Indexed OCR Text

Pages 161-180

الموطأ
التمهید
فى هذا الحديثِ شُهودُ الملائكةِ للصلواتِ، والأظهرُ أنَّ ذلك فى
الجماعاتِ ، وقد يحتمِلُ الجَماعاتِ وغيرَها، ومعنى ((يتعاقَبُون)): تأتِى طائفةٌ
يأثْرِ طائفةٍ، وبعدَها طائفَةٌ. (١ وإًَّا يكونُ التعاقُبُ بينَ طائفَتَين، أو بينَ رجلَين ؛
مرَّةً هذا ، ومرَّةٌ هذا؛ ومنه قولُهم: الأميرُ يُعَقِّبُ البُعُوثَ. أى: يرسِلُ هؤلاء
نَدْبًا (٢) شهرًا أو أشهُرًا، وهؤلاء شهرًا أو أشهُرًا ، ثم يُرُدُّهم ويُعَقِّبُهم بآخرين، فهذا
هو التعاقُبُ . ومَعْنَى هذا الحديثِ أنَّ ملائكةَ النهارِ تَنزِلُ فى صلاةِ الصبحِ
فيُحصُّون على بَنِى آدمَ ، ويعرُجُ الذين باتُوا فيهم ذلك الوقتَ، أى: يصعَدُون .
وكلُّ مَن صَعِد فى شىءٍ فقد عرَج؛ ولذلك قيل للدَّرَج: المعارجُ. فإذا كانت
صلاةُ العصرِ نَزَلت ملائكةُ الليلِ(٢) فَأُحصَوا على بنى آدمَ، وعرَجت ملائكةٌ
النهارِ، يتعاقَبُون هكذا أبدًا. واللهُ أعلمُ() .
القبس
ولكنه كما جاء فى الحديثِ، أنه قال تعالى: ((عبادى، إنما هى أعمالُكم أُخْصِيها
عليكم ، فيُوقَفُ(٤) كلُّ أحدٍ على عملِهِ))(٥). فإن أقرَّ أُخِذ به، وإن أنكَر شهِدَت كلُّ
جَارحةٍ على نفسِها، وذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ
سَمْعَكُمْ وَلَا أَبْصَرَّكُمْ﴾ الآية إلى آخرِها [فصلت: ٢٢].
وخلَق البارئُ سبحانه الأزمنةَ كما قدَّمْنا سواءً، وفضَّل بعضَها على بعضٍ بما
شاء، حسَبَ ما تقدَّم بيانُه، فمِن فضائلِ النهارِ تَعاقُبُ الملائكةِ، ومِن فضائلِ الليلِ
نُزولُ الربِّ تعالی إلی سماء الدنيا .
(١ - ١) سقط من: ص، ص ١٧.
(٢) فى م: ((كذا)). والنَّدبُ: أن يندُب إنسان قوما إلى أمر أو حرب أو معونة. التاج (ن د ب).
(٣) بعده فى ص ١٦: ((معقبة)).
(٤) فى م: ((فنوفى)).
(٥) مسلم (٢٥٧٧).
١٦١
( موسوعة شروح الموطأ ١١/٦ )
.

الموطأ
التمهيد
وفى هذا الحديثِ أَنَّهم يجتمِعون فى صلاةِ العصرِ وصلاةِ الفجرِ، وهو
أكمَلُ معنًى مِن الحديثِ الذى رُوِى أنَّهم يجتمعون فى (١) صلاةِ الفجرِ خاصَّةٌ،
وأظنُّ مَن مال إلى هذه الرّوايةِ، احتَّ بقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَقُرْءَانَ اٌلْفَجْرِّ إِنَّ
قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. ومعنى: ﴿وَقُرْءَانَ اُلْفَجْرِّ﴾.
القِراءةُ فى صلاةِ الفجرِ ؛ لأَنَّ أهلَ العلم قالوا فى تأويلِ هذه الآيةِ: تشهَدُه ملائكةٌ
الليلِ وملائكةُ النهارِ. وليس فى هذا دفْعٌ لاجتماعِهم فى صلاةِ العصرِ؛ لأَنَّ
المسكوت عنه قد یکونُ فی معنی المذ کور سواءً، ویکونُ بخلافِه ، وهذا بابٌ من
الأصولِ قد بيَناه فى غيرِ هذا الموضعِ .
ذكَر بَقىُ بنُ مخلدٍ ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيع، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن
منصورٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه تعالى: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَنَ
مَشْهُودًا﴾. قال: صلاةُ الفجرِ يجتمِعُ فيها ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ(١) .
القبس
وأما سؤالُه تعالى: ((كيف تَرَكْتُم عبادى؟)). فليس بسؤالِ اسْتِخبارٍ ()؛ لأنه
أعلم بهم، وإنما هو سؤالُ تَشْرِيفٍ يُشَرِّفُهم بِذِكْرِهِ، قال النبىُّ وََّ لأَتَىِّ بنِ كعبٍ :
((إن اللهَ أَمَرَنى أن أقرَأَ عليك)). فقال: أَوَذُكِرتُ هناك؟ وذَرَفت عَيناه(٤) . فتقولُ
الملائكةُ: ((تَرَكْناهم وهم يُصَلُّون)). فيُحِبُّ البارئُ تعالى أن يسمَعَ ذكرَهم بالطاعةِ .
قال أهلُ الإشارةِ : ذلك لتقومَ الحُجَّةُ على الملائكةِ حينَ قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ
فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [البقرة: ٣٠].
(١) بعده فى ص ١٦: ((صلاة العصر و)).
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣٧/١٥ من طريق جرير به .
(٣) فى د: ((اختبار)).
(٤) البخارى (٤٩٥٩ - ٤٩٦١)، ومسلم (٧٩٩).
١٦٢

