Indexed OCR Text
Pages 541-560
الموطأ
سليمانَ(١)، وهو قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِهِ ، وقولُ بعضِ أصحابِ مالكِ، وقد التمهيد
رُوِىَ عن مالكِ أيضًا - وهو المشهورُ عنه - أنه قال: من أتمَّ فى السفرِ أعاد فى
الوقتِ . ومِن حُجَّةٍ مَن ذهَب إلى إيجابِ القصْرِ فرضًا فى السفرِ حديثُ عمرَ بنِ
الخطابِ ، قال : صلاةُ السفَرِ ركعتان تمامٌ غيرُ قصرٍ، على لسانٍ نبئكم
وهو حديثٌ رَوَاه عبدُ الرحمنِ بنُ أبى ليلَى ، عن عمرَ . وقال ابنُ معينٍ وعلىُّ بنُ
المدينىٌّ: لم يَسْمَعْه مِن عُمرَ، ورجاله ثقاتٌ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
حدَّثنا أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا أبو نعيم، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن
زُبيدٍ (٢) ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبى ليلَى، عن عمرَ - قال سفيانُ: قال زُبيدٌ
مرّةً: "عن عمر١َ - قال: صلاةُ المسافرِ ركعتانِ تمامٌ غيرُ قصرٍ، على لسانِ
النبيِّ ◌َّ(٤).
قال أبو عمرَ : رَوَى هذا الحديثَ يزيدُ بنُ هارونَ ، عن الثورىِّ ، عن زُبیدٍ ،
عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبى ليلَى، قال: سمِعتُ عمرَ ) . فخَطَّئُوه فيه ؛ لقولِه:
القبس
(١) ينظر ما تقدم ص ٥٢٤ - ٥٢٦، وما سيأتى ص٥٦٣، والأوسط لابن المنذر ٣٣٤/٤.
(٢) فى م: ((زبير)). وينظر تهذيب الكمال ٢٨٩/٩.
(٣ - ٣) كذا فى النسخ. وفى مسند أحمد: ((أراه عن عمر)).
(٤) أخرجه البيهقى ٢٠٠/٣ من طريق أبى نعيم به، وأخرجه أحمد ٣٦٧/١ (٢٥٧)، والنسائى
(١٥٦٥) من طريق الثورى به .
(٥) أخرجه أبو خيثمة فى مسنده - كما فى تهذيب التهذيب ٦/ ٢٦١، ٢٦٢ - عن يزيد بن
هارون به .
٥٤١
الموطأ
التمهيد سمِعتُ عمرَ. وقد رَوَاه محمدُ بنُ طلحةً، قال: حدَّثنا زُبيدٌ ، عن عبد الرحمنِ
ابنِ أبى ليلَى، قال: خَطَبنا عمرُ، فقال: ألا إنَّ صلاةَ يومِ الفطرِ، وصلاةَ يومٍ
النَّحرِ ، وصلاةَ يوم الجمعة ، وصلاةَ السَّفَرِ ر كعتان ركعتان ، تمام غیرُ قَضْرٍ ، على
لسانِ النبيِِّ وَ لَه١) . فَوَهِمَ أيضًا فيه .
ورَوَاه يزيدُ بنُ زيادِ بنِ أبى الجَغْدِ ، عن زُبيدٍ ، عن عبد الرحمنِ بنِ أبی لیلَی ،
عن كعبِ بنِ عُجرةَ، عن عمرَ، عن النبيِّ وَ، مِثْلَهُ(١) . فزادَ كعبَ بنَ عُجرةَ؛
أَدْخَلَه بينَ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى ليلَى وبينَ عمرَ، وليس لهذا الحديثِ غيرُ هذا
الإسنادٍ ، ومِن أهلِ الحديثِ مَن يُعلِّلُه ويُضَعِّفُه، ومنهم مَن يُصحِّحُ إِسنادَ يزيدَ بنِ
أبى الجَعْدِ هذا فيه. قال علىُ بنُ المدينىّ: هو أسْندُها وأحسَنُها وأصَحُها .
واحتُّوا أيضًا بما حدَّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ
أيضًا ، قال : حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ شَاذانَ ، قال: حدَّثنا
موسی بنُ داودَ ، قالا : حدّثنا أبو عوانةً ، عن بُکیرِ بنِ الأخنسِ ، عن مجاهدٍ ، عن
ابنِ عباسٍ، قال: فَرَضَ اللهُ الصلاةَ على لسانٍ نبيِّكُمْ وَِّ فى الحضَرِ أربعًا ، وفى
السفرِ ركعتينِ، وفى الخوفِ رْعَةً (٣).
