Indexed OCR Text

Pages 241-260

الموطأ
التمهيد
وقَع بينى وبينَه كلامٌ ، فقلتُ : امرأتى طالقٌ إن لعِبتُ معك أبدًا إلا هذا الدَّسْتَ. ثم
جاء ما قطَع بنا عن اسْتِكمالِه، فهل أَحْنَثُ أم لا؟
القبس
فاختلَف المُفْتونَ؛ فمنهم مَن قال: يَحْنَثُ؛ لقولِ النبيِّ مَله: هل علىَّ
غيرُهنَّ؟ قال: ((لا، إلّا أن تَطّوَّعَ)). فإذا تَطوَّعَ لزِمه. وقال آخرون: لا شىءَ عليه؛
لأنه حرَّم بيمينِه على نفسِه اللَّعِبَ ، وأَبقَى ذلك الدَّسْتَ مُباحًا ، فإن شاء أن يستوفىَ
المُبَاعَ اسْتَوفاه، وإن شاء أن يَتْرُكَه ترَكه. وهذا الذى اخْتَارَه الطُّرْطوشىُّ وعطاءٌ فقيهُ
الشافعيةِ(٢١) ؛ لأن لُزُومَ التطوعِ بالشروعِ فى النافلةِ لم يكنْ مِن بابِ الاستثناءِ، وإنما
كان مِن قَبِيلٍ آخرَ، وقد بيَنَّه فى ((مسائلِ الخلافِ))، ثم لَقِيتُ نصرَ بنَ إبراهيمَ
(٢)
بدِمَشقَ ، فسألتُه فصَوَّبَهما (١) .
مزيدُ بيانٍ: ورَد فى ((الصحيح)) زيادةٌ فى هذا الحديثِ أنه قال: ((أفلح وأبيه إن
صدَق)). فإن قيل: كيف قال النبيُّ وَ ل هذا، وقد قال: ((لا تَحْلِفوا بآبائكم ولا
بالأمهاتِ ))(4) ؟
قلنا: قد مَهَّدْنا الجوابَ فى شرحِ ((الصحيحِ)) عندَ ذكرِ هذا الحدیثِ ، لُبابُه أنه
(١) هو الفقيه أبو الفضل عطاء ، شيخ الشافعية بالقدس الشريف فقها وعلمًا، وشيخ الصوفية طريقة،
كان فى زمن الشيخ نصر المقدسى. الأنس الجليل ٢٩٨/١، وينظر عارضة الأحوذي ١٣٩/٨.
(٢) هو نصر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم بن داود النابلسى المقدسى أبو الفتح الفقيه الشافعى ،
كان يعرف أيضًا بابن أبى حائط صاحب التصانيف والأمالى، له كتاب ((الحجة على تارك المحجة))،
و((الانتخاب الدمشقى))، و((التهذيب)) وغيرها . توفى فى المحرم سنة تسعين وأربعمائة بدمشق .
سير أعلام النبلاء ١٣٦/١٩، وطبقات الشافعية ٣٥١/٥ .
(٣) فى ج، م : ((فصوبها)) .
(٤) سيأتى فى شرح الحديث (١٠٤٧) من الموطأ .
٢٤١
( موسوعة شروح الموطأ ١٦/٦ )

الموطأ
التمهید
القبس
ليس بينَهما تَعارُضٌ؛ لأن القولَ والفعلَ من النبيِّ وَلِّ لا يتعارضان؛ القولُ
محمولٌ على عمومِه، والفعلُ(١) مخصوصٌ به، أَلَا تَرى إلى قولِه: «مَن كان حالِفًا
فلْيَخْلِفْ باللهِ أو لِيَصْمُتْ))(٢). ثم أقسم اللهُ بالسماءِ والأرضِ، والسحابِ والرياحِ
والسفنٍ، ولم يكنْ ذلك مُعارضةٌ . وقيل: إنما كان ذلك فى صدرِ الإسلامِ ، إِيَّانَ
كانت نفوسُهم مملوءةٌ مِن تعظيم غيرِ اللهِ تعالى، فنُهوا أن يُعَظِّموا غيرَه، فلما
امتلأت صُدورُهم مِن تعظيم اللهِ عزَّ وجلَّ، وتَيِّقَّنوا أنه لا عظيمَ سِواه، أرْخَص لهم
فى اسْتِزْسالِ الألسنةِ على الإقسامِ بما شاءُوا مِن الكلامِ، ما لم يكنْ ذلك مِن قبيلٍ
الأصنامِ . وقيل : إنما جرَى ذلك فى اللسانِ مِن غيرٍ قصدٍ إلى اليمين ، مَجْرى العادةِ ،
وإنما نهَى عن الحَلِفِ بغيرِ اللهِ عزَّ وجلَّ على قَصْدِ القَسَمِ، أَلَا تَرى إلى قولِ اللهِ تبارك
وتعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَّ أَيْمَنِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥، المائدة: ٨٩]. قالت
عائشةُ : هى قولُ الرجلِ : لا واللهِ ، وبَلى واللهِ . فى أثناءِ الكلامِ إذا لم يَقْصِدْ بها
اليمينَ ، ورَأَت أنها لا تكونُ يمينًا إلا مع القَصْدِ إلى ذلك. وعَظّم مالكٌ مُرْمةَ اللفظِ ،
فرأى أنها يمينٌ بالقصدِ إلى الذكرِ، وما وراءَ ذلك مِن تحقيقٍ يُطْلَّبُ فى موضعٍ
الإحالةِ ، إن شاء الله تعالى .
(١ - ١) سقط من : ج ، م .
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٠٤٧) .
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٠٤٧) .
(٤) فى ج، م: ((بمجرد القصد)).
(٥) سيأتى فى شرح الحديث (١٠٤٣) من الموطأ .
٢٤٢