الموطأ
التمهيد
وذكر ابن أبى شيبةَ، عن أبى أسامةَ ، عن زكريا، عن أبى إسحاقَ ، عن
مسروقٍ مثلَه .
وذكر ابنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا ابنُ فُضيلٍ، عن ضِرارِ بنِ مُرَّةَ، عن
عبدِ اللهِ بنِ أبى الهُذَيْلِ، عن أبى عُبيدةَ، فى قولِه: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ
اُلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال: يشهَدُه حرسُ الليلِ وحرسُ النهارِ مِن الملائكةِ فى
صلاةِ الفجرِ (١) .
وذكَر بَقىُ بنُ مخلدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ
جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن عمرو بنٍ مُؤَّةَ، عن أبى عبيدةَ، عن عبدِ اللهِ ، أَنَّه
قال فى هذه الآية: ﴿وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال:
تَدَارَكَ الحَرَسان، اقْرَءوا إن شئتُم: ﴿وَقُرْءَانَ اٌلْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ اٌلْفَجْرِ كَنَ
مَشْهُودًا﴾. قالَ: تنزِلُ ملائكةُ النهارِ، وتصعَدُ ملائكةُ الليلِ(٢).
قال أبو عمرَ: قد يحتمِلُ أن يكونَ ذِكرُ قرآنِ الفجرِ مِن أجلِ الجهرِ ؛ لأَنَّ
العصرَ لا قِراءةَ فيها تظهَرُ، واللهُ أعلمُ، وقد قال ◌َله: ((ويجتمِعون فى صلاةٍ
العصرِ وصلاةِ الفجرِ )) . وهذا حديثٌ مسندٌ صحيحٌ ثابتٌ ، وهو أولَى مِن آراءِ
الرجالِ ، وأَلزمُ فى الحُجَّةِ لمن قال به . واللهُ المستعانُ.
القبس
(١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣٥/١٥ من طريق ابن فضيل به .
(٢) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٣٥/١٥ عن محمد بن المثنى به.
١٦٣

الموطأ
٤١٥ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك، عن هشام بن عروةَ ، عن
أبيه، عن عائشةَ زوج النبيِّ وَله؛ أن النبيَّ وَلَّه قال: ((مُرُوا أبا بكرٍ
فَلْيُصَلُّ للناس )) . فقالت عائشةُ: يا رسولَ اللهِ ، إن أبا بكر إذا قام فى
مَقامِك لم يُشْمِعِ الناسَ مِن البكاءِ، فمُرْ عمرَ فَلْيُصَلِّ للناسِ . قال :
((مُرُوا أبا بكرٍ فَلْيُصَلِّ للناسِ)). قالت عائشةُ: فقلتُ لحفصةَ : قولى له :
إن أبا بكرٍ إذا قام فى مَقامِك لم يُشْمِع الناسَ مِن البكاءِ ، فَمُرْ عمرَ فَلْيُصَلِّ
للناسِ. ففعلت حفصةٌ، فقال رسولُ اللهِ وَلَةِ: ((إنكن لأنتُنَّ
صواحبُ يوسفَ ، مُرُوا أبا بكرٍ فَلْيُصَلِّ للناسِ)). فقالت حفصةٌ
لعائشةَ : ما كنتُ لأَصيبَ منكِ خيرًا .
التمھید
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيهِ، عن عائشةً، أن رسولَ اللهِ وَلِّقال:
((مُروا أبا بكرٍ فَلْيُصلِّ للناسِ)). فقالت عائشةُ: إن أبا بكرٍ إذا قامَ مقامَك لم يُسمِعِ
الناسَ مِن البكاءِ، فمُرْ عمرَ فَلْيُصلِّ للناسِ. قال: ((مُروا أبا بكرٍ فَلْيُصلِّ للناسِ)).
قالت عائشةُ: فقلتُ لحفصةَ: قولى له : إن أبا بكرٍ إذا قامَ فى مقامِك لم يُسمِعِ
حديثٌ: ((مُرُوا أبا بكرٍ فَلْيُصَلُّ بالناسِ )) إلى آخرِه .
القبس
قالت عائشةُ لحفصةَ: إن أبا بكرٍ رجلٌ أَسِيفٌ (١) ، فمُرْ عمرَ. فروى أن عمرَ
صلَّى، فأفاقَ النبىُ نَّهِ مِن غَمْرتِه فسمِعِ صوتَ عمرَ، فقال: ((ما هذا؟)).
فقيل له: عمرُ يُصَلِّى بالناسِ. فقال: ((يَأْتَى اللهُ ذلك والمسلمون - ثلاثًا -
مُرُوا أبا بكرٍ فلْيُصَلِّ بالناسِ)). فأَعادُوا عليه فأعادَ عليهم إلى أن قال: ((إِنَّكُنَّ
(١) الأسيف: سريع البكاء والحزن. وقيل: هو الرقيق. النهاية ١/ ٤٨.
١٦٤

الموطأ
التمهيد
الناسَ مِن البكاءِ، فمُرْ عمرَ فَلْيُصلِّ للناسِ. ففعَلَت حفصةٌ، فقال رسولُ اللهِ
وَلَّه : ((إنكنَّ لأَنْتُنَّ صواحبُ يوسفَ، مروا أبا بكرٍ فَلْيُصلّ للناسِ)). فقالت
حفصةٌ لعائشةَ: ما كنتُ لأُصيبَ منكِ خيرًا(١).
فى هذا الحديثِ مِن الفقهِ أن القومَ إذا اجتمعوا للصلاةِ فأحقُّهم وأولاهم
القبس
لأَنْتُنَّ صَواحبُ يوسفَ)). ففيه ثلاثُ فوائدَ :
الفائدةُ الأُولى: تَغييرُ الجنسِ كلِّه بما يفعَلُه بعضُه، إذ عاد ١) ذلك إلى حمايةٍ
الدينِ، ولم يكنْ بُمْتَعلَّقَاتِ الدنيا . الثانيةُ: الإشارةُ إلى نُقْصانِ عقلِهن الذى يجبِلْن
عليه فى أصلِ الفطرةِ . الثالثةُ : وهى أعظمُها ، أن معناه: أنا أدعُوكم إلى الحقِّ ، وأنتنَّ
تُرِدْنَ أَن تَصْرِفْتَنى إلى الباطلِ ، كما فعلَت امرأةُ العزيزِ معَ يوسفَ ، فإنه كان يَدْعُوها
إلى العِصْمةِ، وهى تَدْعوه إلى المعصيةِ، وهذه شهادةٌ منه نَّهِ بِالتَّبْرِئَةِ ليوسفَ عليه
السلامُ. وقد مَهَّدْنا ذلك فى موضعِه، وهذا كقولِهِ وَِّ: ((اللهمَّ أَعِنِّى عليهم بسبْعٍ
كسبِعٍ يوسفَ)) (١). معناه: أَعِنِّى عليهم بجوعِ يُظْهِرُنى عليهم، ويُبَيِّنُ" صِدْقى
عندَهم، كما كان جوُ أهلِ مصرَ سببًا لَبْرِئَةِ يوسفَ عليه السلامُ، وظُهورِ نبوتِه .
وقد قيل : إنَّ الصلاةَ التى جرَى فيها هذا كانت صلاةَ العشاءِ الآخرةِ .
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٥٦٨). وأخرجه ابن سعد ١٧٩/٣، ١٨٠، والبخارى (٦٧٩،
٧١٦، ٧٣٠٣)، والترمذى (٣٦٧٢)، والنسائى فى الكبرى (١١٢٥٢) من طريق مالك به.
(٢) فى م: ((أعاد )) .
(٣) البخارى (١٠٠٧)، ومسلم (٢٧٩٨).
(٤) فى د: ((يميز)).
(٥) ليس فى : د.
١٦٥

