Indexed OCR Text

Pages 621-640

الموطأ
التمهید
تَوَجَّهَتْ به تَطَؤُّعًا، وقال كان رسولُ اللهِ وَلِهِ يَفْعَلُهُ(١).
وأخبرَنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثَنا محمدُ بنُ بَكْرٍ ، قال: حدَّثَنَا أَبو
داودَ ، قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثَنَا ابْنُ وهبٍ ، قال : أخبرَنا
يونسُ ، عن ابن شهابٍ، عن سالم، عن أبيه، قال: كان رسولُ اللهِ ێ یُسَبِّحُ
على الرَّاحلةِ أىَّ وجهٍ توَجَّهَ ويُوتِرُ عليها، غيرَ أنَّه لا يُصَلِّى عليها المَكْتُوبَةَ(٢).
وأُخْبَرنا سعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثَنَا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ رَوْحِ المدائِنِىُّ، قال: حدَّثَنَا شبابةُ بنُ سَوَّارِ ،
قال: حدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ العلاءِ بنِ زبرِ الشَّامِىُّ، قال: حدَّثَنا القاسمُ بنُ
محمدٍ ، وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ ، ونافعٌ، كلُّهم عن ابنِ عمرَ ، قال : كان رسولُ اللهِ
مَّ يُصَلِّى على دابَّتِه حيثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ تَطَوَّعًا().
وأخْبَرنا سعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال :
حدَّثَنَا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثَنَا أبو بكرِ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثَنَا ابنُ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٨٨/٩ (٥٠٦٢) عن يزيد به، وأخرجه أحمد ٣٧٤/٩ (٥٥٢٩) من طريق شعبة
به .
(٢) أبو داود (١٢٢٤). وأخرجه الدارقطنى ٣٥/٢ من طريق أحمد بن صالح به، وأخرجه ابن
وهب فى موطئه (٣٤٤)، ومن طريقه مسلم (٣٩/٧٠٠)، والنسائى (٤٨٩، ٧٤٣)، وابن خزيمة
(١٠٩٠، ١٢٦٢)، والبيهقى ٦/٢.
(٣ - ٣) فى ق: ((أبو زيد))، وفى ص: ((أبو زبر))، وابن زبر وأبو زبر، كلاهما صواب. وينظر
تهذيب الكمال ٤٠٥/١٥.
(٤) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٧٢٥٤) من طريق شبابة بن سؤَّار به .
٦٢١
٠

الموطأ
التمهيد
عليةً، عن هشامِ الدَّسْتَوائىٌّ، عن يحيى بنِ أبى كثيرٍ، عن محمدِ بنِ
عبد الرحمنِ، عن جابرٍ، قال: كان رسولُ اللهِ وَلَهِ يُصَلَّى على راحلته نحوَ
المشرقٍ ، فإذا أراد أن يُصَلِّىَ المكتوبةَ، نزَل فاسْتَقْبَلَ القبلةَ(١) .
وحدَّثَنَا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثَنَا قاسمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثَنَا
عبيدُ بنُ عبدِ الواحدِ ، قال: حدَّثَنا أبو صالح محبوبُ بنُ موسى الفرَّاءُ، قال :
حدَّثَنا أبو إسحاقَ الفزارىُّ، عن سفيانَ، عن أبى الزبيرِ، عن جابرٍ ، قال: بعَثنی
رسولُ اللهِ وَّهِ لحاجةٍ(٢)، فَجِئْتُ وهو يُصَلِّى على راحلته نحوَ المشرقِ يُومِىُّ
إيماءً؛ السجودُ أخفضُ مِن الركوع. قال: فسَلَّمْتُ فلم يَرُدَّ علىَّ، فلما سلَّمَ
قال: ((مَا منَعنى أنْ أَرُدَّ عليك إِلَّا أَنِّى كُنْتُ أُصَلِّى))(٣).
واختلف الفقهاءُ فى المسافرِ سفرًا لا تُقْصَرُ فى مثلِهِ الصَّلاةُ ؛ هل له أنْ
يَتَنَفَّلَ على راحلته ودايَّتِه أم لا؟ فقال مالكٌ ، وأصحابُه ، والثورىُّ: لا
يَتَطَوَُّ على الراحلةِ إلّ فى سفرٍ تُقْصَرُ فى مثلِهِ الصَّلاةُ. وحُجَّتُهم فى ذلك
أنَّ الأسفارَ التى حُكِى عن رسولِ اللهِ وَّ أَنَّه كان يَتَطَوَُّ فيها على راحلته
كانت ◌ِمّا تُقْصَرُ فيها الصَّلاةُ؛ فالواجبُ ألا يُصَلِّىَ إلى غيرِ القبلةِ إلَّ فِى
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٢/ ٤٩٤. وأخرجه أحمد ١٧٢/٢٢، ٤٠٤ (١٤٢٧٢، ١٤٥٣٣) عن ابن علية
به .
(٢) فى ص: ((بحاجة)).
(٣) أخرجه أحمد ٤٢٠/٢٢ (١٤٥٥٥)، وأبو داود (١٢٢٧)، والترمذى (٣٥١) من طريق
سفيان الثورى به .
٦٢٢

