Indexed OCR Text

Pages 501-520

الموطأ
النهى عن البُصاقِ فى القبلةِ
٤٥٩ - حدّثنی یحیی عن مالك ، عن نافع ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ؛
أن رسولَ اللهِ بَلِّ رأى بُصاقًا فى جدارِ القبلةِ فحَكّه، ثم أقبلَ على
الناس فقال : ((إذا كان أحَدُكم يُصَلِّى ، فلا يَبصُقْ قِبلَ وجهِه ؛ فإن الله
تباركَ وتعالى قِبلَ وجهِه إذا صلّى)).
التمهید
مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ رَأْى بُصَاقًا فى
جِدارِ القبلةِ، فحَكَه، ثم أقْبَل على الناسِ ، فقال: ((إذا كان أحدُكم يُصَلِّى فلا
يَبْصُقْ قِبَلَ وجهِه؛ فإِنَّ اللهَ قِبَلَ وجهِهِ إِذا صَلَّى))(١) .
وفى هذا الحديثِ مِن الفِقْهِ إزالَةُ ما يُسْتَقْذَرُ وما يُتَتَزَّهُ عنه ويُتَقَرَّزُ منه مِن
المسجدِ، وأن يُنظّفَ، وإذا كان رسولُ اللهِ ،وَّهِ يَحُثُّ البُصَاقَ مِن حائطٍ
المسجدِ(٢)، فَكَتْسُه وتَنْظِيفُه وكِسْوَتُه يدخُلُ فى مَعنَى ذلك ، وفى هذا الحديثِ
أيضًا دليلٌ على أنَّ للمُصَلِّى أن يَتْصُقَ وهو فى الصلاةِ إذا لم يَتِصُقْ قِبَلَ وجهِهِ،
ولا يَقطَعُ ذلك صَلاتَه، ولا يُفسِدُ شيئًا منها ، إذا غَلَتَه ذلك واحتاج إليه، ولا
يَبْصُقُ قِبَلَ وجهِهِ الْبَّةَ ، ولكن يبصُقُ فى ثَوْبِه وتحتَ قدَمِه، على ما ◌َبَت فى
الآثارِ . وقد أجْمَعَ العلماءُ على أنَّ العملَ القليلَ فى الصلاةِ لا يَضُرُّها. وفى إباحةٍ
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٨١)، وبرواية أبى مصعب (٥٤٤). وأخرجه أحمد ٢٤٠/٩
(٥٣٣٥)، والبخارى (٤٠٦)، ومسلم (٥٠/٥٤٧)، والنسائى (٧٢٣) من طريق مالك به .
(٢) بعده فى م: ((من قبلته)).
٥٠١

الموطأ
التمهید
البُصاقِ فى الصلاةِ لمن غلَبَه ذلك، دليلٌ على أنَّ النَّفْخَ والتنخنحَ فى الصلاةِ
إذا لم يقصِدْ به صاحِبُه اللعبَ والعَبَثَ، وكان يسيرًا، لا يَضُرُّ المصلِّىَ فى
صلاتِه، ولا يُفْسِدُ شيئًا منها؛ لأَنَّ قَلَّمَا يكونُ بُصاقٌ إلَّا ومعه شىءٌ من النَّفْخِ
والنَّحْنَحَةِ . والبُصَاقُ والنُّخَامَةُ والنَّخَاعَةُ، كلُّ ذلك مُتَقارِبٌ . وقد فَسَّرْنا ذلك
فى بابِ هشامٍ بنِ عروةَ مِن هذا الكتابِ (١). والتََّخُّعُ والتَّنَخُّمُ ضَرْبٌ مِن
التَّنَحْنُحِ، ومعلومٌ أنَّ للتََّخُم صَوْتًا) كالتَّحْنُح، ورُّما كان معه ضَرْبٌ مِن
النَّفْخِ عندَ القَذْفِ بالبُصَاقِ . فإن قَصَد النافِخُ أو المتَّنَحْنِحُ فى الصلاةِ يفِعْلِه ذلك
اللعبَ أو شيئًا مِن العَبَثِ أفسَدَ صَلاتَه، وأمَّا إذا كان نَفْخُه تَأَؤُّهًا مِن ذِكْرِ النَّارِ إذا
مَرَّ به ذِكْرُها فى القرآنِ ، وهو فى الصلاةِ، فلا شىءَ عليه .
واختلَفَ الفقهاءُ فى هذا المعنَى مِن هذا البابِ ، فكان مالكٌ يَكرَهُ النَّفْخَ فى
الصلاةِ، فإن فعَله فاعلٌ لم يقطَعْ صلاتَه، ذكَّرَه ابنُ وَهْبٍ ، عن مالكٍ. وذكَرَ
ابنُّ خُوَازِبَتْدَادَ، قال: قال مالكٌ: التَّنَحْنُعُ والتَّفْخُ والأنينُ فى الصلاةِ لا يقطَعُ
الصَّلاةَ . رَواه ابنُ عبدِ الحَكَمِ ، قال : وقال ابنُ القاسم : ذلك يقطَعُ الصلاةَ.
يعنى النَّفْخَ والتَّنَحْنُحَ . وقال الشافعىُّ: كلُّ ما كان لا يُفْهَمُ منه حُرُوفُ الهجاءِ
فليس بكَلام ، ولا يقطَعُ الصلاةَ إِلَّ الكَلامُ. وهو قولُ أبى ثورٍ ، لا يقطعُ الصلاةَ
إلَّ الكلامُ المفهُومُ. وقال أبو حنيفةً، ومحمدُ بنُ الحسنِ: إِن كان النَّفْخُ يُسْمَعُ،
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) سيأتى ص ٥٠٩ .
(٣ - ٣) فى الأصل: ((التنخم صوت)).
٥٠٢