الموطأ
التمهيد
بالإمامةِ فيها أفقهُهم؛ لأن أبا بكرٍ قدَّمه رسولُ اللهِ وَّهِ للصلاةِ بجماعةٍ
أصحابِهِ، ومعلوم أنهم كان فيهم مَن هو أقرأُ منه ولا سِيَّما أُبيِّ بنِ كعبٍ. وهذه
مسألةٌ اختلفَ فيها السلفُ ؛ فقال مالكٌ : يُؤُمُّ القومَ أعلمُهم إذا كانت حالُه
حسنةً ، وللسّنِّ حقٌّ . قيل له: فأكثرُهم قرآنًا؟ قال : لا ، قد يقرأُ مَن لا يكونُ فيه
خيرٌ. وقال الثورىُّ: يؤمُّهم أقرؤُهم، فإن كانوا سواءً فأعلمُهم بالسُّنةِ ، فإن
استوَوْا فأستُّهم . وقال الأوزاعىُ: يُؤُمُّهم أفقهُهم فى دينِ اللهِ . وقال أبو حنيفةً:
يُؤُمُّهم أقرؤُهم لكتابِ اللهِ وأعلمُهم للسنةِ ، فإن استوَوْا فى القراءةِ والعلم بالسُّنَّةِ
فأكبرُهم بسِنًّا، فإن استوَوْا فى القراءةِ والفقهِ والسّنِّ فأورَعُهم. وقال محمدُ بنُ
الحسنِ وغيرُه : إنما قيل فى الحديثِ: ((أقرؤُهم)). لأنهم أسلَموا رجالاً فتفقَّهُوا
فيما علِموا مِن الكتابِ والسُّنةِ ، وأمَّا اليومَ فيتعلَّمون القرآنَ وهم صِبيانٌ لا فِقةً
لهم . وقال اللَّيثُ : يؤمّهم أفضلُهم وخيرُهم ، ثم أقرؤهم ، ثم أستُّهم إذا استوَوْا .
وقال الشافعىُّ: يؤمّهم أقرؤُهم وأفقهُهم، فإن لم يجتمِعْ ذلك قُدِّم أفقهُهم إذا
كان يقرأُ ما يكتفِى به فى صلاتِه، وإن قُدِّم أقرؤُهم وعلِم ما يلزَمُه فى الصلاةِ
فحسَنٌّ. وقال الأثرِمُ: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: رجُلان أحدُهما أفضلُ مِن
صاحبِه، والآخرُ أقرأُ منه؟ فقال: حديثُ أبى مسعودٍ: ((يُؤُمُّ القومَ أقرؤُهم)) (١).
قال: ألا ترَى أن سالمًا مولى أبي حذيفةً كان مع خيارِ أصحابِ رسولِ اللهِ وَلَه ؛
منهم عمرُ، وأبو سلمةً بنُ عبدِ الأسدِ، فكان يؤمُّهم؛ لأنه جمع القرآنَ .
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٩٥/٢٨ (١٧٠٦٣)، ومسلم (٦٧٣)، وأبو داود (٥٨٢ - ٥٨٤).
١٦٦

الموطأ
التمهيد
وحديثُ عمرو بنِ سلمةَ؛ أمَّهم(١) للقرآنِ(٢). فقلتُ له: حديثُ النبيِّ وَّ:
((مُرُوا أبا بكرٍ فَلْيُصلِّ بالناسِ)) . أليس هو خلافَ حديثٍ أبى مسعودٍ عن النبىِّ
وَهُ: ((يُؤُمُّ القومَ أقرؤُهم))؟ فقال: إنما قولُه لأبى بكرٍ يُصلِّى بالناسِ إنما أراد
الخلافةَ، وكان لأبى بكرٍ فضلٌ بَيِّنٌ على غيرِهِ ، وإنما الأمرُ فى الإمامةِ إلى القراءةِ ،
وأما قصةُ أبى بكرٍ فإنما أراد به الخلافةً .
قال أبو عمرَ: لما قال رسولُ اللهِ وَله: «مُرُوا أبا بكرٍ يُصلّى بالناسِ)). فى
مرضِه الذى تُوفّى فيه ، واستخلَفه على الصلاةِ وهى عُظمُ الدينِ ، وكانت إليه لا
يجوزُ أن يتقدَّمَ إليها أحدٌ بحضرتِهِ وَ لَّ، فلما مرِض استخلَف عليها أبا بكرٍ ،
والصحابةُ متوافِرون؛ منهم علىٌّ ، وعمرُ، وعثمانُ رضِى اللهُ عنهم استدلَّ
المسلمون بذلك (" وبغيرِه) على فضلٍ أبى بكرٍ، وعلى أنه أُحقُّ بالخلافةِ بعدَه،
وعلِموا ذلك، فارتضَوا لدنياهم وإمامتهم وخلافتِهم مَن ارتضاه لهم رسولُ اللهِ
وَلَّ لأصلِ دينِهم؛ وذلك إمامتُهم فى صلاتِهم، ولم يكنْ يمنعُ رسولَ اللهِ وَّ
من أن يُصرِّحَ بخلافةِ أبى بكرٍ بعدَه ، واللهُ أعلمُ ، إلا أنه كان لا ينطِقُ فى دينِ اللهِ
بهواه، ولا ينطِقُ إلا بما يُوحَى إليه فيه؛ قال اللهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَمَا يَنَطِقُ عَنِ
الْمَوَ ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. ولم يكنْ يوحى إليه فى الخلافةِ
شىءٌ، وكان لا يتقدَّمُ بينَ يدَىْ ربُّه فى شىءٍ، وكان يُحِبُّ أن يكونَ أبو بكرٍ
القبس
(١) فى م: ((أفهم)).
(٢) أخرجه أحمد ٢٨٧/٣٤، ٢٨٨ (٢٠٦٨٥ - ٢٠٦٨٧)، وأبو داود (٥٨٥، ٥٨٦)،
والنسائى (٧٦٦، ٧٨٨).
(٣ - ٣) سقط من: م.
١٦٧

