Indexed OCR Text

Pages 561-580

الموطأ
التمهيد
حدَّثنا الفَضْلُ بنُ دُكَيْنِ ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن جابرٍ، عن عامِرٍ ، عن ابنِ
عَبَّاسٍ وابنٍ عُمَرَ، قالا: سَنَّ رسولُ اللهِ وَّ للمُسَافِ ركعتين، وهما تَامٌ . قالا:
والوتْرُ فى السفرِ مِن السنةِ(١) . فهذا ابنُ عمرَ وابنُ عباسٍ قد قالا: إنَّ صلاةَ المسافرِ
سنةٌ ، كما قالا: إِنَّ الوتْرَ فى السفرِ من السنةِ ، وقد مَضَى فى هذا البابِ عن ابنٍ
عُمَرَ أيضًا وابنٍ عَبَّاسٍ مِثْلُ ذلك(٢)، وعن عَطَاءٍ، وعَمْرِو بنِ دِينَارٍ ، والقاسِمِ بنِ
محمدٍ مِثْلُ ذلك(٢) ، وقد أشْبَعْنا هذا المَغَنَى عندَ ذِكْرِ حديثِ ابنِ شِهَابٍ ، عن
رَبّجُلٍ مِن آلِ خالِدِ بنِ أَسِيدٍ، فى كتابنا هذا (٤) . والحمدُ للهِ .
وأمَّا اختلافُ الفقهاءِ فى هذا البابِ ؛ فرُوِىَ عن مالكِ أنَّه قال مَرَّةً فى مُسَافِرٍ
أَمَّ مُقِيمين فأتَمَّ بهم الصَّلاةَ جاهِلًا، ومنهم المسافرُ والمقيمُ ، قال: أَرَى أنْ يُعيدُوا
الصَّلاةَ جميعًا . ورُوِىَ عنه أيضًا أنَّه قال: يُعِيدُ ما كان فى الوَقْتِ ، وما مَضَى وَقْتُه
فلا إعادَةَ عليه . وقال ابْنُ المَوَّازِ فِيمَنْ صِلَّى أَرْبَعًا ناسِيًّا لسَفَرِهِ، أو ناسِيًّا لإِقْصَارِهِ.
أو ذاكِرًا : فلْيُعِدْ فى الوَقْتِ . وكذلك قال سُحْنُونٌ فيمَنْ صلَّى فى السَّفَرِ ناسِيًّا أو
ذاكِرًا - وزاد : أو جاهِلًا - أرْبَعًا أنَّه يُعِيدُ فى الوَقْتِ . وقال ابنُ المُؤَّازِ:
لو افتَتَحَ على ركعتين فأَتَمَّهما أَرْبَعًا تَعَهُدًا أعادَ أبَدًا، وإنْ كان سَهْوًا سَجَدَ
لسَهْوِه وأْزَأَه . وقال سُخْنُونٌ: بل يُعِيدُ أَبَدًا لَكَثْرَةِ السَّهْوِ. وقال ابنُ المَوَازِ:
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٥١٦.
(٢) تقدم ص ٥١٣ - ٥١٦.
(٣) تقدم ص ٥٤٥، ٥٥٥,
(٤) ينظر ما تقدم ص ٥١٠ - ٥٢٤.
٥٦١
( موسوعة شروح الموطأ ٣٦/٥)

الموطأ
التمهيد
ليس كسهوٍ مُجْتَمَع عليه. وذكَرَ أبو الفَرَج، عن مالِكِ، قال: ومَنْ أَتَّمَّ فى
السَّفَرِ أَعَادَها مَقْصُورَةً ما دامَ فى وَقْتِها إِلَّا(١) أَنْ يَنْوِىَ مُقَامًا فيُعِيدَها كامِلَةٌ ما دامَ
فى وَقْتِها. قال: ولو صَلَّى مُسَافِرٌ بُسَافِرِينَ فَسَها، فقامَ لِيُتِمَّ ، فَلْيَجْلِسْ مَن وَراءَه
حتى يُسَلِّمُوا بسَلامِه، وعليه إعادَةُ الصَّلاةِ ما دامَ فى الوَقْتِ . قال القاضِى
أبو الفَرَج: أحْسَبُه أنَّه أَلْزَمَ هذا الإعادَةَ لأَنَّه سُبِّحَ به فَتَمادَى فى صَلاتِه عامِدًا
عالمً بذلك، وأمَّا إِنْ كان ساهِيًا فلا وَجْهَ لأُمْرِه بالإعادَةِ ؛ لأَنَّه بمنزلةٍ مقيم صلَّى
الظُّهْرَ خَمْسًا ساهِيًّا، فلم يكنْ عليه إِعادَةٌ .
وذكَرَ ابْنُ خُوَازِ مَنْدَادَ أنَّ مالِكًا يقولُ: إنَّ القَصْرَ فى السَّفَرِ مَسْئُونٌ غيرُ
واجِبٍ . وهو قولُ الشَّافِعِيِّ .
قال أبو عمرَ: فى قَوْلِ مالِكِ: إِنَّ مَن أَتَمَّ الصَّلاةَ فى السَّفَرِ لم تَلْزَمْه الإعادَةُ
إلّا فى الوَقْتِ . دَلِيلٌ على أنَّ القَصْرَ عندَه ليس بفَرْضٍ. وقد حَكَى أبو الفَرَج فى
كِتَابِه عن أبى المُصْعَبِ، عن مالِكِ، قال: القَصْرُ فى السفرِ للرجالِ والنِّسَاءِ سُنَّةٌ .
قال أبو الفَرَج : فلا معنى للاشتغال بالاستدلال على مذهب مالك مع ما ذكره
أبو المُصْعَبِ؛ أنَّ القَصْرَ عندَه سُنَّةٌ لا فَرْضٌ. قال: ومِمَّا يَدُلَّ على ذلك مِن
مذهبِه ؛ أنَّه لا يَرَى الإعادةَ على مَن أَتَّ فى السفرِ إلَّا فى الوقتِ .
قال أبو عمرَ: فهذا أصَحُ ما فى هذه المَسْأَلَةِ ("عن مالكِ) ، وذلك أصَحُ
الأقاوِيلِ فيها مِن جهةِ النَّظَرِ والأثَرِ، وباللهِ التوفيقُ. وأمَّا الشَّافِىُّ وأبو ثورٍ فكانا
القبس
(١) فى ق: (( كل سهو)).
(٢) فى م: ((إلى)).
(٣ - ٣) سقط من: م.
٥٦٢