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٤٢١/١ من طريق محمد بن طلحة به .
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٠٦٤)، والنسائى فى الكبرى (٤٩٠)، وابن خزيمة (١٤٢٥) من طريق
یزید بن زیاد به .
(٣) أخرجه أبو داود (١٢٤٧) عن مسدد به، وأخرجه أحمد ٢٨/٤ (٢١٢٤)، والبخارى فى =
٥٤٢
الموطأ
وهذا أيضًا حديثٌ انفرَدَ به بُكيرُ بنُ الأخنسِ ، وليس بحُجَّةٍ فيما انفَرَدَ به ، التمهيد
واحتَعُوا أيضًا بأنْ قالوا: وأمَّا قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِ اُلْأَرْضِ
فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ﴾
[النساء: ١٠١]. فغيرُ جائزٍ لِمَنْ جِعَلَ الطَّوافَ بينَ الصَّفا والمروةِ مِن أركانِ الحَجِّ ، مع
قولِ اللهِ عَّ وجلَّ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. أن
يحتجَّ بهذه الآيةِ فى إباحةِ القَصْرِ فى السفرِ. وقالوا: إنما نزلتْ على النبيِّ وَل
بعُشْفانَ بينَ الظُهرِ والعصرِ ، فى صلاةِ الخوفِ. وذكروا فى ذلك حديثًا رَوَاه
مُجاهِدٌ، عن أبى عيَّاشِ الزُّرقِيّ، عن النبيِّ عليه السلامُ(١).
وقالوا : ذلك يَدُلُّ على أنَّ القصرَ إنما هو قصرُ المأموم خلفَ إمامِه ، يُصلِّى معه
بعضَها بشرطِ الخوفِ ولا يُتِمُّها معه، وإذا كان ذلك كذلك كان حديثُ عائشةً
فى معنًى غيرِ معنَى الآيةِ ، قد أفادَ حُكمًا زائدًا. واحتجُوا أيضًا بأنَّ جابرًا وابنَ
عمرَ قالا: ليس الرّكعتان (١) فى السفرِ بِقَصْرٍ. وأنَّ ابنَ عباسٍ قال: من صلَّى فى
السفرِ أربعًا، كمنْ صلَّى فى الحضرِ ركعتين (١) . فهذه جملةُ ما نزَع به الذين
ذهبُوا إلى أنَّ القصرَ فى السفرِ فرضٌ على ظاهرِ حديثٍ عائشةً.
القبس
= جزء القراءة خلف الإمام (٢٢٦)، ومسلم (٥/٦٨٧)، وابن ماجه (١٠٦٨) من طريق أبى عوانة
به .
(١) أخرجه أحمد ١٢٠/٢٧ (١٦٥٨٠)، وأبو داود (١٢٣٦) وابن حبان (٢٨٧٦) من طريق
مجاهد به .
(٢) فى النسخ: ((الركعتين)).
(٣) أخرجه ابن المنذر (٢٢٣٨)، ومسدد فى مسنده - كما فى المطالب (٧٣١).
٥٤٣
الموطأ
التمھید
وقال آخرونَ : القصرُ فى السفرِ سُنَّةٌ مسنونةٌ ، ورخصةٌ وتوسعةٌ ؛ فمن شاءَ
قَصَرَ فى السَّفرِ، ومن شاءَ أتَمَّ، كما أنَّ المُسافرَ مُخيٌَّ؛ إنْ شاءَ صامَ، وإن شاءَ
أفطَرَ. وحُجَّتُهم قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا ضَرَيُّمْ فِىِ الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَنْ
نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: ١٠١]. قالوا: فالقرآنُ
يدلُّ على أنَّ القصْرَ ليس بحثْم؛ لأَنَّ الحثْمَ لا يُقالُ فيه : ليس عليكم جناحٌ أَنْ
تفعلُوه. قالوا: كلُّ ما قِيلَ فيه: ((لا جناحَ)) . فإنما هو رخصَةٌ لا حتْمٌ ؛ مثلُ قولِه
عزَّ وجلَّ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَامُ أَنْ تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ
[البقرة: ١٩٨]. و: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] و: ﴿فَلَا
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىّ أَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤]. وما كان مثلَ هذا،
وكذلك قولُه عزَّ وجلَّ فى الصَّفا والمروةِ : ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ
بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. نزلت فى إباحةِ ما كان عندهم محظورًا؛ لأنَّ العربَ
كانت تتحرّجُ مِن العمرةِ فى أشهُرِ الحجّ، وتتحرَّجُ مِن فعلٍ ما كانت تفعلُه فى
جاهليِّها ؛ وقد بيًَّّا معنى هذه الآية فى مواضِعَ مِن كتابِنَا هذا، والحمدُ للهِ .