الموطأ
التمهيد
الخلیفةً بعده ، فلما لم ينزِلْ علیه فى ذلك وحى ونصّ لم يأمر" بذلك، ولكنه
أراهم موضعَ الاختيارِ ، وموضعَ إرادته ، فعرَف المسلمون ذلك منه، فبايَعُوا أبا
بكرٍ بعدَه، فخِيرَ لهم فى ذلك ، ونفَعهم اللهُ به ، وبارَك لهم فيه ، فقاتَل أهلَ الرِّدَّةِ
حتى أقامَ الدينَ كما كان، وعدَل فى الرعيةِ، وقسَم بالسوِيَّةِ، وسار بسيرةٍ
رسولِ اللهِ وَ لِّ حتى توفَّه اللهُ حميدًا، رضِى اللهُ عنه .
وقد روَى هذا الحدیثَ حمَّادُ بنُ سلمةً ، عن هشام بن عروةَ ، عن أبيه ، عن
عائشةَ بمعنى حديثٍ مالكٍ(٢) ، قال حمَّادٌ: وأخبرنا أيوبُ، عن ابنِ أبِى مُلْكةً،
عن عائشةً ، بمثلِه . قال ابنُ أبى مُليكةً: وأىُّ خلافةٍ أبيَنُ مِن هذا؟(٣)
وقد جاءَت عن النبيِّ ◌َِّ آثارٌ تدلُّ على أن رسولَ اللهِ وَِّهِ كان يُسُِه ویعلَمُ
أن الخليفةَ بعدَه أبو بكرٍ، واللهُ أعلمُ؛ منها قولُه وَلِّ: ((اقتَدُوا باللَّذَين من
بعدِى ؛ أبى بكرٍ وعمرَ )) .
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ
أبى أسامةَ ، قال : حدَّثْنَا قَبيّصةُ بنُ عقبةَ الکوفیُ ، قال : حدَّثنا سفيانُ بنُ سعیدٍ ، عن
عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ ، عن مولّى لربعىٌّ، عن ربعيٍّ، عن حذيفةً، قال: قال رسولُ اللهِ
وَِّ: ((اقتَدُوا باللَّذَين من بعدِى؛ أبى بكرٍ وعمرَ))(٤).
القبس
(١ - ١) فى م: ((ونعنى لم يؤمر)).
(٢) أخرجه أحمد ١٩١/٤١ (٢٤٦٤٧)، وابن أبى عاصم فى السنة (١١٦٧)، وأبو يعلى
(٤٤٧٨) من طريق حماد به .
(٣) أخرجه أبو يعلى (٤٤٧٩) من طريق حماد به .
(٤) أخرجه ابن سعد ٢/ ٣٣٤، والفسوى فى المعرفة ٤٨٠/١ عن قبيصة بن عقبة به، وليس عند ابن
سعد ذكر ربعى. وأخرجه أحمد ٣٠٩/٣٨، ٤١٨ (٢٣٢٧٦، ٢٣٤١٩)، والترمذى عقب
الحديث (٣٧٩٩)، وابن ماجه (٩٧) من طريق سفيان الثورى به .
١٦٨

الموطأ
التمهيد
وحدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ، قال: حدَّثنا
الطّحاوىُّ ، قال: حدَّثنى المُزنىُ ، قال: حدَّثنا الشافعىُّ، أخبرنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ
ابنِ إبراهيمَ، عن أبيه، عن محمدِ بنِ جبيرِ بنِ مُطعِمٍ، عن أبيه، أن امرأةٌ أَتَت
رسولَ اللهِ وَّهِ فسألتْه عن شىءٍ، فأمَرها أن ترجعَ، قالت: يا رسولَ اللهِ ، إن
رجَعتُ فلم أجدْك؟ قال: كأنها تعنى الموتَ. قال: ((فَأَتِى أبا بكرٍ))(١) . قال
الشافعىُّ : وفى هذا دليلٌ على خلافة أبى بكرٍ .
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
جعفرُ بنُ محمدِ الصائغُ ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ داودَ ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ
سعدٍ ، قال : حدَّثنى أبى ، عن محمدِ بنِ جبيرِ بنِ مُطعمٍ، عن أبيهِ ، أن امرأةٌ أَتَتِ
النبىَّ وَّ فسألته عن شىءٍ، فقال لها: ((ارجِعِى)). فقالت: يا رسولَ اللهِ، إن
رجّعتُ فلم أجِدْك؟ تعنى الموتَ، قال: ((فأَتِى أبا بكرٍ))(٢) .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ
زهيرٍ، قال: حدَّثنا منصورُ بنُ سلمةَ الحُراعىُّ أبو سلمةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ
سعدٍ ، عن أبيهِ، عن محمدِ بنِ جبيرٍ ، عن أبيه ، قال: أتَتِ النبىّ عليه السلامُ امرأةٌ
تُكلِّمُه فى شىءٍ، فأمرّها أن ترجِعَ إليه، فقالت : إن جِئتُ ولم أجِدْك؟ قال :
((فأتى أبا بكرٍ )) .
القبس
(١) السنن المأثورة (٤٨٣). وأخرجه البيهقى ١٥٣/٨ من طريق الشافعى به.
(٢) الطيالسى (٩٨٦). وأخرجه أحمد ٣١٩/٢٧، ٣٢٩، (١٦٧٥٥، ١٦٧٦٧)، والبخارى
(٣٦٥٩، ٧٢٢٠، ٧٣٦٠)، ومسلم (٢٣٨٦) من طريق إبراهيم بن سعد به .
١٦٩

الموطأ
التمھید
أخبرنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ ، قال : حدَّثنا أبو بكرٍ
محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الشافعىُّ ببغدادَ إملاءً فى الجامعِ يومَ الجمعةِ سنةَ تسع وأربعينَ
وثلاثِمائةٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ أبى العوَّامِ الرّياحىُّ سنةَ سِتٍّ وسبعينَ
ومائتين، قال: أخبرنى أبى: قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ بنِ
أبى خالدٍ ، عن زِرُّ، عن عبدِ اللهِ ، قال: كان رجوعُ الأنصارِ يومَ سَقيفةٍ بنى
ساعدةً لكلامٍ قاله عمرُ: أنشدُكم باللهِ، أتعلمون أن رسولَ اللهِ وَلَّهِ أَمَر أبا بكرٍ
أن يُصلِّىَ بالناسِ؟ قالوا: نعم. قال: فَأَيُكم تَطيبُ نفسُه أن يُزيلَه عن مقامٍ أقامَه
فيه رسولُ اللهِ وَِّهِ؟ قالوا: كلُّنا لا تَطِيبُ أنفسُنا أن يُزِيلَهُ(١) عن مقام أقامَه فيه
رسولُ اللهِ وَ(٢).
وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
أبو بكرٍ محمدُ بنُ أبى العوَّامِ ، قال: حدَّثنى أبى أحمدُ بنُّ يزيدَ أبى العوَّامِ ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ الواسطىُّ ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبى خالدٍ ، عن زِرِّ ،
عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: كان رجوعُ الأُنصارِ يومَ سقيفة بنى ساعدةَ بكلامٍ
قاله عمرُ بنُ الخطابِ: نشَدتُكمُ اللهَ، هل تعلمون أن رسولَ اللهِ نَّ أَمَر أبا بكرٍ
أن يُصلِّىَ بالناسِ ؟ قالوا: اللهمَّ نعم. قال فأيُّكم تَطيبُ نفسُه أن يُزيلَه عن مقام
أقامَه فيه رسولُ اللهِ إِلّهِ؟ فقالوا: كلُّنا لا تَطِيبُ نفسُه، نستغفِرُ اللهَ (١).
القبس
(١) فى م: ((نزيله)).
(٢) أخرجه ابن الأعرابى (٢٣٧٠) - ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه ٢٧٢/٣٠ - من طريق
محمد بن یزید به. وسقط من إسناد ابن عساکر ذکر محمد بن یزید .
(٣) أخرجه المصنف فى الاستيعاب ٣/ ٩٧٠، ٩٧١.
١٧٠