الموطأ
التمهید
فهو بمنزِلَةِ الكلامِ ، يقطَعُ الصلاةَ. وقال أبو يُوسفَ: لا يقطعُ الصلاةَ ، إِلَّا أن
يُرِينَ بِه التَّأفيفَ. ثم رَجَع فقال: صلاتُه تامَّةٌ . وقال أحمدُ بنُ حنبلِ وإسحاقُ بنُ
رَاهُويَه : لا إِعادَةَ على مَن نفَخَ فى صَلاتِهِ . والنَّفْخُ مع ذلك مكروة عندهم على
كلِّ حالٍ ، وعندَ ابنِ مسعودٍ ، وابنِ عباسٍ ، والنخعىِّ ، وابنِ سيرينَ مثلُه ، وهو
مكروة، ولا يقطعُ الصلاةَ ، وقد جاء عن ابنِ عباسٍ أَنَّ النفخَ كلامٌ . وهذا يدلُّ
على أنَّه يقطعُ عندَه الصلاةَ ، إن صَحَّ عنه .
أخبرنا أحمدُ بنُ قاسِم ، حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً ، حدَّثنا محمدُ بنُ یحیِی
المَرْوَزِىُّ، حدَّثنا خلفُ بنُ هشامٍ ، حدَّثنا أبو شهابٍ ، عن الأعمشِ ، عن مسلمٍ ،
عن مسروقٍ ، عن ابنِ عباسٍ قال : النَّفْخُ فى الصلاةِ كلامٌ " .
وهذا يحتَملُ أن يكونَ النَّافخُ عامدًا عابثًا، فيكونَ حينئذٍ مُفسدًا لصَلاتِه .
قال أبو عمرَ : أجمَع العلماءُ على كَراهِيَةِ النَّفخ فى الصلاةِ ، واختلفوا فى
إفسادِ الصلاةِ به . وكذلك أجمَعُوا على كراهيةِ الأنينِ والتَّأَؤُّهِ فى الصلاةِ .
واختلفوا فى صلاةٍ مَن أَنَّ وتَأوَّهَ فيها؛ فأفسَدَها بعضُهم وأوجَبَ الإِعادَةَ،
وبعضُهم قال : لا إعادَةَ بذلك. والتَّحْنُحُ عندَ جميعِهم أخفُّ مِن الأنينِ والنفخِ
ومِن التَّأَوَّهِ. ولا أصلَ فى هذا البابِ إلَّا إجماعُهم على تحريم الكلام فى الصلاةِ .
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٣٠١٥)، ومصنف ابن أبى شيبة ٦٠/٢، ٢٦٤، ٣٣/٨، والأوسط
لابن المنذر ٢٤٥/٣.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٣٠١٨)، وابن أبى شيبة ٢٦٤/٢ من طريق الأعمش به، بدون ذكر
مسروق .
٥٠٣

الموطأ
التمهيد
كُلٌّ على أصلِه الذى قدَّمنا عنهم فى بابٍ أيوبَ مِن هذا الكتابِ(١). فقولُ مَن
رَاعَى محُروفَ الهِجَاءِ وما يُفْهَمُ مِن الكلامِ ، أصحُ الأقاويلِ إن شاء اللهُ .
وأمَّا قولُه فى هذا الحديثِ: ((فإِنَّ اللهَ قِبَلَ وجْهِه إذا صَلَّى)). فكلامٌ خرَج
على التعظيم لشأنِ القبلةِ وإكرامِها، واللَّهُ أعلمُ. والآثارُ تدلُّ على ذلك مع النَّظرِ
والاعتبارِ. وقد نزَع بهذا الحديثِ بعضُ مَن ذهَبَ مذهبَ المعتزلةِ فى أنَّ اللَّهَ عزَّ
وجلَّ فى كلِّ مكانٍ ، وليس على العرشِ . وهذا جهلٌ مِن قائِلِه؛ لأنَّ فى الحديثِ
الذى جاء فيه النَّهْىُ عن البزاقِ فى القِبلَةِ ، أَنَّه يَزُقُ تحت قَدَمِه وعن يَسارِه . وهذا
يَنْقُضُ ما أصَّلُوه فى أنَّه فى كلِّ مكانٍ ، وقد أوْضَخْنا هذا المعنى فى بابِ ابنِ
شهابٍ، عن أبى سَلَمَةً وأبى عبدِ اللهِ الأُغَرُ(٢). والحمدُ للهِ.
قرأتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ وسعيدِ بنِ نصرٍ جميعًا ، أنَّ قاسمَ بنَ
توحید :
القبس
قولُه: ((فإن الله تعالى قِبَلَ وجهِهِ)). البارئُ تعالى متقدِّسٌ عن أن يَحلَّ (١)
بالجِهاتِ ، أو تَكْتَنِفَه الأقطار، ولكن فى ذلك مَعْنيان ؛
أحدُهما ، ما قدَّمْناه لكم مِن أن الله تعالى بلُطْفِه وسابِغ نعمتِه، إذا أرادَ أن يُكَرَّمَ
شيئًا مِن خلقِه أضافَه إليه ، أو أخبَر بنفسِه عنه .
والثانى، أن هذا المُصَلِّىَ قد اعتقَد أنه بينَ يَدَيِ اللهِ تعالى كما هو ، والتزم التعظيمَ
لمَنْ تَوجّه له ، والبُصَاقُ إهانةٌ ، فكيف يَصِحُ له أن يأتىَ بفعلٍ يُناقِضُ اعتقادَه؟
(١) تقدم فى ٤٥٧/٥ - ٤٨٨ .
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (٥٠٠) من الموطأ .
(٣) فى م: ((يحد)).
٥٠٤

الموطأ
التمهید
أصبغَ حدَّثَهم، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال : حدثنا محمدُ بنُّ
عبدِ اللهِ الأنصارىُّ، قال: حدَّثنا حميدٌ، عن أنسٍ قال: رَأَى رسولُ اللهِ وَه
نُخَاعةً فى المسجدِ ، فشَقَّ ذلك عليه حتى عرَفْنا ذلك فى وَجْهِه ، فحَكّه وقال :
((إنَّ أحَدَكم - أو: إنَّ المرْءَ - إذا قام إلى الصلاةِ، فإِنَّه يُناجِى ربَّه - أو إِنَّ ربَّه بينَه
وبينَ قبلتِهِ - فَلْيَتْزُقْ إذا بَزَق عن يسَارِه أو تحتَ قدمِه)) (١).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ وسعيدُ بنُ نصرٍ ، قالا: حدَّثنا " قاسم، قال: حدَّثنا)
إسماعيلُ، حدَّثنا حجاجٌ، حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، أخبَرنا حمادُ بنُ أبى
سليمانَ، عن رِبعىٌّ بنِ حِرَاشِ "، عن حُذيفَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَ لَّه قال: ((إذا قام
الرجلُ فى صلاتِهِ ، أقبلَ على اللهِ بوجهِه، فلا يَتْزُقَنَّ أحدُكم فى قبلتِهِ ، ولا يَيزُقَنَّ
عن يَمِينِه، ولكن لِيبزُقْ عن يسارِهِ))(٤).
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا
أبو داودَ ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ زیدٍ ، حدَّثنا
أيوبُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: بينما رسولُ اللهِ نَّهِ يخطبُ يومًا إِذْرَأَى
نُخامةً فى قبلةِ المسجدِ ، فَتَغَيَّظَ على الناسِ ، ثم حَكَّهَا. قال: وأحسَبُه قال :
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٨٢/٢٠ (١٢٩٥٩) عن محمد بن عبد الله به.
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) فى م: ((خراش)).
(٤) أخرجه ابن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (١٢٢)، والخطيب ٤٥٨/٨، ٤٥٩ من طريق
حجاج به .
٥٠٥