قالوا: وإن كان شَرْطُ الخوفِ مذكورًا فى الآيةِ، فإِنَّ النبيَّ وَهِ - وهو
المُبيِّنُ عن اللهِ مُرادَه - قد بيَّنَ بِسُتَّتِهِ أنَّ المسافِرَ يقصُرُ الصلاةَ فى الخوفِ وفی غیرِ
الخوفِ ؛ لأنَّه كان يقصُرُ وهو آمنٌ لا يخافُ إلَّ اللهَ، فكان القصرُ فى السفرِ مع
الأمنِ زيادةَ بيانٍ على لسانِ رسولِ اللهِ بَّه، وإن لم ينزِلْ به وحِىٌّ يُثْلَى، ومثلُه
كثيرٌ فى الشَّرع. واحتجُوا مِن الأثرِ بما حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن ،
قال : حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ
القبس
٥٤٤
الموطأ
ومُسدَّدْ ، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ نجريج، قال: حدَّثنى عبدُ التمهيد
الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبى عمَّارٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ بايَتِه، عن يعلَى بنِ أميَّةَ ،
قال : قلتُ لعمرَ بنِ الخطابِ : أرأيتَ إقصارَ الناسِ الصلاةَ اليومَ ، وإنما قال اللهُ عزَّ
ج
وجلّ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْيِنَّكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [النساء: ١٠١] . فقد ذهبَ ذلك اليومَ ؟
فقال: عجِبتُ مِمَّا عجِبتَ منه، فذكرتُ ذلك لرسولِ اللهِ وَ له فقال: ((صدقةٌ
تصدَّقَ اللهُ بها عليكم ، فاقبلُوا صدقتَه))(١). هكذا قال يحيى القطانُ، عن ابنِ
مجريج: حدَّثنى عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبى عمَّارٍ . وقال عبدُ الرزاقِ ،
ومحمدُ بنُ بكرِ البُرْسانىُ، وأبو عاصم، وحمَّادُ بنُ مسعدةَ، عن ابن جريجٍ،
قال: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ أبى عمَّارٍ (١) . وقال الفَزَارِىُّ: عن ابنٍ مجريجٍ، عن ابنِ
أبى عمَّارٍ(١). قالوا: ففى قولِهِ وَّهِ: إِنَّ القصرَ فى السفرِ مع الأمنِ صدقةٌ تصدَّقَ
اللهُ بها عليكم دليلٌ على أنَّ ذلك توسعةٌ ورخصةٌ ورحمةٌ ، وليس بواجبٍ .
وذكرَ عبدُ الرزاقِ ، عن ابنٍ جريجٍ ، عن عمرو بن دينارٍ ، قال: أمَّا قولُه:
ج
﴿إِنْ خِفْتُ أَنْ يَفْئِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾. فإنما ذلك إذا خافوا الذين كفروا، وسنَّ
النبيُّ ◌َِّ بعدُ الرَّكعتينِ، وليستا بقصرٍ، ولكنهما وفاء.
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
القبس
(١) فى م: ((عامر)). وينظر تهذيب الكمال ٣٢٠/١٤.
(٢) تقدم تخريجه ص ٥١١.
(٣) تقدم تخريجه ص ٥١٢.
(٤) تقدم تخريجه ص ٥٢٢.
(٥) تقدم تخريجه ص ٥١٧.
٥٤٥
( موسوعة شروح الموطأ ٣٥/٥ )
الموطأ
التمهيد
أحمدُ بنُ زهيرٍ، قال: حدَّثنا موسَى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ
إبراهيمَ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: أنبئتُ أنَّ ابنَ عباسٍ قال: كان
رسولُ اللهِ وَلّهِ يخرُجُ ما بينَ مكةَ والمدينةِ لا يخافُ إلَّ اللهَ يقصرُ الصلاةَ(١).