الموطأ
الحالِ التى ورَدت بها السنةُ لا تُتَعَدَّى. وقال الشافعىُّ، وأبو حنيفةً، التمهيد
وأصحابُهما ، والحسنُ بنُ حىٍّ ، والليثُ بنُ سعدٍ ، وداودُ بنُ علىٍّ: يجوزُ
التَّطَوِّمُ على الراحلةِ خارجَ المِصْرِ فى كلِّ سفرٍ، وسَوَاءٌ كان مِمَّا تُقْصَرُ فيه
الصَّلاةُ أو لا تُقْصَرُ. وحُجَّتُهم أَنَّ الآثارَ فى هذا البابِ ليس فى شىءٍ منها
تَخْصِيصُ سفرٍ من سفرٍ، فكلُّ سفرٍ جائزٌ ذلك فيه إلّا أنْ يُخَصَّ شىءٌ مِن
الأسفارِ بما يجبُ التسليمُ له. وقال أبو يوسفَ: يُصَلَّى فى المِصْرِ على
الدابةِ بالإيماءِ؛ لحديثِ يحيى بن سعيدٍ ، عن أنسٍ بن مالكِ أنَّه صَلَّى على
حمارٍ فى أَزِقَّةِ المدينةِ، يُومِىُّ إِماءٍ (١) . وقال الطبرىُّ: يجوزُ لكُلِّ راكبٍ
وماشٍ، حاضِرًا كان أو مسافرًا، أَنْ يَنَقَّلَ على دائِه، وراحلتِه، وعلى
رِجْلَيْهِ. وحكى بعضُ أصحابِ الشافعىِّ أنَّ مذهبهم جوازُ التَّنَقُّلِ على الدَّابَّةِ
فى الحضرِ والسَّفَرِ. وقال الأثرمُ: قيلَ لأحمدَ بنِ حنبل: الصَّلاةُ على الدَّايَّةِ
فى الحضرِ؟ فقال: أما فى السفرِ فقد سمِعنا، وما سمعتُ فى الحضرِ .
وقال ابنُ القاسِم: مَن تَنَفَّلَ فى مَخْمِلِه تَنَفَّل جالسًا؛ قيامَه تَرَبَّع،
ويَرْكَعُ واضعًا يَدَيْه على رُكْبَيْهِ ثم يَرْفَعُ رأسَه . قال عبدُ العزيزِ بنُ أبى
سلمةً: ويُزِيلُ يَدَيْه، ثم يَثْنِى رِجْليه، ويُومِئُ(٢) لسجودِهِ، فإِنْ لم يَقْدِرْ أَوْمَأْ
القبس
(١) فى الأصل، ص، م: ((مما)).
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٩٥/٢ من طريق يحيى به .
(٣) فى ص: ((يدنی)).
٦٢٣

٣٥٦ - وحدَّثنى عن مالِكِ، عن يحيى بنِ سعيدٍ ، قال: رأيتُ
الموطأ
أنسَ بنَ مالكِ فى السفرِ وهو يصلَّى على حمارٍ، وهو مُتوجّةٌ إلى غيرِ
القبلَةِ ، يَركَعُ ويَسْجُدُ إيماءً، مِن غيرِ أن يَضعَ وجهَه على شىءٍ .
مُتَرَبِّعًا. وقد ذكَرْنا حكم صلاةِ المريضِ فى بابِ إسماعيلَ(١) . والحمدُ للهِ،
وبه التوفيقُ .
التمهید
الاستذ کار
قال أبو عمرَ : ذكّر مالكٌ حديثَ يحيى بنِ سعيدٍ هذا عن أنسٍ فلم يقلْ فيه :
فى أزقَّةِ المدينةِ . بل قال فيه : عن يحيى بنِ سعيدٍ : رأيتُ أنسَ بنَ مالكِ فى السفرِ
وهو يصلِّى على حمارٍ ، متوجهًا إلى غيرِ القبلةِ، يركعُ ويسجدُ إيماءً، مِن غيرٍ أن
يضعَ وجهَه على شىء .
ولم يَرْوِهِ عن يحيى بنِ سعيدٍ أحدٌ يقاسُ بمالكِ ، وقد قال فيه : فى السفرِ .
فبطَل بذلك قولُ مَن قال : فى أزقةِ المدينةِ . يريدُ الحضرَ.
القبس
(١) ينظر ما تقدم ص ٣٨٠ - ٣٨٨.
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٠٨)، وبرواية أبى مصعب (٤٠١). وأخرجه عبد الرزاق
(٤٥٢٣) عن مالك به .
٦٢٤

صلاةُ الضُّحَى
الموطأ
التمهيد
القبس
صلاةُ الضُّحَی
الضُّحَى مقصورٌ : طلوع الشمسِ، والضَّحَاءُ ممدودٌ : ضياؤُها وإشراقُها . قال
الشاعر(١):
أعجلَها أقدُحىُ الضَّحاءَ ضُحى
وهى تُناصِى(١) ذوائبَ السَّلَمُ(١)
يَصِفُ إِلَّا ضِرَب عليها بالمَسرِ(٤) ضُحَى فَقَمَرَها (٥) ونحَرها قبلَ أن تبلُغَ الضُّحَى .
وَكَان رسولُ اللهِ وَّةٍ لا يُصَلِّيها، وقد كان يَدَمُ العملَ رِفْقًا بأمتِه ، وله أجرُه ، قائمٌ فيه .
أمَّا أنه رُوِى عنه أنه صلَّى فى دارِ الرجلِ الضخمِ الضُّحَى(١)، ورُوِى عنه أنه قال:
((يُصبحُ كلَّ يومٍ على كلِّ سُلاَمَى(١) مِن ابنِ آدمَ صَدَقةٌ؛ فأمْرُه بالمعروفِ صَدَقةٌ ، ونَهْيُه
عن المنكرِ صَدَقةٌ، وإماطَتُه الأَذَى عن الطريقِ صَدَقَةٌ، وركعتانٍ تُجْزِيان مِن ذلك
كلِّه))(١). ورُوِى عنه أنه صَلَّاها فى حديثٍ أمّ هانىٍّ شكرًا للهِ على ما منَحه مِن فتحٍ
(١) هو النابغة الجعدى، والبيت فى ديوانه ص ١٥٧.
(٢) فى م: ((تنابيك عن)). وتناصى الذوائب: تجذبها. اللسان (ن ص ى).
(٣) السلم: شجر من العضاه، يدبغ به ، واحدته سلمة. الوسيط (س ل م).
(٤) فى م: (( بالسير)).
(٥) قمَرتُ الرجلَ أقمِره، بالكسر. إذا لاعبته فغلبته. التاج (ق م ر).
(٦) سيأتى ض ٦٦٣ .
(٧) السَّلامَى: جمع سُلامِيَة وهى الأنملة من أنامل الأصابع، ويجمع على سلاميات؛ وهى التى بين
كلِّ مفصلين. انظر النهاية ٣٩٦/٢.
(٨) سيأتى تخريجه ص ٦٤٦، ٦٤٧ .
٦٢٥
( موسوعة شروح الموطأ ٤٠/٥ )