الموطأ
٤٢٧ - حدّثنی یحیی عن مالك ، عن عمّه أبی سُھیلٍ بنِ مالكِ ،
عن أبيه ، أنه سمِع طلحَةَ بنَ عُبيدِ اللهِ يقولُ : جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ
وَلّ مِن نجدٍ ثائرُ الرأسِ ، یُسمَئُ دوِی صوته، ولا نَفقَهُ ما یقول ، حتی دنا
فإذا هو يسألُ عن الإسلام، فقال له رسولُ اللهِ وَله: (( خمسُ صلواتٍ
فى اليومِ والليلةِ )). قال: هل علىَّ غيرُهن؟ قال: ((لا، إِلَّا أن تَطْوَّعَ)).
[٦٤ظ] قال رسولُ اللهِ وَله: «وصيامُ شهرِ رمضانَ)). قال: هل علىَّ
غيرُه؟ قال: ((لا، إلا أن تطَّوَّعَ)). قال: وذكَر رسولُ اللهِ وَلَّهِ الزكاةَ،
فقال: هل علىَّ غيرُها؟ قال: ((لا، إلّا أن تَطَّوَّعَ)). قال: فَأَدبَرَ الرجلُ
وهو يقولُ: واللهِ لا أزيدُ على هذا ولا أنقُصُ منه. فقال رسولُ اللهِ وَلَهِ:
التمهید
مالكٌ، عن عمِّه أبى سُهيلٍ بنِ مالكِ، عن أبيه، أنَّه سمِع طلحةً بنَ
عبيدِ اللهِ يقولُ: جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ بَّه من أهلِ نجدٍ ثائرُ الرأسِ، يُسمَعُ دَوىُ
صوتِه، ولا نفقَهُ ما يقولُ، حتى دَنا فإذا هو يسألُ عن الإسلام، فقال له (١)
رسولُ اللهِ وَلَهُ: (( خمس صلواتٍ فى اليوم والليلةِ)). فقال: هل علىَّ غيرُهنَّ؟
قال: ((لا، إلّا أنْ تطََّّعَ)). قال رسولُ اللهِ وَلَ: ((وصيامُ شهرِ رمضانَ)). قال:
هل علىَّ غيرُه؟ قال: ((لا، إلّا أنْ تطَّوَّعَ)). قال: وذكَر له رسولُ اللهِ وَلَه
الزَّكَاةَ، فقال: هل علىَّ(٢) غيرُها؟ قال: ((لا، إِلَّا أنْ تطّوَّعَ)). قال(١): فأدْبَرَ
الرّجلُ وهو يقولُ: واللهِ لا أزيدُ على هذا ولا أنقُصُ منه. فقال رسولُ اللهِ
القبس
(١) ليس فى: الأصل، ق، م.
(٢) ليس فى: الأصل .
٢٤٣

الموطأ
((أَفْلَح إن صدَق)) .
الَُّ: ((أفلَح إنْ صدَق))(١).
التمهيد
هذا حديثٌ صحيحٌ لم يُختَلَفْ فى إِسنادِه ولا فى متنِه، إلا أنَّ إسماعيلَ
ابنَ جعفرٍ رَوَاه عن أبى سُهيلٍ نافعٍ بنِ مالكِ بنِ أبى عامٍ ، عن أبيه، عن طلحةً
ابنِ عبيدِ اللهِ، أنَّ أعرابيًّا جاء إلى رسولِ اللهِ وَهِ. فذكَر معناه سواءُ(١) ، وقال
فى آخرِهِ : ((أفلح وأبيه إنْ صدَق)). أو: ((دخَل الجنةَ وأبيه إن صدَق)). وهذه
لفظةٌ إِنْ صحَّتْ فهى منسوخَةٌ ؛ لنَهْي رسولِ اللهِ وبَّه عن الحلفِ بالآباءِ وبغيرِ
اللهِ، وقد ذكرنا ذلك فيما سلَف مِن كتابنا هذا(٢).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ وضاح، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيوبَ، وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ ،
قال : حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ ، قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال : أخبرنا على
ابنُ حُجْرٍ، قالا جميعًا : أخبرنا إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنی أبو سهيلٍ
" نافعُ بنُّ مالكِ بنِ أبي عامرٍ - ولم يَنسُبْه فى حديثٍ علىٍّ بنِ محجرٍ ، وإنما قال :
حدَّثنا أبو سهيل٢١ٍ - °عن أبيهْ)، عن طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ، أنَّ أعرابيًّا جاء
إلى رسولِ اللهِ وَه ثائرَ الرأسِ، فقال: يا رسولَ اللهِ ، أخبرنى ماذا فرَض اللهُ علىَّ
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٥٣١). وأخرجه أحمد ١٣/٣ (١٣٩٠)، والبخارى (٤٦،
٢٦٧٨)، ومسلم (٨/١١)، وأبو داود (٣٩١)، والنسائى (٤٥٧، ٥٠٤٣) من طريق مالك به .
(٢) سيأتى تخريجه فى الصفحة التالية .
(٣) سيأتى فى شرح الحديث (١٠٤٧) من الموطأ .
(٤ - ٤) ليس فى: الأصل، م.
(٥ - ٥) سقط من: م.
٢٤٤

الموطأ
التمهید
مِن الصلاةِ؟ قال: ((الصلواتُ الخمسُ إلَّ أنْ تطَّوَّعَ شيئًا)). قال : أخبرنى بما
افترَض اللهُ علىَّ مِن الصيامِ. قال: ((صيامُ شهرِ رمضانَ إلّا أنْ تَطَّّعَ)). قال:
أخبرنى بما افترَض اللهُ علىَّ مِن الزكاةِ. فأخبره رسولُ اللهِ وَلَّه بِشرائع الإسلامِ ،
فقال: والذى أكرَمكَ لا أتطوَُّ شيئًا غيرَه، ولا أنقُصُ (١) مَمَّ فرَض اللهُ علىَّ شيئًا .
فقال رسولُ اللهِ وَّله: ((أفلح وأبيه إنْ صدَق)). أو: ((دخَل الجنةً وأبيه إنْ
(٢)
صدَقَ ))(٢).
قال أبو عمرَ: قد رُوِى عن النبيِّ عليه السلامُ معنَى حديثٍ طلحةً بنِ
عُبيدِ اللهِ هذا مِن حديثِ أنسٍ ١، ومِن حديثِ ابنِ عباسٍ ) ، ومِن حديثٍ أبى
هريرةً (٥)، عن النبيِّ ◌َ لّ بأتمّ ألفاظٍ وأکملٍ معانٍ، وفيها ذكرُ الحجّ ، وليس ذلك
فى حديثٍ طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ ، وسنذكرُها بعدُ فى هذا البابِ إن شاء اللهُ . وقد
جاء فى حديثِ إسماعيلَ بنِ جعفرٍ، عن أبى سُهيٍ، عن أبيه، عن طلحةً بنِ
عبيدِ اللهِ، قال: فأخبره رسولُ اللهِ وَّهِ بِشرائع الإسلامِ. وهذا يقتَضِى الحجّ مع
ما فى حديثٍ طلحةً .
القبس
(١) فى الأصل، وعند إسماعيل بن جعفر: ((أنتقص))، وفى ق: ((أتنقص))، وفى ن: ((أنتقض)).
(٢) النسائى (٢٠٨٩)، وفى الكبرى (٢٤٠٠). وأخرجه ابن خزيمة (٣٠٦)، وابن منده فى الإيمان
(١٣٥) من طريق على بن حجر به، وأخرجه مسلم (٩/١١)، وأبو نعيم فى مستخرجه (٩٠) من
طريق يحيى بن أيوب به، وأخرجه الدارمى (١٦١٩)، والبخارى ( ١٨٩١، ٦٩٥٦)، ومسلم
(٩/١١)، وأبو داود (٣٩٢، ٣٢٥٢) من طريق إسماعيل بن جعفر به.
(٣) سیأتی ص٢٥٧، ٢٥٨.
(٤) سيأتى ص٢٥٤، ٢٥٥، ٢٥٨، ٢٥٩.
(٥) سيأتى ص٢٥٤، ٢٥٦.
٢٤٥