الموطأ
التمهيد
يقولانٍ: إنْ شاءَ المسافِرُ قَصَرَ، وإن شاءَ أتَمَّ .
وذكَر أبو سَعْدِ القَرْوِيِئُ (١) المالِكِىُّ أنَّ الصَّحِيحَ فى مَذْهَبٍ مالِكِ التَّخْبِيرُ
للمُسَافِرِ فى الإِتَمَامِ والقَصْرِ، كما قال الشَّافِعِىُ، إلَّا أَنَّه يَسْتَحِبُّ له القَصْرَ؛
ولذلك يَرَى عليه الإِعادَةَ فى الوَقْتِ إن أَتَّمَّ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: إذا صلَّى
المسافر أربعًا؛ فإنْ كان قَعَدَ فى كلِّ ركعتين قَدْرَ التَّشَهُّدِ فصَلاَتُه تامَّةٌ ، وإنْ لم
يَكُنْ قَعَدَ فِى الرَّكعتين الأَولَتَيْنْ قَدْرَ التَّشَهُدِ فعليه أن يُعِيدَ .
قال أبو عمرَ: هذا على أُصُولِهِم فى أنَّ التَّشَهُدَ والسَّلامَ لَيْسَا بواجبين،
والجلوسُ مقدارَ التَّشَهُّدِ عندَهم واجِبٌ، وبه يَخْرُجُ عندَهم مِن الصَّلاةِ، وللرّدِّ
عليهم فى ذلك مَوْضِعٌ غيرُ هذا. وقال حمادُ بنُّ أبى سليمانَ: مَن أَتَمَّ فى السَّفَرِ
أعادَ . والإعادَةُ عندَه وعندَ أبى حَنِيفَةً على ما قَدَّمنا مِن أَصُولِهم أَبَدًا. وجاءَ عن
عمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ ما يَدُلُّ على أنَّ القَصْرَ فى السَّفَرِ واجِبٌ ؛ لأَنَّه قال : الركعتان
للمسافِرِ حَتمٌ لا يَصْلُحُ غيرُهما (١) .
واختُلِفَ فى هذه المسألةِ عن أحمد بن حنبلٍ؛ فقال مَرَّةً : أَنَا أُحِبُّ العَافِيَةَ مِن
هذه المسألةِ. وقال مَرَّةً أَخْرَى: لا يُعْجِبُنى أنْ يُصَلِّىَ أَرْبَعًا؛ السُنَّةُ ركعتان . وقد
مَضَى القولُ فى كثيرٍ مِن مَسائِلِ هذا البابِ فى بابِ ابنِ شهابٍ عن رَجُلٍ من
القبس
(١) محمد بن أحمد بن الحسن بن زيد أبو سعد القزوينى المالكى الفقيه، كان يفضل على المالكيين
فى أيامه، توفى سنة سبع وتسعين وثلاثمائة. التدوين فى أخبار قزوين ١٧٥/١.
(٢) تقدم ٥٢٥، ٥٤٠.
٥٦٣

الموطأ
٣٣٦ - وحدَّثنى عن مالك ، عن يحيى بن سعيدٍ ، أنه قال السالم
ابنِ عبدِ اللهِ: ما أشدَّ ما رأيتَ أباك أخَّرَ المغربَ فى السفرِ؟ [٥٤و] فقال
سالم : غربت الشمسُ ونحن بذاتِ الجيشِ، فصلَّى المغربَ بالعَقيقِ .
آلٍ خالدِ بنِ أَسِيدٍ مِن كتابِنَا هذا) ، فلا وجهَ لإِعادَةِ ذلك ◌َهُنا .
التمهید
مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ ، أنه سأل سالمَ بنَ عبدِ اللهِ : ما أشدَّ ما رأيتَ
أباك أخَّر المغربَ فى السفرِ؟ قال سالمٌ: "غرَبت لنا الشمسُ بذاتِ الجَيْشِ)،
فصلَّى المغربَ بالعَقِيقِ(٣).
الاستذكار.
هذا الحديثُ عندَ يحيى فى البابِ بعدَ هذا، وهو من معنى هذا البابِ ،
و کذلك هو عندَ بعضِ الرواةِ .
واختلف فى المسافةِ التى بينَ العَقيقِ وبينَ ذاتِ الجيشِ؛ فذكَر الأثرمُ عن
القَعْنبيِّ، قال: بينَ العَقيقِ وبينَ ذاتِ الجيشِ اثنا عشَرَ مِيلًا. وذكَر علىُ بنُ
عبدِ العزيزِ) عن القَعْنبيِّ، قال: ذاتُ الجَيَشِ على بريدَين) مِن المدينةِ . قال ابنُ
القبس
(١) تقدم ص ٥١٠- ٥٣٧.
(٢ - ٢) فى الأصل: ((غربت الشمس .... الجيش))، وفى م: ((غربت الشمس ونحن بذات
الجيش )).
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٧٧). وأخرجه البيهقى ١٦٥/٣ من طريق مالك به .
(٤) على بن عبد العزيز بن المرزبان بن سابور أبو الحسن البغوى نزيل مكة، جمع وصنف ((المسند
الكبير ))، وأخذ القراءات عن أبى عبيد وغيره، توفى سنة ست وثمانين ومائتين. سير أعلام النبلاء
٣٤٨/١٣، ولسان الميزان ٤ / ٢٤١.
(٥) فى ح: ((بريد)). والبريد: اثنا عشر ميلا. التاج (ب ر د)، وينظر شرح الزرقانى ٤٢٢/١.
٥٦٤

الموطأ
ما يَجِبُ فيه قصرُ الصلاةِ
٣٣٧ - وحدَّثنى يحيى، عن مالكِ، عن نافع، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ
كان إذا خرَج حاجًا أو معتمرًا، قصر الصلاةَ بذِى الحُلَيفَةِ .
وضَّاحِ : بينَ ذات الجَيْشِ وبينَ العَقيقِ سبعةُ أميالٍ . ورُوى عن ابنٍ وهبٍ : ستةُ الاستذكار
أمیالٍ .
مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان إذا خرَج حاجًا أو معتمرًا قصَر
الصلاةَ بذى الحُلَيفةِ (١).
قال أبو عمرَ: كان ابنُ عمَ يتبَّكُ بالمواضع التى كان رسولُ اللهِ وَّه
ينزلُها للصلاةِ وغيرِها، وكان يمتثِلُ فعلَه بكلِّ ما يمكِثُه، ولَّ علِيم أن رسولَ اللهِ وَّه
فى حجتِه قصَر الصلاةَ بذى الحُليفةِ - صلاةَ العصرِ - فى حينٍ خروجِه مِن
المدينةِ إلى مكةَ، كان هو متى خرَج مِن المدينةِ إلى مكةَ لم يقصُرِ الصلاةَ إلا
بذى الحليفةِ .
روَى محمدُ بنُ المنكدرِ وإبراهيمُ بنُ ميسرةَ، عن أنسٍ ، قال : صليتُ مع
رسولِ اللهِ وَّ الظهرَ بالمدينةِ أربعًا والعصرَ بذى الحليفةِ ركعتين(٢).
ورواه الثورىُّ وابنُ عيينةً، كلاهما عن محمدِ بنِ المنكدرِ وإبراهيمَ بنِ
ميسرةَ ، جميعًا عن أنسٍ بنِ مالكِ .
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٩١)، وبرواية أبى مصعب (٣٧٨). وأخرجه الشافعى ٢٥٣/٧،
وعبد الرزاق (٤٣٢٤)، والبيهقى فى المعرفة (١٦٠٢) من طريق مالك به.
(٢) تقدم تخريجه ص ٥٤٧.
٥٦٥