الموطأ
٣٥٧ - وحدَّثنى يحيى ، عن مالك ، عن موسى بنِ مَیسَرةً ، عن
أبى مُرَّةً مولَى عَقِيلٍ بنِ أبى طالبٍ ، أن أمَّ هانئ بنتَ أبى طالبٍ أُخبرته،
أُن رسولَ اللهِ پلټ صلَّی عام الفتح ثمانی ر کعاتٍ، مُلتحِفًا فی ثوبٍ
واحدٍ .
التمهيد
مالكٌ، عن موسى بن ميسرةَ ، عن أبى مُرَّةَ مولى عَقيلِ بنِ أبى طالب ، أنَّ أُمَّ
هانِىٌّ بنتَ أبى طالبٍ أُخبرَته، أنَّ رسولَ اللهِ وَالتّ صلَّى عام الفتح ثمانِیَ ركَعاتٍ
مُلْتَحِفًا فى ثوبٍ واحد (١).
قال أبو عمرَ : أبو مُرَّةَ هذا قيلَ: اسْمُه يَزِيدُ . ويقالُ: هو مَوْلَى أمّ مانِئٍّ.
والصحيحُ أنَّه مَوْلَى عَقيلٍ بِنِ أبى طالبٍ كما قال مالكٌ عن أبى النَّضْرِ(١)،
وموسى بنٍ ميسَرَةَ. وأمَّا أم هانِىٌّ فقد ذكرناها فى (الصحابة)) (١) بما يُغْنِى
عن ذِ کرها هھُنا .
وذكَّرَ بعضُ من ذهَب مذْهَبَ العِراقِينَ فى أنَّ صلاةَ النهارِ جائزٌ أنْ تكونَ
أربعًا، وستًّا، وثمانيًا، وأكثرَ، لا يُسَلَّمُ إلَّا فى آخِرِهنَّ، أنَّ حديثَ أُمِّ هانِئَّ هذا
فى صلاتِه عليه السلامُ صلاةَ الضُّحَى يَشْهَدُ له؛ لأنَّه ليس فيه أنَّ رسولَ اللهِ وَّه
مكةً ، فكان ذلك فى الضُّحَى بالاتفاقِ لا بالقَصْدِ .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٦١)، وبرواية أبى مصعب (٤٠٢). وأخرجه أحمد ٣٨٦/٤٥
(٢٧٣٩٢)، والطحاوى فى شرح المعانى ٣٨٠/١، والطبرانى ٤١٩/٢٤ (١٠١٨) من طريق مالك به.
(٢) سيأتى فى الموطأ (٣٥٨).
(٣) الاستيعاب ٤/ ١٩٦٣.
٦٢٦

الموطأ
التمهید
سَلَّمَ فى شىءٍ منها إلَّا فى آخِرِها .
قال أبو عمرَ: وليس له فيما ذكَر مِن ذلك حُجَّةٌ؛ لأَنَّه حديثٌ مُجْمَلٌ
يُفَسِّرُه غيرُه، وقد رَوَى علىِّ الْأَزْدِىُّ الْبَارِقِىُّ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَلِّ، أَنَّه
قال: ((صلاةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ مَثْنَى مَثْنَى))(١). وبه كان يُفْتِى ابنُ عمرَ.
ذكَرَ مالِكٌ (٢) أنَّه بلَغَه، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقولُ : صلاةُ الليلِ والنَّهارِ
مَثْنَى مَثْنَى .
و: ((مَثْنَى مَثْنَى)). يَقْتَضِى الْجُلُوسَ والسَّلامَ فى كلِّ رَكْعَتيْنِ، وممّا يَدُلُّ
على أنَّ صلاةَ النَّهارِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنٍ كصلاةِ الليلِ سَوَاءٌ، قولُهُ وَِّ: (إذا دخَلَ
أحَدُكم المسجدَ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ))(١٢). وَأَنَّه ◌ِِّ كَانَ يُصَلِّى قبلَ الظُّهْرِ
رَكْعَتَيْنٍ، وبعدَها رَكْعَتَيْنٍ، وقبلَ الفَجْرِ ركعتينِ (٤)، وأَنَّه كان إذا قَدِمَ مِن سَفَرٍ
صلَّى ركعتين(٥) . وعلى هذا القولِ جماعةُ فقهاءِ الحِجازِ. وإليه ذهَبَ مالكٌ
والشَّافِعِىُّ. وبه قال أحمدُ بنُ حَنْتَلٍ ، واخْتَجَّ بنحوِ ما ذكَرْنَا . وكان يخْبَى بنُ
معينٍ يُخالِفُ أحمدَ فى حديثٍ علىِّ الأَزْدِىِّ ويُضَعِّفُه ولا يَحْتَجُ به، ويذْهَبُ
القبس
(١) تقدم ص ١٧٢، وسيأتى ص ٦٣٠.
(٢) تقدم فى الموطأ (٢٦١).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٣٨٩).
(٤) سيأتى فى الموطأ (٤٠١).
(٥) أخرجه أحمد ٥٢/٢٥ - ٥٤ (١٥٧٧٢ - ١٥٧٧٥)، والبخارى (٣٠٨٨)، ومسلم (٧١٦)
من حديث كعب بن مالك .
٦٢٧

الموطأ
التمهيد
مِذْهَبَ الكُوفِتِينَ فى هذه المسألةِ ، ويقولُ: إنَّ نافعًا وعبدَ اللهِ بنَ دِينارٍ وجماعةً
رَوَوا هذا الحديثَ عن ابنِ عمرَ، لم يَذْكُرُوا فيه: ((والنَّهارِ)) (١) .
قال أبو عمرَ: قولُ(٢) أحمدَ مع أنَّه مَذْهَبُ الحِجَازِيِّينَ أَوْلَى؛ لأنَّ ابنَ عمرَ
روَى هذا الحديثَ وفَهِمَ مَخْرَجَه، وكان يقولُ بأنَّ صلاةَ اللَّلِ والنَّهارِ مَثْنَى
مَثْنَى، ولم يكنِ ابنُ عمَ لِيُخالِفَ رسولَ اللهِ وَلِّلُو فَهِمَ عنه (١) أنَّ صلاةَ النَّهارِ
بخِلافٍ صلاةِ اللَّيْلِ فى ذلك . وبالله التوفيقُ .
وقد رَوَى اللَّيْثُ، عن ("عبدِ ربِّه) بنِ سعيدٍ، عن عمرانَ(٥) بنِ أبى(٦) أنسٍ،
عن عبدِ اللهِ بنِ نافعٍ ، ابنِ العَمْيَاءِ، عن ربيعَةَ بنِ الحارثِ ، عن الفضلِ بنِ عباسٍ ،
عن النبيِّ وَِّ، أَنَّه قال: ((الصَّلاةُ مَنْتَى مَثْنَى))(٢). لم يَخُصَّ ليلًا مِن نَهارٍ، ولكِنَّه
إِسْنادٌ مُضْطَرِبٌ ضعيفٌ، لا يُخْتَجُ مِثْلِه؛ رَوَاه شُعْبَةً على خِلافٍ ما رَوَاه اللَّيْثُ ،
وقد ذكَْنَاه فى بابِ نافعٍ(٨) . والحمدُ للهِ.
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٢٦٧).
(٢) فى م: ((مذهب)).
(٣) سقط من: م.
(٤ - ٤) فى م: ((عبد الله)). وينظر تهذيب الكمال ١٦/ ٤٧٦.
(٥) فى م: ((عمر أن)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠٩/٢٢.
(٦) ليس فى: الأصل .
(٧) أخرجه أحمد ٣١٥/٣ (١٧٩٩)، والترمذى (٣٨٥)، والنسائى فى الكبرى (٦١٥، ١٤٤٠)
من طريق الليث به .
(٨) تقدم تخريجه ص ١٧١ .
٦٢٨