الموطأ
التمهيد
وأمَّا قولُه فى هذا الحديثِ : فإذا هو يسألُ عن الإسلامِ، فقال له
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((خمسُ صلواتٍ)). فإِنَّ الأحاديثَ عن النبيِّ بَّهِ فِى الإسلامِ
تقتضِى شهادةَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ ، والإِيمانَ باللهِ وملائكتِهِ
وكُتُبِه ورسُلِه، ثم الصلواتِ الخمسَ، والزكاةَ، وصومَ رمضانَ، والحجّ. وقد
مضی ما للعلماءِ فی معنی الإسلام ومعنى الإيمانِ ، فی بابِ ابنِ شهاب ، عن
سالمٍ مِن هذا الكتاب (١) . ومِنَ الأحاديثِ فى ذلك ما حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ
محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أسدٍ ، قال : حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ بنِ السَّكنِ ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا البخارىُّ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ
موسَى ، قال : أخبرنا حنظلةُ بنُ أبى سفيانَ ، عن عكرمةَ بنِ خالدٍ ، عن ابنِ عمرَ ،
قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((بُنِىَ الإسلامُ على خمسٍ؛ شهادةٍ أنْ لا إلهَ إلَّ اللهُ،
وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ ، وإقام الصلاةِ، وإيتاءِ الزَّكَاةِ، والحجّ، وصومِ رمضانَ))(١).
وذكر ابنُ وهبٍ، عن ابنٍ لَهيعةً وحيوَةَ بنِ شُريحٍ، عن بكرٍ بنٍ عمرو
المعافريِّ، أنَّ بُكيرَ بنَ الأشْجِ حدَّثه، عن نافع، أنَّ رجلًا أتَى ابنَ عمرَ فقال:
القبس
(١ - ١) فى ن: ((ولم يذكر فى هذا الحديث الشهادة ولا الحج، وسنبين معنى الحج بعد هذا فى
هذا الباب إن شاء الله، وأما ذكر الشهادة من شرائط الإسلام)).
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (١٧٤٤) من الموطأ .
(٣) أخرجه البغوى فى شرح السنة (٦) من طريق محمد بن يوسف به. وهو عند البخارى (٨).
وأخرجه الدولابى فى الكنى (٥٠٤)، وابن منده فى الإيمان (٤٠)، والبيهقى ٣٥٨/١ من
طريق عبيد الله بن موسى به، وأخرجه أحمد ٣٨٩/١٠ (٦٣٠١)، ومسلم (١٦)، والترمذى عقب
الحديث (٢٦٠٩)، والنسائى (٥٠١٦)، وابن خزيمة (٣٠٨، ١٨٨٠) من طريق حنظلة به .
٢٤٦

الموطأ
التمهيد
يا أبا عبد الرحمنِ، ما حَمَلكُ(١) على الحجّ عامًا، وتُقيمُ عامًا، وتتركُ(١) الجهادَ
فى سبيلِ اللهِ وقد عَلِمتَ ما رَّبَ اللهُ فيه؟ فقال: يابنَ أَخِى، ثُنِى الإسلامُ على
خمسٍٍ؛ إيمانٍ باللهِ ورسولِهُ ١ ، والصلواتِ الخمسِ، وصيامٍ رمضانَ، وأداءِ
الزكاةِ ، وحجِّ البيتِ . وذكَر تمامَ الحديثِ(٤) .
وعلى هذا أكثر العلماءِ؛ أنَّ أعمدةَ الدِّينِ التى بُنِىَ عليها خمسٌ على ما فى
خبرِ ابنِ عمرَ هذا، إلّا أنَّه جاء عن حذيفةَ رحِمه اللهُ خبرٌ يُخالِفُ ظاهرُهُ خبرَ ابنِ
عمرَ هذا فى الإسلام. رواه شعبةُ وغيرُه ، عن أبى إسحاقَ ، عن صِلةَ بنِ زُفرَ، عن
حذيفةً ، قال : الإسلامُ ثمانيةُ أسهم ؛ الشهادةُ سهمٌ ، والصلاةُ سهمٌ ، والزكاةُ
سهم، وحجُّ البيتِ سهمٌ، وصومُ رمضانَ سهمٌ، والجهادُ سهمٌ، والأمرُ
بالمعروفِ سهمٌ ، والنَّهى عن المنكرِ سهمٌ، وقد خاب مَن لا سهمَ لهُ .
وقد ذكّرْنا فرضَ الجهادِ ، وما يَتعيَّنُ منه على كلِّ مُكلَّفٍ ، وما منه فرضٌ
على الكفايةِ، وأَنَّه لا يجرِى مجرَى الصلاةِ والصومِ فى غيرِ هذا الموضعِ، فلا
معنَى لإِعادتِه ههُنا(٢) .
القبس
(١) فى م: ((جعلك)).
(٢) فى م: ((تترد)).
(٣) فى م: ((رسله)).
(٤) ذكره البخارى (٤٥١٤) معلقا من طريق ابن وهب عن فلان وحيوة به، وأخرجه ابن عساكر
١٩٢/٣١، ١٩٣ من طريق ابن وهب ، عن حيوة به .
(٥) أخرجه الطيالسى (٤١٣)، والبزار (٢٩٢٨)، والبيهقى فى الشعب (٧٥٨٥) من طريق شعبة به .
(٦) سيأتى فى شرح الحديثين (٩٧٨، ١٠٠٦) من الموطأ .
٢٤٧

