Indexed OCR Text

Pages 201-220

الموطأ
التمهيد
وذكَر الطحاوىُّ(١) ، قال: حدَّثنا فهدُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ
عونٍ الواسطىُ ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُّ سليمانَ ، عن عاصمٍ ، عن شَقيقٍ ، عن ابنِ
مسعودٍ، عن النبيِّ وَّله، أنه قال: ((أُمِر بعبدٍ من عبادِ اللهِ عزَّ وجلَّ أَن يُضربَ فى
قبرِه بمائةٍ جَلدةٍ ، فلم يزلْ يسألُ اللهَ ويدعُوه حتى صارت جَلدةً واحدةً ، فجْلِد
جلدةً واحدةً ، فامتلأً قبرُه عليه نارًا ، فلما ارتفَع عنه أفاق ، فقال : علام جلَد تمونى ؟
قالوا: إنك صلَّيت صلاةً بغير طهورٍ ، ومرَرتَ على مظلومٍ فلم تنصرْه)).
قال الطحاوىُّ(٢) : وفى هذا ما يدلُّ على أن تارِكَ الصلاةِ ليس بكافرٍ؛ لأنَّ
مَن صلَّى صلاةٌ بغيرِ طهورٍ فلم يصلِّ. وقد أَجيبتْ دعوتُه، ولو كان
كافرًا ما سُمِعتْ دعوتُه؛ لأن الله يقولُ: ﴿وَمَا دُعَّةُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِى
ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤، غافر: ٥٠]. واحتجَّ أيضا بقولِهِ وَِّ: ((الذى يتركُ صلاةً
العصرِ، فكأنما ؤُتِرِ أهَلَه ومالَه))(٢). قال: فلو كان كافرًا لكان القصدُ إلى ذكرٍ ما
ذهَب من إيمانِه لا إلی ذهابٍ أهلِه ومالِه .
ومعلومٌ أن ما زاد على صلاةٍ واحدةٍ من الصلواتِ فى حكم الصلاةِ
الواحدةِ ، ألا ترَى أن تاركَها عامِدًا حتى يخرجَ وقتُها يستتابُ على الوجوهِ التى
ذكرنا عن العلماءِ على مذاهبِهم فى ذلك، فى بابٍ زيدِ بنِ أسلمَ (٤) ، وجملةُ
القبس
(١) شرح المشكل (٣١٨٥).
(٢) شرح المشكل ٢١٢/٨، ٢١٣، ٢١٩.
(٣) تقدم فى الموطأ (٢٠) .
(٤) سيأتى ص ٢٩٢ - ٣٠٧.
٢٠١

الموطأ
٢٦٩ - مالكٌ، عن أبى بكرِ بنِ عمرَ، عن سعيدِ بنِ یسارٍ ، أنه
قال : كنتُ أَسِيرُ مع عبدِ اللهِ بنِ عمرَ بطريق مكةً. قال سعيدٌ: فلمّا
القولِ فى هذا البابِ أن من لم يحافظْ على أوقاتِ الصلواتِ لم يحافظ على
التمهيد
الصلواتِ، كما أن مَن لم يحافظْ على كمالٍ وضوئِها) وتمامٍ ركوعِها
وسجودِها فليس بمحافظٍ عليها ، ومن لم يحافظْ عليها فقد ضيَّعها ، ومن ضيَّعها
فهو لما سواها أضیغُ، كما أن مَن حفظها وحافظ عليها حفِظ دینَه ، ولا دینَ لمن لا
صلاةً له . ورحِم اللهُ أبا العتاهِيَةِ حيثُ يقولُ(٢):
أقم الصلاةَ لوقتِها بطّهورِها ومن الضلالِ تفاوتُ الميقاتِ(٢).
قال أبو عمرَ : إنما ذكَرنا أحاديثَ هذا البابِ وإن كان فيها للمرجئةِ تعلُّقٌ ؛
لأن المعتزلةَ أنكرت الحديثَ المروىَّ فى قوله: ((ومَن لم يأتِ بهن فليس له عندَ اللهِ
عهدٌ ، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفَر له)). وقالت: مَن لم يأتِ بهنَّ فهو فى النارِ
مخلَّدٌ. فردَّت الحديثَ المأثورَ فى ذلك عن النبيِّ بَّه من نقلِ العدولِ الثقاتِ،
وأنكرت ما أشبهه من تلك الأحاديثِ، ودفَعت قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا
يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. فضَلَّت وأَضَلَّت ، فذكرنا
فى هذا البابٍ من الآثارِ ما يضارعُ هذه الآيةَ حجةً عليهم . والحمدُ للهِ .
مالكٌ، عن أبى بكرِ بنِ عمرو بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ بنِ
القبس
(١ - ١) فى ر: ((كمالها بوضوها)).
(٢) ديوانه ص ٥٩.
(٣) فى الأصل: ((الأوقات)).
٢٠٢