الموطأ
ذكَره وكيتُ(١) عن الثورىِّ، وعبدُ الرزاقٍ(١) عن ابن عيينةً .
الاستذكار
قال أبو عمرَ : يعنى فى حجة الوداع، وسنبينُ ذلك إن شاء اللهُ .
وأما سفرُ ابنِ عمرَ "فى غير٣ٍ) الحجّ والعمرةِ، فكان يقصُرُ الصلاةَ إِذا خرَج
مِن بيوتِ المدينةِ .
ذكَر عبدُ الرزاقِ (٤) وعبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ ،
عن ابنِ عمرَ، أنه كان يَقصُرُ الصلاةَ فى السفرِ حينَ يخرجُ مِن بيوتِ المدينةِ ،
ويَقصُرُ إذا رجَع حتى يدخلَ بيوتَها . واللفظُ لعبدِ الرزاقِ .
قال(٥): وأخبرَنا الثورىُّ، عن وِقاءٍ (٢) بن إياسٍ الأسدىِّ، عن علىٍّ بنِ ربيعةً
الأسدىِّ(١)، قال: خرجنا مع علىِّ رضى اللهُ عنه ونحن ننظرُ إلى الكوفةِ ، فصلَّى
ركعتين، ثم رجَعنا فصلّى ركعتين، وهو ينظرُ إلى الكوفةِ ، فقلنا له: ألا تصلِّی
أربعًا؟ قال : لا حتى ندخلها .
وروى ابنُّ عيينةً وغيرُه، عن أبى إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٤٣/٢ عن وكيع به .
(٢) عبد الرزاق (٤٣١٧) .
(٣ - ٣) فى ح: ((إلى)).
(٤) عبد الرزاق (٤٣٢٣).
(٥) عبد الرزاق (٤٣٢١).
(٦) فى ح، م: ((ورقاء)). وينظر الإكمال ٣٩٦/٧.
(٧) فى النسخ: ((الأسلمى)). والمثبت من مصنف عبد الرزاق، وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٤٣١.
٥٦٦

الموطأ
يزيدَ (١)، قال: خرجتُ مع علىٍّ بنِ أبى طالبٍ إلى صِفِّينَ، فلما كان بينَ الجسرِ الاستذكار
والقنطرةِ صلَّى ركعتين(٢) .
ومثلُ هذا عن علىٍّ مِن وجوهِ شتَّى(). وهو مذهبُ جماعةِ العلماءِ إلا مَن شدَّ.
(٢) وممن رُوِّينا ذلك عنه علقمةُ، و"الأسودُ، وعمرُو بنُ ميمون(٥)،
والحارثُ بنُ قيسٍ الْجُغُفىُ(١)، وإبراهيمُ النخعىُ، وعطاءٌ، وقتادةُ ،
(٧)
-
والزهرىُّ(٧).
وهو قولُ مالكِ، والشافعيِّ، وأبى حنيفةً، والثورىِّ، وسليمانَ بنِ
القبس
(١) كذا فى النسخ، وابن أبى شيبة، وشرح المعانى، والأنساب ٣٤٣/٤، ٣٤٤، وعند عبد الرزاق ،
والبخارى فى تاريخه ٢٨٣/٥، وابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ٢٣٢/٥: ((زيد))، قال ابن حجر فى
تعجيل المنفعة ٧٩٨/١: ((عبد الرحمن بن زيد)). وقد قيل: إن اسم أبيه يزيد، بزيادة ياء فى أوله)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٤٣٢٢)، وابن أبى شيبة ٢/ ٤٤٥، والطحاوى فى شرح المعانى ٤١٩/١ من طريق
سفيان به .
٠٠٠
(٣) بعده فى ح: ((فى خروجه من البصرة فى مسيره إلى صفين وغيرها )).
(٤ - ٤) فى ح: ((وعن)).
(٥) عمرو بن ميمون الأؤدى المَذْحجى الكوفى أبو عبد الله، أدرك الجاهلية، وأسلم فى الأيام
النبوية، ولم يلق النبى وَلير، وقدم الشام مع معاذ بن جبل، ثم سكن الكوفة. توفى سنة خمس
وسبعين، وقيل غير ذلك. تهذيب الكمال ٢٢/ ٢٦١، وسير أعلام النبلاء ٤/ ١٥٨.
(٦) الحارث بن قيس الجعفى الكوفى العابد الفقيه، صحب عليا، وقلَّما روّى، توفى فى زمن
معاوية وصلّى عليه أبو موسى الأشعرى رضى الله عنه. تهذيب الكمال ٢٧٢/٥، وسير
أعلام النبلاء ٤/ ٧٥.
(٧) بعده فى ح: ((فى مثل ذلك)). وتنظر هذه الآثار عند عبد الرزاق (٤٣٢٥ - ٤٣٢٩)، وابن
أبى شيبة ٤٤٥/٢، ٤٤٦.
٥٦٧