وممّا يدلُّ على أنَّ رسولَ اللهِ وَلَ كان يقصُرُ وهو آمنٌ غيرُ خائفٍ - قصرُه
الصلاةَ فى حََّتِه ؛ حََّةِ الوداعِ؛ وهو يومئذٍ قد أمِنَ، وهذا ما لا يجهلُه أحدٌ
مِن أهلِ العلمِ .
حدَّثنا سعيدُ بنُّ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ،
قال : حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ القاضِى ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ حربٍ وعارمُ
ابنُ الفضلِ، قالا : حدثنا حمّادُ بنُ زیدٍ ، عن أيوب ، عن أبى قلابةً ، عن أنس بنِ
مالكٍ، قال: صلَّى رسولُ اللهِ لَّهِ الظهرَ بالمدينةِ أربعًا، والعصرَ بذى الحُلِيفَةِ
ركعتينِ . زاد عارٌ: وبينَهما سنَّةُ أميالٍ. قال: أنسٌ: وسمعتُهم يصْرخُون بهما
جميعًا؛ الحجّ والعمرةُ(٢) .
وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ ،
قال: حدَّثنا مُسدّدٌ ، قال: حدَّثنا يحيى، عن سفيانَ ، قال : حدَّثنی محمدُ بنُ
المُتْكَدرِ وإبراهيمُ بنُ ميسَرةَ، سَمعَا أنسَ بنَ مالكِ يُحدِّثُ، قال: صلَّينا مع
القبس
(١) أخرجه البيهقى ١٣٥/٣ من طريق يزيد بن إبراهيم به، وأخرجه أحمد ٣٥١/٣ (١٨٥٢)،
والترمذى (٥٤٧)، والنسائى (١٤٣٤) من طريق ابن سيرين به .
(٢) أخرجه البخارى (١٥٤٨، ٢٩٥١) عن سليمان بن حرب به ، وأخرجه مسلم (٦٩٠)،
والنسائى (٤٧٦)، وابن حبان (٢٧٤٤) من طريق حماد بن زيد به .
٥٤٦
الموطأ
التمهيد
رسولِ اللهِ وَّ بِالمدينةِ الظهرَ أربعًا، وصلَّينا العصرَ بذى الحُليفةِ ركعتين(١).
فاستدلُّوا بهذه الآثارِ على أنَّ القصرَ فى السفرِ سُنَّةٌ سنَّها رسولُ اللهِ وَلَه وليس
بفريضةٍ، واحتجُوا أيضًا بما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصرٍ،
قالا : حدَّثنا قاسم ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ رَوحِ، حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ ، قال :
أخبرنا مالكُ بنُ مِغْولٍ ، عن أبى حنظلةَ الحذَّاءِ، قال : قلتُ لابنِ عمرَ، أُصلِّى فى
السفرِ ركعتين واللهُ يقولُ: ﴿إِنْ خِفُْ﴾ [النساء: ١٠١]. ونحنُ نجِدُ الزَّادَ
والمزادَ؟ فقال: كذلك سنَّ رسولُ اللهِ وَّه(١). فهذا ابنُ عمرَ قد صرَّحَ بأنَّ
القصرَ سُنةٌ مِن رسولِ اللهِ لا فريضةٌ مِن اللهِ ، ولا مِن رسولِه، ولو فرضَها رسولُ
اللهِ لقال ابنُّ عمرَ: فَرَضها. كما قال فى زكاة الفطرِ(١)، وقد مضَى فى هذا
المعنَى ما فيه كفايةٌ ، فی بابِ ابنِ شهاب ، عن رجلٍ مِن آلِ خالدِ بنِ أُسِیدٍ ، مِن
كتابنا هذا(٤).
وقد جاء فى هذا البابِ عن ابنِ عباسٍ نحوُ ما جاءَ عن ابنِ عمرَ .
ذَكَرَ عبدُ الرزاقِ (١) ، أخبرنا ابنُ جريج، قال: سألَ حُميدٌ الضَّمْرُّ ابنَ عباسٍ ،
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٠٤/٢٠ (١٢٨١٨)، والبخارى (١٠٨٩)، وابن حبان (٢٧٤٨) من طريق
الثوری به .
(٢) تقدم تخريجه ص ٥١٤.
(٣) سيأتى فى الموطأ (٦٣٢).
(٤) تقدم ص ٥١٠ - ٥٢٤.
(٥) تقدم تخريجه ص ٥١٥.