خَشيتُ الصبحَ، نزَلتُ فأوتوْتُ، ثُم أدركتُه، فقال لى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: الموطأ
أين كنتَ ؟ فقلتُ له : خَشِيتُ الصبحَ ، فَتَزَلْتُ فأوترْتُ . فقال عبدُ اللهِ:
أليسَ لك فى رسولِ اللهِ وَّلَه [٤٦ ٥] أسْوَةٌ؟ فَقُلْتُ: بلى، واللـهِ. فقال: إِنَّ
رسولَ اللهِ وَّهِ كان يُوتِرُ على البعيرِ.
التمهيد
الخطابِ ، عن سعيدِ بنِ يسارٍ، قال : كنتُ أسيرُ مع عبدِ اللهِ بنِ عمرَ بطريقٍ
مكةَ. قال سعيدٌ: فلما خشِيتُ الصبحَ نزَلتُ فأوتَرتُ ثم أدركْتُهُ(١) ، فقال لى
عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: أين كنتَ ؟ فقلتُ : خشِيتُ الصبحَ فنزَلتُ فأوتَرتُ . فقال
عبدُ اللهِ: أليس لك فى رسولِ اللهِ أسوةٌ(١)؟ فقلتُ: بلى واللهِ. قال: فإن
رسولَ اللهِ وَهِ كان(١٢) يُوترُ على البعيرِ.
وقَع عندَ أكثرٍ شيوخِنا فى هذا الإسنادٍ(٤) : أبو بكرٍ بنُ عمرٍو، وكان
أحمدُ بنُ خالدٍ يقولُ : إن يحيى رواه : أبو بكرٍ بنُ عمرٍو، وهو خطأً ، إنما هو أبو
بكرِ بنُ عمرَ، كذلك رواه جماعةُ أصحابٍ مالكٍ(٥).
قال أبو عمرَ : هو كما قال أحمدُ بنُ خالدٍ : أبو بكرٍ بنُ عمرَ . وهو معروفُ
النسبٍ"، مشهورٌ عندَ أهلِ العلم، وحديثُه هذا حديثٌ ثابتٌ صحيحٌ، وفيه
القبس .
(١) فى الأصل، م: ((أدركت)).
(٢) بعده فى الأصل، ص، ر، م: ((حسنة)).
(٣) سقط من: م.
(٤) فى الأصل: ((الحديث)).
(٥) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٠٦، ٢٥٢)، وبرواية أبى مصعب (٣٠٠).
(٦) فى الأصل، م: ((بالنسب)).
٢٠٣

الموطأ
التمهيد
بيانُ أن الوترَ نافلةٌ لا فريضةٌ ، وردّ لقولٍ مَن أوجَب الوترَ فرضًا؛ لأن السُّنةَ المجتمَعَ
عليها أن المسافرَ وغيرَ المسافرِ لا يُصلِّى الفريضةَ على دايتِه أبدًا وهو آمِنٌ قادرٌ على
الصلاةِ بالأرضِ، ولا يجوزُ له ذلك، وسنَّ رسولُ اللهِ وَ لَه للمسافرِ أن يُصلِّىَ
على دايَّتِه النوافلَ ، وقد تقدَّم فى هذا الكتابِ بيانُ ذلك فى مواضعَ منه .
حدَّثَنَا خلفُ بنُ قاسم ، حدَّثَنا أبو الميمونِ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مُطرّفٍ
العسقلانىُ بعَشْقلانَ، حدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ (١) بن غزوانَ، قال :
سمِعتُ أبى ، قال: سألتُ مالكًا عن الرجلِ يُصَلِّى على دائِه، فقال: أخبرَنى
أبو بكرِ بنُّ عمرَ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، عن سعيدِ بنِ یسارٍ ، عن
ابنِ عمرَ قال: أوتَر رسولُ اللهِ وَلَه وهو راكبٌ .
وحدَّثَنا خلفُ بنُ قاسم، حدَّثَنا أحمدُ بنُ محمودٍ (١) بنِ خُلَيْدٍ، حدَّثَنا
عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ ، حدَّثَنَا أبى ، حدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، حدَّثَنَا
مالكٌ، عن أبى بكرِ بنِ عمرَ، عن سعيدِ بنِ يسارٍ ، عن ابنِ عمرَ ، قال: أوتَر
رسولُ اللهِ وَِّ على البعيرِ() .
قال أبو عمرَ : لما أوتَر رسولُ اللهِ ◌ّلآل على البعیرِ علمنا أن الوترَ حُكْمُه حكم
القبس
(١) فى ف: ((المؤمن)). وينظر تهذيب الكمال ٣٣٥/١٧.
(٢) فى ر: ((محمد)). وهو أحمد بن محمود بن أحمد بن خليد. وينظر تاريخ بغداد ١٥٧/٥.
(٣) أحمد ١١٣/٨، ١١٤، ١٧٦/٩ (٤٥١٩، ٥٢٠٩). وأخرجه ابن ماجه (١٢٠٠) من طريق
عبد الرحمن بن مهدى به ، وأخرجه أحمد ١٦٠/١٠ (٥٩٣٦)، وعبد بن حميد (٨٣٧-
منتخب)، والدارمى (١٦٣١)، والبخارى (٩٩٩)، ومسلم (٣٦/٧٠٠)، والترمذى (٤٧٢)،
والنسائى (١٦٨٧) من طريق مالك به .
٢٠٤

الموطأ
التمهيد
النافلةِ لا حكمُ الفريضةِ ، إذ لا خلافَ بينَ المسلمین ینقُلُ کاقَّتُهم عن کاقَّتِھم عن
نَبِّهِم ◌َِّ أن الفريضةَ لا يُصلِّيها على الدابةِ أحدٌ وهو آمِنٌ قادرٌ على أن يُصلِّيَها
بالأرضِ ، وإنما تُصَلَّى الفريضةُ على الدابةِ فى شدَّةِ الخوفِ ؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. [البقرة: ٢٣٩].
وقالت طائفةٌ من أهلِ العلم : إنما تُصلَّى فى شدةِ الطينِ والماءِ والوحَلِ على
الدابةِ لعدمِ الاستطاعةِ على صلاتِها فى الماءِ ، واللهُ لا يُكلِّفُ نفسًا إلا وُسْعَها .
فلما ثبت عن النبيِّ وَّهِ أَنه كان يُوتِرُ على البعيرِ بان بذلك أن الوترَ نافلةٌ لا
فريضةٌ ، ومما يدُلُّ على ذلك أيضًا قولُه وَله: (( خمسُ صلواتٍ كتَبهنَّ اللهُ على
العبادِ)). وقال الأعرابىُ النجدىُّ: هل علىَّ غيرُها؟ قال: ((لا، إلا أن
تَطوَّعَ))(١). وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿حَفِظُواْ عَلَى الصَّلَوَتِ وَالضَّلَوةِ
اُلْوُسْطَى﴾. [البقرة: ٢٣٨]. ولو كانت الصلواتُ سِتَّا لم يكُنْ فيها وُسْطَى.
وقد تقدَّم ذكرُ الحالةِ التى يجوزُ فيها التنفُّلُ على الدابةِ وما للعلماءِ فى ذلك
من التنازع والاعتلال فى بابِ عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ (٢) ، وبابٍ عمرو بنِ یحیی() من
هذا الكتابِ . والحمدُ للهِ .
وقد روى هذا الحدیث محمدُ بنُ داود بنِ أبی ناجيةً الإسكندرانىُ ، عن ابنِ
وهبٍ، عن مالك، عن الزهرىِّ، عن أنسٍ، قال: رأيتُ النبيُّ وَلَهِ يُصلِّى على
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٤٢٧).
(٢) سيأتى ص ٦١٦ - ٦٢٤.
(٣) سيأتى ص ٦١٤، ٦١٥ .
٢٠٥