الموطأ
الاستذكار موسى، والأوزاعيِّ، وأحمدَ بنِ حنبل ٢٢، وأهلِ الحديثِ .
قال مالكٌ فى ((الموطأُ)): لا يَقصرُ الصلاةَ الذى يريدُ السفرَ حتى يخرجَ مِن
بيوتِ القريةِ، ولا يُتِمُّ حتى يدخلَ (أُولَ بيوتِ القرية)، أو يقاربَها .
وهذا تحصيلُ مذهبِهِ عندَ جمهورِ أصحابِهِ .
وذكر ابنُّ حبيبٍ ، عن مطرفٍ وابنِ الماجشونِ عن مالكِ، وابنُ كنانةَ ، عن
مالكِ أيضًا ، أنه قال: إذا كانت القريةُ مما(٥) تُجمَّعُ فيها الجمعةُ؛ فإنه لا يَقْصُرُ
الصلاةَ الخارجُ عنها حتى يجاوزَ ثلاثةَ أميالٍ ، وذلك أقصى ما تجبُ الجمعةُ فيه
على من كان خارجًا مِن المصرِ، وكذلك إذا انصرَف لا يزالُ يَقْصُرُ حتى ينتهِىَ
إلى مثلٍ ذلك مِن المصرِ .
قال أبو عمرَ : الذى رواه ابنُ القاسم وغيرُه عن مالكِ فى ذلك هو ما ذكره
فی (الموطأ)) ، وهو الصحیح مِن مذهبه، والذى ذكره ابنُ عبدِ الحکم عنه ، وهو
الذى عليه جماعةُ السلفِ وجمهورُ الخَلَفِ .
القبس
(١) سليمان بن موسى أبو أيوب، ويقال: أبو هشام، وأبو الربيع الأموى الدمشقى الأشدق ، مفتى
دمشق ، وفقيه أهل الشام فى زمانه، توفى سنة خمس - وقيل : تسع - عشرة ومائة. تهذيب
الكمال ٩٢/١٢، وسير أعلام النبلاء ٤٣٣/٥.
(٢) بعده فى ح، م: ((وجماعة من الفقهاء)) .
(٣ - ٣) فى ح: ((وجمهور أهل العلم)).
(٤ - ٤) سقط من: ح، م.
(٥) فى الأصل، م: ((لا)).
٥٦٨

الموطأ
قال أبو عمرَ : أما الإقامةُ للمسافرِ فلا يُحتاج فيها إلى غيرِ النيةِ، وأما الاستذكار
السفرُ فمفتقِرٌ إلى العملِ مع النية، وكذلك مَن نوَى الإقامةَ لزِمه الصومُ
وإتمامُ الصلاةِ فى الوقتِ، ومَن كان فى الحضرِ ونوَى السفَرَ، لم يكنْ
مسافرًا بنيتِه حتى يعملَ أقلَّ عملٍ فى سفرِهِ، فإذا تأهَّب المسافرُ وخرّج
مِن حضرِهِ عازمًا على سفرِه فهو مسافرٌ، ومَن كان مسافرًا فله أن يَقصُرَ
الصلاةَ ويُفطِرَ إن شاء .
ذكَر عبدُ الرزاقِ(١)، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: إذا خرج
الرجلُ حائّجًا، فلم يَخرُجْ مِن بيوتِ القريةِ حتى حضرت الصلاةُ، فإن شاء
قصّر .
وعن الثوریّ ، عن داود بن أبى هندٍ ، عن أبى حَوْبٍ بن أبى الأسودِ ، أن عليًّا
رضى اللهُ عنه حينَ خرَج مِن البصرةِ رأى خُصَّا ، فقال : لولا هذا الخُصُّ لصلَّينا
(٢)
ركعتين (١).
ورواه وكيعٌ ، عن الثوریِّ مثلَه .
وذكر أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ(٢) ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن حجاجٍ، عن
عمرانَ بنِ عميرٍ ، عن أبيه ، قال : خرجتُ مع عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ إلى مكةً،
-
القبس
(١) عبد الرزاق (٤٣٢٩).
(٢) عبد الرزاق (٤٣١٩).
(٣) ابن أبى شيبة ٤٤٦/٢ .
٥٦٩

٣٣٨ - وحدَّثنى عن مالك، عن ابنِ شهابٍ، عن سالم بنٍ
الموطأ
عبدِ اللهِ ، عن أبيه ، أنه رَكِب إلى رِيم، فقصَر الصلاةَ فى مسيرِه ذلك.
قال يحيى : قال مالكٌ: وذلك نحوٌ مِن أربعةِ بُودٍ .
الاستذكار فقصَر الصلاةَ بقنطرةِ الحيرةِ .
وكان علقمةٌ، والأسودُ ، وعمرُو بنُ ميمونٍ ، وإبراهيمُ النخعىُّ، إذا خرَجوا
مسافرين قصَروا الصلاةَ إذا خرَجوا مِن بيوتِ القريةِ(١). وهذا كلُّه قولُ مالك
المعروفُ عنه ، وقولُ أبى حنيفةَ ، والشافعيِّ وأصحابِهما ، والثورىٌّ، والليثِ بنِ
سعدٍ ، والأوزاعيّ ، وأحمدَ ، وإسحاقَ ، وجمهورِ أهلِ العلمِ.
مالكٌ ، عن ابنِ شهابٍ ، عن سالم بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، عن أبيه ، أنه ركب
إلى رِيمُ، فقصَر الصلاةَ(). قال مالك: وذلك نحوٌ من أربعةٍ بُدٍ(١).
القبس
تحقيقٌ :
ثبَت الفرقُ بينَ صلاةِ السفرِ وصلاةِ الحَضَرِ فى الدِّينِ قَطعًا ، ولم يُذكَرْ حَدُّ السفرِ
الذى يَقَعُ به الفَرْقُ لا فى القرآنِ ولا فى السنةِ، وإنما كان كذلك لأنها كانت لفظةً
عربيةٌ مُسْتِقِرًّا علمُها عندَ العربِ الذين خاطَبهم اللهُ عزَّ وجلَّ بالقرآنِ ، إلا أن الإشكالَ
وقَع فى ذلك بينَ العلماءِ؛ لأن السفرَ له أولٌ وليس له آخِرٌ فى انتهائِه ، لكنْ له آخِرٌ فيما
(١) ينظر عبد الرزاق (٤٣٢٥، ٤٣٢٦، ٤٣٢٨).
(٢) ريم : واد لمزينة قرب المدينة. معجم البلدان ٨٨٩/٢.
(٣) بعده فى م: ((فى مسيره ذلك)).
(٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٩٢)، وبرواية أبى مصعب (٣٧٩). وأخرجه الشافعى ١٨٣/١، =
٥٧٠