الموطأ
التمهيد
وأجمعوا أن أبا بكرٍ كان يكتُبُ: من خليفة رسولِ اللهِ آلآ. فی کتبِه كلِّها ،
وذكر نافعُ بنُ عمرَ الجُمَحِىُّ، عن ابن أبى مُليكةً ، أن رجلًا قال لأبى بكرٍ:
يا خليفةَ اللهِ . فقال أبو بكرٍ: أنا خليفةُ رسولِ اللهِ وَلَّ، وأنا راضٍ بذلك (١).
وبَعث عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ محمدَ بنَ الزبيرِ إلى الحسنِ يسألُه : هل استخلَف
رسولُ اللهِ وَ لِّ أبا بكرٍ ؟ فقال: نعم .
قال أبو عمرَ : إنما قال هذا استدلالاً بنحوِ ما ذكّرنا من الحديثِ، واللهُ
أعلمُ ، ولم يُختَلَفْ عن عمرَ أَنَّه لما حضَرتْه الوفاةُ قال: إن أستخلِفْ فقد استخلَف
أبو بكرٍ، وإن لم أستخلفْ فلم يَستخلِفْ رسولُ اللهِ وَ الَرَ. قال ابنُ عمرَ: فلما
ذكّر رسولَ اللهِ وَّهِ علِمتُ أنه لا يَستخلِفُ . وهذا معناه أنه لم يستخلِفْ نصًّا
ولا تصريحًا . واللهُ أعلمُ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ(١)،
قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوبَ ، قال: حدَّثنا إبراهیمُ بنُ سعدٍ ، عن
محمد بنِ إسحاق ، عن الزهرىِّ ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبی بکرِ بنِ عبدِ الرحمنِ ،
عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ زَمعةَ بنِ الأسودِ ، قال: قلتُ لعمرَ: صلِّ بالناسِ -
وأبو بكرٍ غائبٌ فى مرضٍ رسولِ اللهِ وَّرَ - فلما كَبَّرَ سمِع رسولُ اللهِ وَه
صوتَه، فقال: ((وأينَ أبو بكرٍ؟ يأتَى اللهُ ذلك والمسلمون ، يأبى اللهُ ذلك
القبس
(١) أخرجه ابن سعد ٣/ ١٨٣، وابن أبى شيبة ١٤/ ٥٦٨، وأحمد ٢٢٥/١، ٢٢٧ (٥٩، ٦٤)،
والخلال فى السنة (٣٣٤)، والمصنف فى الاستيعاب ٩٧٢/٣ من طريق نافع بن عمر به.
(٢) فى م: ((زيير)).
١٧١

الموطأ
والمسلمون)). مرّتين، فبعَث إلى أبى بكرٍ، فجاء بعدَ أن صلَّى عمرُ تلك الصلاةَ،
فصلَّى بالناسِ(١).
التمهید
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا ابنُ المفسّرِ، حدَّثنا أحمدُ بنُ علىّ
القاضى ، قال : حدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ عمرَ القواریریُّ، حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ داود ، عن
هشامٍ بن عروةَ، عن أبيه ، عن ابنٍ عمرَ ، قال: لما طُعِن عمرُ رحِمه اللهُ قالوا له :
ألا تستخلِفُ؟ قال: أحتمِلُكم حيًّا وميًّا؟ ليت(٢) حظّى منكم الكفَافُ؛ لا
علىَّ ولالى، إن أترككم فقد ترَكّكم مَن هو خيرٌ منّى ومنكم؛ رسولُ اللهِ وَةِ ،
وإن أستخلِفْ فقد استخلَف مَن هو خيرٌ مِنِّى؛ أبو بكرٍ(١) . قال: وحدَّثنا أحمدُ
ابنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ وعثمانُ ابنا أبى شيبةَ، قالا: حدَّثنا حسينُ بنُ
علىّ، عن زائدةً بنِ قُدامةً ، عن عاصمٍ ، عن زرٍّ، عن عبدِ اللهِ ، قال: لما قُبِض
رسولُ اللهِ وَه قالت الأنصارُ: منّا أَميرٌ ومنكم أميرٌ. قال: فأتاهم عمرُ بنُ
الخطابِ فقال: يا معشر الأنصارِ، ألستم تعلمون أن رسولَ اللهِ فَ لَّهِقال: «مُرُوا
أبا بكرٍ يُؤُمُّ الناسَ))؟ فأيُّكم تَطيبُ نفسُه أن(٤) يتقدَّمَ أبا بكرٍ؟ قال: فقالتٍ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٠٣/٣١ (١٨٩٠٦) من طريق إبراهيم بن سعد به، وأخرجه أبو داود
(٤٦٦٠)، والفسوى فى المعرفة ٢٤٣/١، وابن أبى عاصم فى السنة (١١٦١)، والطحاوى فى
شرح المشكل (٤٢٥٣) ، من طريق ابن إسحاق به .
(٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه أحمد ٣٩٣/١ (٢٩٩)، وعبد بن حميد (٣٢ - منتخب)، والبخارى (٧٢١٨)،
ومسلم (١١/١٨٢٣) من طريق هشام به.
(٤) سقط من النسخ. والمثبت من مصادر التخريج .
١٧٢