٢٧٠ - مالك، عن يحيى بنٍ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أنه
الموطأ
قال : كان أبو بكرِ الصديقُ إذا أراد أن يأتىَ فراشَه أوتَرَ ، وكان عمرُ بنُ
١٠
الخطابِ يُوتِرُ آخرَ الليلِ .
قال سعيدُ بنُّ المسيَّبِ : فأما أنا ، فإذا جئتُ فِراشِى أُوتَوْتُ .
راحلتِهُ(١) حيثُ توجّهَتْ به. وكذلك رواه محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ قَخْطَبةَ ، عن
التمهيد
الحُنُينىِّ، عن مالك، عن الزهرىِّ، عن أنسٍ (١) . وهذا الإسنادُ خطأ عندَ أهل
العلمِ بالحديثِ، ولا يصِحُ فيه (٢) إلا ما فى ((الموطأُ)): مالكٌ، عن أبى بكرِ بنِ
عمرَ، عن أبى الحبابِ ، عن ابنِ عمرَ .
الاستذ کار
وأما وتز أبی بکر رضی اللهُعنه حین کان یأتی فراشه ، ووترُ عمر آخر الليلِ،
وقولُ سعيدِ بنِ المسيَّبِ : أمّا أنا فإذا جئتُ فراشى أوترتُ(٤) . ففيه الإباحةُ فى
تقديم الوترِ فى أولِ الليلِ وتأخيرِه عن ذلك. وهو أمرٌ مجتمَعٌ عليه، لا مدخلَ
للقولٍ فيه ؛ لأن الوترَ مِن صلاةِ الليلِ ، وصلاةُ الليلِ لا وقتَ لها محدودٌ ، وإنما
الأوقاتُ للمكتوباتِ ، فما فعَل الإنسانُ مِن ذلك فحسنٌ . وسيأتى القولُ فى آخرٍ
وقتٍ الوترِ فى بابٍ الوترِ بعدَ الفجرِ(٥) . إن شاء اللهُ تعالى.
قالت عائشةُ رضِى اللهُ عنها: مِن كلِّ الليلِ قد أوتَر رسولُ اللهِ وَلتره ، فانتھَی
القبس
(١) فى ف ١، ر، م: ((دابته)).
(٢) أخرجه الدارقطنى فى غرائب مالك - كما فى نصب الراية ٢/ ١٥١ - من طريق مالك به.
(٣) سقط من: ر، وفى ر ١: ((أبدًا)).
(٤) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٠٢).
(٥) سيأتى ص٢١٧ - ٢٢٢.
٢٠٦

الموطأ
الاستذكار
وترُه إلى السخَرِ (١).
وعن عائشةَ أيضًا قالت: ربما أوتَر رسولُ اللهِ نَّهِ أُولَ الليلِ، وربما أوتَر
(٢)
آخرَه(٢) .
وأما اختيارُ سعيدٍ فِعَلَ أبى بكرٍ رضِى اللهُ عنه دونَ فعلٍ عمرَ
رضِى اللهُ عنه مع علمِه بفضلِ الصلاةِ فى السحرِ؛ فلأن الأخذَ بالحزمِ فى
أمورِ الدينِ والدنيا أولَى؛ خوفَ غلبةِ النومِ فيصبح على غيرِ وترٍ. وكان
أبو بكرِ رضِى اللهُ عنه إذا استيقظَ وقد كان أوتَر يصلِّى ركعتين ركعتين
بعدَ أن أحرَز وترَه ◌ُ(٢). وقد كان مِن وصيةِ رسولِ اللهِ وَلِّ لأبى ذرّ،
وأبى الدرداءِ، وأبى هريرةَ، ألّا ينامَ أحدُهم إلا على وترٍ. وحَسْبُك
بهذا حجةٌ لاختيارِ سعيدٍ فعلَ أبى بكرٍ .
وقد رُوى عن النبيِّ وَلِّ أَنّه ذُكر له فعلُ أبى بكرٍ فى الوترِ وفعلُ عمرَ ، فقال:
((حذِر هذا)) - يعنى أبا بكرٍ - (وقوِى هذا)) ). يعنى عمرَ. ولم يفضِّلْ فعلَ
واحدٍ منهما ولا أنكَر عليه؛ لعلمِه بأنهما قد اجتهدا جُهدَهما .
القبس
(١) أخرجه البخارى (٩٩٦)، ومسلم (٧٤٥).
(٢) أخرجه أحمد ٢١١/٤٢ (٢٥٣٤٤)، وأبو داود (٢٢٦).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٨٥/٢، والبيهقى ٣٦/٣.
(٤) سيأتى تخريج هذه الآثار ص ٦٤٧، ٦٤٨ .
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٤٦١٥)، والطحاوى فى شرح المعانى ٣٤٢/١، عن سعيد بن المسيب
مرسلا، وينظر التلخيص الحبير ١٧/٢ .
٢٠٧