الموطأ
التمهيد
وأمَّا الأمرُ بالمعروفِ والنَّهى عن المنكَرِ، فليس يجرِى أيضًا مجرَى
الخمسِ المذكورة فى حديثِ ابنِ عمرَ"؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿يَّأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. ولقولٍ
رسولِ اللهِ وَّهِ: ((إذا رَأَيْتَ شُخَا مُطاعًا، وهوّى متَّبَعًا، وإعجابَ كلِّ ذى رأي
برأيه ، فعليك بخاصَّةِ نفسِكَ))(٢) .
ورُوِىُ ) عن ابنِ مسعودٍ وجماعةٍ مِن الصحابةِ والتابعينَ رحمهم اللهُ ، أنهم
كانوا يقولون فى تأويلِ قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ
الآية . قالوا : إذا اختلفتِ القلوبُ فى آخرِ الزَّمانِ ، وألبِس الناسُ شيعًا ،
وأُذيقَ بعضُهم بأسَ بعضٍ، وكان الهوَى مُتَبَعًا، والشُّحُ مُطاعًا، وأُعجبَ
كلُّ ذِى رأي برأيه، (٢) فحينئذٍ تأويلُ هذه الآيةِ(٥). وقد قيلَ فى تأويلِ الآيةِ) : لا
يضُرُكم مَنْ ضلَّ مِن غيرِ أهلِ دينكم إذا أدَّى الجزيةَ إليكم . وهذا الاختلافُ فى
تأويلِ الآيةِ يُخرِجُها مِن أن تَجْرِىَ مَجرَى الخمسِ التى تُنِىَ الإسلامُ عليها . وقد
رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّ أعمدةَ الإسلام ثلاثةٌ ؛ الشَّهادةُ، والصلاةُ ، وصومُ
رمضانَ .
القبس
(١ - ١) فى ن: ((التى بنى عليها الإسلام)).
(٢) أخرجه البخارى فى خلق أفعال العباد (١٧٠)، وأبو داود (٤٣٤١)، وابن ماجه (٤٠١٤)،
والترمذى (٣٠٥٨) من حديث أبى ثعلبة الخشنى .
(٣) بعده فى ن: ((مثل هذا)).
(٤ - ٤) فى ن: ((وروى عن سعيد بن جبير وطائفة أنهم قالوا فى تأويلها: أقبلوا على أنفسكم)).
(٥) ينظر تفسير ابن جرير ٩/ ٤٦، ٤٧.
٢٤٨

الموطأ
حدَّثنا أبو محمدٍ إِسماعيلُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ علىٍّ رحِمهُ اللهُ، قال: حدَّثنا التمهيد
أبو إسحاقَ محمدُ بنُ القاسم بنِ شعبانَ ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ سعيدٍ ، قال :
حدَّثنا أبو رجاءٍ (١) سعيدُ بنُ حفصٍ البخارىُّ، قال: حدَّثْنا مُؤْمَّلُ بنُ إسماعيلَ،
قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ مالكِ التُّكرىُّ(٢)، عن أبى
الجوزاءِ، عن ابنِ عباسٍ - قال حمَّادٌ: لا أظنُّه إلا رفَعه - قال: ((عُرَى الإسلام
وقواعِدُ الدِّينِ ثلاثةٌ ، بُنِىَ الإسلامُ عليها، مَن تَرَكَ منهنَّ واحدةً فهو حلالُ
الدَّمِ ؛ شهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، والصلاةُ، وصيامُ رمضانَ)). قال ابنُ عباسٍ :
تَجِدُه كثيرَ المالِ ولا يُزَكِّى، فلا نقولُ له بذاك: كافرٌ، ولا حلالٌ دمُه، ونجدُه
كثيرَ المالٍ ولا يحُجُّ، فلا نرَاه بذاك كافرًا، ولا حلَّ دمُه(٣).
قال أبو عمرَ : فى حديثٍ مالكٍ مِن الفقهِ أَنَّه لا فرضَ مِن الصلاةِ إلا الخمسُ
صلواتٍ فى اليوم والليلةٍ، وأنَّه لا فرضَ مِن الصيامِ إلَّ صومُ شهرِ رمضانَ، وفيه أنَّ
الزكاةَ فريضةٌ على حسَبٍ سُنَّتِها(٤) المعلومةِ، وقد بيَّنَّا ذلك فى غيرِ موضعٍ مِن
كتابِنا هذا(٥) وفى سائرٍ كُتبِنَا ، ولم يُذكَّرْ فى حديثِ مالكِ الحُّ، وقد قال بعضُ
مَن تكلَّمَ فى ((الموطُّ)) مِن أصحابِنا ومَن قبلَه منهم: إنَّ الحجّ لم يكنْ حينئذٍ
القبس
(١) بعده فى م: ((و)). وينظر الإكمال ٥٣/٧.
(٢) فى ق: ((البكرى)). وينظر تهذيب الكمال ٢١١/٢٢.
(٣) أخرجه أبو يعلى (٢٣٤٩)، والطبرانى (١٢٨٠٠)، واللالكائي (١٥٧٦) من طريق مؤمل به.
(٤) فى م: ((سننها)).
(٥) سيأتى فى شرح الحديثين (٥٧٩، ٥٨٠) من الموطأ .
٢٤٩

الموطأ
التمهيد
مُفترضًا، وإِنَّه بعدَ ذلك نزل فَرْضُه. ومَن قال هذا القولَ زعَم أنَّ فرضَ الحجّ
على مَن استطاعَ السبيلَ إليه يجبُ فى فَورِ الاستطاعةِ على حسَبِ المُمكنِ.
وهذه مسألةٌ ليسَ فيها لمالك جوابٌ ، وقد اختلف فيها المالِكُّون ؛ فطائفةٌ منهم
قالت : وجوبُ الحجّ على الفورِ، ولا يجوزُ تأخيرُه مع القدرة عليه . وإلى هذا
ذهَب بعضُ البغداديِّين المتأخرين مِن المالكيين، وهو قولُ داود . وقالت طائفةٌ
منهم: بل ذلك على التَّرَاخِى. وعلى هذا القول أكثرُ المالكيّين مِن أهلٍ
المغربِ، وبعضُ العراقيين منهم. وإليه ذهَب أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ أحمدَ بنِ
خوازٍبَنْدادَ البصرىُّ المالِكِىُّ، وله احتَجَّ فى كتابٍ ((الخلافِ)). وجاءت
الرّوايةُ عن مالكِ رحِمه اللهُ، أنَّه سُئِل عن المرأةِ تكونُ صرُورةً(١) مستطيعةً على
الحجِّ، تستأذنُ زوجَها فى ذلك، فيأتَى أنْ يأذنَ لها، هل يُجبَرُ على الإذنِ
لها؟ قال: نعم، ولكن لا يُعجَلُ عليه، ويُؤخَّرُ العامَ بعدَ العام. وهذه الروايةُ
عن مالكِ تدُلُّ على أنَّ الحجّ عندَه ليسَ على الفورِ، بل على التَّراخِى، واللهُ
أعلمُ. واختلف قولُ أبى يوسفَ فى هذه المسألةِ؛ فرُوِىَ عنه أنَّه على الفورِ ،
ورُوِىَ عنه أَنَّه فى سعةٍ مِن تأخيرِهِ أعوامًا. وهو قولُ محمدِ بنِ الحسنِ
والشافعيّ. قال الشافعىُّ: يجوزُ تأخيرُ الحَجّ بعدَ الاستطاعةِ العامَ بعدَ العامِ .
ولم يحُدَّ. وقال سحنونٌ وسُئِلَ عن الرجلِ يجدُ ما يحُجُّ به فيُؤْخِّرُ ذلك سنينَ
كثيرةً مع قدرتِه على ذلك، هل يُفسَّقُ بتأخيرِهِ الحَجَّ وتُرُدُّ شهادتُه؟ قال:
القبس
(١) صرورة؛ يقال: رجل صرورة، وامرأة صرورة: لم يحج قط. وأصله من الصرّ؛ وهو الحبس
والمنع، والهاء للمبالغة. ينظر التاج (ص ر ر).
٢٥٠