الموطأ
قال أبو عمرَ : خالَفه عُقِيلٌ، عن ابنٍ شهابٍ، فقال: وذلك نحوَ ثلاثينَ الاستذكار
مِيلاً .
وكذلك رواه عبدُ الرزاقٍ (١)، عن مالك، عن ابن شهابٍ ، عن سالم، أن
ابنَ عمرَ سافَر إلى رِيم فقصَر الصلاةَ ، وهى مسيرةُ ثلاثین مِيلًاً.
وقال عُقيلٌ : حدثنى ابنُ شهابٍ، عن سالم، أن " ابنَ عمرَ كان يَقصُرُ
الصلاةَ فى مسيرِه اليومَ التامّ . قال سالمٌ: وخرَجنا مع عبدِ اللهِ إلى أرضٍ له
برِيم، وذلك مِن المدينةِ على نحوٍ مِن ثلاثينَ مِيلًا، فقصَر عبدُ اللهِ الصلاةَ
يومئذٍ .
القبس
يقَعُ عليه اسمُ السفرِ مِن الُرُوزِ عن المنزلِ ، فنحن نَعلَمُ قَطعًا أن مَن برَز عن الدُّورِ لبعضٍ
الأمورِ أنه لا يكونُ مُسافرًا لغةً ولا شرعًا، وأن مَن مشَى مسافرًا ثلاثةَ أيامٍ فإنه مُسافِرٌ
قَطعًا، كما أنَّا نَحكُمُ على مَن مشَى ١) مسيرةَ يومٍ وليلةٍ بأنه مسافرً؛ لقولِ النبىّ
(وَله فى بعضِ الطرقِ): ((لا يَحِلُّ لامرأةٍ تؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أن تُسافِرَ مسيرةً
يوم وليلةٍ إلا مع ذى مَخْرمٍ منها)) (١). وهذا هو الصحيح؛ لأنه وسطٌ بينَ
الحالين، وعليه عَوَّل مالكٌ، ولكنه لمّا لم يَجِدْ هذا الحديثَ مُتَّفَقًّا عليه، ورُوِى
= والبيهقى ١٣٦/٣ من طريق مالك به .
(١) عبد الرزاق (٤٣٠١).
(٢ - ٢) فى م: ((ابن عبد الله أن عبد الله)).
(٣ - ٣) سقط من : د .
(٤) سيأتى فى الموطأ (١٩٠٢).
٥٧١

الموطأ
الاستذ کار
قال أبو عمرَ : أما روايةُ عبدِ الرزاقِ عن مالكِ فأظنُّها وهمًا ، لخلافٍ ما فى
(( الموطأُ)) لها، وأما روايةُ عُقَيلِ، عن ابنِ شهابٍ ، فإن لم تكنْ وهمَّا؛ فيحتمِلُ أن
يكونَ رِيمٌ موضعًا مُتَّسِعًا كالإقليم عندَنا، فيكونَ تقديرُ مالكِ إلى آخرِ ذلك،
وتقديرُ عُقَيلٍ فى روايته إلى أولِ ذلك، ومالكٌ أعلمُ بنواحى بلدِه .
القبس
مَرَّةً: ((يومًا وليلةً)). ومَرَّةً: ((ثلاثةَ أيام)) (١) . لجأ إلى عبدِ اللهِ بنِ عمرَ فعَوَّل على
فعلِه، فإِنه كان يَقْصُرُ الصلاةَ إذا خرَج إلى رِيم، وهى أربعةُ بُدٍ؛ لأن ابنَ عمرَ كان
كثيرَ الاقتداءِ بالنبيِّ وَلِّ، وتَرَكَّب على هذا أنه رُوِى عنه فى الكتبِ المشهورةِ أنه
يَقْصُرُ فى ستةٍ وثلاثينَ مِيلًا، وهى تَقرُبُ مِن يومٍ وليلةٍ؛ لأنه لم يُرِدْ بقولِه: (( مسيرةَ يومٍ
وليلةٍ)) . أن يَسير النهارَ كلَّه والليلَ كلَّه، وإنما أراد أن يَسیر مسیرًا یییتُ فیه عن أهلِه ولا
يُمْكِنُه الرجومُ إليهم ، ولا يُستَبعَدُ أن يكونَ مالك عثر على هذا الحديثِ فرَگّب عليه ما
ذكرناه، واعتبر(١) ما اعتبرناه؛ لأن القاضىَ ابنَ المنتابٍ(٢) ذكَر أن مالكًا روَى مائة ألفٍ
حديثٍ، جمَع منها فى ((موطَّئِه)) عشَرةَ آلافٍ، ثم لم يَزَلْ يَغْرِضُها على الكتابِ
والسنةٍ، ويَخْتبرُها بالاعتبارِ والآثارِ ، ويَحذِفُ حتى عادَت إلى خمسِمائةٍ .
وكذلك أيضًا وقَع الإشكالُ فى مُدةِ الإقامةِ ، وإن عَجَبٌ (٤) فلا أعجَبَ مِن قولٍ
ابنِ عباسٍ مع سَعَةٍ علمِه: أَقَامَ رسُولُ اللهِ وَّةِ بمكةً خمسةَ عشَرَ يومًا يَقْصُرُ الصلاةَ ،
(١) سيأتى فى شرح الحديث (١٩٠٢) من الموطأ .
(٢) فى د: ((عنه)).
(٣) هو عبيد الله بن المنتاب بن الفضل، البغدادى، ويعرف بالكرابيسى أيضًا، قاضى مدينة النبى
وَ لجر، وعداده فى البغداديين، وله كتاب فى مسائل الخلاف والحجة كمالك، وقيل: إنه ولى قضاء
مكة. وقيل: تولى القضاء بالشام أيضًا. لم تُذكر وفاته. الديباج المذهب ١/ ٤٦٠، وشجرة النور
الزكية ص ٧٧.
(٤) فى م: ((أعجبت)).
٥٧٢