٢٧١ - مالكٌ، أنه بلغه أن رجلاً سأل عبدَ اللهِ بنَ عمرَ عن الوِتْرِ:
الموطأ
أواجبٌ هو؟ فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: قد أَوْتَرَ رسولُ اللهِ وَهِ وَأَوتَر
المسلمون. فجعَل الرجلُ يُرَدِّدُ عليه، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ يقولُ: أَوتَرَ
رسولُ اللهِ وَّهِ وَأَوتَر المسلمون .
٢٧٢ - مالكٌ، أنه بلغه أن عائشةَ زوجَ النبيِّ وَ لَه كانت تقولُ:
مَن خَشِى أن ينامَ حتى يُصْبِحَ، فَلْيُوتِرْ قبلَ أن ينامَ ، ومَن رجا أن يَستَقِظَ
الاستذكار
وأما سؤالُ الرجلِ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ عن الوترِ : أواجبٌ هو ؟ وجوابُ ابنِ
عمرَ له: أوتَر رسولُ اللهِ وَّله وأوتَر المسلمون. فردَّد عليه الرجلُ السؤالَ، فلم
یزِدْه علی هذا الجواب(١) . ففيه دليلٌ علی أن الوتر ليس بواجب ، ولو كان واجبًا
عندَه لأفصَح له بوجوبِه ، ولكنه أخبره بما دلَّه على أنه سنةٌ معمولٌ بها ، ليدفعَ عنه
تأويلَ الخصوصِ فى ذلك والنسخ؛ لأن فى رسولِ اللهِ وَلِّ الأسوة الحسنةَ، فلما
تلقَّى المسلمون عمله(٢) ذلك بالاتباع ، بان بأنه لم یخصَّ به نفسه ؛ کالوصالِ فی
الصيام وما أشبهه .
وقولُ عائشةَ رضي اللهُ عنها: مَن خشِى أن ينامَ حتى يصبحَ فَلْيُوتِرْ قبلَ أن
ينامَ ، ومَن رجًا أن يستيقظَ آخرَ الليلِ فَلْيُؤْخِّر وترَهُ(١) . تفسيرٌ لحديث أبى بكرٍ
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٠٣) .
(٢) فى م: «علمه)) .
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٠٤) .
٢٠٨

الموطأ
آخِرَ الليل، فلْيُؤخِرْ وترَه .
٢٧٣ - مالكٌ، عن نافع ، أنه قال : كنتُ مع عبدِ اللهِ بنِ عمرَ بمكةً
والسماءُ مُغِيمَةٌ، فَخشِى عبدُ اللهِ الصبحَ، فأوتَرَ بواحدةٍ ، ثُم انكشَف
الغَيْمُ ، فرأى أن عليه ليلاً ، فشفَع بواحدةٍ ، ثُم صلّ بعدَ ذلك ركعتين
ركعتين، فلمَّا خَشِى الصبحَ أوتَرَ بواحدةٍ .
الاستذكار
وعمرَ فى ذلك. إلا أن قولَها: ومَن رجًا أن يستيقظَ. فالرجاءُ قد يقَعُ(١) المرجوُّ
منه وقد لا يقعُ . ففعلُ أبى بكرٍ واختيارُ سعيدٍ ليس بمدفوعٍ بقولِها، ولكلِّ وجة .
وقد بيَّنا موضعَ الاختيارِ فى (( الفضائلِ والمباحاتِ))، وباللهِ العصمةُ والتوفيقُ.
وقد روَى عبدُ الحميدِ بنُ جعفرٍ، عن أبيه ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبى عَمْرةَ،
أنه سأل عبادةَ بنَ الصامتِ عن الوترِ ، فقال : أمرٌ حسنٌ جميلٌ، قد عمِل به
رسولُ اللهِ وَّهِ والمسلمون بعدَه(٢).
وأما حديثُ مالكِ، عن نافعٍ، قال: كنتُ مع ابنِ عمرَ بمكةً والسماءُ
مُغِيمَةٌ، فخشِى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ الصبحَ، فأوتَر بواحدةٍ ، ثم انكشَف الغَيْمُ،
فرأى أن عليه ليلاً ، فشفَع بواحدةٍ ، ثم صلَّى ركعتين ركعتين ، فلما خشِى الصبح
أوتَر بواحدةٍ(١٢) .
القبس
(١) فى م: ((نفع)).
(٢) تقدم تخريجه ص ١٩٢ .
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٥١)، وبرواية أبى مصعب (٣٠٥). وأخرجه الشافعى ١/ ١٤١،
٢٤٨/٧، والبيهقى فى المعرفة (١٤١٢) عن مالك به.
٢٠٩
( موسوعة شروح الموطأ ١٤/٥ )

الموطأ
فقد روى عن ابنِ عمرَ هذا المذهبُ فى شفعِ الوترِ بعدَ النومِ مِن وجوهِ .
الاستذكار
روی الثوریُ ، عن عبد الله بن دینارٍ ، عن ابن عمر ، أنه کان یشفڅ وترَه ، ثم
يصلِّى مَثْنَى مَثْنَى، ثم يوترُ. ورَوى الشعبىُّ، عن ابنِ عمرَ مثلَه(١).
وهذه مسألةٌ يعرفُها أهلُ العلمِ بمسألةِ نقضٍ الوترِ .
وقد رُوِى مثلُ قولِ ابنِ عمرَ فى ذلك عن علىٍّ، وعثمانَ ، وابنٍ مسعودٍ ،
وأسامةً ، ولم يُختلفْ عنهم فى ذلك ، واختلف فيها عن ابنِ عباسٍ، وسعدِ بنِ
أبى وقاصٍ (١) . وقال بمذهبِ ابنِ عمرَ فى ذلك جماعةٌ؛ منهم عروةُ بنُ الزبيرِ ،
ومكحولٌ، وعمرُو بنُ ميمونٍ(٢). وحُجَّتُهم قولُه وَلِّ: ((الوترُ ركعةٌ مِن آخِرٍ
الليل)) (٤) . وقولُه: ((فإذا خشِى أحدُ كم الصبحَ أَوتَر بركعةٍ واحدةٍ))(٥). وخالَف
هذا المذهبَ فى نقضٍ الوترِ جماعةٌ أيضًا مِن السلفِ ، فرُوِى عن أبى بكر الصديقِ
رضِى اللهُ عنه مِن وجوهٍ، أنه كان يوترُ قبلَ النوم(١)، ثم إن قام صلَّى ركعتين
ركعتين ولم يُعِدِ الوترَ . ورُوِى ذلك عن طائفةٍ مِن الصحابةِ أيضًا ؛ منهم عمارُ بنُ
ياسرٍ ، وعائذُ بنُ عمرٍو، وعائشةُ أُمّ المؤمنين(١) . وكانت عائشةُ تقولُ فى ذلك:
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٨٤/٢.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق ٢٩/٣ - ٣٢، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٨٣/٢، ٢٨٤، والأوسط
لابن المنذر ١٩٦/٥ - ٢٠٠.
(٣) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢٨٤/٢.
(٤) تقدم تخريجه ص١٨٣، ١٨٤.
(٥) تقدم فى الموطأ (٢٦٧).
(٦) تقدم تخريجه ص ٢٠٧.
٢١٠