الموطأ
لا يُفسَّقُ ولا١٢) تُردُّ شهادتُه وإنْ مضَى مِن عُمرِهِ ستُّونَ سنةً، فإنْ زادَ على
السّتِّين فُسّقَ ورُدَّتْ شهادتُه .
التمهيد
قال أبو عمرَ: لا أعلمُ أحدًا قال: إنَّه يُفسَّقُ وتُردُّ شهادتُه إذا جاوزَ السِّّينَ .
غيرَ سُحنونٍ ، وهذا توقيتٌ لا يجبُ إلَّا بتوقيفٍ مِمَّنْ يجبُ التَّسليمُ له ، وكلَّ مَن
قال بالتَّراخِى فى هذه المسألةِ لا يَحُدُّ فى ذلك حدًّا، والحدودُ فى الشَّرع لا تُؤْخذُ
إلَّا عمَّن له أن يُشرِّعَ، واللهُ أعلمُ .
(٢ وكلُّ هؤلاءِ يَأْبُون أن يكونَ الحُّ على الفورِ خلافًا لمن قال ذلك من
المتأخرين) . وقد اختلف فى هذينِ الوجهَين أصحابُ مالكٍ، وأصحابُ
أبى حنيفةَ، وأصحابُ الشافعىِّ، إلا أنَّ جمهورَ أصحابِ الشافعيِّ أنَّه على
التَّراخِى، وهو تحصيلُ مذهبِه. وقال أبو العباسٍ أحمدُ بنُ عمرَ بنِ سُريجٍ
(٣)
مُحتجًّا لقولٍ الشافعيّ ومَن تابَعه على أنَّ الحَّ ليس على الفورِ عندَ الاستطاعةِ ،
قال : وجهُ الأمرِ فى ذلك أنَّ وجَدنا المسلمين فى مشارقِ الأرضِ ومغارِبِها لا
يُفَسِّقون من تأخّر عامًا أو عامين بعدَ بلوغِه مع استطاعتِه على الحجّ ، ولا يُسْقطون
شهادتَه ، ولا يزعمون أنَّه قد ترَك أداءَ الحجّ فى وقتِه، وأنَّه ليس كتاركِ الصلاةِ
حتى خرَج وقتُها فيكونَ قاضيًا لها بعدَ خروج وقتِها، ووجَدنا هذا مِن شَأْنِهم
القبس
(١) سقط من : ق .
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) فى الأصل، ق: ((سريح))، وفى م: ((شريح)). والمثبت هو الصواب، وينظر سير أعلام النبلاء
٢٠١/١٤.
٢٥١

الموطأ
التمهید
ليس مِمّا يَحدُثُ فى عصرِ دونَ عصرٍ ، فعلِمنا أنَّ ذلك مِيراثُ الخَلَفِ عن السّلفِ ،
ووجَدْنا فرائضَ كثيرةً سبيلُها كسبيلِ الحجّ فى ذلك، منها قضاءُ الصومِ
والصلاةِ، فلم نرَهُم ضيَّقُوا على الحائضِ إذا طَهُرتْ فى قضاءِ الصلاةِ فى أولٍ
وقتِها ، ولها أنْ تؤخِّرَه ما دام فى وقتِها سعةٌ ، ولا على قضاءٍ ما عليها مِن الصومِ،
ولا على المسافرِ إذا انصرَفَ مِن سفَرِهِ، وكلُّهم لا يُؤمَنُ عليه هجمةُ الموتِ .
وقالت عائشةُ : إِنَّه لَيكونُ علىَّ الصومُ مِن رمضانَ ، فما أقضِیه حتى
يدخُلَ شعبانُ(١). فتَبيَّنَ بذلك أنَّ هذه أمورٌ لم يُضَيِّفْها المسلمون، فبطَلَ
بذلك قولُ من شدَّ فضَقَها. ثم نَظَرنا فى أمرِ الحجّ إذا أُخَّرَه المرءُ المُدَّةَ الطويلةَ ؛
كرمجُلٍ تَرَك أنْ يحُجَّ خمسِين سنةً وهو مُستطيعٌ فى ذلك كلُّه، فوجَدْنا ذلك
مُشْتَنْكرًا، لا يأمرُ بذلك أحدٌ مِن أهلِ العلم، غيرَ أنَّه إذا حجَّ بعدَ المدةِ الطويلةِ
لم يكُنْ قاضيًا للحجّ، كقضاءِ من ترَك الصلاةَ حتى خرَجَ وقتُها؛ فقلنا :
الوقتُ ممدودٌ بعدُ، وإن كان قد أخّرَ تأخيرًا مُستنكرًا، فإذا مات علِمنا أنَّه قد
أَخَّرَ الفرضَ حتى فاتَ بموتِهِ، وصارَ الموتُ علامةً لتَفريطِه حينَ فاتَ وقتُ
حجّه .
فإِنْ قال قائلٌ: فمتى يكونُ عاصيًا؟ وبماذا عَصَى؟ قلنا: أَمَّا المعصيةُ؛
فتأخيرُه الفَرْضَ حتى خرَج وقتُه، ويقَعُ عصيانُه بالحالِ التى عجَز فيها عن(١)
التُّهوضِ إلى الحجّ، وبانَ ذلك بالموتِ . وكذلك قال عمرُ بنُ الخطابِ : مَن ماتَ
=
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٦٩٣).
(٢) فى م: ((من)).
٢٥٢