الموطأ
التمهيد
ورَوَى ابْنُ وَهْبٍ، عن عِياضٍ، عن مَخْرَمَةً بِنِ سُلَيْمانَ، عن كُرِئْبِ
مولى (١) ابنِ عباسٍ، عن أَمّ هانئٌ، فى(٢) هذا الحديثِ عن رسولِ اللهِ وَلَ فِى
صلاةِ الضُّحَى الثَّمانِى رَكَعاتٍ ، أَنَّ كانَ يُسَلِّمُ من(١) كلِّ اثْنَتَيْنِ منها. وهذا
إِسْنادٌ اخْتَجّ به أحمدُ بنُ خَتْبَلٍ .
قال أبو بَكْرِ الأثرمُ: قيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ، (* يعنى أحمدَ) بنَ حَنبلٍ: أليسَ
قد رُوِىَ أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ، صلَّى قبلَ الظّهرِ أربعًا؟ فقال: وقد رُوِىَ أَنَّ
النبيَّ وَّهِ صلَّى الضُّحَى ثَمَانِىَ رَكَعاتٍ، أَفَتْرَاه لم يُسَلِّمْ منها(٢)؟ ثم قال
أبو عبدِ اللهِ: هذا حديثُ أُمّ هانئ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ صلَّى الضُّحَى ثَمَانِىَ
رَكَّعاتٍ ، حديثٌ ثبْتٌ(٧) . قال أبو بكرٍ : رُوِىَ حديثُ أُمِّ هانئٌ مِن وجوهٍ لم
يُذْكَرْ فيها التَّسْلِيمُ، ثم وجدتُه مُفَسَّرًا على ما تَأْوَلَه أبو عبدِ اللهِ.
حدَّثنا علىُّ بنُ أحمدَ بنِ القاسمِ الباهِلِىُّ، قال: حدَّثنا ("عبدُ اللهُِ بنُ
وَهْبٍ ، قال: أخبرَنِى عِياضٌ؛ يعنى ابنَ عبدِ اللهِ الفِهْرِئَّ، عن مَخْرَمَةً بنٍ
القبس
(١) فى النسخ: ((عن)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) سقط من: ى، م.
(٣) فى الأصل، م: ((فى)).
(٤ - ٤) سقط من: م.
(٥) فى ى، م: ((فيها)).
(٦) سقط من: م.
(٧) فى الأصل: ((يثبت)).
(٨ - ٨) فى ى: ((سليمان)). وينظر تهذيب الكمال ٢٧٧/١٦.
٦٢٩

الموطأ
التمهيد سليمانَ، عن كريبٍ مولَى(١) ابنِ عباسٍ، عن أمّ هانىٌّ بنتِ أبى طالبٍ، أَنَّ
رسولَ اللهِ وَّهِ صِلَّى(٢) الضُّحَى ثَمانِىَ ركعاتٍ، سلَّمَ مِن كلِّ رَكْعَتَيْنِ(٣).
وهذا يدلُّ على أنَّ قولَه وَهُ: ((مَثْنَى مَثْنَى)). خرَجَ على جَوابِ السائلِ عن
صلاةِ الليلِ، فقيلَ له : ((مَثْنَى مَثْنَى)). ولو سألَ عن صلاةِ النهارِ، احْتَمَلَ أنْ يُقالَ
له كذلك أيضًا، ويَدُلُّ أيضًا على أنَّ زِيادَةَ علىّ الأزْدىِّ عن ابنٍ عمرَ غيرُ
مدفوعةٍ ) . وَحسْبُكَ بِفَتْوَى ابنِ عمرَ الذى رَوَى الحديثَ ، ومَن رَوَى شيئًا سُلِّمَ
له فى تَأويلِه؛ لأنَّه شَهِدَ مَخْرَجَه وفَحْوَاهُ .
وأمَّا صلاةُ الضُّحَى، واخْتِلافُ الآثارِ فيها، وما للعلماءِ فى ذلك كلِّه، فقد
تَفَضَّيْنَاه فى بابِ ابنِ شِهابٍ ، عن عروةَ، مِن كتابِنا هذا ، فلا وَجْهَ لإِعادَتِه
ههُنا.
أُخبرَنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبغَ ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ زُهيْرٍ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ مرزُوقٍ ، قال : أنبأنا شعبةُ ، عن یعْلَی بنِ
عطاءٍ، عن علىِّ بنِ عبدِ اللهِ البارقِيّ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَ لَه قال: ((صلاةٌ
الليلِ والنهارِ مَثْنَى مَثْنَى))(١).
القبس
(١) فى النسخ: ((عن)). والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) بعده فى ى: ((يوم))، وبعده فى مصادر التخريج عدا صحيح ابن خزيمة: ((يوم الفتح)).
(٣) أخرجه أبو داود (١٢٩٠)، وابن ماجه (١٣٢٣)، وابن خزيمة (١٢٣٤) من طريق ابن وهب به .
(٤ - ٤) فى الأصل: ((مدفوعة))، وفى م: ((غير مرفوعة)).
(٥) سيأتى ص ٦٤١ - ٦٥٢ .
(٦) أخرجه أبو داود (١٢٩٥) عن عمرو بن مرزوق به. وتقدم من طريق شعبة ص ١٧٢ .
٦٣٠