الموطأ
أوتْرَانٍ فى ليلةٍ؟! إنكارًا منها لنقضِ الوترِ (١) . وقال بذلك مِن التابعين جماعةٌ؛ الاستذكار
منهم علقمةُ ، وأبو مِجْلٍ، وطاوسٌ، والنخعىُّ(١) . وهو قولُ مالكٍ، والأوزاعىّ،
والشافعى ، وأحمد بن حنبل ، وأبی ثورٍ ، والحجةُ لهم قوله ێ: ((لا وترانِ فی
ليلةٍ)) .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصرٍ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ،
قال : حدَّثنا ابنُ وضاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ
ابنُّ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: وحدَّثنا عبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ ،
قال: حدَّثنا علىُ بنُ المدينىّ، قالا: حدَّثنا مُلازِمُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ بدرٍ، عن قيسٍ بنٍ طَلْقٍ، عن أبيه طَلْقٍ بنٍ علىٍّ، قال: قال
رسولُ اللهِ وَلَ: ((لا وثْرانِ فى ليلةٍ)) (١).
فإن قيل: إن مَن شفَع الوترَ بركعةٍ، فلم يوتِزْ فى ركعةٍ قيل له :
محالٌ أن يشفعَ ركعةٌ قد سلَّم منها، ونام مُصَلِّيها، وتراخَى الأمرُ فيها،
وقد كتبها المَلَكُ الحافظُ وترًا، فكيف تعودُ شفعًا؟ هذا ما لا يصحُ فى
قياسٍ ولا نظرٍ. واللهُ أعلمُ .
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٣٤٣/١.
(٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٤٦٨٨ - ٤٦٩٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٨٥/٢.
(٣) ابن أبى شيبة ٢٨٦/٢. وأخرجه أحمد ٢٢٢/٢٦ (١٦٢٩٦)، وأبو داود (١٤٣٩)،
والترمذى (٤٧٠)، والنسائى (١٦٧٨)، وابن خزيمة (١١٠١) من طريق ملازم به.
٢١١

الموطأ
٢٧٤ - مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يسلّمُ بينَ
الر کیتین والر کعة فی الوتر ؛ حتی یأمر ببعضٍ حاجته .
وأما حديثُه عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يسلِّمُ بينَ الركعتين
الاستذ کار
والركعةِ " فى الوترِ" حتى يأمرَ ببعضٍ حاجتِه(١).
فهذه المسألةُ أيضًا اختلف فيها السلفُ والخلفُ ؛ فرُوى الفصلُ بينَ الشفع
وركعةِ الوترِ بالسلامِ عن عثمانَ، وسعدٍ ، وزيدِ بنِ ثابتٍ ، وابنِ عمرَ، وابنٍ
عباسٍ، وأبى موسى الأشعرىِّ، ومعاويةً، وابنٍ الزبيرٍ، وعائشةً (١ رضِى اللهُ
عنهم(٤). وكان معاذٌ القارئُّ(٥) يؤمّ جماعةٌ مِن أصحابِ النبيِّ وَّهِ فى رمضانَ،
فيفعلُ ذلك معهم(١) .
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُهما، وأحمدُ ، وأبو ثورٍ . وهو قولُ
سعيدِ بنِ المسيبِ ، والقاسمِ بنِ محمدٍ ، وعطاءِ بنِ أبى رباحٍ، وغيرِهم. وحُبَّةُ
مَن ذهَب هذا المذهبَ قولُهُ وَلَ: «صلاةُ الليلِ مَثْنى مَثْنى، فإذا خشيتَ الصبحَ
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٥٨)، وبرواية أبى مصعب (٣٠٦). وأخرجه الشافعى ١٤٠/١،
والبخارى (٩٩١)، والبيهقى ٢٦/٣ من طريق مالك به.
(٣) فى ح: ((على)).
(٤) ينظر الأوسط لابن المنذر ١٧٧/٥ - ١٨٠.
(٥) معاذ بن الحارث بن الأرقم الأنصارى القارى، يكنى أبا حليمة، أدرك من حياة النبى وَ ليل ست
سنين، وهو ممن أقامهم عمر يصلون بالناس التراويح، قتل يوم الحرة سنة ثلاث وستين. أسد الغابة
١٩٧/٥، والإصابة ١٣٨/٦.
(٦) أخرجه ابن المنذر فى الأوسط (٢٦٣٩).
٢١٢