الموطأ
الاستذكار
قال بعضُ شعراءِ أهلِ المدينةِ ((فى ذلك(١).
إلى أُحدٍ إلى جَنَباتِ رِيمِ
فكم مِن حُرَّةٍ بينَ المُقَّى
(٣)
عوارضُه ومِن دَلّ رخيمٍ
إلى الروحاءِ مِن ثغرٍ نَقِيٍّ
فنحن إن أقَمْنا خمسةَ عشَرَ يومًا قصَرْنا، وإن زِدْنا أَتَمَمْنا () .
القبس
ورُوِى: تسعةَ عشَرَ يومًا (٢). وإقامةُ النبيِّ وَِّ هذه المدةَ لم تكُنْ نِيتَه الأولى
الإقامةُ وعزمتَه٢١، وإنما كان مُتَوَكِّفًا(١) للرحيلِ، مُتشوِّنًا إلى القُفُولِ ، والعوارضُ تَلْويه
حتى تَجرَّد عنها، ومَن أقامَ على هذه الحالِ سنةً قصَرَ الصلاةَ ، ولكنَّ مالكًا رأَى حديثَ
النبيِّ وَةِ: ((يَمْكُثُ المهاجر بمكةَ ثلاثَ ليالٍ))(٨). فرَكَّب عليه؛ وجهُ التركيبِ أن
اللهَ حرَّم على المهاجرين الإقامةَ بمكةً؛ لأنهم ترَكوها للهِ تعالى، فلم يَجزِ الرجوعُ
فيها، كما لا يجوزُ الرجوعُ فى الصدقةِ، فلما أذِن النبيُّ وَلِّ لهم فى ثلاثةِ أيامٍ بعدَ
قضاءِ الحجّ، وَلَّ على أن الثلاثةَ ليست فى حكم الإقامةِ المحرّمةِ، فعَوَّل على هذا
الحديثِ وترَكه ؛ لأنه مِن روايةِ الوُحْدانِ ، واللهُ أعلمُ به. وسمِعتُ بعضَ أحبارِ المالكيةِ
يقولُ : إنما كانت الثلاثةُ الأيامِ خارجةً عن حكم الإقامةِ ؛ لأن الله تبارك وتعالى أرجأ
فيها مَن أَنزَل به العذابَ، وتَيَقَّنَ الخروجَ عن الدنيا، فقال: ﴿تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ
(١ - ١) سقط من: م، وفى الأصل: ((شعر)).
والأبيات لأبى المنهال نفيلة الأشجعى ، وقيل : لعمر بن العنبر الهذلى . ينظر تاريخ المدينة لابن
شبة ٢٨٤/١، ٢٨٥، والأغانى ١١٧/٦، ١١٨، ومعجم البلدان ٤ / ٦٦٩، ٦٧٠.
(٢) فى الأصل، م: ((ذل)).
(٣) فى ح، م: ((وخيم)).
(٤) أخرجه أبو داود (١٢٣١)، وابن ماجه (١٠٧٦)، إلى قوله: يقصر الصلاة .
(٥) تقدم تخريجه ص ٥٣٠، ٥٣١ .
(٦ - ٦) سقط من: ج، م.
(٧) توكَّف الخبر: إذا انتظر وقوعه. النهاية ٢٢١/٥.
(٨) تقدم تخريجه ص ٥٣٥ .
٥٧٣

٣٣٩ - وحدَّثنى عن مالك، عن نافع، عن سالم بنِ عبدِ اللهِ ، أَنَّ عبدَ
الموطأ
اللهِ بنَ عمرَ رَكِب إلى ذاتِ النُّصُبِ ، فقَصَر الصلاةَ فى مسيرِه ذلك .
قال يحيى : قال مالك: وبينَ ذاتِ النُّصُبِ والمدينةِ أربعةُ بُرُدٍ .
بلاٍ كُخْلٍ ومِن كَشْحٍ هَضيمِ
الاستذكار ومِن عينِ مُكَحَّلةِ المآقى
وجنباتُ رِيمٍ ربما كانت بعيدةَ الأقطارِ .
مالك ، عن نافع، عن سالم بن عبد الله ، أن عبد الله بن عمر ، رکِب إلی
ذاتِ النُّصُبِ ، فقصر الصلاةَ فى مسيرِه ذلك . قال مالكٌ: وبينَ ذاتِ النُّصُبِ
وبينَ المدينةِ أربعةُ بُدٍ(١).
قال أبو عمرَ: ذكَر هذا الحديثَ أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً(١)، قال: حدَّثنا ابنُ
عُلَيَّةَ، عن أيوبَ ، عن ("نافعٍ، عن سالمٍ"، أن ابنَ عمرَ خرَج إلى أرضٍ له بذاتٍ
القبس
ثَثَةَ أَّابِ ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥]. وأدخَلَ قولَ سعيدِ بنِ المسئَّبِ:
مَن أجمَع إقامةً أربعة أيامٍ وهو مُسافِرٌ أتمَّ الصلاةَ. إذ لم نجِدْ أَنَصَّ منه فى الغَرَضِ، وإن
كان ليس بحَُّةٍ يُتوسَّلُ به إلى طلبِ الحُكَّةِ منه أو مِن غيرِه ؛ أما مِن غيرِهِ، فعلى طريقٍ
التذكرة، وأما منه، فبأن نقولَ: إنَّ سعيدَ بنَ المُسيَّبِ صِب سبعين بدريًّا، ومِن
الصحابةِ جملةً وافرةٌ ، ووَعَى علمًا كثيرًا، وأفتَى بهذه الفَتْوى، ولا يَقْتَضِيها النَّظَرُ،
ولا يُعْطِيها القياسُ، فكانت حُجَّةً على ما أشَرْنا إليه مِن أصلِه . واللهُ أعلمُ .
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٨٠). وأخرجه الشافعى ١٨٣/١، ١٨٧/٧، والبيهقى ١٣٦/٣
من طريق مالك به .
(٢) ابن أبى شيبة ٤٤٤/٢، ٤٤٥ .
(٣ - ٣) فى النسخ: ((سالم عن نافع)). والمثبت من مصدر التخريج.
٥٧٤

٣٤٠ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك، عن نافع، عن ابنِ عمرَ ، أنه
كان يسافر إلى خيبرَ فيَقصُرُ الصلاةَ .
الموطأ
الاستذ کار
النُّصُبِ فقصَر، وهى ستةَ عشَرَ فرسخًا. وهذا كما قال مالكٌ: أربعةُ بُرُدٍ .
وقال معمرٌ : أخبرنى أيوبُ ، عن نافعٍ ، عن ابنِ عمرَ ، أنه كان يَقصُرُ فى
مسيرةٍ أربعةٍ أبردٍ (١).
مالكٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ ، أنه كان يسافر إلى خيبرَ فيَقصُرُ الصلاةَ(٢).
رواه ابنُ جريجٍ ، قال: أخبرنى نافعٌ، أن ابنَ عمرَ كان أدنَى ما يَقصُرُ الصلاةَ
إليه مالٌ له بخيبرَ يطالعُه، وهو مسيرةُ ثلاثة قواصِدَ (١) ، لم یکنْ يَقصُرُ فیما دونَه .
قلتُ : فكم خيبرُ؟ قال : ثلاثةُ قواصدَ(٤) .
وهذا أيضًا خلافُ ما روَى مالكٌ فى ذلك ، ومالكٌ أثبتُ مِن ابنٍ جريجٍ فى
نافعٍ إذا اختلفا ، والقولُ عندَهم قولُ مالكٍ ؛ لأن مالكًا أحدُ الثلاثةِ المُقُدَّمِين فى
حفظٍ حديثٍ نافع ؛ وهم عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ ، وأيوبُ ، ومالكٌ ، وأما ابنُ جريج
فهو عندَهم فى نافعٍ رابعُهم. وقد اختُلف عن ابنِ عمرَ فى أدنَى ما تُقْصَرُ إليه
الصلاةُ ، وأصحُ ما فى ذلك عنه ما روى عنه سالمٌ ومولاه نافع ، أنه كان لا يَقصُرُ
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٤٣٠٠) عن معمر به .
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٩٠)، وبرواية أبى مصعب (٣٨١). وأخرجه عبد الرزاق
(٤٢٩٤)، والبيهقى ١٣٦/٣ من طريق مالك به .
(٣) القواصد ، جمع قاصدة : وهى الليلة الهينة السير لا تعب فيها ولا بطء . اللسان (ق ص د ).
(٤) سيأتى تخريجه ص ٥٨٣ .
٥٧٥