الموطأ
قال أبو عمرَ : روَى سالمٌ، ونافعٌ، وعبدُ اللهِ بنُ دينارٍ، وأبو سلمةً، التمهيد
وطاوسٌ، وعبدُ اللهِ بنُ شقيقٍ ، ومحمدُ بنُ سيرينَ، كلَّهم عن ابنٍ
عمرَ، عن النبيِّ وَّهِ: ((صلاةُ الليلِ مَثْنَى مَثْنَى(١))). لم يذْكُرُوا
(٣)
النهارَ .
ورَوَى يحيى بنُ سعيدِ الأَنْصَارِىُّ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أَنَّه كان
يَتَطَوَُّ بالَّهارِ أَرْبَعًا، لا يَفْصِلُ بينَهُنَّ. وقد ذكَّرنَاه فى بابٍ نافع() .
وهذا خِلافُ ما ذكَرَ مالكٌ أَنَّه بلَغَه عنه، ومالكٌ لا يَزْوِى إلَّا عن ثِقَةٍ ،
وبَلاغَاتُه إذا تُفُقِّدَتْ لم تُوجَدْ إلَّا صِحاحًا، فحصَلَ ابنُ عمرَ مُخْتَلفًا عنه
فى فِعْلِه، وفى حديثِه المرفوعِ، إِلَّا أنَّ مَن(٥) حمَلَ المرفوعِ مِن حديثه
الذى فيه الحُجّةُ على أنَّه خرَجَ على جوابِ السائلِ؛ بدليلٍ رِوَايَةٍ علىَّ(٥)
الأزْدِىِّ عنه - كان مَذْهَبًا حَسَنًا، وعليه أكثرُ فقهاءِ الحِجازِ، وأكثرُ أهلِ
الحديثِ . وباللهِ التوفيقُ .
القبس
(١) فى ى: ((سفيان)). وينظر تهذيب الكمال ٨٩/١٥.
(٢) سقط من: ى، م.
(٣) تقدم تخريجه ص ١٦٨، ١٨٢، ١٨٣.
(٤) تقدم تخريجه ص ١٧٠ .
2
(٥) سقط من: م.
٦٣١

الموطأ
٣٥٨ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك، عن أبى النَّضْرِ مولَى عمرَ
ابن عبيدِ اللهِ ، أن أبا مُرَّةً مولَى عَقيلٍ بن أبى طالبٍ أخبره ، أنه
سمِع أمَّ هانى بنتَ أبى طالبٍ [٥٦] تقولُ: ذهَبتُ إلى
رسولِ اللهِ وَوَل عامَ الفتح، فوجَدتُه يغتَسِلُ وفاطمةُ ابنتُه تستُرُه
بَثَوبٍ. قالت: فسلَّمتُ عليه، فقال: ((من هذه؟)). فقلتُ: أُمُّ
هانىّ بنتُ أبى طالبٍ. فقال: ((مرحبًا بأمّ هانى)). فلمَّا فرَغ مِن
غُسلِه قام فصلَّى ثمانىَ ركعاتٍ، مُلتَحِفًا فى ثوبٍ واحدٍ ، ثم
انصرَف ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ، زعَم ابنُ أمِّى علىٌّ أنه قاتِلٌ رجلًا
أَجَرْتُه؛ فلانُ بنُ هُبَيْرَةَ. فقال رسولُ اللهِ وَةِ ((قد أُجَرنا مَن
أجَرتِ يا أَمَّ هانئٌ)). قالت أمَّ هانى: وذلك ضُحَّى .
مالكٌ، عن أبى النَّصْرِ مولى عمرَ بنِ عُبَيدِ اللهِ ، أن أبا مُرَّةً مولی عَقِيلٍ بن أبى
طالبٍ أَخْبَرَه ، أنه سمِعِ أَمَّ هانئَّ بنتَ أبى طالبٍ تقولُ : ذهَبْتُ إلى رسولِ اللهِ
مََّ عامَ الفتح، فوجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وفاطمةُ ابنتُه تَسْتُرُه بثوبٍ . قالت: فسلَّمْتُ .
التمهيد
القبس
وقد اختُلِف فى حديثٍ أمّ هانىَّ؛ فرُوِى أن ذلك كان فى بيتِها ، ورُوِى أنها
قالت: جِئْتُ رسولَ اللهِ وَهِ بِالأَبْطَحِ وهو يَغْتَسِلُ فى قُّةٍ له ، وابنتُه فاطمةُ تَشْتُرُه
بثوبٍ ، فعا جَلَتْه بالكلامِ قبلَ أن يُكْمِلَ غُسْلَه. وكَلَّمها النبىُ وَلِّ فِى تلك الحالةِ، وإذا
كان الرجلُ على حاجتِه لم يُكلَّمْ ولا يتكلّمْ ، وإذا كان فى غُسْلِه أو ؤُضوئه) ، فقد
(١ - ١) سقط من: ج، م.
٦٣٢

الموطأ
التمهيد
قال: ((مَنْ هَذِهِ؟)). فقلتُ: أنا أم هانئ بنتُ أبى طالبٍ. فقال: ((مَرْحَبًا بِأُمّ
هانىٌ)) . فلما فرَغ مِن غُسْلِه قام فصلَّى ثَمانِىَ رَكَعاتٍ مُلْتَحِفًا فى ثوبٍ واحدٍ ،
ثم انْصَرَف ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ، زعَم ابنُ أُمِّى علىِّ أنه قاتِلٌ رجلًا أجَرْتُه،
فلانُ ابنُ هُبَيْرةَ. فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أَمَّ هانىٌ)). قالت
أُمُ هانئٌ: وذلك ضُحَى (١).
رُوِى أن الأفضلَ أَلَّ يتَكلَّمَ، وحديثُ أمّ هانئَّ أُصَحّ .
القبس
وهذا الرجلُ الذى أجارَتْه أمّ هانىُّ؛ قيل: إنه زوجها. وقيل: "إنه حَمُوها) .
وهو الذى ذكره ابنُ إسحاقَ . وقد قيل، كما قدَّمْنا : إنه هُبِيرةُ بنُ أبى وهبٍ . واللهُ
أعلمُ .
فقة : اختلف الناسُ فى أمانِ المرأةِ ؛ لأنها لا تُقاتِلُ ، ولا يَمْلِكُ الأَمنَ إلا مَن مَلَك
الخوفَ. وهذا لا يَصِحُ؛ لأن المرأةَ وإن كان لا يلزَّمُها القتالُ فلها أن تُقاتِلَ ، فلها(٢) أن
تُؤَمِّنَ . وهذا ينبنى على أصلٍ، وهو أن الأمانَ هل هو وَلايَةٌ أُم هو عَقْدٌ يُعْقَدُ؟ فعندَنا أنه
عَقْدٌ . وقال أبو حنيفةَ: هو وَلايَةٌ ؛ لأن فيه إنفاذَ قولِ الغيرِ على الغيرِ ، وتَحْجيرَ ما كان مُباحًا
فى الأصلِ. والعمدةُ فيه قولُ النبيِّ وَّةِ: ((المسلمون تَتَكَافأُ دماؤهم، ويَسْعَى بذِمَّتِهم
أَدْناهم ، ويَرُدُّ عليهم أَقْصاهم، وهم يدٌ على مَن سِواهم)) ) الحديث إلى آخرِه.
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٦٢)، وبرواية أبى مصعب (٤٠٣). وأخرجه أحمد ٤٧٦/٤٤
(٢٦٩٠٧)، والدارمى (١٤٩٤، ٢٥٤٤)، والبخارى (٢٨٠)، وفى الأدب المفرد (١٠٤٥)،
ومسلم (٧٠/٣٣٦)، ٤٩٨/١ (٨٢/٣٣٦)، والترمذى (٢٧٣٤)، والنسائى (٢٢٥) من طريق
مالك به .
(٢ - ٢) فى ج: ((حموها))، وفى م: ((حمواها)).
(٣) فى م: (( و)).
(٤) سيأتى تخريجه ص ٦٣٧ .
٦٣٣

