ ولا گُذِئْتُ(٤). (٥) ورُوِّينا عن خليفةَ الطائىِّ ، قال: لما رجَعنا من النهروانِ ، لِقِينا العيزارَ الطائىَّ قبلَ أن ننتهىَ إلى المدائنِ ، فقال لعدىٌّ بنِ حاتم: يا أبا طَرِيفٍ ، أغانِمٌ القبس (١) أخرجه البخارى (٣٦١١، ٥٠٥٧)، وأبو داود (٤٧٦٧) من طريق محمد بن كثير به، وأخرجه أحمد ٣٢٩/٢ (١٠٨٦)، ومسلم (١٥٤/١٠٦٦)، والنسائى (٤١١٣) من طريق الثورى به، وأخرجه البغوى فى الجعديات (٢٦٠٧) عن على بن الجعد به . (٢) فى الأصل، م: ((معن)). وينظر تهذيب الكمال ٢٦/ ٣٢١. (٣ - ٣) فى النسخ: ((الحارث بن مالك)). والمثبت من مصدرى التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٣٢١/٢٦، ١٣١/٢٧. (٤) أخرجه الحاكم ١٥٤/٢، والخطيب ١٥٧/١٣، ١٥٨ من طريق إسرائيل به. (٥) فى م: ((العزار). ١١٢ ٠ الموطأ التمهيد سالمٌ، أم ظالمٌ آثمٌ ؟ قال : بل غانِمٌ سالمٌ، إن شاء اللهُ. قال: فالحكمُ والأمرُ إِذن إليك؟ فقال الأسودُ بنُ يزيدَ والأسودُ بنُ قيسٍ المراديَّان: ما أخرَج هذا الكلامَ منك إلا شرّ، وإنا لنعرفُك برأي القوم. فأتيا به عليًّا فقالا: إن هذا يرَى رأىَ الخوارجِ، وقد قال كذا وكذا. قال: فما أصنعُ به؟ قال: تقتُلُه. قال: لا أقتلُ مَن لا يخرجُ علىَّ. قال: فتحبِسُه . قال: ولا أحبِسُ مَن ليست له جنايةٌ ، خَلِّيًا سبيلَ الرجلِ (١). حدثنا خلفُ بنُ قاسم، حدَّثنا عبدُ اللهِ (٢بنُ عمرَ) بن إسحاقَ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد بن الحجاج، حدثنا یحیی بنُ عبدِ اللهِ بنِ بکیرٍ ، قال : حدثنی ابُ لھیعةً ، قال : حدثنی بکیرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الأشج ، أنه سأل نافعًا : کیف کان رأىُ ابنِ عمرَ فى الخوارجِ؟ فقال: كان يقولُ: هم شرار الخلقِ ؛ انطلقوا إلى آياتٍ أُنزِلت فى الكفارِ فجعلوها على المؤمنين . وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسمٍ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ (عمرَ بن٣ٍ) إسحاقَ، حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الحجاج، قال: حدثنى خالى أبو الربيع، وأحمدُ بنُ عمرٍو، وأحمدُ بنُ صالحٍ، قالوا: حدَّثنا ابنُّ وهبٍ، قال : أخبرنى عمرُو بنُ الحارثِ أن بكيرَ بنَ الأشْجِ حدَّثه أنه سأل نافعًا: كيف كان رأىُ ابنِ عمرَ فى الحَرُورِيَّةِ ؟ قال : يراهم شِرارَ خلقِ اللهِ ، قال : إنهم انطلقوا إلى آياتٍ فى الكفارِ القبس (١) أخرجه الخطيب ٣٦٥/١٤، ٣٦٦ من طريق خليفة الطائى به. (٢ - ٢) فى م: ((يعنى)). وتقدم ص ١٠١. (٣ - ٣) سقط من: م. ١١٣ : ( موسوعة شروح الموطأ ٨/٧ ) الموطأ فجعلوها على المؤمنين . التمهيد وروَى حكيمُ بنُ جابٍ(١) ، وطارقُ بنُ شهابٍ(٢)، والحسنُ ، وغيرُهم، عن علىٍّ بمعنّى واحدٍ ، أنه سُئل عن أهلِ النهروانِ ؛ أكفار هم؟ قال : من الكفرِ فرُّوا . قيل: فمنافقون هم؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا . قيل: فما هم؟ قال: قومٌ أصابتهم فتنةٌ فعَمُوا فيها وصُّوا وبَغَوْا علينا، وحاربونا وقاتلونا فقتّلناهم. ورُوِى عنه أن هذا القولَ كان منه فى أصحابِ الجملِ(٥) . واللهُ أعلمُ . وأخبارُ الخوارجِ بالنهروانِ ، وقتلُهم للرجال والولدان ، وتكفيرهم الناسَ، واستحلالُهم الدماء والأموالَ، مشهورٌ معروفٌ، ولأبى زيدٍ عمرَ بنِ شَبَّةً(٦) فى أخبارِ النهروانِ وأخبارِ صِفِّينَ ديوانٌ كبيرٌ ، مَن تأمَّله اشتفَى من تلك الأخبارِ ، ولغيرِه فى ذلك كتبٌ حسانٌ . واللهُ المستعانُ . القبس (١) أخرجه ابن جرير فى تهذيب السنن والآثار - كما فى تغليق التعليق ٢٥٩/٥ - من طريق ابن وهب به . (٢) أخرجه ابن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (٥٩٣) من طريق حكيم به. (٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٣٢/١٥، وابن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (٥٩١) من طريق طارق به . (٤) أخرجه عبد الرزاق (١٨٦٥٦) من طريق الحسن به . (٥) أخرجه ابن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (٥٩٤، ٥٩٥، ٦٠١-٦٠٣). (٦) عمر بن شبة بن عبيدة بن رائطة أبو زيد النميرى البصرى النحوى الأخبارى، كان مستقيم الحديث، وكان صاحب أدب وشعر وأخبار ومعرفة بأيام الناس، له تصانيف كثيرة منها: (( أخبار المدينة))، و((الشعر والشعراء))، و((النَّسب))، ((أخبار المنصور)). توفى سنة مائتين واثنتين وستين. تهذيب الكمال ٣٨٦/٢١، وسير أعلام النبلاء ٣٦٩/١٢. ١١٤ الموطأ وروَى إسرائيلُ، عن مسلم بنٍ عبيدٍ ، عن أبى الطفيلِ ، عن علىٍّ فى قولِ اللهِ التمهيد عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ هَلْ تُلِّئُهُ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَلًا﴾ الآية [الكهف: ١٠٣]. قال: هم أهلُ النهر. وروَى الثورىُّ، عن قيسٍ بنِ مسلم، عن طارقٍ بنِ شهابٍ ، أن عِتریسَ بنَ ◌ُرْقُوبٍ أَتَى عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ فقال: يا أبا عبد الرحمنِ، هلَك مَن لم يأمرْ بالمعروفِ ولم ينهَ عن المنكرِ. فقال عبدُ اللهِ بنُّ مسعودٍ: هلَك من لم ينكرِ المنكرَ بقلِه، ولم يعرفِ المعروفَ بقلبِهُ(١). أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، حدثنا محمدُ بنُ عیسی ، حدّثنا بکُ بنُ سهلٍ، حدَّثنا نعيمُ بنُ حمادٍ ، حدَّثنا وكيع، عن مِشْعَرٍ، عن عامٍ بن شقيقٍ، عن أبى وائلٍ، عن علىٍّ، قال: لم نقاتلْ أهلَ النهرِ على الشِّرْكِ(١). حدثنا نعیم، حدّثنا و کیت، عن ابنِ أبی خالدٍ ، عن حکیمٍ بن جابرٍ، عن (٣) علىّ مثلَه(٢) . حدثنا نعيمٌ، حدَّثنا عثمانُ بنُ سعیدِ بنِ کثیرٍ، حدَّثنا هشامُ بنُ یحیی الغسانُ، عن أبيه ، أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كتَب إليه فى الخوارجِ : إن كان مِن رأي القومِ أن يسيحُوا فى الأرضِ من غيرٍ فسادٍ على الأئمةِ ، ولا على أحدٍ من أهلِ القبس (١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٧٤/١٥، والطبرانى (٨٥٦٤)، وأبو نعيم فى الحلية ١٣٥/١ من طريق الثورى به. (٢) أخرجه