الموطأ
فصلٌ ركعةُ توتِرُ لك ما قد صليتَ))(١). وما رواه جماعةٌ مِن أصحابِ ابنِ الاستذكار
شهابٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةً، عن عائشةً، أن رسولَ اللهِ وَلَّ كان
يصلِّى إحدى عشْرةَ ركعةً، يسلِّمُ بينَ كلِّ ركعتين منها ويوتِرُ بواحدةٍ(١).
وقد ذكرنا من قال ذلك عن ابنٍ شهابٍ ، ومن خالفه فيه فيما تقَدم من هذا
الکتاب .
وقال آخرون : الوتر ثلاثُ ركعاتٍ ، لا يُفصلُ بينَهن بسلامٍ .
رُوِى ذلك عن عمرَ بنِ الخطابِ ، وعلىٍّ بنِ أبى طالبٍ ، وعبدِ اللهِ بنِ عباسٍ
على اختلافٍ عنه، وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ ، وأبىّ بنِ كعبٍ ، وأنسٍ بنِ مالكٍ ،
وأبى أمامةَ(٢) . وبه قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأبو حنيفةً ، وأصحابُه، وهو الذى
استحبَّه الثورىُّ، وكان الأوزاعىُّ يقولُ : إن شاء فَصَل قبلَ الركعةِ بسلامٍ ، وإن
شاء لم يفصِلْ .
وحُجَّةُ هؤلاء حديثُ عائشةَ إذ سُئِلت عن صلاةِ رسولِ اللهِ وَلَه، فقالت:
كان يصلِّى أربعًا، فلا تَسَلْ عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، ثم يصلِّى أربعًا، فلا تَسَلْ عن
حُشْيهن وطُولِهِنَّ، ثم يصلِّى ثلاثًا(٤). قالوا: صلَّى أربعًا بغيرِ سلامٍ، وأربعًا
كذلك، وثلاثًا أوتَر بها. وما رواه ابنُ سيرينَ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَلِّ، أنه
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٢٦٧).
(٢) تقدم تخريجه ص١٢٦ .
(٣) ينظر الأوسط لابن المنذر ١٨٠/٥ وما بعدها.
(٤) تقدم فى الموطأ (٢٦٣).
٢١٣

الموطأ
٢٧٥ - [٤٦ظ] مالك، عن ابن شهابٍ، أن سعد بن أبى وقاصٍ
كان يُوتِرُ بعدَ العتَمَةِ بواحدةٍ .
قال يحيى : قال مالكٌ: وليس على هذا العملُ عندَنا، ولكن أَدنَی
الوترِ ثلاثٌ .
الاستذكار قال: ((صلاةُ المغربِ وترُ صلاةِ النهارِ )) (١) . ومعلوم أن المغربَ ثلاثُ ركعاتٍ ، لا
◌ُسلم إلا فى آخرِهن، فكذلك وترُ صلاةِ الليلِ .
وحديثُ أبى أيوبَ الأنصارىِّ، أن رسولَ اللهِ وَ لَهِ قال: ((مَن شاء أوتَر
بسبعٍ، ومَن شاء أوتَر بخمسٍ، ومَن شاء أوتَر بثلاثٍ، ومَن شاء أوتَر
(٢)
بواحدةٍ))(١) .
وأما حديثُه عن ابنٍ شهابٍ ، أن سعدَ بنَ أبى وقاصٍ كان يوترُ بعدَ العَتَمةِ
بركعةٍ واحدةٍ (٢) . قال مالكٌ: وليس على هذا العملُ عندَنا، ولكن أدنَى الوترِ
ثلاثٌ . وقد رُوى مثلُ فعلٍ سعدِ بنِ أبى وقاصٍ فى ذلك عن عثمانَ بنِ عفانَ ،
وابنِ عمرَ، وابنِ الزبيرٍ(٤). ورُوى أن معاويةَ فعَله، فذكر ذلك لابنِ عباسٍ،
فقال: أصابَ. أو قال: أصاب السنةَ(٥) . وقال جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ مِن
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٨٣.
(٢) تقدم تخريجه ص ١٨٤.
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٠٧). وأخرجه الشافعى ١٤٠/١، ٢٠٤/٧، والمروزى فى مختصر
الوتر ص١٢٣، والبيهقى فى السنن الصغرى (٧٩٣)، والمعرفة (١٣٨٩) من طريق مالك به .
(٤) تقدم ص ١٧٥ ، ١٧٦ .
(٥) تقدم تخريجه ص ١٧٦.
٢١٤

٢٧٦ - مالك، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان الموطأ
يقولُ : صلاةُ المغربِ وترُ صلاةِ النهارِ .
أصحابِ الشافعىِّ وغيرِهم: كلُّ مَن رُوِى عنه الفصلُ بينَ الشفعِ وركعةِ الوترِ الاستذكار
بسلامٍ مِن الصحابة والتابعين ، فهو مُجِيزٌ الوترَ بركعةٍ واحدةٍ ليس قبلَها شىءٌ .
وحجتُهم ما تقدَّم ذكرُه . وقالوا: ليس أحدٌ ممن يفصِلُ بينَ ذلك بسلامٍ ويُفرِدُ
الركعةَ مما قبلَها ، يكرهُ الوترَ بواحدةٍ ليس قبلَها شىءٌ، إلا مالكَ بنَ أنسٍ ومَن
تابعه .
وأجاز الشافعىُّ، وأحمدُ ، وأبو ثورٍ ، وداودُ الوترَ بواحدةٍ ليس قبلَها شیءٌمِن
صلاةِ النافلةِ ؛ إلا أنهم يَسْتحُّون أن يكونَ قبلَها صلاةٌ . قال الشافعىُّ : أقلُّها
ركعتان وأكثرُها عشرٌ، على ما ثبت عن النبيِّ ◌َله.
وأما مالكٌ فكان يكرهُ أن يوترَ أحدٌ بركعةٍ لا صلاةَ نافلةٍ قبلَها ، ويقولُ : أُّ
شىءٍ توتِرُ له الركعةُ، وقد قال رسولُ اللهِ وَلَهِ: ((توتِرُ له ما قد صلَّى))(١)؟ وكرِه
ابنُ مسعودٍ الوترَ بركعةٍ ليس قبلَها شىءٍ، وسمَّاها البَيراءَ (). وهو مذهبُ كلِّ
مَن رأى الوترَ ثلاثَ ركعاتٍ لا يُفصلُ بينَهن بسلامٍ .
وأما حديثُه عن عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، أنه كان يقولُ :
صلاةُ المغربِ وترُ صلاةِ النهارِ .
(٣)
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٢٦٧).
(٢) تقدم تخريجه ص ١٧٨.
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٤٩)، وبرواية أبى مصعب (٣٠٨).
٢١٥