الموطأ
الأنصارُ: نعوذُ باللهِ أن نتقدَّمَ أبا بكرٍ(١) .
التمهيد
قال أحمدُ بنُ علىٍّ: وحدَّثنا أبو خيثمةَ زُهيُ بنُ حربٍ ، حدَّثنا معاويةُ بنُ
عمرٍو، عن زائدةَ، عن عاصم، عن زِرِّ، عن عبدِ اللهِ ، مثلَه(٣) .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ بنِ داسةَ ، حدَّثنا حسَّانُ
ابنُ الحسنِ(١) الإمامُ، حدَّثنا حجَّاجُ بنُ منهالٍ، حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةً، عن
حُميدٍ وثابتٍ، عن الحسنِ، عن قيسٍ بنِ عُبَادٍ، قال: قال لى علىُّ بنُ
أبى طالبٍ: إن نبيَّكُم رَِّّ نبىَّ الرحمةِ لم يُقتَلْ قتلًا، ولم يَمُتْ فجأةً ؛ مرِض
ليالىَ وأيامًا يأتيه بلالٌ فِيُؤْذِنُه بالصلاةِ وهو يرَى مكانى، فيقولُ: ((ائْتِ أبا
بكرٍ فَلْيُصلِّ بالناسِ)). فلما قُبِض رسولُ اللهِ وَ نظَرَتُ فى أمرى، فإذا
الصلاةُ عُظمُ الإسلامِ وقِوامُ الدينِ، فرضِينا لدنيانا مَن رضِيَه رسولُ اللهِ وَه
لديننا، فبايعنا أبا بكرٍ (*).
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال : حدَّثنا
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٥٦٧/١٤ - ومن طريقه الفسوى فى المعرفة ٤٥٤/١، وابن أبى عاصم فى السنة
(١١٥٩)، وابن عساكر ٢٧١/٣٠ - وأخرجه ابن سعد ١٧٨/٣، ١٧٩، وأحمد ٣٠٩/٦
(٣٧٦٥)، والنسائى (٧٧٦) من طريق حسين بن على به .
(٢) أخرجه ابن عساكر ٣٠/ ٢٧٠، ٢٧١، والضياء فى المختارة (٢٢٩) من طريق أحمد بن على به .
وأخرجه أحمد ٣٩٣/٦ (٣٨٤٢)، وابن عساكر ٢٧١/٣٠ من طريق معاوية بن عمرو به.
(٣) فى م: ((الحسين)).
(٤) أخرجه الآجرى فى الشريعة (١١٩٤)، وأبو نعيم فى فضائل الخلفاء الأربعة (١٨٨) من طريق
الحسن به .
١٧٣

الموطأ
التمهید
الحسنُ بنُ علىِّ الأَشنانىُ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنی عمرُو بنُ
الحارثِ ، قال: حدَّثنى عبدُ اللهِ بنُ سالم، عن الزُّبيدىِّ، قال: قال عبدُ الرحمنِ
ابنُ القاسمِ: أخبرنى القاسمُ، أن عائشةَ، قالت: سمِعتُ رسولَ اللهِ نَّل
يقولُ: ((لقد هممتُ أن أُرسِلَ إلى أبى بكرٍ فَأُعهَدَ إليه، فإنه رُبَّ مُتَمَنٍّ وقائل : أنا
أنا . وسيدفَعُ اللهُ ويأتى ذلك والمؤمنون))(٢).
قد استدَلَّ قومٌ من أهلِ العلمِ على خلافةٍ أبى بكرٍ بقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿قُل
لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَنُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ نُقَدِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾
الآية [الفتح: ١٦ ].
ومعلوم أن الداعىّ لأولئك القوم غيرُ النبيِّ وَلِّ؛ لأَنَّ اللهَ قد منَع المخلَّفين من
الأعرابِ من الخروج مع رسولِ اللهِ وَّه بقوله: ﴿فَقُل لَّنْ تَّخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَنْ
نُقَلِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَّةٍ﴾ الآية [التوبة: ٨٣]. وقد أرادوا
الخروجَ معه إلى بعضٍ ما رجَوْا فيه الغنيمةَ، فأنزل اللهُ: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا
أَنْطَلَفْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَّبِعْكُمْ بُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَلَمَ
اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]. يعنى قوله: ﴿فَقُل لَّنْ تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا﴾. ولا تبديلَ
ج
لكلماتِ اللهِ. وفى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِّكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَناً
وَإِن تَتَوَلَّوْ كُمَا تَوَلَيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبَكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٦]. أوضحُ الدلائلِ
القبس
(١) فى النسخ: ((الحسين)). والمثبت من تاريخ بغداد ٣٦٧/٧، وميزان الاعتدال ٥٠٩/١.
(٢) أخرجه الطبرانى فى مسند الشاميين (١٨٢٥) من طريق إسحاق بن إبراهيم به .
١٧٤

الموطأ
التمهيد
على وجوبٍ طاعةٍ أبى بكرٍ وإمامتِه؛ إذْ(١ وعَد اللهُ المخلَّفين عن رسولِه إذا أطاعُوا
الذى يدعوهم بعدَه بالأجرِ الحسنِ، وأوعَدهم بالعذابِ الأليم إن تولَّوا عنه .
وللعلماءِ فى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَبِ سَنُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ
أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ نُقَئِلُونَهُمْ﴾. قولانٍ لا ثالث لهما؛ أحدُهما ، أنهم قالوا : أراد
بقولِه: ﴿إِلَى قَوْمٍ أُوْلِىِ بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾. (بنى حنيفة٢ً) أهلَ اليمامةِ مع مسيلمةَ.
وقال آخرون : أراد فارسَ. فإن كان كما قالوا : أهلَ اليمامةِ. فأبو بكرٍ هو
الذى دعا إلى قتالِهم، وإن كانوا فارسَ فعمرُ دعا إلى قتالِهم، وعمرُ إنما
استخلَفه أبو بكرٍ، فعلى أىِّ الوجهين كان فالقرآنُ يقتضِى لما وصَفنا إمامةً أبى
بكرٍ وخلافتَه، وإن كان أراد فارسَ فهو دليلُ إمامةِ عمرَ وخلافتِه. وقد قال
مَن لا عِلمَ له بتأويلِ القرآنِ : إنهم هوازنُ وحُنينٌ. وهذا ليس بشىءٍ ؛ لقولٍ
اللهِ: ﴿فَقُل لَّنْ تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَنْ نُقَتِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا﴾، وقوله: ﴿ذَرُونَا
نَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَمَ اللَّهِ قُل لَّن تَشَّعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ
قَبْلٌ﴾ الآية. ومعلوم أنَّ مَن واسَى رسولَ اللهِ وَ له وصحِبَه أخيرًا لا يلحَقُ
فى الفضلِ بَمَن واساه ونصَره وصحِبِه أوَّلًا؛ قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لَا يَسْتَوِى
مِنكُ مَّنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلْ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةٌ مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ
بَعْدُ وَقَلْتَلُواْ﴾ [الحديد: ١٠]. وكان أبو بكرٍ أوَّلَ الناسِ عَزَّر رسولَ اللهِ وَه
ونصَرِه وَآمَن به وصدَّقه وصبر على الأذى فيه ، فاستحَقَّ بذلك الفضلَ العظيمَ ؛
القبس
(١) سقط من: م.
(٢ - ٢) سقط من: م.
١٧٥