الموطأ
التمھید
وقد ذكَرْنا أبا مُرَّةً فيما سلَف مِن كتابِنا هذا(١)، وهو الذى يُقالُ له : مولى أمّ
هانئٌ. اسمُه يزيدُ(١) ، وهو، إن شاء اللهُ، أصحُ ما قيل فيه، هو مَدَنٌّ ثقةٌ .
وذكَرْنا أُمَّ هانى فى كتابٍ ((الصحابةِ))(٢) بما يُغْنِى عن ذِكْرِها هلهنا، واسمُها
هندُ ، ويقالُ : بل اسمُها فاختةٌ .
وفى هذا الحديثِ صلاةُ الضُّحَى، وقد مضَى القولُ فيها مُسْتَوْعَبًا بما فى
ذلك مِن الأثرِ فى بابِ ابنِ شهابٍ ، عن عروةً مِن هذا الكتابِ(٤)، ومضَى القولُ
أيضًا فى معانٍ مِن هذا الحدیثِ مُجَوَّدٌ مِن إسناده ومتنِه فی باب موسی بنِ
مَيْسَرةً مِن هذا الكتاب(٢) .
وأما قولُه: ((قَدْ أجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يا أُمَّ هانئٌ)) . فقد استدلَّ به قوم على جوازِ
أمانِ المرأةِ ، وقالوا: جائزٌ أمانُها على كلِّ حالٍ . وقال آخرون : أمانُها موقوفٌ
على جوازِ الإمامِ ؛ فإن أجازَه جازَ، وإن ردَّه رُدَّ. واخْتَجَّ مَن قال هذه المقالةَ بأنَّ
أمانَ أمّ هانىٌّ لو كان جائزًا على كلِّ حالٍ دونَ إذنِ الإمامِ ، ما كان عليٌّ لِيُرِيدَ
قتلَ مَن لا يَجوزُ قثْلُه؛ لأمانٍ مَن يَجوزُ أمانهُ. وفى قولِه: ((قَد أَجَرْنا مَن
القبس
(١) تقدم ص ٦٢٦ .
(٢) فى الأصل، ص ١٦، ص ١٧، ص ٢٧: ((كثير)). وينظر التاريخ الصغير ٢٠٨/١، وتهذيب
الكمال ٣٢ /٢٩٠.
(٣) الاستيعاب ١٩٦٣/٤.
(٤) سيأتى ص ٦٤١ - ٦٥٢.
(٥) فى ص ١٦، م: ((مجردة)).
(٦) تقدم ص٦٢٦ - ٦٣١.
٦٣٤

الموطأ
التمهيد
أُجَوْتٍ)). دليلٌ على ذلك؛ لأنه لو كان أمانُ المرأةِ غيرَ مُحتاج إلى إجازةِ الإمامِ
لَقال لها: مَن أَمَّنْتِه أنتِ أو غيرُكِ فلا سبيلَ إلى قتلِه، وهو آمِنٌ. وَلَمّا قال لها :
((قد أمََّّا مَن أَمَّنْتِ، وأَجَرْنا مَن أَجَرْتٍ)). كان دليلًا على أن أمانَ المرأةِ موقوفٌ
على إجازةِ الإمامِ . فهذه حُجَّةٌ مَن ذهَب هذا المذهبَ . قالوا: وهذا هو الظاهرُ
فى معنى هذا الحديثِ ، واللهُ أعلمُ .
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ ، قال: أُخْبَرَنى
عِياضُ بنُ عبدِ اللهِ ، عن مَخْرَةَ بنِ سليمانَ، عن كُرَيْبٍ، عن ١ ابنِ عباسٍ،
قال: حدَّثَتْنى أمّ هانىّ بنتُ أبى طالبٍ أنها أجارَت (١) رجلًا مِن المشركين يومَ
الفتح، وأَتَت النبيَّ وَّهِ فذكَرَتْ ذلك له، فقال: ((أجَرْنَا مَن أَجَرْتِ، وأَمَّنَّا مَن
(٣)
أَمَّنْتِ ))(١) .
وأما مَن قال: يجوزُ أمانُ المرأةِ على كلِّ حالٍ بإذنِ الإمامِ وبغيرِ إذنِه . فمِن
حجتهم قولُهُ وَّهِ: ((المسلمون تَتَكَافَأَ دِمَاؤُهم، ويَسْعَى بِذِمَّتِهِم أَدْنَاهم ،
وهم يَدٌّ عَلَى مَنْ سِوَاهم)). قالوا: فلما قال: ((أدناهم)). جاز بذلك أمانُ العبدِ ،
وكانت المرأةُ الحرةُ أُخْرَى بذلك .
القبس
(١) فى ص ١٧: ((مولى)).
(٢) فى الأصل، ص ١٦، ص ١٧: ((أجرت)).
(٣) أبو داود (٢٧٦٣). وأخرجه النسائى فى الكبرى (٨٦٨٥) من طريق ابن وهب به .
(٤) بعده فى م: ((ويجير عليهم أقصاهم )) .
٦٣٥