الموطأ
ودَعا بَعْفَرَانِ فَلَطَّخَه به، وقال: ((إِنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قِبَلَ وجهِ أحدِ كم إذا صلَّى،
فلا يَيْزُقْ بِينَ يَدَیه ))(١).
التمهيد
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال : حدَّثنا
جعفرُ بنُّ محمدٍ ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ ، قال: حدَّثنا إبراهیمُ بنُ سعدٍ ،
عن ابنٍ شهابٍ ، عن حميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، أَنَّ أبا سعيدٍ وأبا هريرةَ أخبراه ، أنَّ
رسولَ اللهِ وَّهِ رَأَى نُخَامَةً فى جِدارِ المسجدِ، فَتَناوَلَ رسولُ اللهِ وَلَةِ حَصَاةٌ
فحَثَّها (١، ثم قال: ((إذا تَنَخَّم أحدُكم فلا يَتَنَخَّمَنَّ قِبَلَ وجهِه، ولا عن ◌َمِينِه،
ولْيَتْزُقْ عن يَسارِه أو تحت قَدَمِه اليُشْرَى)) (١).
ورواه ابنُ عيينةً ( والليثُ ، عن ابن شهابٍ، عن حُميدٍ ، عن أبى سعيدٍ . لم
يذكُرْ أبا هريرةَ .
وروَى ابْنُ عجلَانَ، عن عياضٍ، عن أبى سعيدٍ، عن النبيِّ وَِّ مثلَهُ(٥).
القبس
(١) أبو داود (٤٧٩). وأخرجه الدارمى (١٤٣٧)، والبخارى (١٢١٣) من طريق حماد به.
(٢) فى الأصل: ((فحكها)) .
(٣) أخرجه الدارمى (١٤٣٨)، من طريق سليمان بن داود به، وأخرجه أحمد ٣٨٠/١٨
(١١٨٧٩)، والبخارى (٤٠٨، ٤٠٩)، ومسلم (٥٤٨) عقب الحديث (٥٢)، وابن ماجه (٧٦١)
من طريق إبراهيم بن سعد به .
(٤) أخرجه أحمد ٧١/١٧ (١١٠٢٥)، والبخارى (٤١٤)، ومسلم (٥٢/٥٤٨)، والنسائى
(٧٢٤) من طريق سفيان بن عيينة به .
(٥) أخرجه أحمد ١١٨/١٧، ٢٧٩، ٢٨٠ (١١٠٦٤، ١١١٨٥)، وأبو داود (٤٨٠) من =
٥٠٦

الموطأ
التمهيد
والأحاديثُ فى هذا كثيرةٌ جدًّا .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ،
قال: حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثْنا حسينُ بنُ علىٍّ، عن زائِدَةَ، عن
هشامٍ بنِ عُروةً، عن أبيه، عن عائشةَ قالت: أمَرَ رسولُ اللهِ وَلَّه بِناءِ المساجدِ
فى الدُّورِ، وأن تُنظّفَ وتُطَيِّبَ(١).
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا
أبو داودَ، قال: حدَّثنا القَعْنَبِىُّ، حدَّثنا أبو مَؤْدُودٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبى
حَدْرَدِ الأَسْلَمِيِّ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: ((مَن
دَخَل هذا المسجدَ فبَزَقَ فيه أو تَنَخَّمَ ، فَلْيَحْفِر ولْيَدْفِئْه، فإن لم يفعَلْ فَلْيَتُزُقْ فى
ثَوپه، ثم ليخرج به ))().
وروَى شعبةٌ(٢)، وهشامٌ الدَّستُوائىُ(٤)، وسعيدُ بنُ
القبس
= طريق ابن عجلان به .
(١) أبو داود (٤٥٥). وأخرجه أبو يعلى (٤٦٩٨)، وابن حبان (١٦٣٤) من طريق محمد بن
العلاء به، وأخرجه ابن ماجه (٧٥٩) من طريق زائدة به .
(٢) أخرجه البيهقى ٢٩١/٢ من طريق محمد بن بكر به . وهو عند أبى داود (٤٧٧). وأخرجه
أحمد ٤٩٨/١٢، ٥٠/١٤، ١٠٩/١٦، ٥١٧ (٧٥٣١، ٨٢٩٧، ١٠٠٩٦، ١٠٨٨٩)، وابن
خزيمة (١٣١٠) من طريق أبى مودود به .
(٣) أخرجه أحمد ١٧٥/٢٠، ١١٠/٢١، ٣٨٢ (١٢٧٧٥، ١٣٤٣٣، ١٣٩٤٨)، والبخارى
(٤١٥)، ومسلم (٥٦/٥٥٢)، وأبو داود (٤٧٤) من طريق شعبة به .
(٤) أخرجه أحمد ٢٤٥/٢٠، ٢٤٦، ١١٠/٢١، ٣٦٥، ٣٨٢ (١٢٨٩٠، ١٢٨٩١، ١٣٤٣٣،
١٣٩٠٦، ١٣٩٤٨)، وأبو داود (٤٧٤)، وابن خزيمة (١٣٠٩) من طريق هشام به.
٥٠٧