الموطأ
٣٤١ - وحدَّثنى عن مالك، عن ابنِ شهابٍ، عن سالمِ بنِ
عبدِ اللهِ، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يَقْصُرُ الصلاةَ فى مَسيرِه
اليومَ التامّ .
٣٤٢ - وحدَّثنى عن مالك، عن نافع، أنه كان يُسافرُ مع عبدِ اللهِ
ابنِ عمرَ البريدَ فلا يَقصُرُ الصلاةَ .
الاستذكار إلا فى مسيرِه اليومَ التامّ ؛ أربعةً بُرُدٍ .
مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالم، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يقصُرُ الصلاةَ
فى مسيرِه اليومَ التامّ(١.
قال أبو عمرَ : كذلك رواه ابنُ جريج، عن الزهرىِّ ، قال : أخبرنى سالمٌ ،
أن ابنَ عمرَ كان يَقصُرُ فى مسيرِه اليومَ التامّ(١).
قال أبو عمرَ: مسيرةُ اليومِ التامّ بالسيرِ الحَثَيثِ هى أربعةُ بُدٍ أو
نحوُها .
وقد روَى مالكٌ ، عن نافع ، أنه كان يسافر مع عبدِ اللهِ بنِ عمرَ البَرِيدَ فلا
.(٣)
يقصُرُ الصلاة
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٨٢). وأخرجه البيهقى ١٣٦/٣، ١٣٧ من طريق مالك به .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٤٣٠٠) عن ابن جريج به .
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٩٣)، وبرواية أبى مصعب (٣٨٤). وأخرجه الشافعى ١٨٣/١،
وعبد الرزاق (٤٢٩٥)، والبيهقى ١٣٧/٣ من طريق مالك به .
٥٧٦

الموطأ
٣٤٣ - وحدَّثنى عن مالكِ، أنه بلَغَه أن عبدَ اللهِ بنَ عباس كان
يقصُرُ الصلاةَ فى مِثلِ ما بينَ مكةَ والطائفِ ، وفى مثل ما بينَ مكةً
وعُسْفانَ ، وفى مِثلِ ما بينَ مكةً وجُدَّةَ .
وهذا يردُّ ما رواه (١محاربُ بنُ دِثارٍ، عن١) (٢ ابنِ عمرَ قال): إنى لأُسافر الاستذكار
الساعةَ مِن النهارِ فَأَقْصُرُ الصلاةَ(٣) .
وما رواه محمدُ بنُ زيدِ بنِ خُليدٍ ، عن ابنِ عمرَ ، أنه قال : يَقصُرُ الصلاةَ فى
مسيرة ثلاثةِ أميالٍ ().
وهذان الخبران مِن روايةِ أهلِ الكوفةِ ، عن ابنِ عمرَ، فكيف يقبلُها (٥) عن
ابنِ عمرَ مع ما ذكرنا مِن روايةٍ سالمٍ ونافعٍ عنه بخلافِها مِن حديثِ أهلِ
المدينةِ؟ وقد روَى سفيانُ بنُ عيينةً، عن سعيدِ بنِ عبيدٍ ، عن علىٍّ بنِ ربيعةً
قال : سألتُ ابنَ عمرَ عن قصرِ الصلاةِ ، فقال: أتعرفُ الشّويداءَ؟ قلتُ :
نعم. قال: فاقصُرْ إليها - وهى على مسيرةٍ يومين مِن المدينةِ - قال: وكان
ابنُ عمرَ يَقصُرُ إليها (١) .
مالكٌ ، أنه بلغه أن عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ كان يَقصُرُ الصلاةَ فى مثلِ ما بينَ مكةً
والطائفِ، وفى مثلٍ ما بينَ مكةَ وُسْفانَ، وفى مثلٍ ما بينَ مكةَ وجدَّةً(٧).
القبس
(١ - ١) طمس وتآكل فى الأصل، وفى م: ((أبو بكر بن أبى شيبة)). والمثبت من المصنف موافق للسياق.
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٤٥/٢ من طريق محارب به .
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٤٣/٢ من طريق محمد بن زيد به .
(٥) فى م: ((نقبلها)).
(٦) أخرجه ابن حزم ٥/٥، ٦ من طريق سعيد بن عبيد به .
(٧) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٨٣). وأخرجه البيهقى ١٣٧/٣ من طريق مالك به .
٥٧٧
( موسوعة شروح الموطأ ٣٧/٥ )

قال يحيى : قال مالكٌ: [٥٤ظ] وذلك أربعةُ بُدٍ .
الموطأ
قال يحيى : قال مالكٌ: وذلك أحبُّ ما تُقْصَرُ إِلىَّ فيه الصلاةُ .
قال يحيى : قال مالكٌ: لا يَقصُرُ الصلاةَ الذى يُرِيدُ السَّفَرَ حتى يَخرُجَ
مِن بُيوتِ القرية، ولا يُتِمُّ حتى يَدخُلَ أولَ بُيوتِ القريةِ، أو يُقارِبَ ذلك.
قال مالكٌ : وذلك أربعةُ بُرُدٍ . قال مالكٌ: وذلك أحبُّ ما تُقصرُ فيه الصلاةُ إلىَّ.
الاستذكار
قال أبو عمرَ : هذا عن ابنِ عباسٍ معروفٌ مِن نقلِ الثقاتِ ، متصلُ الإسنادٍ
عنه مِن وجوهٍ ؛ منها ما رواه عمرُو بنُ دينارٍ وابنُ جريج، عن عطاءٍ، قال: سألتُ
ابنَ عباسٍ فقلتُ : أَقصُرُ الصلاةَ إلى عرفةً أو إلى منّى؟ قال: لا ، ولكن إلى
الطائفِ أو إلى جدَّةَ ، ولا تَقصُّروا الصلاةَ إلا فى اليومِ التامّ، ولا تَقصُرْ فيما دونَ
اليومٍ ، فإن ذهبتَ إلى الطائفِ أو إلى بجدَّةً، أو إلى قدرٍ ذلك مِن الأرضِ فاقصُرْ.
ء
ذكَره عبدُ الرزاقِ(١) ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، (" وعن ابنِ عُيِينةً، عن
عمرٍو، عن عطاءٍ"، واللفظُ لحديثِ ابنِ جريجٍ.
وذكَر أبو بكرٍ (٢)، قال: حدَّثنا ابنُ عيينةَ، عن عمرٍو، قال: أخبرنى عطاءٌ،
عن ابنِ عباسٍ، قال : لا تَقْصُرِ الصلاةَ إلى عرفةً ولا بطنِ نخلةَ، واقصُرْ إلى
عُشْفانَ والطائفِ وجدَّةً، فإذا قدِمتَ على أهلٍ أو ماشيةٍ فأتمَّ .
القبس
(١) عبد الرزاق (٤٢٩٦).
(٢ - ٢) سقط من: ح، م.
والأثر عند عبد الرزاق (٤٢٩٧).
(٣) ابن أبى شيبة ٤٤٥/٢.
٥٧٨