الموطأ
التمهید
واحْتَجُوا أيضًا بما حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، حدَّثنا أبو
داودَ ، حدَّثنا عثمانُ بنُ أبى شيبةَ ، حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ ، عن منصورٍ ، عن إبراهيمَ ،
عن الأسودِ ، عن عائشةَ، قالت: إن كانت المرأةُ لَتُجِيرُ على المسلمين فيَجوزُ(١).
ورواه الأعمشُ، عن إبراهيمَ ، عن الأسودِ ، عن عائشةَ قالت : إن كانت
المرأةُ لَتُجِيرٌ) على المسلمين(١) .
ومِن حجتِهم أيضًا ما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، حدَّثْنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ،
حدَّثنا عُبَيْدُ بنُ عبدِ الواحدِ البَزَّارُ، حدَّثنا مَخْبوبُ بنُ موسى ، حدَّثنا أبو إسحاقَ
الفزارىُّ، عن أبى سعدٍ ، قال: أخبرنا عمرُو بنُ مُرَّةً، عن أبى البَخْتَرِىِّ، عن عائشةَ،
قالت: قال رسولُ اللهِ نَّهِ: ((ذِمَّةُ المسلمين وَاحِدَةٌ، وإن أَجَارَتْ(4) عليهم
جاريةٌ(٥) فلا تَخْفِرُوها(٩)، فإنَّ لكُلِّ غَادِرٍ لواءٌ يومَ القيامةِ يُعْرَفُ بِهِ))(٧).
القبس
(١) أبو داود (٢٧٦٤) .
(٢) فى الأصل، ص ٢٧، وابن أبى شيبة: ((لتأجر))، وفى ص ١٦، ص ١٧، ومصنف عبد
الرزاق: ((لتأخذ)).
(٣) أخرجه الطيالسى (١٤٩٩)، وعبد الرزاق (٩٤٣٧)، وابن أبى شيبة ٤٥٣/١٢، والنسائى فى
الكبرى (٨٦٨٣) من طريق الأعمش به .
(٤) فى ص ١٧، م: ((جارت))، وفى المستدرك: ((جازت)).
(٥) فى ص ١٦، م: ((جائرة))، وفى المستدرك: ((جائزة)).
(٦) فى ص ١٦، وبغية الباحث: ((يحقروها)).
(٧) أخرجه الحاكم ١٤١/٢ من طريق محبوب بن موسى به، وأخرجه الحارث بن أبى أسامة
(٦٦٩- بغية)، وأبو يعلى (٤٣٩٢) من طريق أبى إسحاق به، وأخرجه الطبرانى فى الأوسط
(٥٦٢٨) من طريق أبى سعد به .
٦٣٦

الموطأ
التمهيد
فهذه(١) الآثارُ كلُّها تَدُلُّ على جوازِ أمانِ المرأةِ على كلِّ حالٍ .
وقد اخْتَلَف العلماءُ أيضًا فى أمانِ العبدِ ؛ فقال مالكٌ، والشافعىُّ،
وأصحابُهما، والثورىُّ، والأَوْزاعىُّ، والليثُ، وأحمدُ ، وإسحاقُ ، وأبو ثورٍ ،
وداودُ بنُ علىٍّ: أمانُه جائزٌ، قاتَل أو لم يُقاتِلْ. وهو قولُ محمدِ بنِ الحسنِ . وقال
أبو حنيفةً : أمانُه غيرُ جائزٍ إلا أن يُقاتِلَ. وهو قولُ أبى يوسُفَ ، ورُوِى عن عمرَ
معناه .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، حدَّثنا عُبَيدُ بنُ عبدِ الواحدِ ، حدَّثنا
مَحْبوبُ بنُ موسى " الفَرَّاءُ، حدَّثنا أبو إسحاق٢َ) الفَزاريُّ، عن ابنِ أَبِى أَنَيْسةَ،
عن عمرو بنٍ شُعَيْبٍ ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: لما كان يومُ الفتح خطَب
رسولُ اللهِ وَله وهو مُسْنِدٌ ظهرَه إلى جدارِ الكعبةِ، فحمِد اللهَ، وأثْنَى عليه، ثم
قال: ((الْمُؤْمِنُونَ يَدْ عَلَى مَنْ سِوَاهم، تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهم، ويَسْعَى بذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهم ،
وَيَغْقِدُ عليهم أَوْلاَهم ، ويَرُدُّ عليهم أَقْصَاهم ، ولا يُقْتَلُ مؤمنٌ بكافٍ ، ولا ذُو عهدٍ
فی عَهْدِه )) ..
ورُوى مِن حديثٍ علىٍّ بن أبى طالبٍ، عن النبيِّ وَلِّ مثلُهُ(٤).
القبس
(١) سقط من: م.
(٢ - ٢) سقط من: ص ١٦، ص ١٧، ص ٢٧. وينظر سير أعلام النبلاء ٤٧٣/٨.
(٣) أخرجه ابن عدى ٢٦٤٩/٧ من طريق ابن أبى أنيسة به، وأخرجه أحمد ٢٨٨/١١، ٥١٥
(٦٦٩٢، ٦٩١٧)، وأبو داود (٢٧٥١، ٤٥٣١)، وابن ماجه (٢٦٨٥) من طريق عمرو بن
شعیب به .
(٤) أخرجه أحمد ٢٦٧/٢، ٢٨٥، ٢٨٦ (٩٥٩، ٩٩١، ٩٩٣)، وأبو داود (٤٥٣٠)،=
٦٣٧

الموطأ
التمهید
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أَصْبَغَ، حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التّوْمذىُّ، حدَّثنا الحميدىُّ ، حدَّثنا سفيانُ ،
حدَّثنا محمدُ بنُ عَجْلانَ، عن سعيدِ بنِ أبى سعيدِ المَقْبُرىِّ، عن أبى مُؤَّةً مولَى
عَقِيلِ، عن أمّ هانىٌّ ، قالت : أتانى يومَ الفتحِ حَمَوانِ لى فأجَرْتُهما ، فجاء علىّ
يُريدُ قتلَهما، فَأَتَيْتُ رسولَ اللهِ وَّهِ وهو فى قُبَتِه بالأُبْطَح بأعلَى مكةً. فذكر
حديثًا فيه : فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ، إنى أَجَرْتُ حَمَوين لى، وإن ابنَ أَمِّى عليًّا أراد
قتلَهما. فقال رسولُ اللهِ وَّةِ: (( ليس ذلكَ له، قد أجَزْنَا مَن أُجَرْت، وأمَّنَّا مَن
أَثَنْت))(١).
فى هذا الخبرِ وخبرٍ مالكٍ قبلَه(١) أنَّ الذى أجارَتْه أمّ هانىٍّ ولدُ هُبَيْرةَ بن أبى
وهب بن عمرو بنٍ عائذٍ بنِ عِمْرانَ بنِ مَحْزومٍ، واحدًا كان أو اثنين؛ لأن فى
حديثٍ أبى النَّضْرِ ما يَدُلُّ على أنه كان واحدًا، وفى حديثِ الْمَقْبُرىِّ اثنان(٢).
وهُبَيْرةُ بنُ أبى وهبٍ زوجها وولدُه حَموّ لها ، وقد قيل : إن الذى أجارته يومئذٍ
وأراد علىٍّ قتلَه الحارثُ بنُ هشام، وعبدُ اللهِ بنُ أبى ربيعةً ، وكلاهما من بنى
القبس
= والنسائى ( ٤٧٤٨، ٤٧٤٩).
(١) الحميدى (٣٣١) - ومن طريقه الطبرانى ٤١٦/٢٤ (١٠١٤) - وأخرجه أحمد ٣٧٨/٤٥
(٢٧٣٨٠)، وابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٣١٥٢)، وابن الجارود (١٠٥٥)، والطبرانى
٤١٦/٢٤ (١٠١٤) من طريق سفيان به، وأخرجه الطبرانى ٤١٧/٢٤ (١٠١٥) من طريق ابن
عجلان به .
(٢) سقط من: م.
(٣) فى م: ((اثنين)).
(٤) فى م: ((هبيرة)). وينظر الإصابة ٤/ ٧٩.
٦٣٨