قال يحيى: قال مالكٌ: من أوتَر أولَ الليلِ، ثُم نام، ثُم
الموطأ
قام، فبدا له أن يُصَلِّىَ، فَلْيُصَلِّ مَثْتَى مَثْتَى، فهو أحبُّ ما
سمِعْتُ إلىٍّ .
الاستذ کار
فقد رُوِى مرفوعًا عن النبيِّ وَلَه(١) . واستدلَّ بعضُ أصحابِنا على
أن الوترَ لا ينبغى أن يكونَ إلا بعدَ صلاةٍ أقلُّها ركعتان بهذا الخبرِ.
وقالوا: إذا كانت المغربُ وترَ صلاةِ النهارِ - يعنى المكتوباتِ؛ لأنها
مِن جنسِها - فكذلك ينبغى أن يكونَ الوترُ لصلاةٍ نافلةٍ تقدَّمتها، ولا
تكونَ ركعةً مفردةً .
قال مالكٌ: مَن أوتَر أولَ الليلِ، ثم نام ، ثم قام ، فبدا له أن يصلىَ، فلْيصلِّ
مَثْنى مَثْنى ، فهو أحبُّ ما سمعتُ إلىَّ فى ذلك . ولا يشفعُ وترَه ولا يعيدُه ، وهو
خلافٌ لابنِ عمرَ .
وقد ذكرنا مَن تقدَّم مالكًا إلى اختياره ذلك مِن السلفِ ، ومَن تابَع ابنَ عمرَ
على مذهبِه فى هذا البابِ .
وقد أخبرَ مالكٌ أن الخلافَ فى ذلك قد سمِعه ، واختار مِن ذلك ما اختاره،
وهو الاختيارُ عندَ أكثرِ الفقهاءِ .
القبس
(١) أخرجه أبو نعيم فى الحلية ٣٤٨/٦ من طريق مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعًا،
وتقدم تخريجه ص ١٨٣ من طريق ابن سيرين عن ابن عمر .
٢١٦٠

الوترُ بعدَ الفجرِ
الموطأ
٢٧٧ - مالكٌ، عن عبد الكريم بن أبى المخَارِقِ البصرىِّ، عن سعيدِ بنِ
جبيرٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ رقَد ، ثُمَّ استَثْقَظ ، فقال لخادمِه : انظُرْ ما صنَع
الناسُ. وهو يومئذٍ قد ذهَب بصرُه، فذهَب الخادمُ، ثم رجع فقال : قد
انصرَف الناسُ مِن الصبحِ. فقام عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ فأوْتَر، ثم صلَّى الصبحَ(١) .
٢٧٨ - مالكٌ، أنه بلَغه أَن عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ، وعُبادةَ بنَ
الصامتِ ، والقاسمَ بنَ محمدٍ ، وعبدَ اللهِ بنَ عامٍ بنِ ربيعةً، قد أَوْتَرُوا
بعدَ الفجرِ .
٢٧٩ - مالكٌ، عن هشام بن عروةً، عن أبيه، أن عبدَ اللهِ بنَ
مسعودٍ قال: ما أُبالى لو أُقيمتَ صَلاةُ الصبحِ وأنا أُوتِرُ.
بابُ الوترِ بعدَ الفجرِ (٢)
الاستذكار
مالكٌ ، عن ابنِ عباسٍ ، وعبادةَ بنِ الصامتِ ، وعبدِ اللَّهِ بنٍ عامٍ بنٍ ربيعةً،
والقاسم بن محمدٍ ، أنهم أوتَروا بعد الفجرِ(٣).
وعن ابنٍ مسعودٍ ، أنه قال: ما أُبالى لو أُقيمت الصلاةُ وأنا أوتِؤُ().
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٥٦)، وبرواية أبى مصعب (٣١٠). وأخرجه البيهقى ٤٨٠/٢
من طريق مالك به .
(٢) بعده فى الأصل، م: ((ذكر فيه)).
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب (٣١١). وذكره محمد بن نصر فى مختصر الوتر ص ١٤٠.
(٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٥٥)، وبرواية أبى مصعب (٣١٢). وأخرجه البيهقى ٤٨٠/٢
من طريق مالك به .
٢١٧

٢٨٠ - [٤٧ و] مالك، عن يحيى بن سعيدٍ، أنه قال: كان عُبادةُ بنُ
الموطأ
الصامتِ يَؤُمُّ قومًا، فخرَج يومًا إلى الصبح ، فأقام المؤَذِّنُ صلاةَ الصبح ،
فأسْكَتَه عُبادةُ حتى أَوْتَر، ثم صلَّى بهم الصبحَ .
٢٨١ - مالكٌ، عن عبد الرحمن بنِ القاسم، أنه قال: سَمِعتُ
عبدَ اللهِ بنَ عامٍ بنٍ ربيعةَ يقولُ: إِنى لأَوِرُ وأنا أسَمَعُ الإقامةَ. أو: بعدَ
الفجرِ. يشُكُ عبدُ الرحمنِ أَىَّ ذلك قال(١).
٢٨٢ - مالكٌ، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسمِ، أَنْه سَمِع أباه القاسمَ
ابنَ محمدٍ يقولُ: إِنی لأَوترُ بعدَ الفجرِ (١).
قال يحيى : قال مالك: وإِنما يُوتِرُ بعدَ الفجرِ من نام عن الوترِ ، ولا
ينبغِى لأحدٍ أن يتعمَّدَ ذلك حتى يضعَ وِتَرَه بعدَ الفجرِ.
الاستذ کار
وعن عُبادةَ بنِ الصامتِ ، أنه أسكت المؤذنَ بالإقامةِ لصلاةِ الصبحِ حتى
(٣)
أوترَ(٣).
وقال مالكٌ بأثر ذلك : إنما یوتر بعد الفجرِ مَن نام عن الوتر ، ولا ینبغی لأحد
أن يتعمدَ ذلك حتى يَضعَ وترَه بعدَ الفجرِ .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٥٣)، وبرواية أبى مصعب (٣١٤).
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٥٤)، وبرواية أبى مصعب (٣١٥). وأخرجه ابن أبى شيبة
٢٩٠/٢ من طريق مالك به .
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٥٧)، وبرواية أبى مصعب (٣١٣). وأخرجه البيهقى ٤٨٠/٢ من
طريق مالك به .
٢١٨