الموطأ
قال (١) : وحدَّثنا وكيع، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ الغازِ، عن ربيعةَ الجُرَشيِّ، الاستذكار
عن عطاءِ بنِ أبى رباحٍ، قال : قلتُ لابنِ عباسٍ : أَقْصُرُ إلى عرفةَ؟ قال : لا .
قلتُ : أَقَصُرُ إلى الطائفِ أو إلى عُشْفانَ؟ قال: نعم ، وذلك ثمانيةٌ وأربعون مِيلًا.
وعقد بيده .
قال(١) : وحدثنا وكيع، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن رجلٍ يقالُ له : شُبَيْلٌ. عن
أَبِى حِبَّةَ ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: أَقْصُرُ إلى الأُمْلَّةِ(٣)؟ قال: تذهب وتجىءُ فى
يومٍ؟ قال: قلتُ : نعم. قال: لا ، إلا فى يومٍ مَتَّاح .
قال أبو عمرَ : هو شُبَيلُ بنُ عَزْرَةَ، كوفىٌّ ثقةٌ، وأبو حِبْرَةَ شِيحةُ بنُ عبد
اللهِ، کوفیّ ثقةٌ .
قال أبو عمرَ : قولُ ابنِ عباس هذا لا يُشبهُ أن يكونَ رأيًا ، ولا يكونُ مثلُه إلا
توقيفًا، واللَّهُ أعلمُ ، ولا أعلمُ عن ابنِ عباسٍ خلافًا إلا ما ذكره أبو بكرٍ(١) ، قال:
حدَّثنا جريرٌ، عن منصورٍ ، عن مجاهدٍ ، عن ابنِ عباسٍ ، قال: إذا كان سفرك
يومًا إلى العَتَمةِ فلا تَقصُّرِ الصلاةَ ، فإن جاوزتَ ذلك فاقصُرْ .
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٤٤٥/٢ .
(٢) ابن أبى شيبة ٤٤٤/٢.
(٣) فى الأصل: ((بله))، وفى م: ((بلد)). والأبلة: بلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى. مراصد
الاطلاع ١٨/١.
(٤) فى الأصل: (متاخ))، وفى ح: ((متام))، وفى م: ((تام)). والمثبت من مصدر التخريج. ويوم
مَتَّاح: أى يوم يمتد سيره من أول النهار إلى آخره. ومَتَح النهار، إذا طال وامتد. النهاية ٤ / ٢٩١.
٥٧٩

الموطأ
الاستذكار
قال أبو عمرَ : اختلف الفقهاءُ أئمةُ الفَتْوى بالأمصارِ فى مقدارِ ما تُقْصَرُ إليه
الصلاةُ مِن المسافةِ ؛ فذهَب مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُهما، والأوزاعىُّ،
والليثُ بنُ سعدٍ ، إلى أن الصلاةَ لا يَقصُرُها المسافرُ إلا فى مسيرِه اليومَ التامَّ بالبغلِ
الحسنِ السيرٍ. وهو قولُ أحمدَ ، وإسحاقَ ، والطبرىِّ، وقد قال بعضُهم : يومًا
وليلةً. ومعلوم أن الليلَ ليس بوقتٍ سيرٍ لَمن مشَى بالنهارِ ، ولكنه تأكيدٌ باليومِ التامّ
فى أيامِ الصيفِ ، أو ما كان مثلَه فى المسافةِ مِن أيام الشتاءِ. وقدَّره مالكٌ بأربعةٍ
بُرُدٍ ؛ ثمانيةٌ وأربعون مِيلًا. قال الشافعىُّ والطبرىُّ: ستة وأربعون ميلًا. ( وهو
أمرٌ متقاربٌ). ومَن قال بما وصَفنا؛ مِن مسيرِه اليومَ التامّ وتقديرِهِ، فالسّلفُ(٢)
لهم ابنُ عباسٍ وابنُ عمرَ على ما ذكرنا عنهما . وقال الكوفيون ؛ سفيانُ الثورىُّ،
والحسنُ بنُ صالح، وشريكٌ، وأبو حنيفةً وأصحابُه: لا يقصرُ المسافرُ الصلاةَ إلا فى
المسافةِ البعيدةِ المحتاجةِ إلى الزادِ والمزادِ مِن الأفقِ إلى الأفقِ . قال سفيانُ وأبو حنيفةً:
أقلُّ ذلك ثلاثةُ أيام ، لا يقصرُ الصلاةَ مسافرٌ فى أقلَّ مِن ثلاثةِ أيام كاملةٍ . والسلفُ لمن
ذهَب هذا المذهبَ عثمانُ بنُ عفانَ ، وابنُ مسعودٍ، وحذيفةُ بنُ اليمانِ .
رَوی سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن أيوبَ ، عن أبى قِلابةَ ، قال : حدَّثنی مَن سمِع
كتابَ عثمانَ إلى عبدِ اللَّهِ بنِ عباسٍ يقولُ: بلغنى أن قومًا يخرُجون فى
جَشَرِهم؛ إما فى تجارةٍ وإما فى جبايةٍ، فيقصُرون الصلاةَ، وإنه لا تُقْصَرُ
القبس
(١ - ١) فى ح: ((وهذا أمر متفاوت)).
(٢) فى م: ((ما قاله)) .
(٣) الجَشَر: قوم يخرجون بدوابهم إلى المرعى، ويبيتون مكانهم ولا يأوون إلى البيوت. النهاية ١/ ٢٧٣.
٥٨٠