الموطأ
التمهيد
لأن كلَّ ما صنَعه غيرُه بعدَه قد شارَكه فيه، وفاتَهم وسبقهم بما تقدَّم إليه،
فلفضلِه ذلك استحقَّ الإمامةَ، إِذْ شأنها أن تكونَ فى الفاضلِ أبدًا ما وُجِد إليه
السبيلُ. والآثارُ فى فضائلِه ليس هذا موضِعَ ذكرِها، وإنما ذكرنا استحقاقَه
للخلافةِ بدلیلِ الكتابِ والسنةِ .
وروَى إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ ، عن إبراهيمَ النَّخَعِىِّ، عن عبدِ الرحمنِ
ابنِ يزيدَ ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُّ مسعودٍ: اجعَلوا إمامَكم خيرَ كم ، فإن رسولَ اللهِ
وَلِّ جَعَل إمامَنا خيرَنا بعدَهُ(١).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ ، قال: حدَّثنا قاسمٌ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ ، قال :
حدَّثنا موسی بنُ إسماعيلَ ، قال : حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةً ، عن على بنِ زیدٍ ، عن
عبدِ الرحمنِ بنِ أبى بكرةَ، عن أبيه ، أن رجلًا قال : يا رسولَ اللهِ ، رأيتُ كأنَّ
مِيزانًا دُلِّىَ من السماءِ، فؤُزِنتَ أنت فيه وأبو بكرٍ فرجَحتَ بأبى بكرٍ ، ثم وُزِن فيه
أبو بكرٍ وعمرُ، فرجّح أبو بكرٍ بعمرَ (١)، ثم رُفِع الميزانُ. فقال رسولُ اللهِ وَلِّهِ:
(( نُبوَّةٌ وخِلافةٌ، ثم يُؤْتِى اللهُ المُلُكَ مَن يشاءُ))(٣). وأما قولُ رسولِ اللهِ نَّه
القبس
(١) ذكره المصنف فى الاستيعاب ٣/ ٩٧١.
(٢) بعده فى مصادر التخريج: ((ثم وزن فيه عمر وعثمان فرجح عمر بعثمان)).
(٣) أخرجه أبو داود (٤٦٣٥) - ومن طريقه البيهقى فى الاعتقاد ص٥١٢ - من طريق موسى بن
إسماعيل به ، وأخرجه أحمد ٩٤/٣٤ (٢٠٤٤٥)، وابن أبى عاصم فى السنة (١١٣٥)، والبزار
(٣٦٥٢)، والطحاوى فى شرح المشكل (٣٣٤٨) من طريق حماد بن سلمة به .
١٧٦

الموطأ
التمهيد
لعليّ: ((أنتَ منِّى بمنزلةٍ هارونَ مِن موسى)) (١). واحتجاجُ أهلِ الزَّيغ به على أنه
أراد بذلك استخلافَه، فقد أجابَه عن ذلك أبو إسحاقَ المروزىُّ رحِمَه اللهُ بجوابٍ
على وجهين محتملين(١) ؛ أحدُهما ، أن هارونَ كان خليفةً موسی فی حیاتِهِ ،
ولم يكُنْ علىِّ خليفةَ رسولِ اللهِ وَ له فى حياتِه، وإذا جاز أن يتأخَّرَ علىّ عن
خلافةِ رسولِ اللهِ وَِّ فى حياتِه على حسَبٍ ما كان هارونُ خلیفةً موسَی فی
حياتِه - جاز أن يتأخَّرَ بعدَ موتِه زمانًا ، ويكونَ غيرُه مقدَّمًا عليه ، ويكونَ معنَی
الحديثِ القصدَ إلى إثباتِ الخلافةِ له كما ثبت لهارونَ ، لا أنه استحقَّ تعجيلها فى
الوقتِ الذى تعجَّلها هارونُ مِن موسى عليهما السلامُ . والوجهُ الآخرُ، أن هذا
الكلامَ إنما خرَج من النبيِّ بَِّ فى تفضيلٍ علىٍّ ومعرفةٍ حقِّه لا فى الإمامةِ؛ لأنه
ليس كلُّ مَن وجَب حقُّه وصار مُفضَّلًا استَحقَّ الإمامةَ؛ لأن هارونَ مات قبلَ
موسى بزمانٍ ، واستخلَف موسى بعدَه يُوشَعَ بنَ نونٍ ، فهارونُ إنما كان خليفةً
موسی فی حیاته، وقد ◌ُلِم أن عليًّا لم یکنْ خليفةً النبى (ێ فى حياتِه، ولم يكنْ
هارونُ خليفةً موسى بعدَ موتِه، فيكونَ ذلك دليلاً على أنَّ عليًّا خليفةُ رسولِ اللهِ
وَ لِ بعدَ موتِه .
قال أبو عمرَ: كان هذا القولُ مِن النبيِّ وَِّ لعلىِّ حينَ استخلفه على المدينةِ
فی وقتٍ خروچه غازيًا غزوة تبوكَ ، وهذا استخلافٌ منه فی حیاتِه ، وقد شرِ كَه
القبس
(١) أخرجه البخارى (٣٧٠٦، ٤٤١٦)، ومسلم (٢٤٠٤) من حديث سعد بن أبى وقاص .
(٢) فى م: ((مجملين)).
١٧٧
( موسوعة شروح الموطأ ١٢/٦ )