الموطأ
قال أبو عمرَ : اختلف السلفُ مِن العلماءِ والخلفُ بعدَهم فى آخِرِ وقتٍ الاستذكار
الوترِ، بعدَ إجماعِهم على أن أولَ وقتِه بعدَ صلاةِ العشاءِ، وأن الليلَ كلَّه حتى
ينفجرَ الصبحُ وقتٌّ له، إذ هو آخرُ صلاةِ الليلِ ، فقال منهم قائلون: لا يُصلَّى
الوترُ بعدَ طلوعِ الفجرِ ، وإنما وقتُها مِن صلاةِ العشاءِ إلى طلوع الفجرِ، فإذا طلَع
الفجرُ فلا وترَ. وممن قال هذا سعيدُ بنُّ جبيرٍ، ومكحولٌ، وعطاءُ بنُ أبى
رباح (١) . وهو قولُ سفيانَ الثورىِّ، وأبى يوسفَ ، ومحمدٍ .
وحُجَّتُهم حديثُ خارجةَ بنِ حُذَافَةَ العدوىِّ، قال: خرج علينا رسولُ اللَّهِ
مَّه، فقال: ((إن اللهَ قد أمدَّكم بصلاةٍ هى خيرٌ لكم مِن حُمْرِ النَّعَمِ هى الوترُ،
جعَلها اللهُ لكم ما بينَ صلاةِ العشاءِ وطلوعِ الفجرِ)) .
وقد ذكر أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً(٢)، عن هشيم، عن أبى هارونَ(٤)، عن أبى
سعيد الخدرىِّ، قال: نادَى مُنادى رسولِ اللهِ وَلَ: أَلَا ((لا وترَ بعدَ طلوع
الفجرِ )). وأبو هارونَ العَبْدُّ ليس ممن يُحْتَجُ به. وقال آخرون: يصلَّى الوترَ ما لم
يُصلِّ الصبحَ، فمَن صلَّى الصبحَ فلا يصلِّى الوترَ.
رُوى هذا القولُ عن ابنِ مسعودٍ ، وابنٍ عباسٍ ، وعبادةَ بنِ الصامتِ ، وأبى
الدرداءِ، وحذيفَةً، وعائشةَ(٥) . وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ،
القبس
(١) ينظر عبد الرزاق (٤٥٩٠، ٤٥٩٢)، وابن أبى شيبة ٢٨٩/٢، وابن المنذر ١٩٠/٥.
(٢) أخرجه الدارمى (١٦١٧)، وأبو داود (١٤١٨)، والترمذى (٤٥٢)، وابن ماجه (١١٦٨) من
حديث خارجة .
(٣) ابن أبى شيبة ٢٨٨/٢.
(٤) فى ح: ((هريرة)). وينظر تهذيب الكمال ٢٣٢/٢١.
(٥) ينظر الأوسط لابن المنذر ١٩١/٥.
٢١٩

الموطأ
الاستذكار وأبو ثورٍ، وإسحاقُ ، وجماعةٌ .
وهو الصوابُ عندى لأنى لا أعلمُ لهؤلاء الصحابةِ(١) مخالفًا مِن الصحابةِ .
فدلَّ إجماعُهم على أن معنى الحديثِ فى مراعاةٍ طلوع الفجرِ، أريدَ به ما لم تُصَلَّ
صلاةُ الفجرِ. ويحتمِلُ أيضًا أن يكونَ ذلك لمن قصَده واعتمدَه ، وأما مَن نام عنه
وغلَبته عينُه حتى انفجرَ الصبحُ، وأمكنَه أن يُصليّه مع الصبحِ قبلَ
طلوع الشمسِ فليس) ممن(٢) أريدَ بذلك الخطابِ، واللهُ الموفقُ للصوابِ.
وإلى هذا المعنى أشار مالكٌ رحِمه اللهُ .
وأما مَن أوجب قضاءَ الوترِ بعدَ طلوع الشمس فقد شذَّ عن الجمهورِ وحكم
للوترِ بحكم الفريضةِ، وقد أوضحنا خطأ قولِه فيما مضَى مِن هذا الكتابِ (٤).
روى ذلك عن طائفةٍ مِن التابعين ، منهم طاوسٌ ، وهو قولُ أبى حنيفةَ ، وخالَفه
صاحباه . إلا أن مِن أهلِ العلم مَن استحبَّ، ورأى إعادةَ الوترِ بعدَ طلوع
الشمسٍ . وقال الثورىُّ: إذا طلعت الشمسُ فإن شاء قضاه ، وإن شاء لم يَقْضِه .
وقال الأوزاعىُ : يَقضِيه متى ما ذكَرَه مِن يومِه حتى يصلىَ العشاء الآخرةَ،
فإن لم يَذكرْ حتى صلَّى العشاءَ لم يقضِه بعدُ ، فإن فعَل شفَع وترَه . قال الليثُ:
يَقْضِيه بعدَ طلوع الشمسِ. وقال مالكٌ والشافعىُّ: لا يَقْضِيه. واختلف
أصحابنا وغيرُهم فيمَن ذكّر الوتَر فى صلاةِ الصبحِ .
القبس
(١) سقط من: ح.
(٢ - ٢) فى الأصل: ((الفجر فليس))، وفى م: ((الشمس)).
(٣) فى الأصل، م: ((مما)).
(٤) تقدم ص ١٨٥، ١٨٦ .
٢٢٠