الموطأ
ولم يحُجَّ، فَلْيمُتْ يُهُوديًّا إِنْ شاءَ، أو نصرانيًّا (١) . فعلَّقَ الوقتَ بالموتِ ، أَىْ:
يموتُ كما يموتُ اليهودىُّ والنصرانِيُ دونَ أن يحُجَّ ، والنصرانىُ واليهودىُّ يموتُ
كافرًا بكفرِهِ، وهذا يموتُ عاصيًا بتركِه ١ الحجَّ مُستطيعًا له.
التمهيد
قال أبو عمرَ: الذى عندى فى ذلك، واللهُ أعلمُ ، أَنَّه إذا جازَ له التَّأُخيرُ
وكان مُباحًا له وهو مُغيّبٌ عنه موتُه، فلم يَمتْ عاصيًا إذا كانت نيتُه مُنعقدةً على
أداءٍ ما وجَب مِن ذلك عليه، وهو كمَن مات فى آخرِ وقتٍ صلاةٍ لم يظُنَّ أنَّه
يفوتُه كلُّ الوقتِ ، واللهُ أعلمُ. وقد احتجَّ بعضُ الناسِ لشُخنونٍ بما رُوِى فى
الحديثِ المأثورِ عن النبيِّ ◌َِّ أَنَّه قال: ((مُعْترَكُ أَمَّتِى مِن السّتِّينَ إلى السبعينَ،
وقلَّ مَن يُجاوزُ ذلك))(١). وهذا لا حُجَّةَ فيه؛ لأَنَّ كلامُ خرَج على الأغلبِ مِن
أعمارِ أمَّتِه لو صحَّ الحديثُ، وفيه دليلٌ على التوسعةِ إلى السبعين، لأنه مِن
الأغلبِ أيضًا ، ولا ينبغِى أَنْ يُقطَّعَ بتَفسيقِ مِن صحَّت عدالتُه ودينُه وأمانتُه بمثْلِ
هذا مِن التأويلِ الضَّعيفِ ، وباللهِ التوفيقُ .
وِمَّا احتجَّ بَهُ ابنُ خوازِبندادَ فى جوازِ تأخيرِ الحجّ، وأنَّه ليس على الفورِ ،
حديثُ ضِمامِ بنِ ثعلبةَ السَّعدِىِّ مِن بَنِى سعدِ بنِ بَكرٍ، قدِمَ على النبيِّ ◌َِّ فِسأَلَه
عن الإسلام، فذكر الشهادةَ، والصلاةَ، والزكاةَ، وصومَ رمضانَ، والحجّ.
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ٧١٨/٥ .
(٢) فى الأصل: ((فتركه)).
(٣) أخرجه أبو يعلى (٦٥٤٣)، والرامهرمزى فى الأمثال ص ٦١، والخطيب ٤٧٦/٥، والبيهقى
فى الشعب (١٠٢٥٣) من حديث أبى هريرة بلفظ: ((معترك المنايا ... )).
٢٥٣

الموطأ
وقال فى آخرِ الحديثِ: هل علىَّ غيرُها؟ قال: ((لا، إلّا أنْ تطَّوَّعَ)) الحديثَ.
التمهيد
على نحوٍ ما ذكّرَه مالكٌ مِن حديثِ طلحةً بن عبيدِ اللهِ فى الأعرابىِّ مِن أهلٍ
نجدٍ ، إِلَّا أَنَّه ليسَ فى حديث مالك ذكر الحجّ .
وقد رَوَى حديثَ ضمَامِ هذا عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ(١) ، وأبو هريرةً(٢) ، وأنسُ بنُ
مالكٍ(٣)، وفيها كلِّها ذكرُ الحجّ، وحديثُ أنسٍ أحسنُها سياقةً وأُّها ، ونحوُه
حديثُ ابنِ عباسٍ . واختُلِفَ فى وقتٍ قَدُومِه ؛ فقيلَ : قَدِمَ ضِمامُ بنُ ثعلبةً على
رسولِ اللهِ وَّه فى سنة خمسٍ. وقيل: فى سنّةِ سبعٍ. وقال ابنُ هشامٍ، عن أبى
عُبيدةً: فى سنةٍ تسع؛ ("سنةَ وفَد أكثرُ" العرَبِ. وذكر ابنُ إسحاقَ قُدومَ
ضمامٍ بنِ ثعلبةً على النبيِّ وَّهِ، ولم يذكُرِ العامَ الذى قَدِمَ فيه. وقال الواقدىُّ:
قدِمِ ضِمامُ بنُّ ثعلبةً وافدُ بنى سعدٍ بنٍ بكرٍ عام الخندقِ بعدَ انصرافٍ الأحزابِ ،
فأسلم ، فكان أوَّلَ مَن قدِم مِن وفدِ العربِ . ويقالُ : أولُ مَن قدِم وافدًا على النبىِّ
حَلِّ بلالُ بنُ الحارثِ المُزنِئُ مِن وفدٍ مُزِينَةً .
أخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قراءةً مِنِّى عليه، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرِ بنِ حربٍ وعُبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ البزَّارُ ، قالا:
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن
القبس
(١) سيأتى الأثر التالى، وفى ص٢٥٨، ٢٥٩ .
(٢) سيأتى تخريجه ص٢٥٥، ٢٥٦.
(٣) سيأتى تخريجه ص٢٥٧، ٢٥٨.
(٤ - ٤) فى ق: ((وقد)).
٢٥٤

الموطأ
التمهيد
محمدٍ (١) بن إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ الوليدِ بنِ نُوِفِعِ(٢) مولَى
آلٍ (١) الزُّبِيرِ، عن كُريبٍ مولَى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أَنَّ ضِمامَ بنَ ثعلبةَ أخا
بنى سعدِ بنِ بكرٍ لما أسلم سأل رسولَ اللهِ وَ لَه عن فرائضِ الإسلامِ، فعَدَّ عليه
رسولُ اللهِ وَّرِ الصَّلواتِ الخمسَ، فلم يَزِدْ عليهنَّ، ثم الزكاةَ، ثم صِيامَ
رمضانَ، ثم حجَّ البيتِ، ثم أعلمَه بما حرَّم اللهُ عليه، فلمَّا فرَغ، قال : أشهدُ أنْ
لا إلهَ إلَّ اللهُ، وأَنَّكَ رسولُ اللهِ ، وسأفعلُ ما أمَرتَنِى به، ولا أزيدُ ولا أنقُصُ . ثم
ولَّى، فقال رسولُ اللهِ وَهِ : ((إِنْ يَصِدُقْ يدخُلِ الجنَّةَ))(٤).
وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةَ، وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ
محمدٍ ، حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ ، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ شعيب، (°قال: حدَّثنا
أبو بكرِ بنُ علىٍّْ، وحدَّثنا عبدُ اللهِ، حدَّثنا حمزةُ، حدَّثنا علىُ بنُ سعيدِ بنِ
بَشيرٍ، قالا: حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبى إسرائيلَ، حدَّثنا أبو عُمارةَ حمزَةُ بنُ
الحارثِ بنِ عُميرٍ ، قال : سمِعتُ أبى يذكُرُ عن عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن سعيدِ بنِ
القبس
(١) بعده فى م: ((ابن محمد)). وينظر تهذيب الكمال ٤٠٥/٢٤.
(٢) فى ق: ((فويقع)). وينظر تهذيب الكمال ٥٩٣/٢٦.
(٣) ليس فى: الأصل، م.
(٤) أخرجه أحمد ١١٨/٤، ٢٠٩، ٢١١ (٢٢٥٤، ٢٣٨٠، ٢٣٨١) من طريق إبراهيم بن سعد
به، وأخرجه الدارمى (٦٧٨)، وابن شبة فى تاريخ المدينة ٥٢١/٢، ٥٢٢، وأبو داود (٤٨٧)،
والبيهقى فى الدلائل ٣٧٤/٥، ٣٧٥ من طريق ابن إسحاق به .
(٥ - ٥) ليس فى: الأصل، ق، م. وينظر تهذيب الكمال ٤٠٧/١.
(٦) فى ن: ((بشر)). وينظر سير أعلام النبلاء ١٤٥/١٤.
٢٥٥