الموطأ
التمهيد
أبى عَرُوبَةَ(١)، وأبانٌ العطَّارُ(٢)، وأبو عَوَانَةً(٣)، وغيرهم، عن قتادةَ، عن أنسٍ بنِ
مالكٍ، أن رسولَ اللهِ وَّلَه قال: ((البُزَاقُ فى المسجدِ خطيئةٌ، وكفَّارَتُها دَفْنُها)).
قال أبو عمرَ : البُزاقُ يُكتَبُ بالزاي وبالسينِ وبالصادِ . وقد مَضَى فيما
سلَفَ مِن كتابِنا هذا فى بابٍ نافع أيضًا قولُ رسولِ اللهِ وَله: ((عُرِضَت علىَّ
أجورُ أُمَّتِى، فرأيتُ فيها حتى القَذَّةَ يُخرِبُها الرجلُ مِن المسجدِ ))(٤).
وقد احتَجَّ بعضُ مَن أباح النَّفْخَ فى الصلاةِ على جِهَةِ التََّوُّهِ ، بما حدَّثناه سعيدُ
ابنُّ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ وضاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
فُضيلٍ، عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن أبيه ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ، قال : انْكَسَفَتِ
الشمسُ على عهدٍ رسولِ اللهِ نِّله، فقام وقُمنَا معه، فأطالَ القيامَ حتى ظَنَنًا أنَّه
ليس يركّعُ، ثم رَكَعَ فلم يَكَدْ يرفعُ رأسَه، ثم رفعَ رأسَه فلم يَكَدْ يسجُدُ ، ثم
سجَدَ فلم يكَدْ يرفعُ رأسَه، ثم فعَلَ فى الركعةِ الثانيةِ كما فعَلَ فى الأُولَى، وجعَلَ
ينفُخُ فى الأرضِ ويَيكِى وهو ساجدٌ فى الركعةِ الثانيةِ، ويقولُ: ((رَبِّ لِمَ تُعَذِّبُهم
وأنا فيهم؟ رَبِّ لِمَ تُعَذِّبُهم ونحن نَستَغْفِرُك؟ )). ثم رفَع رأسَه وقد تَجَلَّتِ
القبس
(١) أخرجه أحمد ١١٨/١٩، ٤١٣/٢٠، ١٢٠/٢١ (١٢٠٦٢، ١٣١٨٢، ١٣٤٥٠)، وأبو داود
(٤٧٦) ، من طريق سعيد به .
(٢) أخرجه أحمد ٤٥٨/٢١ (١٤٠٧٥)، وأبو داود (٤٧٤) من طريق أبان به .
(٣) أخرجه مسلم (٥٥/٥٥٢)، وأبو داود (٤٧٥)، والترمذى (٥٧٢)، والنسائى (٧٢٢) من
طريق أبى عوانة به .
(٤) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٤٧٦) من الموطأ .
٥٠٨

٤٦٠ - وحدَّثنى يحيّى عن مالك، عن هشام بن عروةً ، عن أبيهِ ،
عن عائشةَ زوج النبيِّ وَّهِ، أن رسولَ اللهِ وَّهِ رأى فى جدارِ القبلةِ
بُصاقًا أو مُخاطًا أو نُخامَةً فحَكَّه.
الموطأ
ما جاء فى القبلةِ
٤٦١ - حدَّثنى يحيى عن مالكِ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن عبدِ اللهِ
ابن عمرَ ، أنه قال: بينما الناسُ بقُباءٍ فى صلاةِ الصبح، إذ جاءهمَ آتٍ
التمهيد
الشمسُ(١). وذكَرَ الحديثَ.
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللهِ فَلَّهِ رأى
فى جدارِ الكعبةِ بُصاقًا أو مُخاطًا أو نُخامةً فحكّه(٢).
قال أبو عمرَ : يقالُ : إِنَّ البُصافَ ما خرَج من الفم، وفيه لغتان : بُصاقٌ
ويُزاقٌ ، والمخاطُ ما خرَّج من الأنفِ، والتَّخامةُ ما خرَج من الحلقِ، وليس شىءٌ
من ذلك بنجسٍ ، ولكنَّ القِبلةَ يجبُ أن تُنزَّةَ عن ذلك ، وقد تقدَّم القولُ فى معنى
هذا الحديثِ فى بابٍ نافعٍ من هذا الكتاب(٢). والحمدُ للهِ .
مالكٌ ، عن عبدِ اللهِ بنِ دِينارٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قال: بينما الناسُ بقُباءٍ فى صلاةٍ
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٤٦٧/٢. وأخرجه أحمد ٢١/١١ (٦٤٨٣) عن ابن فضيل به .
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٥٤٥). وأخرجه أحمد ٧٩/٤٢ (٢٥١٥٦)، والبخارى (٤٠٧)،
ومسلم (٥٤٩) من طريق مالك به .
(٣) تقدم ص ٥٠١ - ٥٠٩ .
٥٠٩

الموطأ فقال: إن رسولَ اللهِ وَّهِ قد أُنزِل عليه الليلةَ قرآنٌ، وقد أُمِرَ أن يستَقبِلَ
الكعبةَ [٧١ظ] فاسْتقبِلُوها. وكانت وجوهُهم إلى الشام، فاستَدارُوا إلى الكعبةِ.
الصبح إِذْ جاءهم آتٍ فقال: إنَّ رسولَ اللهِ وَ ◌ّه قد أُنزِلَ عليه اللَّيلةَ قرآنٌ، وقد أُمِرَ أَنْ
التمهيد
يستقبلَ الكعبةَ فاستقبِلُوها. وكانتْ وجوهُهم إلى الشَّامِ، فاستدارُوا إلى الكعبةِ ".
هكذا روَى هذا الحديثَ جماعةُ الرُّواةِ عن مالكِ، إِلَّ عبد العزيزِ بنَ يحيى،
فإنَّه رَوَاه عن مالكِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، والصَّحيحُ ما فى ((الموظّأُ)):
مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ . واللهُ أعلمُ .
وفى هذا الحديثِ دليلٌ على قبولٍ خبرِ الواحدِ ، وإيجَابِ الحكم والعملِ به ؛ لأنَّ
الصَّحابةَ - رضِىَ اللهُ عنهم - قد استَعملُوا خبرَه، وقضَوْا به، وتركُوا قِبلةً كانُوا عليها
لخبرِهِ، وهو واحدٌ، ولم يُنكِرْ ذلك عليهم رسولُ اللهِ وَ لَه ولا أنكرَه واحدٌ منهم،
وحسبُكَ بمثلِ هذا قوةٌ مِن عَمَلِ القَرْنِ المختارِ، خيرِ القُرُونِ، وفى حياةِ الرَّسُولِ وَه .
ورُوِىَ أنَّ الآتِىَ المُخبِرَ لهم بما فى هذا الحديثِ ، هو عبَّادُ بنُ بِشْرٍ.
روَى إِبراهيمُ بنُ حمزةَ الزُّبِيرِىُّ، قال: حدَّثَنِى إبراهيمُ بنُ جعفرِ بنِ
محمودٍ بنِ محمدِ بنِ مسلمةَ الأنصارىُّ، عن أبيه، عن جدَّتِهِ تُوَيلةً(١) بنتِ
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٨٣)، وبرواية أبى مصعب (٥٤٦)، وأخرجه أحمد ١٥٨/١٠
(٥٩٣٤)، والبخارى (٤٠٣، ٤٤٩١، ٤٤٩٤، ٧٢٥١)، ومسلم (١٣/٥٢٦)، والنسائى
(٤٩٢، ٧٤٤)، وابن خزيمة (٤٣٥) من طريق مالك به .
(٢ - ٢) سقط من: ق. وينظر تهذيب الكمال ٧٦/٢.
(٣) فى النسخ: ((نويلة)). والمثبت من مصادر التخريج. ونص الحافظ ابن حجر على أن رواية =
٥١٠