الموطأ
فى مثلِ هذا الاستخلافِ غيرُه ممن لا يَدَّعِى له أحدٌ خلافةً؛ جماعةٌ قد ذكَرهم
التمهيد
أهلُ السّیر ، وقد ذكرناهم فی کتاب الصحابة ، وليس فى استخلافِه حين قال له
ذلك القولَ دليلٌ على أنه خليفةٌ بعدَ موتِه . واللهُ أعلمُ .
وأما قولُهُ وَّهِ: ((مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه)) (١). فمحتملٌ للتأويلِ؛ لأن
المولَى يحتملُ وجوهًا فى اللغةِ ، أصحُها أنه الولىُّ والناصرُ ، وليس فى شىءٍ منها
ما يدُلُّ على أنه استخلفه بعده، ولا يُنكرُ فضلَ علىٍّ مؤمنٌ، ولا يجهَلُ سابقتَه
وموضعه من رسولِ اللهِ إِآل﴾ ومِن دینِ اللهِ عالمٌ ، وقد ثبت عنه رضِىَ اللهُ عنه أنه
فضَّل أبا بكرٍ على نفسِه ، من طرقٍ صِحاحٍ، وقال : خيرُ الناسِ بعدَ رسولِ اللهِ
وَ أبو بكرٍ، ثم عمرُ(١) . وحسبُك بهذا منه رضِى اللهُ عنه .
وأما قولُ عائشةَ: إن أبا بكرٍ إذا قام مقامَك لم يُسمِعِ الناسَ من البكاءِ، فَمُرْ
عمرَ فَلْيُصلِّ للناسِ . فإنما كرِهتْ فيما زعموا أن يتشاءمَ الناسُ بأبيها فيقولوا : إنه
لم يُرَ إمامًا إلّ فى حينِ مرضٍ رسولِ اللهِ وَّه وحينِ موتِه. فقالت ما قالت ، فأنكر
رسولُ اللهِ وَ لِهِ ذلك عليها وعلى حفصةً، وقال: ((إنكنَّ صواحِبُ يوسفَ)).
يريدُ : إِنكُنَّ فتنةٌ قد فتَنتُنَّ يوسفَ وغيرَه ، وصدَدْتُنَّه عن الحقِّ قديمًا . يريدُ النساءَ
ويَعيبُهن بذلك، كلامًا خرَج على غضبٍ لاعتراضِهنَّ له، وهُنَّ أَمهاتُ المؤمنين
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٣٠/٣٠ (١٨٤٧٩)، وابن ماجه (١١٦)، والنسائى فى الكبرى (٨٤٧٣) من
حديث البراء بن عازب .
(٢) أخرجه أحمد ٢/ ٢٠١، ٢٢٤ (٨٣٥، ٨٧٩، ٨٨٠)، والبخارى (٣٦٧١)، وأبو داود
(٤٦٢٩) .
١٧٨

الموطأ
التمهید
وخيرُ نساءِ العالمين ، رضِى اللهُ عنهن. وكذلك قولُ حفصةَ لعائشةً: ما كنتُ
لأُصيبَ منك خيرًا. خرَج على جهةِ الغضبِ عليها؛ لأنها عرّضتْها لما كرِهَه
رسولُ اللهِ وَّله منها مِن القولِ، فلقِيَت مِن رسولِ اللهِ وَّهِ ما لا يَسُؤُها مِن
إنكارِه عليها وانتهارِها ، فرجَعت تلومُ عائشةَ، إِذْ كانت سبب ذلك، وهذا كلُّه
موجودٌ فى طباع بنى آدمَ ، وإذا كان ذلك فى أولئك فغيرُهم أحرَى بأن يُسامَحَ فى
ذلك وشبهه . وبالله التوفيقُ .
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم وسلمةُ بنُ سعيدِ بنِ سلمةَ، قالا: حدَّثنا الحسنُ بنُ
رشيقٍ ، قال: حدَّثنا العباسُ بنُ محمدِ البصرىُّ، قال: حدَّثنا خُشَيشُ بنُ أصرَمَ ،
قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ، عن حمزةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
عمرَ، عن عائشةً، أنها قالت: واللهِ ما كانت مراجعتى للنبىِّ وَّهِ إِذْ قال:
((مروا أبا بكرٍ أن يُصلِّىَ للناسِ)). إلا كراهيةَ أن يتشاءمَ الناسُ بأولِ رجلٍ يقومُ
مقامَ رسولِ اللهِ وَلَه، فيكونَ ذلك الرجلُ أبى(١).
وأمَّا قولُه : إن أبا بكرٍ إذا قام مقامَك لم يُسمِع الناسَ مِن البكاءِ. ففيه دليلٌ
على أن البكاءَ فى الصلاةِ لا يقطَعُها ولا يضُرُها ، إذا كان من خوفِ اللهِ ، أو على
مصيبة فی دینِ اللهِ .
ذكَر ابنُ المباركِ(٢)، عن حمَّادِ بن سلمةً ، عن ثابتٍ الثُنانيّ ، عن مُطرّفٍ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ، عن أبيه، قال: أتيتُ النبيُّ وَّهِ وهو يُصلِّى ولجوفِه أزيزٌ
القبس
(١) عبد الرزاق ٥/ ٤٣٢، ٤٣٣ (٩٧٥٤) - ومن طريقه أحمد ٨٨/٤٣ (٢٥٩١٧)، ومسلم
(٩٤/٤١٨)، والنسائى فى الكبرى (٩٢٧٣)، وعند عبد الرزاق: ((عبد الله بن عمر)). بدلا من: ((حمزة)).
(٢) ابن المبارك فى الزهد (١٠٩) .
١٧٩

٤١٦ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن ابنِ شهابٍ، عن عطاءِ بنِ يزيدَ
الموطأ
الليثىِّ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عَدِىٌّ بنِ الخِيارِ، أنه قال: بينما رسولُ اللهِ وَلَه
التمهید
كأزيزِ المرجَلِ. يعنى من البكاءِ.
واختلف الفقهاءُ فى الأنينِ فى الصلاةِ ؛ فقال مالكٌ : الأنينُ لا يقطَعُ الصلاةَ
للمريضِ، وأكرَهُه للصحيح. وروَى ابنُ عبدِ الحكم عن مالكٍ: التنحنحُ(١)
والأنينُ والنفخُ لا يقطَعُ الصلاةَ . وقال ابنُ القاسم: يقطَعُ . وقال الثورىُّ: أكرَهُ
الأنينَ للصحيح . وقال الشافعىُّ: إن كان له حروفٌ تُسمَعُ وتُفهَمُ قطَع الصلاةَ.
وقال أبو حنيفةً: إن كان من خوفِ اللهِ لم يقطَعْ، وإن كان من وجَعِ قطَع .
ورُوِى عن ١٢ أبى يوسفَ أن صلاتَه تامةٌ فى ذلك كلِّه؛ لأنه لا يخلُو مريضٌ ولا
ضعيفٌ من الأنينِ .
قال أبو عمرَ : فى حديثِ هذا البابِ معَ حديثِ ابنِ الشِّخِّيرِ دليلٌ على أن
البكاءَ لا يقطَعُ الصلاةَ، وهذا ما لم يكُنْ كلامًا تُفهَمُ حروفُه ، ولم يكُنْ ضعفًا
وعبثًا، وكان من خشيةِ اللهِ أو فيما أباحَه اللهُ تعالى وجلَّ. وبه التوفيقُ.
مالكٌ ، عن ابنٍ شهابٍ ، عن عطاءِ بنِ یزیدَ اللیثیّ ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عدیٍ
ابنِ الخَيَّارِ، أَنَّه قال: بينما رسولُ اللهِ وَّهِ جالسٌ بينَ ظَهرانَ النَّاسِ، إِذْ جاءَه
رجلٌ فسارّه، فلم يُدْرَ ما سارَّه حتى جَهَرَ رسولُ اللهِ وَّارِ، فإذا هو یستأذِنُ فى
القبس
(١) فى م: ((النشيج)).
(٢) سقط من: م.
١٨٠