ابن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (٥٩٢) من طريق وكيع به، وأخرجه البيهقى ١٧٤/٨ من طريق مسعر به . (٣) أخرجه ابن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (٥٩٣) من طريق وكيع به . ١١٥ الموطأ الذمةِ ، ولا يتناولون أحدًا ، ولا قطعِ سبيلٍ مِن سُبُلِ المسلمين - فلْيذهبوا حيثُ التمهید شاءوا، وإن كان رأيُهم القتالَ ، فواللهِ لو أن أبكارى من ولدى خرَجوا رغبةً عن جماعةِ المسلمين لأُرقتُ دماءَهم، ألتمِسُ بذلك وجهَ اللهِ والدارَ الآخرةَ . وذكر ابنُّ وهبٍ، عن يونس، عن ابنِ شهابٍ، قال: صاحبتُ الفتنةً الأولی ، فأدر کتُ رجالاً ذوی عددٍ من أصحاب رسول الله پێممن شهد بدرًا ، فبلَغنا أنهم كانوا يَرَوْن أن يُهْدَرَ أَمرُ الفتنةِ ، فلا يقامَ فيها على رجلٍ قصاصٌ فى قتلٍ ولا دم، ولا يرَوْن على امرأةٍ سُبِيَتْ فَأَصِيبت حدًّا ، ولا يرون بينها وبينَ زوجِها ملاعنةً ، ومن رماها بجلِد الحدَّ، وتُردُّ إلى زوجِها بعد أن تعتدَّ من الآخَرِ. قال ابنُ شهابٍ: وقالوا: لا يُضْمَنُ مالٌ ذهَبَ، إلا أن يُوجدَ شىءٌ بعينِه فيرَدَّ إلى أهلِهُ(١) . وقال ابنُّ القاسم: بلغنى أن مالكًا قال: الدماءُ موضوعةٌ عنهم، وأما الأموالُ فإنْ وُجِد شىءٌ بعينِه أَخِذ، وإلا لم يُتْبَعوا بشىءٍ. قال ذلك فى الخوارجِ، قال ابنُ القاسمِ : وفرَّق بينَ المحارِبِين وبينَ الخوارجِ؛ لأن الخوارج خرَجوا واستهلكوا ذلك على تأويل يرون أنه صوابٌ، والمحاربون خرَجوا فِشْقًا(٢) وخلوعًا(١٢) على غيرِ تأويلٍ، فيُوضعُ عن المحارِبِ إذا تاب قبل أن يُقْدَرَ عليه حدُّ الحرَابةِ ، ولا تُوضعُ عنه حقوقُ الناسِ. يعنى فى دمٍ ولا مالٍ. قال أبو عمرَ: قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ : رأَى مالكٌ قتلَ الخوارجِ وأهلِ القبس (١) أخرجه سحنون فى المدونة ٤٩/٢، ٥٠، والبيهقى ١٧٤/٨، ١٧٥ من طريق ابن وهب به. (٢) بعده فى ص، م: ((مجونً)). وينظر المدونة ٤٨/٢. (٣) فى ص، م: ((خلاعة)). وينظر المصدر السابق. ١١٦ الموطأ القَدَرِ من أجلِ الفسادِ الداخلِ فى الدِّينِ، وهو من بابِ الفسادٍ فى الأرضِ ، وليس إفسادُهم بدونِ إفسادِ قُطَّاع الطريقِ والمحارِبين للمسلمين على أموالهم؛ فوجَب بذلك قتلُهم ، إلا أنَّ يَرَى استتابتَهم لعلهم يراجعون الحقَّ، فإن تمادَوْا قُتلوا علی إفسادِهم، لا على كفرٍ . التمهيد قال أبو عمرَ : هذا قولُ عامةِ الفقهاءِ الذين يَرَون قتلَهم واستتابتَهم ، ومنهم من يقولُ : لا يُتَعَرَّضُ لهم باستتابةٍ ولا غيرِها ما استَتَروا ولم يبغُوا ويحارِبوا . وهذا مذهبُ الشافعىِّ، وأبى حنيفةَ ، وأصحابِهما، وجمهورِ أهلِ الفقهِ، و کثیرٍ من أهلِ الحديثِ . قال الشافعىُّ ، رحِمه اللهُ ، فى كتابٍ قتالِ أهلِ البغي: لو أن قومًا أَظھَروا رأىَ الخوارج وتجنَّبوا جماعةً المسلمين و کقُّوهم ، لم تحلّ بذلك دماؤهم ولا قتالُهم؛ لأنهم على حُرمةِ الإيمانِ حتى يصيروا إلى الحالِ التى يجوزُ فيها قتالُهم ؛ من خروجهم إلى قتال المسلمين ، وإشهارِهم السلاح، وامتناعِهم من نفوذٍ الحقِّ عليهم . وقال : بلَغنا أن علىَّ بنَّ أبى طالبٍ بينما هو يخطُبُ إذ سمِع تحكيمًا من ناحيةِ المسجدِ ، فقال: ما هذا؟ فقيل: رجلٌ يقولُ : لا مُحُكْمَ إلا للهِ . فقال علىّ رحِمه اللهُ: كلمةُ حقٌّ أُرِيد بها باطلٌ، لا نمنعُكم مساجدَ اللهِ أن تَذْكروا فيها اسمَ اللهِ، ولا نمنعكم الفىءَ ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدؤُ کم بقتال . قال: وكتَب عدىٌّ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أن الخوارجَ عندَنا يَسُبُّونك . فكتب إليه عمرُ: إِن سَبُّونى فسُبُّهم أو اعفوا عنهم، وإن شَهَروا السلاحَ فاشهَروا القبس ١١٧ الموطأ التمهيد عليهم، وإن ضرَبوا فاضرِبوا . قال الشافعىُّ: وبهذا كلِّه نقولُ، فإن قاتلونا على ما وصفنا قاتلناهم، فإن انهزموا لم نَتبعهم ولم نُجْهِزْ علی جریچھم . قال أبو عمرَ : قولُ مالك فى ذلك ومذهبه عندَ أصحابِه فى ألّا يُتْبَعَ مُذْبِرٌ من الفئة الباغيةِ ، ولا يُجْهَزَ علی جریح، کمذهب الشافعى سواءً، و كذلك المُكْمُ فى قتالِ أهلِ القبلةِ عندَ جمهورِ الفقهاءِ، وقال أبو حنيفةً : إن انهزَم الخارِجئُّ أو الباغِى إلى فئةٍ أَتْبِع، وإن انهزَم إلى غيرِ فئةٍ لم يُتْبَعْ . قال أبو عمرَ : أجمَع العلماءُ على أن مَن شقَّ العَصَا، وفارَق الجماعةَ ، وشهَر على المسلمين السلاح، وأخاف السبيلَ، وأفسَد بالقتلِ والسَّلْبِ، فقتلُهم وإراقةُ دمائِهم واجبٌ ؛ لأن هذا من الفسادِ العظيم فى الأرضِ ، والفسادُ فى الأرضِ موجبٌ لإراقةِ الدماءِ بإجماع ، إلا أن يتوبَ فاعلُ ذلك من قبل أن يُقْدَرَ عليه، والانهزامُ عندَهم قريبٌ (١) من التوبة ، وكذلك مَن عجز عن القتالِ ، لم يُقْتَلْ إلا بما وجَب عليه قبلَ ذلك . ومن أهلِ الحديثِ طائفةٌ تراهم كفارًا على ظواهرِ الأحاديثِ فيهم، مثلَ قولِه ◌َله: ((مَن حمَل علينا السلاح فليس منا)) (١). ومثلَ قوله: ((يمرقون من الدِّينِ )). وهى آثارٌ يعارضُها غيرُها فيمن لا يشركُ باللهِ شيئًا، ويريدُ بعملِه القبس (١) فى الأصل، م: (ضرب)). (٢) أخرجه البخارى (٦٨٧٤، ٧٠٧٠)، ومسلم (٩٨)، وابن ماجه (٢٥٧٦)، والنسائى (٤١١١) من حديث ابن عمر. ١١٨ ٤٨١ - وحدَّثنى عن مالكٍ، أَنَّه بلَغه أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ مكَث الموطأ على سورةِ (( البقرةِ)) ثمانىَ سنينَ يتَعلَّمُها . وجهَه ، وإن أخطأ فى حكمِه واجتهادِه ؛ والنظرُ يشهدُ أن الكفرَ لا يكونُ إلا بضدِّ التمهيد الحالِ التى يكونُ بها الإيمانُ؛ لأنهما ضِدَّانٍ(١)، وللكلام فى هذه المسألةِ موضعٌ غيرُ هذا . وباللهِ التوفيقُ . وأما حديثُ مالكٍ، أنه بلغه أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ مكث على سورة ((البقرةِ)) الاستذكار ثمانىَ سنينَ يتعلَّمُها(٢). فهو من قول ابن مسعودٍ رضی اللهُ عنه : إنك فى زمانٍ کثیر فقهاؤُه ، قليلٌ قرَّاؤُهُ(١) . وقيل: إنه كان يتعلَّمُها بأحكامِها ومعانيها وأخبارِها؛ فلذلك طال القبس حديثٌ : مكث ابنُ عمرَ على سورةِ ((البقرةِ)) ثمانىَ سنينَ يَتَعلُّمُها . أراد به مالكٌ أن يُبَيِّنَ مسألةً اختلف الناسُ فيها؛ وهى: إذا قرأ القرآنَ؛ هل يقرؤُه كذلك ذكرًا باللسانِ دونَ تَتَبُّعِ بالبيانِ ، أم لا يرحَلُ عن آيةٍ حتى يُحْكِمَها ذكرًا ودِرايةٌ ؟ فنّه مالكٌ على ذلك بفعلٍ ابنِ عمرَ فى سورةِ ((البقرةٍ))، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿يَتْلُونَمُ حَقٍّ تِلَوَيِّهِ﴾ [البقرة: ١٢١]. قالوا: يُذْكَرُ الحرفُ، ويُعْلَمُ معناه، ويُعْمَلُ به، فهذا هو حقُّ التلاوةِ. وقالوا أيضًا فى قولِه تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَّ﴾ (١) بعده فى ص: ((ومن حجة من كفرهم مع ظاهر الآثار فيهم إجماع المسلمين على تكفير من سب النبى و لتر، أو كفر بشىء من القرآن أو سجد سجدة للصليب، ونحو ذلك وإن كان مؤمنا بما سوی ذلك مصليًا فافهم» . (٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٣٨). وأخرجه البيهقى فى الشعب (١٩٥٦)، وابن عساكر ١٦٠/٣١ من طريق مالك به . (٣) تقدم فى الموطأ (٤٢١). ١١٩ الموطأ ما جاء فى سجودِ القرآنِ ٤٨٢ - وحدّثنی یحتی ، عن مالك ، عن عبدِ اللهِ بنِ یزید مولی الأسودِ بنِ سفيانَ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ ، أن أبا هريرةَ قرَأ لهم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أُنشَقَّتْ﴾. فسجَد فيها، فلما انصرَف أخبرهم أن رسولَ اللَّهِ وَلّهِ سِجَد فيها. الاستذكار مكّتُه فيها . ومعلومٌ أن مِن الناسِ مَن يتعذَّرُ عليه حفظُ القرآنِ ويُفتَحُ له فى غيرِه. وكان ابنُّ عمرَ فاضلاً، وقد حفظ القرآنَ على عهدِ رسولِ اللهِ وَّهِ فى جماعةٍ؛ منهم عثمانُ ، وعلىٍّ ، وأَبِىُّ بنُ كعبٍ ، وابنُ مسعودٍ ، وسالم مولى أبي حذيفةً، ومعاذُ بنُ جبلٍ ، وزيدُ بنُّ ثابتٍ ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرو بنِ العاصى، وغيرهم. التمهید مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ مولى الأسودِ بنِ سفيانَ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبى هريرةَ، أنه قرَأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾. فسجَد فيها، فلمَّا انصرَف أخبرهم أنَّ رسولَ اللهِ وَلَهِ سجَد فيها (١) . القبس [البقرة: ٧٨]. معناه: ليس عندهم مِن القرآن إلا الذکرُ باللسانِ خاصَّةً، وأعظمُ ما يَلْقَی به المرءُ ربَّه يومَ القيامةِ قرآنٌ جَمَع ولم يَعْمَلْ به، وقد قال أبو هريرةَ، عن النبيِّ وَّهِ: (يُؤْتَى بالقارِئِّ فيُقالُ له : ماذا عَمِلْتَ؟ فيقولُ: قَرأْتُ القرآنَ فيك. فيقولُ اللهُ تبارك وتعالى له: كَذَبْتَ. وتقولُ الملائكةُ: كَذَبْتَ ، بل أَرَدْتَ أن يُقالَ: فلانٌ قارئُ . فقد قِيلَ))(١). (١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٦٧)، وبرواية أبى مصعب (٢٥٩). وأخرجه أحمد ٢١٢/١٦، ٤٩٢ (١٠٣١٤، ١٠٨٤٥)، ومسلم (١٠٧/٥٧٨)، والنسائى (٩٦٠) من طريق مالك به. (٢) مسلم (١٩٠٥) . ١٢٠