٥٤٧
الموطأ
التمهید
فقال : إِنِّى أُسافِرُ، أَفْأقصُرُ الصلاةَ فى السفرِ أم أَتِّها؟ ، فقال ابنُ عباسٍ : ليس
بقصرِها ، ولكنه تمامُها، وسنةُ النبيِّ وَلَه؛ خرَج رسولُ اللهِ وَلِّآمنًا لا يخافُ
إلا الله، فصلَّى اثنتين حتى رجَع، ثم خرج أبو بكرٍ آمِنًا لا يخافُ إلا الله، فصلَّى
ركعتين حتى رجعَ، ثم خرَج عمرُ آمنًا لا يخافُ إلا اللهَ، فصلَّی اثنتين حتى
رجعَ، ثم فعلَ ذلك عثمانُ ثُلُثِى إِمارَتِه أو شطرَها ، ثم صلَّها أربعًا، ثم أخذَ بها
بنُو أَميَّةَ . قال ابنُ نجريج: وبلغنِى أنما أوفَاها عثمانُ أربعًا بمنَى مِن أجلِ أنَّ أَعْرَابًا
نادَاه فى مسجدِ الخَيَّفِ بمنِى ، فقال: يا أميرَ المؤمنينَ، ما زلتُ أُصلِّيها ركعتين مُذْ
رأيتُكَ عامَ أولَ(١) صلَّيتَها ركعتينٍ، فخشِىَ عثمانُ أَنْ يَظُنَّ جُهَّالُ الناسِ أنَّ
الصلاةَ ركعتانٍ ، وإنما كان أوفَاهَا بمنّى فقط .
قال أبو عمرَ: قد اختُلِفَ فى المعنَى الذى مِن أجلِه أتمَّ عثمانُ الصلاةَ فى
سفره إلى مكةَ وبمكةً؛ فقال قوم: أخذَ بالمباحِ فى ذلك؛ إذْ للمسافرِ أنْ يقصُرَ وأنْ
يُتِمَّ كما كان له أنْ يصومَ وأن يُفطِرَ .
ومن ذهَب إلى هذا المذهبِ احتجَّ بما قدَّمنا ذكرَه مِن ظاهرِ الكتابِ والسُّنَّةِ ،
وبما حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ وسعيدُ بنُ نصرٍ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ ،
قال: حدَّثنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا وكيعٌ،
قال: حدَّثنا المغيرةُ بنُ زيادٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ نَّهِ كان يُتِمّ
فى السفرِ ويقصُرُ.
القبس
(١) فى الأصل، ق: ((الأول)).
٥٤٨
٠
الموطأ
التمهيد
وأَخْبَرَنا أحمدُ بنُ قاسم وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أُصْبَغَ ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ ، قال: حدَّثَنَا أبو نُعَيْم ، قال: حدَّثنا
طلحةُ بنُ عمرٍو، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، قَالَتْ: كلٌّ قد فَعَلَ رسولُ اللهِ وَلَهِ؛
قد صَامَ وَقْطَرَ، وأَمَّ وَقَصَرَ فى السَّفَرِ(١).
حدَّثَنَا أحمدُ بنُ سعيدٍ ، حدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بنُ قاسِم ، حدَّثَنَا جَعْفَرُ بنُ محمدِ بنِ
الحَسَنِ الأَصْبَهائِىُ، حدَّثَنَا يونسُ بنُ حَبِيبٍ ، حدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بنُ داودَ الطََّالِسِىُّ،
حدَّثْنَا حَبِيبُ بنُ يَزِيدَ الأنْمَاطِئُّ، حدَّثَنَا عَمْرُو بنُ هَرِمٍ ، عن جابِ بنِ زَيْدٍ ، قال :
قالَتْ عائشةُ: كان رسولُ اللهِ وَلِلّهِ يُصَلِّى رَكْعَتَيْنٍ - يعنى الفَرَائِضَ - فَلَمَّا قَدِمَ
المَدِينَةَ، وَفُرِضَتْ عليهِ الصَّلاةُ أَزْبَعًا وَثَلاثًا ، صلَّى وَتَرَكَ الرَّكْعَتَيْنِ اللََّيْنِ كان
يُصلِّيهما بِمَكّةَ تَامًا للمسافرِ (١) .
فهذه عائِشَةُ قد اضْطَرَبَتِ الآثارُ عنها فى هذا البابٍ ، وإنْمَامُها فى السَّفَرِ
يَقْضِى بصِحَّةٍ ما وافَقَ مَعْنَاه منها .