الموطأ
التمهيد
مَخْزومٍ . وقيل فيه غيرُ ذلك .
وأما قولُ مَن قال: إنه جَعْدةُ بنُ هُبيرةَ ، أو أن أحدَهما جَعْدةُ بنُ هُبيرةَ . فما
أَدْرِى ما هو ؛ لأن جَعْدَةَ بنَ هُبَيْرةَ ابنُها لا حَمُوها ، ولم تَكُنْ تَحتاجُ إلى إجارةٍ
ابنِها ، ولا كانت مثلُ تلك المخاطَبةِ تَجْرِى بينها وبينَ أخيها علىٍّ فى ابنِها ، واللهُ
أعلمُ. ولم يَذْكُوْ أهلُ النسَبِ فيما عِلِمْتُ لُهُبِيرةَ ابنًا يُسمَّى (١) جَعْدَةَ مِن غيرٍ أمّ
هانىٌّ ، ولا ذكَروا له بنينَ مِن غيرِ أَمِّ هانىّ . واللهُ أعلمُ .
وذكَر البَزَّارُ: حدَّثنا محمدُ بنُ مِسْكينِ بنِ ثُمَيَّةً(١)، حدَّثنا يحيى بنُ
حشّانَ ، حدّثنا سلیمانُ بنُ بلال ، عن کثیرٍ بن زیدٍ ، عن الولیدِ بنِ رَباحِ ، عن أُبی
هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَ له: ((يُجِيرُ على الناسِ أدناهم)).
وروَى مالكٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَُّله: « يُؤْفَعُ
لكلِّ غادِرٍ لِوَاءٌ يومَ القِيَامَةَ)) الحديث(٤).
وقال أبو العباسِ بنُ سُرَيْج(٥) القاضِى: الرّجلان اللذان أجارَتْهما أم هانئٌ يومَ
القبس
(١) فى م: ((يکنی)).
(٢) فى الأصل، ص ١٦: ((تميلة))، وفى ص ١٧، م: ((ثميلة)). وينظر تهذيب الكمال ٣٩٩/٢٦.
(٣) أخرجه أحمد ٣٨٦/١٤ (٨٧٨٠) من طريق سليمان بن بلال به، وأخرجه الترمذى (١٥٧٩)،
وابن عدى ٢٠٨٨/٦، والحاكم ٢/ ١٤١، والبيهقى ٩٤/٩ من طريق كثير به .
(٤) أخرجه البخارى (٦١٧٨)، وأبو داود (٢٧٥٦)، وأبو عوانة (٦٥٠٥) من طريق مالك به .
(٥) فى ص ١٦، ص ١٧، ص ٢٧: ((شريح)). وهو أحمد بن عمر بن سريج القاضى الشافعى،
شيخ المذهب وحامل لوائه، تفقه على أبى القاسم الأنماطى، وكان يقال له: الباز الأشهب. سمع
وصنف وحدث، وبه انتشر مذهب الشافعى، توفى قريبا من عام ثلاثة وثلاثمائة . سير أعلام =
٦٣٩

الموطأ
التمهيد الفتح ؛ جَعْدَةُ بنُ هُبَيْرةَ المَخْزُومِىُّ، ورجلٌ آخرُ معه، وكانا مِن الشِّرْذِمةِ الذين
قاتَلوا خالدًا، ولم يَقْبَلوا الأمانَ، ولا ألْقَوُا السلاحَ، فأراد علىٍّ قتلَهما،
فأجارَتْهما أمُّ هانى، وكانا مِن أَحْمائِها، فأَجارَ رسولُ اللهِ وَِّ مَن أجارَت .
هكذا قال، وقد مضَى القولُ فيه ، وأَّما (١) كان، فالحديثُ إِنما سِيق لجوازِ جِوارٍ
المرأةِ لا لغيرِ ذلك .
قال أبو عمرَ : وعلى جوازٍ أمانِ المرأةِ مجمهورُ علماءِ المسلمين ، أجاز ذلك
الإِمامُ أو لم يُجِزْه، على ظَوَاهِرِ الأخبارِ المذكورةِ فى هذا البابِ عن أمّ هانىُ ،
وعائشةً، وغيرِهما، وممّن قال ذلك مالكٌ وأصحابُه، إلا عبدَ الملكِ بنَ
الماجِشون، وهو قولُ الشافعىِّ، وأبى حنيفةً، وأصحابِهما، والثورىِّ،
والأوزاعىِّ، وأحمدَ ، وإسحاقَ ، وأبى ثَوْرٍ . وقال عبدُ الملكِ بنُ عبدِ العزيزِ بنِ أبى
سلمةً الماجشونُ : لا يَجوزُ أمانُ المرأةِ إلا أن يُجِيزَه الإمامُ . فشدَّ بقولِه ذلك عن هذا
الجُمهورِ. واللهُ المُوَفِّقُ للصوابِ، وهو المُسْتَعَانُ، وهو حَسْبِى ونِعْمَ الوكيلُ.
أَخْبَرَنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ ، حدَّثنا محمدُ بنُ
أيوبَ ، حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البَزَّارُ، حدَّثنا رَجاءُ بنُ محمدٍ ، حدَّثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ
موسى ، حدَّثنا بَشيرُ(١) بنُ المهاجرِ، عن عبدِ اللهِ بنِ بُرَيْدةَ ، عن أبيه ، قال: قال
القبس
= النبلاء ١٤/ ٢٠١، وطبقات الشافعية للسبكى ٣/ ٢١.
(١) فى م: ((أيّا)).
(٢) فى ص ٢٧: ((بشر)). وينظر تهذيب الكمال ١٧٦/٤.
٦٤٠