الموطأ
التمهيد
أسلمَ - وكانت مِن المبايعاتِ - قالت: كُنَّا فِى صَلاةِ الظُّهرِ ، فأقبلَ عبَّادُ بنُ بشْرِ
ابنِ قيظىٌّ، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ وَِّ قد استقبلَ الكَعْبةَ، أو قال: البيتَ الحرامَ.
فتحوَّلَ الرِّجالُ مَكانَ النِّسَاءِ وتحوَّلَ النِّساءُ مَكانَ الرِّجالِ(١).
وفيه: أنَّ القرآنَ كانَ ينزلُ على رسولِ اللهِ وَ لَه شيئًا بعدَ شىءٍ، وفى حالٍ
بعدَ حالٍ، على حسبِ الحاجة إليه، حتى أكملَ اللهُ دينَه، وقبضَ رسولَهُ وَلِ ؛
وَأَّمَا أُنزِلَ القرآنُ جملةً واحدةً ليلةَ القدرِ إلى سماءِ الدُّنيا، ثم كان ينزِلُ به جبريلُ
عليه السَّلامُ نَجْمًا بعدَ نَجْم، وحينًا بعدَ حينٍ؛ قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى
لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]. يَعنى: القرآنَ، قالُوا: إلى سماءِ الدُّنيا. وقال عزَّ وجلَّ:
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَجِدَةٌ كَذَلِكَ لِنُقَبْتَ بِهِ،
فُؤَادَكٌ وَرَتَّلْتَهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].
وهذا الحديثُ أصلٌ فى كلِّ مَن صلَّى على حالٍ ، ثم تغيَّرَتْ به حالُهُ تلكَ قبلَ
أن يُتَّ صلاته؛ أنَّه يُتُّها ، ولا يقطعُها ليستأنفَ غيرَها ، ويُجْزِئُه ما مضَى منها وما
أَنَّه على غيرِ سنَّتِه؛ كمَنْ صلَّى عُريانًا، ثم وجَد ثوبًا فى الصَّلاةِ ، أو ابتدأ صلاتَه
صحيحًا فمرِضَ، أو مريضًا فصَ، أو قاعدًا ثم قدَر على القيامِ، وفى هذه
المسائلِ وفيمن طرّأ الماءُ عليه فى الصَّلاةِ تنازعٌ بينَ العلماءِ قد بيَّناه فى غيرِ هذا
الموضعِ. والحمدُ للهِ .
القبس
= إبراهيم بن حمزة: ((تويلة)). ينظر الإصابة ٥٤٦/٧، ١٤٥/٨.
(١) أخرجه ابن أبى عاصم فى الآحاد والمثاني (٣٤٦١)، والطيرانى ٢٠٧/٢٤ (٥٠٣)، وأبو نعيم
فى المعرفة (٧٥٩١) من طريق إبراهيم بن حمزة الزبيرى به .
٥١١

الموطأ
التمهید
وفيه دليلٌ على أنَّ بيت المقدس كان رسولُ اللهِ وَّهِ وأصحابُه يصلُّون إليه إِذْ
قدِمُوا المدينةَ وذلك بأمرِ اللهِ لهم بذلك لا محالةَ، ثم نسَخ اللهُ ذلك، وأمرَه أنْ
يستقبلَ بصلاتِه الكعبَةَ، وكان رسولُ اللهِ وَلَهِ يرِيدُ ذلك، ويرفعُ طْفَه إلى
السّماءِ فيه ، فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَلَنُوَلْيَنَّكَ
قِبْلَةً تَرْضَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَاءِّ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ
وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ﴾ الآية [البقرة: ١٤٤].
وفيه أيضًا دليلٌ على أنَّ فى أحكام اللهِ عزَّ وجلَّ ناسخًا ومنسوخًا على
حسَبِ ما ذَكَر فى كتابِهِ، وعلى لسانٍ رسولِه، وأجمعت على ذلك أُمَّتُه ◌َلِّفلا
وجه للقول فی ذلك ، وقد مضی مِن البیانِ فیه ما يُغنِی ویکفی فی بابِ زیدِ بنِ
أسلمَ من كتابنا هذا (١)، فلا وجة لإعادةِ ذلك هلهنا .
أخبرنا خلفُ بنُ أحمدَ ، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ مطرّفٍ ، حدَّثنا سعيدُ بنُ
عثمانَ ، قال: حدَّثنا علىُ بنُ مَعبدٍ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا
زهيرُ بنُّ معاويةَ، وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرِ بنِ الوردِ ،
قال : حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو بنٍ خالدٍ ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنا زهيرُ بنُ
معاويةَ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَلِ لمَّا قدِمَ المدينةَ
صلَّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ ستَّةَ عشَرَ شهرًا، أو سَبعةَ عشَرَ شهرًا، وكان يُعجِبُه أَنْ
تكونَ قِلتُه البيتَ ، وأَنَّه صلَّى أوَّلَ صلاةٍ صلَّاها؛ صلاةَ العصرِ، وصلَّى معه
قومٌ، فخرَج رجلٌ مَّنْ كان صلَّى معه، فمرَّ على أهل مسجدٍ ، فقال: أشهدُ
القبس
(١) تقدم فى ٤٠٨/٥ - ٤١٦ .
٥١٢