وروَى زَيْدٌ العَمِّىُ، عن أنس، قال: كُنَّا أَصْحَابَ رسولِ اللهِ وَلَه نُسافِرُ
فيُتِمُ بعضُنا، ويقصُرُ بعضُنا، ويصُومُ بعضُنا، ويُفْطِرُ بعضُنا، ولا يَعِيبُ أحَدٌ على
(٣)
أحدٍ(٣) .
القبس
(١) تقدم ص ٥٢٠ .
(٢) الطيالسى (١٦٣٩) - ومن طريقه ابن عدى ٨٠٨/٢. وأخرجه ابن عدى ٨٠٧/٢ من طريق
حبیب بن يزيد به .
(٣) تقدم تخريجه ص ٥٢١.
٥٤٩
الموطأ
التمهید
وقال آخرون: إِنَّ عثمانَ إِنَّا أَمَّ فى السفرِ لأَنَّه كان له فى تلكَ
المَاهِلِ أهلٌ ومالٌ. وهذا مَوْجُودٌ فى حديثٍ رَوَاه عكرمةُ بنُ إِبراهِيمَ
الأَزْدِىُّ المَوْصلىُّ(١)، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ بنِ أبى ذُبَابٍ، عن أَبِيه،
عن عُثْمَانَ بنِ عَقَّنَ، أَنَّه صلَّى بِأهْلِ مِنَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَقْبَلَ
على النَّاسِ فقال: إِنِّى تأهَّلْتُ بِمَكّةً، وقد سَمِعْتُ رسولَ اللهِ،وَلِّ يقولُ:
((مَنْ تَأَهَّلَ فى بَلْدَةٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا، فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا)). فلذلك صَلَّيْتُ أرْبَعًا .
ذكَرَه الطَّحَاوِىُّ(١) ، عن يَحْتَى بنِ عثمانَ بنِ صالِحٍ ، عن عمرو بنِ الرَّبِيعِ بنِ
طارِقِ الهِلَالِيِّ، وعن إِسْماعِيلَ بنِ حَمْدَوَيْه، عنِ الْحُمَيْدِىِّ، عن
"عبدِ الرَّحمنِ بنِ عبدِ اللهِ ° مَوْلَى بَنِى هاشِمٍ، قالا جميعًا: أُخْبَرَنا عِكْرِمَةُ بنُ
إِبْرَاهِيمَ يإِسْنَادِه كما ذكَْنَاه . والحارثُ بنُ أبى ذُبَابٍ قد عَمِلَ لعُمَرَ بنِ الخَطّابِ
على الصَّدَقَةِ .
وقال آخرونَ : إِنْمَامُه إنّما كان على نَحْوِ إنْمام عائِشَةً . وقد ذكرنا الوجوه التى
تُؤُوَّلَتْ على عائِشَةَ فى إِنَامِها ، فى بابِ ابنِ شِهَابٍ ، عن رَجُلٍ مِن آلِ خالِدِ بنِ
(٤)
أَسِيدٍ(٤).
القبس
(١) فى النسخ: ((المرطى)). والمثبت من التاريخ الكبير ٧/ ٥٠، والجرح والتعديل ٧/ ١١.
(٢) الطحاوى فى شرح المشكل (٤٢٢١، ٤٢٢٢).
(٣ - ٣) فى النسخ: ((عبد الله بن عبد الرحمن)). والمثبت من مصدر التخريج، وينظر تهذيب
الكمال ٢١٧/١٧.
(٤) تقدم ص ٥١٩، ٥٢٠.
٥٥٠
الموطأ
وذَكَرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (١) ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن سالِم، عن ابنٍ عُمَرَ، التمهيد
قال: صَلَّيْتُ مع رسولِ اللهِ وَّهِ بِمِنَّى ركعتين، ومع أبى بَكْرِ ركعتين، ومع عُمَرَ
ركعتين، ومع عُثْمَانَ صَدْرًا مِن خلافتِه، ثم صَلَّهَا أَرْبَعًا .
قال ابْنُ شِهَابٍ: بلَغْنِى أَنَّ عُثْمَانَ أََّا (٢) صَلَّهَا أَرْبَعًا؛ لأَنَّه أَزْمَعَ أنْ يُقِيمَ بعدَ
الحجّ .