الموطأ
التمهید
أبى سعيد المقبرىِّ، عن أبى هريرةَ، قال: بينما النبيُّ بَه مع أصحابِه، جاءَهم
رجلٌ مِن أهلِ الباديةِ فقال: أيُّكُمُ ابنُ عبدِ المطلبِ؟ قالوا: هذا الأمغَرُ المُؤْتَفِقُ.
قال: إِنِّى سائلُكَ فمُشْتَدٌّ عليك فى المسألةِ. قال: ((سَلْ عمَّا بَدًا لك)). قال:
أنشُدُكَ بربِّ مَن قبلَكَ وربٍّ من بعدَكَ، آللهُ أرسَلكَ؟ قال: ((اللهمَّ نعمْ)). قال:
فأنشُدُكَ باللهِ ، آللهُ أمَرك أنْ نُصلِّىَ خمسَ صلواتٍ فى كلِّ يومٍ وليلةٍ ؟ قال :
((اللهمَّ نعم)). قال: أنشُدُكَ باللهِ ، آللهُ أمَرك أنْ تأخُذَ مِن أموالِ أغنيَائِنا ، فترُدَّه
على فُقرائِنَا؟ قال: ((اللهمَّ نعمْ)). قال: وأنشُدُكَ باللهِ ، آللهُ أَمَركَ أَنْ نصومَ هذا
الشهرَ مِن اثنَىْ عشرَ شهرًا؟ قال: ((اللهمَّ نعمْ)). قال: وأنشُدُكَ باللهِ، آللهُ أمَرك
أنْ نحُجَّ هذا البيتَ مَن استطاع إليه سبيلاً؟ قال: ((اللهمَّ نعم)). قال: فإنِّى
آمنتُ وصدَّقتُ، وأَنا ضِمامُ بنُ ثعلبةً (١).
قال أبو عمرَ: قولُه فى هذا الحديثِ: الأمغَرُ المُرْتفقُ. يريدُ الأبيضَ المُتُكَ،
والأمغَرُ هو الذى يشُوبُ (٢) بياضَه حُمرةٌ، وأصلُ الأمغَرِ الأبيضُ الوجهِ والثوبٍ،
وقد يكونُ الأحمر كنايةً عن الأبيضِ؛ كما قال ◌َله: ((بُعثتُ إلى الأحمرِ
والأسودِ ))(٢). يريدُ الأبيضَ والأسودَ. وفى خبرِ ضِمامِ هذا دليلٌ على أن فرضَ
الحجّ قد كان تقدَّمَ قبلَ وقتٍ وِفادَتِه على النبيِّ عليه السلامُ، وأنَّ ذلك قد كان
اشْتهَر وانتشَر فى قبائلِ العربِ ، وظهَر ظُهورَ الصلاةِ والزكاةِ التى كان يخرجُ فيها
القبس
(١) النسائى (٢٠٩٣)، وفى الكبرى (٢٤٠٤).
(٢) فى ن: ((أشرب)).
(٣) تقدم فى ٢٧٣/٢، ٢٧٤.
٢٥٦

الموطأ
التمهيد
الشُّعَاةُ(١) إليهم ويأْخُذُونَها منهم على مِياهِهم، وكظهورِ صوم شهرِ رمضانَ ؛
لأَنَّه على ذلك كلِّه وقَفه وسأله عنه، لتقدُّم علم ضِمام بأنَّ ذلك كلَّه دِينُه الذى
بُعِثَ به ، و(١) إليه يدعُو، وأنَّه الإِسلامُ ومعانيه وشرائعُه التى كان يُقاتلُ مَن أتَى
منها . وقد روَى هذا الحديثَ أنسُ بنُ مالكِ وعبدُ اللهِ بنُ العباسِ بأكْمَلِ سِياقةٍ مِن
حديثٍ طلحةً ومن حديث أبى هريرةَ أيضًا .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ
وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ ، قال: حدَّثنا شبَابةُ ، عن سليمانَ بنِ
المغيرةٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قال: كُنا قد نُهينا أنْ نسألَ رسولَ اللهِ وَلَه ،
فكان يُعجِبُنا أنْ يأتِىَ (٢) الرجلُ مِن أهلِ الباديةِ العاقلُ، فيسألَه ونحنُ نشمعُ،
فجاء رجلٌ مِن أهلِ الباديةِ فقال: يا محمدُ ، أتانا رسولُك فزعَم لنا أنَّك تزعُمُ أنَّ
اللهَ أرسلَكَ. فقال(٤): ((صدَق)). فقال: مَن خَلَقَ السماواتِ؟ قال: ((اللهُ)).
قال: فمن خَلَق الأرضَ؟ قال: ((الله)). قال: فمن نصَب هذه(٥) الجبالَ؟ قال :
((اللهُ)). قال: فبالذى خَلَقَ السماواتِ وخَلَق الأرضَ ونصَب الجبالَ ، آللهُ أرسَلك ؟
قال: ((نعم)). قال: وزعَم رسولُك أَنَّ علينا خمسَ صلواتٍ فى يومِنا " وَيَتِنا".
القبس
(١) فى م: ((السعادة)).
(٢) سقط من: م.
(٣) فى ن: (( يجىء)).
(٤) بعده فى الأصل، ق، م: ((له رسول الله اَلر)).
(٥) ليس فى: الأصل، ق، م.
(٦ - ٦) ليس فى : الأصل، ق، م.
٢٥٧
( موسوعة شروح الموطأ ١٧/٦ )
:

الموطأ
التمهيد قال: ((صدَق)). قال: فبالذى خلق السماءَ وخلَق الأرضَ ونصَب الجبالَ، آللهُ
أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)). قال: وزعَم رسولُك أنَّ علينا صومَ شهرٍ فى سَنتِنا.
قال: ((صدَق)). قال: فبالذى خَلَق السماءَ وخلَق الأرضَ ونصَب الجبالَ ، آللهُ
أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)). قال: وزعَم رسولُك أنَّ علينا الحَّ مَن استطاعَ إليه
سبيلاً. قال: ((صدَق)). قال: فبالذى خلق السماءَ وخلَقَ الأرضَ ونصَب
الجبالَ، آللهُ أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)). فقال: والذى بعَثكَ بالحقِّ لا أزيدُ عليها
شيئًا ولا أنقُصُ(١) منها. فقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((إِنْ صدَق دخَل الجنةَ))(١).
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا محمدُ
ابنُ وضاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ،
عن عطاءِ بنِ السائبِ ، عن سالمٍ بنِ أبى الجَعْدِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جاءَ
أعرابىٌّ إلى النبيِّ وَّ فقال: السلامُ عليك يا غُلامَ بَنى عبدِ المطلبِ. فقال رسولُ
اللهِ وَّه: ((وعليك)). فقال: إنِّى رجلٌ مِن أخوالِكَ ، مِن ینی سعْدِ بنِ بكرٍ ،
وأنا رسولُ قومِى إليك ووافِدُهم ، وأنا سائلُكَ فمُشْتَدَّةٌ مسألتِى إِيَّاكَ، وناشِدُكَ
فَمُشْتَدَّةٌ مُناشَدِتِى إِيَّاكَ. قال: ((قُل يا أخا بنى سعدٍ )). قال: مَن خلَقكَ وهو
خالقُ مَن قبلَكَ، وخالقُ مَن بعدَكَ؟ قال: ((اللهُ)). قال: فتَشَدْتُكَ بذلك،
-
القبس
(١) فى ن: ((أنتقص)).
(٢) ابن أبى شيبة ٩/١١ - ١١، وأخرجه أحمد ٤٤١/١٩، ٣١٢/٢٠ (١٢٤٥٧، ١٣٠١١)،
وعبد بن حميد (١٢٨٣ - منتخب)، والدارمى (٦٧٦)، ومسلم (١٠/١٢)، والترمذى (٦١٩)،
والنسائى (٢٠٩٠) من طريق سليمان بن المغيرة به .
٢٥٨

الموطأ
التمهيد
أهو أرسَلَكَ؟ قال: ((نعم)). قال: مَن خلق السماواتِ السبعَ والأرضينَ السبعَ،
وأجرَى بينهنَّ الرِّزْقَ؟ قال: ((اللهُ)). قال: فأنشُدُكَ بذلك، أهو أرسَلك؟ قال:
((نعم)). قال: وإنَّا قد وجَدْنا فى كتابِكَ، وأَتَتْنا رسلُكَ أنْ نُصلِّىَ فى اليومِ والليلةِ
خمسَ صلواتٍ لمواقِيتِها، فأنشُدُكَ بذلك، أهوَ أمَركَ به؟ قال: ((نعم)). قال (١) :
فإِنَّا قد وجَدْنا فى كتابِكَ، وأمَرتْنا(٢) رسلُكَ أنْ نأخُذَ مِن حَواشِى أموالِنا فتُرَدَّ على
فقرائِنا، فتَشَدْتُكَ بذلك، أهو أمَرك بذلك؟ قال: ((نعم)). قال: ووجَدْنَا فى
كتابِكَ، وأنَتْنَا رُسلُكَ أنْ نصومَ شهرًا مِن السنةِ ؛ شهرَ رمضانَ، فنشَدْتُكَ
بذلك، آللهُ أَمَرك به؟ قال: ((نعم)). ثم قال: وأمَّا الخامسةُ - يعنى الحجّ -
فلستُ أسألُك عنها ، (ولا إربَ لى فيها). قال: ثم قال: أما والذى بعَثكَ
بالحقِّ لأعمَلنَّ بها و(٤)مَن أطاعنِى مِن قومِى. ثم رجَع. فضحِكَ رسولُ اللهِ وَة.
حتى بدَتْ نواجذُه، ثم قال: ((والذى نفسِى بيدِهِ، لئن صدَق لَيدخُلَنَّ
(٥)
الجنةَ))(٥) .
قال أبو عمرَ: فى هذه الأحاديثِ كلِّها ذكرُ الحجّ، وهى أحاديثُ ثابتةٌ
حسانٌ صحيحٌ. وقولُه فى حديثِ ابنِ عباسٍ: وأمَّا الخامسةُ، فلا أسألُك
القبس
(١) ليس فى: الأصل ، م .
(٢) فى الأصل، ق، م: ((أتتنا)).
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، ق، م.
(٤) بعده فى الأصل، ق، م: ((لآمرن)).
(٥) ابن أبى شيبة ٨/١١، ٩ - ومن طريقه الطبرانى (٨١٥٢) - وأخرجه الدارمى (٦٧٧)، وابن
خزيمة (٢٣٨٣)، والطبرانى (٨١٥١) من طريق محمد بن فضيل به .
٢٥٩
٠

الموطأ
التمهید .
عنها - يعنِى الحجَّ - بعدَ أنْ جعَلها خامسةٌ ، ففيه دليلٌ على أنَّ الإِسلامَ ودینَه
على خمسةِ أعمدةٍ (١)، فمنها الحجُ، والمعنَى فى قولِه ذلك أنَّ العربَ كانت
تعرفُ الحجّ ، وتحُ كلَّ عامٍ فى الأغلبِ ، فلم تر فى ذلك ما يحتاج فيه إلى
المُناشدةِ ، وكان ذلك مما ترغَبُ فيه العربُ لأسواقِها وتَبُرِها وتحنُّفِها ، فلم يحتَجْ
فى الحجّ إلى ما احتاج فى غيرِهِ مِن السؤالِ والمناشدةِ ، واللهُ أعلمُ. وأظُنُّ سقوطَ
ذكرِ الحجّ مِن حديثِ مالكِ، حديثِ طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ، كان على ما فى
حديثٍ ابنِ عباسٍ، فلم يذْكُرْه أحدُ رواتِه فيه . واللهُ أعلمُ .
ومِن الدليلِ على جوازِ تأخيرِ الحجّ إجماعُ العلماءِ على تركِ تَفْسِيقِ القادرِ
على الحجّ إذا أخَّرَه العامَ والعامينِ ونحوَهما، وأنَّه إذا حجّ بعدَ أعوامٍ مِن حينٍ
استطاعتِه فقد أدَّى الحجّ الواجبَ عليه فى وقتِه، وليسَ عندَ الجميعِ كمن فاتته
الصلاةُ حتى خرَج وقتُها فقَضاها بعدَ خروجٍ وقتِها ، ولا كمَنْ فاتَه صيامُ رمضانَ
لمرَضِ أو سفَرٍ فَقَضَاه، ولا كمن(١) أفسَدَ حجّه فلزِمَه قضاؤه؛ فلمَّا أجمَعُوا أَنَّه لا
يُقالُ لِمَنْ حِجَّ(١) بعدَ أعوامٍ مِن وقتِ استطاعتِه : أنتَ قاضٍ لِما كان وجَبَ عليك،
ولم تأتِ بالحجِّ() فى وقتِه . عَلِمْنا أنَّ وقتَ الحجِّ مُوَسَّعٌ فيه، وأنَّه على التَّأخيرِ
والتَّراخِى ، لا على الفورِ. وباللهِ التوفيقُ.
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((عنده)) .
(٢) فى ق، م: ((عمن)) .
(٣) سقط من: م.
(٤) بعده فى م: ((و)).
٢٦٠