الموطأ
التمهيد
باللهِ ، لقد صلَّیتُ مع رسولِ اللهِ ێ قبلَ مكّةً ، فدَارُوا کما هم قبلَ البيتِ ،
وكانت اليهودُ أعْجَبَهم إذْ كان يُصلِّى إلى بيتِ المقدسِ، فلمَّا ولَّ وجهَه قِبلَ
البيتِ أنكرُوا ذلك، وذكر تمامَ الحديثِ(١).
قال علُّ بنُ مَعبدٍ: وأخبرنا أحمدُ بنُ البَخْترىِّ، حدَّثنا المؤمَّلُ بنُّ إسماعيلَ،
حدَّثنا عمارةُ بنُ زاذَانَ ، عن ثابتٍ ، عن أنسٍ ، قال: حُوِّلَ النبى عليه السلامُ مِن
بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ وهو راكٌ، فاستدَارَ فى ركوعِه واستقبلَ الكعبةَ(٢)،
وأجمعَ العلماءُ أنَّ شأنَ القبلةِ أوَّلُ ما نُسِخَ مِن القرآنِ ، وأجمعُوا أنَّ ذلك كان
بالمدينةِ ، وأنَّ رسولَ اللهِ وَّه ◌َا صُرِفَ عن الصلاةِ إلى بيتِ المقدسِ، وأمِرَ
بالصلاةِ إلى الكعبةِ بالمدينةِ، واختلفُوا فى صلاتِهِ وَلِّ حِينَ فُرِضَتْ عليه الصلاةُ
بمكّةَ ؛ هل كانت إلى بيتِ المقدسِ أو إلى مكّةً؟ فقالت طائفةٌ : کانت صلاته إلى
بيتِ المقدسِ مِن حينَ فُرِضَت عليه الصلاةُ بمكّةَ إلى أنْ قدِمَ المدينةَ ، ثم بالمدينةِ
سبعةَ عشَرَ شهرًا أو نحوَها حتى صرَفه اللهُ إلى الكعبةِ .
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، حدَّثنا وَجِيهُ بنُ الحسنِ، حدَّثنا بِكَّارُ بنُ قتيبةَ،
حدَّثنا يحيى بنُ حمَّدٍ ، حدَّثنا أبو عوانةَ ، عن سليمانَ الأعمشِ ، عن مجاهدٍ ،
عن ابن عباسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ وَ لّه يصلِّى نحوَ بيتٍ المقدس، وهو بمكّةً،
والكعبةُ بينَ يديْه، وبعدَما هاجرَ إلى المدينةِ ستَّةَ عشَرَ شهرًا، ثم صُرِفَ إِلى
القبس
(١) أخرجه ابن منده فى الإيمان (١٦٧) من طريق محمد بن عمرو بن خالد به ، وأخرجه البخارى
(٤٠) عن عمرو بن خالد به .
(٢) أخرجه الطبرانى فى الصغير ١٤٥/١ من طريق مؤمل بن إسماعيل به .
٥١٣
( موسوعة شروح الموطأ ٣٣/٦)

الموطأ
التمهید
الكعبةِ (١) . وقال آخرونَ: أََّا صلَّى رسولُ اللهِ وَلَةِ أَوَّلَ ما افتُرِضَتْ عليه الصلاةُ
إلى الكعبةِ ، ولم يَزِلْ يصلِّى إلى الكعبةِ طُولَ مُقَامِه بمكّةَ، ثم لمّ قدِمَ المدينةَ صلَّى
إلى بيتِ المقدسِ ثمانِيَةَ عشَرَ شهرًا ، أو ستَّةَ عشرَ شهرًا، ثم صرَفَه اللهُ إلى الكعبةِ ،
وسنذكرُ الرّوايةَ بذلك عمَّنْ قالَه فى هذا البابِ إنْ شاءَ اللهُ .
أُخْبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ ، قال: أخبرنا الحسنُ بنُ إسماعيلَ،
قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ بَحْرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الصائغُ ، قال :
حدَّثنا سُنَيْدُ بنُ داودَ ، قال: حدَّثنا حَاجٌ، عن ابن جريجٍ ، قال : قال ابنُ عباسٍ
وسُئِلَ عن قولِه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِىِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]. وقوله: ﴿شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وهو يُنَزَّلُ فى غيرِه، فقال:
نزَلَ به جبريلُ عليه السلامُ جملةً واحدةً، ثم كان يُنزِلُ منه فى الشهورِ ().
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أسدٍ ، قال : حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ قُدَامةً، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن
منصورٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
قال : نزَل القرآنُ جملةً واحدةً فى ليلةِ القدرِ إلى سماءِ الدُّنيا ، فكان اللهُ تبارَكَ
وتعالَى يُنَزِّلُ على رسولِه ◌َّ بِعْضَه فى إِثْرِ بعضٍ، قالُوا: ﴿لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ اَلْقُرْءَانُ
(٣)
جْلَةٌ وَحِدَةٌ كَذَلِكَ لِنُنَّبْتَ بِهِ، فُؤَادَكَ وَرَتَلْتَهُ تَرْتِيلًا﴾
[الفرقان: ٣٢].
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٤٨/٢ .
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٩١/٣ من طريق ابن جريج به .
(٣) النسائى فى الكبرى (١١٦٨٩). وأخرجه ابن الضريس فى فضائل القرآن (١١٨)، وابن جرير=
٥١٤

الموطأ
التمهيد
فَلَآَ
قال أبو عمرَ: ورُوِىَ عن عكرمةَ فى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ :
أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] . قال : القرآنُ نزلَ جملَةً واحدةً ، فوُضِعَ
مواقِعَ النُّجُومِ، فجعَلَ جبرِيلُ عليه السَّلامُ ينزِلُ بالآيةِ والآيتينِ (١) . وقال غيره:
بِمَوَقِعِ النُّجُومِ﴾: بِمَساقطِ نُجُومِ القرآنِ كلِّها أوَّلِهِ وآخرِهِ، ومِنَ الْحُجّةِ لهذا
القولِ قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَهُ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمُ ﴿ إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ﴾
الآيات [الواقعة : ٧٦، ٧٧] .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا حمزَةُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: أخبرنا إسماعيلُ بنُ مسعودٍ ، قال: أخبرنا المعتمرُ بنُ
سليمانَ ، عن أبى عوانةَ ، عن محُصَينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال :
نزَل القرآنُ جميعًا فى ليلةِ القدرِ إلى السماءِ الدنيا ، ثم فُصِّلَ فنزَل فى السنينَ ،
وذلك قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ﴾(١).
وأمَّا شَأْنُ القبلةِ ؛ فأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ
محمدٍ ، قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال : أخبرنا أبو بكرِ بنُ نافعٍ ، قال :
حدَّثْنَا بَهْزٌ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلمةَ، قال: أخبرنا ثابتٌ، عن أنسٍ ، أَنَّ
القبس
= فى تفسيره ٥٤٣/٢٤، ٥٤٤، والحاكم ٢٢٢/٢، ٥٣٠، والبيهقى فى الدلائل ١٣١/٧، وفى
الأسماء والصفات (٤٩٥) من طريق جرير به .
(١) ينظر تفسير ابن جرير ٢٢/ ٣٦٠.
(٢) النسائى فى الكبرى (١١٥٦٥). وأخرجه البيهقى فى الشعب (٢٢٥٠) من طريق حصين به .
٥١٥