قال أبو عمرَ : هذا وَجةٌ صحيحٌ مجتَمَعٌ عليه فيمَنْ نَوَى الإِقامةَ أَنَّه يَلْزَمُه
الإِْمَامُ. وقال وُهَيْبٌ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ
النبيَّ وَّةِ، وأبا بكرٍ، وعمرَ صَلَّوا بِمِنِّى ركعتينِ، وعُثْمَانَ شَطْرَ إِمَارَتِه، ثم
أَتَّها ("بَعدُ. قال عبيدُ اللهِ: فسألتُ ابنَ شهابٍ الزهرىَّ لِمَ أتَّها" عثمانُ أَرْبَعًا
بِنِّى؟ قال: لأَنَّه اتَّخَذَ أَمْوَالًا بالطَّائِفِ، فأجْمَعَ المُقَامَ، فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ(٤). أمّا
قولُه: بالطَّائِفِ. فليس بشىءٍ؛ لأَنَّه بَلَدٌ آخَرُ. وقال مَعْمَرٌ، عن قتادَةَ: إِنَّ عثمانَ
لَّ صَلَّى أَرْبَعًا بَلَغَ ذلك ابْنَ مَسْعُودٍ، فاسْتَرْجَعَ ثم قامَ فصلَّى(١) أَرْبَعًا، فقيلَ له:
اسْتَرْجَعْتَ، ثم صَلَّيْتَ أرْبَعًا؟ فقال: الخِلَافُ شَرٌ(١).
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٥١٥.
(٢) فى الأصل، م: ((أيضا)).
(٣ - ٣) سقط من : م.
(٤) ينظر سنن أبى داود (١٩٦٣).
(٥) سقط من : م.
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٤٢٦٩) عن معمر به .
٥٥١
.--
الموطأ
التمهید
ورَوَى أبو مُعَاوِيَةً، عن الأَعْمَشِ، عن إِبْرَاهِيمَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ يَزِيدُ،
عن عبدِ اللهِ ، قال: صلَّى عثمانُ بِنِّى أَرْبَعًا .
قال: فقال عبدُ اللهِ: صَلَّيْتُ مع النبيِّ ◌َلآر کعتين ، ومع أبی بکرِ ر کعتین ،
ومع عمرَ ركعتين، ثم تَفَرَّقَتْ بكم الطُّرُقُ، ولودِدْتُ أنَّ لى مِن أَرْبَع ركَعاتٍ
ركعتين مُتَقبَّلَتين .
قال الأعمشُ : فحَدَّثنى معاوِيةُ بنُ قُرَّةَ أَنَّ عبدَ اللهِ صَلََّّها بعدُ أَرْبَعًا ، فقيل
له : عِبْتَ علَى عثمانَ، وتُصلِّى أربعًا؟ قال : الخِلافُ شَرٌّ.
حدَّثَنَاه عبدُ الوارِثِ ، قال: حدَّثَنا قاسمٌ، قال: حدَّثَنَا أحمدُ بنُ زُهيرٍ،
قال: حدَّثَنِى أَبِى، قال: حدَّثَنا أبو معاوِيةَ محمدُ بنُ خازِمِ، قال: حدَّثَنَا
الأَعْمَشُ، عن إبراهِيمَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزِيدَ ، عن عبدِ اللهِ ، قال : صلَّی
عثمانُ . فَذَكرَهُ(١).
قال: وحدَّثَنَا أبِى، قال: حدَّثَنَا جَرِيرٌ، عن مُغِيرَةَ، عن أصحابِه ، عن إِبْرَاهِیم ،
عن الأسودِ ، قال : كنتُ مع عبدِ اللهِ مِنِّى، فَلَمَّا صلَّى عثمانُ أربعًا قال عبدُ اللهِ :
صَلَّيْتُ مع رسولِ اللهِ وَ لّ فى هذا المكانِ ركعتين، وصلَّى أبو بَكّرٍ ركعتينِ،
وصلَّى عُمَرُ ركعتين. قال الأسودُ : فقلتُ: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، أَلَا سَلَّمْتَ فى
ركعتين، وجعَلْتَ الرّكعتينِ الأُخْرَيَينْ تَشْبِيحًا؟ قال: الخلافُ شَهِ(٢).
القبس
(١) أخرجه أبو يعلى (٥١٩٤) عن زهير بن حرب به، وأخرجه أحمد ٧٣/٦ (٣٥٩٣)، ومسلم
(١٩/٦٩٥)، وأبو داود (١٩٦٠) من طريق أبى معاوية به .
(٢) أخرجه أبو يعلى (٥٣٧٧) عن زهير بن حرب به .