الموطأ
التمهيد
النبيَّ ◌َّهِ وأصحابَه كانوا يُصلُّون نحوَ بَيْتِ المقدس، فلمَّا نزَلَت هذه الآيةُ:
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. مَرَّرجلٌ مِن بنى سلِمَةً،
فنَادَاهم وهم ركوعُ فى صلاةِ الفجرِ: أَلَا إِنَّ القبلةَ قد حُوِّلتْ إلى الكعبةِ . فمالُوا
رُكُوعًا (١) .
وذكَر سُنَيدٌ ، عن حَاجٍ، عن ابنٍ بجريجٍ، قال : قال ابنُ عباسٍ : كان النبيُّ
منَّ يستقبِلُ صخرةَ بيتِ المقدسِ؛ ( فأوَّلُ آيةٍ نُسختْ من القرآنِ القبلةُ، ثم
الصيامُ الأولُ. قال ابنُ جريج: صلَّى أوَّلَ ما صلَّى إلى الكعبةِ، ثم صُرِفَ إلى
بيتِ المقدسِ فصلتِ الأنصارُ نحوَ بيتِ المقدسِ) قبلَ قُدومِه ◌ََِّثلاثَ حِجَجٍ،
وصلَّى بعدَ قُدومِه ستَّةَ عشَرَ شهرًا، ثم وجَّهَه اللهُ تباركَ وتعالى إلى البيتِ
(٣)
الحرام ..
قال أبو عمرَ: من حُجَّةِ الذين قالوا: إن رسولَ اللهِ بَّلَه ◌ًَّا صلَّى إلى
بيتِ المقدسِ بالمدينةِ، وأَنَّه أَّما كان يُصلِّى بمكةً إلى الكعبةِ. ما حدَّثنا
عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا موسَى بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا وكيع، عن
إسرائيلَ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: لمّا قدِم النبيُّ ونَه
القبس
(١) النسائى فى الكبرى (١١٠٠٨). وأخرجه ابن خزيمة (٤٣٠) من طريق بهز بن أسد به ،
وأخرجه أحمد ٤٢٩/٢١ (١٤٠٣٤)، ومسلم (٥٢٧)، وأبو داود (١٠٤٥)، وابن خزيمة (٤٣١)
من طريق حماد به .
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٦٢٣/٢، ٦٢٤ من طريق سنيد به ، دون قول ابن عباس.
٥١٦

الموطأ
المدينةَ صلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ ستَّةً عشَرَ، أو سبعةً عشَرَ شهرًا، وكان التمهيد
يُحبُّ أن يُوَجَّهَ إلى الكعبةِ ، فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ
فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةٌ تَرْضَهَا﴾. فؤُجّه نحوَ الكعبةِ، وكان يُحبُّ
ذلك(١) فظاهِرُ هذا الخبرِ يدُلُّ على أنه لمََّ قدِم المدينةَ، صلَّى إلى بيتٍ
المقدسِ لا قبلَ ذلك. واللهُ أعلمُ .
ويدُلُّ على ذلك أيضًا ما حدَّثنا به أحمدُ بنُ قاسم ، قال : حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذىُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ
صالحٍ، قال : حدَّثنا معاويةُ بنُ صالح، عن علىٍّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ ،
قال: كان أوَّلَ ما نسَخ اللهُ مِن القرآنِ القِبلةُ، وذلك أنَّ رسولَ اللهِ وَلَِّ لَّ هَاجَر
إلى المدينةِ ، وكان أكثرَ أهلِها اليهودُ ، أَمَره اللهُ أن يستقبلَ بيتَ المقدسِ ، ففرحت
اليهودُ، فاسْتقبلَها رسولُ اللهِ وَّهِ بِضْعَةَ(٢) عشَرَ شهرًا، وكان رسولُ اللهِ وَلَه
يُحبُّ قبلةَ إبراهيمَ، وكان يدْعُو اللهَ، ويَنظُرُ إلى السماءِ، فأنزل اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى
تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ﴾. إلى قولِه: ﴿فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةٌ﴾. يَعنى:
نحوَه، فارتابَ اليهودُ ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّهُمْ عَن قِبْلَنِهِمُ الَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا﴾. فأنزَل
اللهُ: ﴿قُل لِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُِّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، وقال:
﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَتِىِ كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَن يَنْقَلِبُ عَلَى
القبس
(١) أخرجه أحمد ٦٣٥/٣٠ (١٨٧٠٧)، والبخارى (٧٢٥٢)، والترمذى (٣٤٠، ٢٩٦٢)، وابن
خزيمة (٤٣٣) من طريق وكيع به .
(٢) فى ص: ((تسعة)).
(٣ - ٣) فى الأصل، ص، م: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ .
٥١٧

الموطأ
عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. قال ابنُ عباسٍ: لِيَمِيزَ أهلَ اليقينِ من أهلِ الشَّكُّ(١).
التمهيد
وأجمَع العلماءُ أنَّ القبلةَ التى أمرَ اللهُ نبيَّه وعبادَه بالتوجُّهِ نحوَها فى
صلاتِهم، هى الكعبةُ ؛ البيتُ الحرام بمكةَ، وأَنَّه فرضٌ على كلٍّ من شاهدَها
وعاينتَها استقبالُها، وأَنَّه إنْ ترَك استقبالَها وهو مُعاينٌ لها ، أو عالمٌ بجهتِها فلا
صلاةَ له ، وعليه إعادةُ كلِّ ما صلَّى كذلك. وأجمعوا على أنَّه من صلَّى إلى غيرِ
القبلةِ من غيرِ اجتهادٍ حمَله على ذلك أنَّ صلاتَه غيرُ مُجْزئةٍ عنه ، وعليه إعادَتُها
إلى القبلةٍ ، كما لو صلَّى بغيرِ طهارةٍ ، وفى هذا المعنَى حكمُ من صلَّى فى مسجدٍ
يُمكِنُه طلبُ القبلةِ فيه بالمحرابِ وشِبْهِه، فلم يفعل، وصلَّى إلى غيرِها، وأجمعوا
على أنَّ على كلٍّ من غابَ عنها أنْ يستقبلَ ناحيتَها وشَطرَها وتلقاءَها ، وعلى أنَّ
على مَن خَفِيت عليه ناحِيتُها الاستدلالَ عليها بكلٌ ما يُمكنُه مِن النجومِ والجبالِ
والرياحِ وغيرِ ذلك ممّا يُمكنُ أنْ يُستدلَّ به على ناحيتها .
وفى حديثٍ هذا البابِ دليلٌ على أنَّ مَن صلَّى إلى القبلةِ عندَ نفسِه
باجتهادِه، ثم بانَ له وهو فى الصَّلاةِ أَنَّه استدبرَ القبلةَ أو شرَّق أو غرّب - أنَّه
ينحرِفُ ويبنى، وأَّما قلتُ: إِنَّ الاستدبارَ والتشريقَ والتغريبَ سواءٌ؛ لأنَّ بيتَ
المقدسِ لا يكادُ أنْ يستقبلَه إلَّ من استدبر الكعبةَ، وذاك بدليلٍ حديثِ ابنِ عمرَ،
قال: رأيتُ رسولَ اللهِ وَله مستقبلَ الكعبةِ، مُستدبرَ بيتِ المقدسِ لحاجتِه".
القبس
(١) فى ص: ((ليبين)) .
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٢/ ٤٥٠، وابن أبى حاتم فى تفسيره ٢٤٨/١، ٢٥٣ (١٣٢٩،
١٣٥٥)، والنحاس فى ناسخه ص ٧١، والبيهقى ١٢/٢ من طريق عبد الله بن صالح به .
(٣) تقدم فى الموطأ (٤٥٨).
٥١٨

الموطأ
التمهید
وهذا موضعٌ فيه اختلافٌ كثيرٌ. وباللهِ التوفيقُ .
واختلف الفقهاءُ فيَمن غابت عنه القبلةُ ، فصلَّى مجتهدًا كما أُمرَ ، ثم بانَ له
بعدَ فراغِه من الصلاةِ أَنَّه قد أخطأ القبلةَ بأنِ استدبَرِها ، أو شرَّق أو غرّب عنها ، أو
بانَ له ذلك وهو فى الصلاةِ ، فجملةُ قولِ مالكٍ وأصحابِه أنَّ مَن صلَّى مجتهدًا
على قدْرِ طاقتِه ، طالبًا للقبلةِ وناحيتِها إذا خَفيَتْ عليه، ثم بانَ له بعدَ صلاتِهِ أَنَّه
قد استدبرها ، أنَّه يُعيدُ ما دامَ فى الوقتِ ، فإن انْصرَم الوقتُ فلا إعادةَ عليه،
والوقتُ فى ذلك للظهرِ والعصرِ ما لم تصفَرَّ الشمسُ .
وقد رُوِى عن مالكِ أيضًا أنَّ الوقتَ فى ذلك ما لم تغرُبِ الشمسُ، وفى
المغرب والعشاءِ ما لم ينفجرِ الصبح، وفى صلاةِ الصبحِ ما لم تطلُعِ الشمسُ.
وقال بعضُ أصحابِ مالكٍ: ما لم تصفَرُ(١) جدًّا. والأوَّلُ أَصْحُ؛ فإِنْ علِم
أنَّه استدبرَها وهو فى صلاتِه أو شرَّق أو غرّب قطع وابتدَأْ ، وإنْ لم يُشرِّقْ ولم
يُغرِّبْ، ولكنَّه انحرَف انحرافًا يسيرًا - فإنَّه ينحرِفُ إلى القبلةِ إذا عِلِم، ويتمادَى
ويُجزُِه ، ولا شىءَ عليه .
قال أشهبُ : سُئل مالكٌ عمَّن صلَّى إلى غيرِ قبلةٍ ، فقال: إنْ كان انحرف
انحرافًا يسيرًا ، فلا أرَى عليه إعادةٌ ، وإنْ كان انحرَف انحرافًا شديدًا، فَأَرَى عليه
الإعادةَ ما كان فى الوقتِ . وقال الأوزاعىُّ: من تحرَّى فأخطأ القبلةَ أعاد ما دام
فى الوقتِ ، ولا يُعيدُ بعدَ الوقتِ . وقال الثورىُّ: إذا صلَّيتَ لغيرِ القبلةِ فقد أجزَأك
القبس
(أ) فى ص: ((تسفر)).
٥١٩

الموطأ
التمهید
إذا لم تَعَمَّدْ ذلك، وإنْ كنت (١) صلَّيْتَ بعضَ صلاتِك لغيرِ القبلةِ، ثم عرفتَ
القبلةَ بعدُ فاستقبلِ القبلةَ ببقيّةِ صلاتِك ، واحتسِبْ بما صلَّيتَ . وقال الشافعىُّ :
إذا صلَّى إلى الشرقِ ثم رَأى القبلةَ إلى الغربِ استأنفَ ، فإنْ كان شرّق أو غرّب
متحرّفًا، ثم رأى أنَّه متحرّفٌ، وتلك جهةٌ واحدةٌ ، فإنَّ عليه أن يَنْحَرِفَ ويعتدَّ بما
مضَى .
وذكَر الرّبيعُ عن الشافعيّ، قال: ولو دخَل فى الصلاة على اجتهادٍ ثم رأَى
القبلةَ فى غيرِ الناحيةِ التى صلَّى إليها ، فإنْ كان مُشرِّقًا أو مغرِّبًا لم يعتدَّ بما مضَى
مِن صلاتِه، وسلَّم واستقبلَ الصلاةَ على ما بانَ له واستيقنه ، وإنْ رأَى أنَّه انحَرَف
لم يُلْغِ شيئًا مِن صلاتِه؛ لأنَّ الانحرافَ ليس فيه يقِينُ خطأً ، وإنّما هو اجتهادٌ لم
يَرجِعْ منه إلى يقينٍ، وإنّما رجَع مِن دلالةِ إلى اجتهادٍ مِثْلِها. وقال أبو حنيفةً
وأصحابُه: مَنْ تحرَّى القبلةَ فأخطأ ثم بانَ له ذلك فلا إعادةً علیه فی وقتٍ ولا
غيرِهِ . قالوا : وله أنْ يتحرَّى القبلةَ إذا لم يكُنْ على يقينِ علم من جِهِها ، فإنْ
أخطأ قومٌ القبلةَ ، وقد تعمَّدوها فصلَّوْا ركعةً ، ثم علِموا بها صرَفوا وجوهَهم فيما
بَقِى مِن صلاتِهم إلى القبلةِ، وصلاتُهم تامَّةٌ ، وكذلك لو أتُوا ، ثم عَلِموا بعدُ لم
يُعيدوا. وقال الطبرىُّ: مَنْ تحرّى فَأَخطَأ القبلةَ أعادَ أبدًا إذا استدبَرِها، وهو أحَدُ
قولَي الشافعىِّ .
قال أبو عمرَ : النظرُ فى هذا البابِ يشهَدُ أنْ لا إعادةَ على مَنْ صلَّى إلى القبلةِ
القبس
(١) فى ص: ((شئت))، وفى م: ((جهلت و)).
٥٢٠