٥٥٢
الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ : فهذا يَدُلُّكَ على أنَّ القَصْرَ عندَ ابنِ مَسْعُودٍ ليسَ بَفَرْضٍ ، وَإِنَما
أَتْكَرَ لمُخَالَفَةٍ عُثْمانَ الأَفْضَلَ عندَه؛ لأَنَّ الأَفْضَلَ عندَه اتِّبَاعُ السُّنَّةِ، ثم رَأَى
أتِّبَاعَ إِمَامِه فيما أُبِيعَ له أَوْلَى مِن إِثْيَانِ الأَفْضَلِ فى القَصْرِ؛ لأَنَّ مخالفةَ الأَثُمَّةِ لا
تجوزُ إِلَّ فيما لا يَحِلُّ، وأمّا فيما أُبِيحَ فلا يجوزُ فيه مخالفةُ الأَثْمَّةِ إذا حَمَلَهم على
ذلك الاجْتِهَادُ، ولعَلَّ عُثْمَانَ ذهَبَ إلى أنَّ اختيارَ رسولِ اللهِ وبَِّ فِى سَفَرِهِ
القَصْرَ كان لأَنَّه أَيْسَرُ على أُمَّتِه، فاخْتَارَه لذلك. وقد (١) قالَتْ عائِشةُ: ما خُيَِّ
رسولُ اللهِ وَِّ بَيْنَ أَمْرَيْنٍ إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهما ما لم يَكُنْ إِنْمَا. الحديثَ(٢) .
وهذا لا حُجَّةَ فِيه؛ لأَنَّ مَا اخْتَارَه رسولُ اللهِ فَلِّ لأَمَّتِه ، وسَنَّه وواظبَ عليه
كان أفضلَ مِمَّا سواه، ومِثلُ حديثِ ابنِ مسعودٍ هذا حديثُ سلمانَ .
ذكَرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (٢)، عن إِسْرَائِيلَ، عن أبى إِسْحَاقَ، عن أبى لَيْلَى
الكِنْدِىِّ، عن سَلْمَانَ، أَنَّه كان مع قومٍ فى السَّفَرِ، فَحَضَرَتِ الصلاةُ،
فقالُوا له: صَلِّ بِنَا. فقال: إِنَّا لا نَؤُمُّكم، ولا نَنْكِحُ نِسَاءَكم (٤). فتَقَدَّمَ
رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فصَلَّى بهم أرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَلَمَّا سلَّمَ قال سَلْمَانُ: مَا لَنَا
وللمُرَبَّعَةِ؟ وَّا كانَ يَكْفِينَا نِصْفُ الْمُرْبَّعَةِ، ونحنُ إلى الرُّخْصَةِ أخْوَجُ. أَلَا
تَرَى أنَّ سَلْمَانَ لم يُعِدِ الصَّلاةَ، بل تَادَى مع إِمَامِه فَصَلَّى أَرْبَعًا، وإِنْ كان
لم يَحْمَدْ ذلك له، فهذا يَدُلُّ على أنَّ القَصْرَ عندَ سَلْمَانَ رخصةٌ وسنَّةٌ ،
القبس
(١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٧٣٦).
(٣) عبد الرزاق (٤٢٨٣).
(٤) بعده فى الأصل، م: ((فأنى)).
٥٥٣
الموطأ
التمهيد وقد تقَدَّمَ عن ابنِ عَبَّاسٍ وابنٍ عُمَرَ أَنَّ ذلك سُنَّةٌ .
وحدَّثَنَا قاسِمُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثَنَا خالِدُ بنُ سَعْدٍ ، قال: حدَّثَنَا
أحمدُ بنُ عَمْرٍو، قال: حدَّثَنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال: حدَّثَنَا هِشَامُ بنُ
عبدِ المَلِكِ، قال: حدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن قتادةَ، عن مُوسَى بنِ سَلَمَةً، قال:
سألْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قلتُ: أكُونُ بِمَكَّةَ فكيفَ أُصَلِّى؟ قال: ركعتين؛ سُنَّةُ
أبى القاسِم وَلَهُ.
فحَسْئُكَ بهذا عن ابنِ عَبَّاسٍ، وفيه تَصْرِيحٌ أَنَّ ذلك سُنَّةٌ .
وذَكَرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (١) عن ابنِ جُرَيْج، عن عَطَاءِ، قالَ: قلتُ له: فيم(١) مجعِلَ
القَصْرُ فى الخَوْفِ وقد أَمِنَ الناسُ؟ قال: السُّنَّةُ، قلتُ: ورخصةٌ؟ قال: نعم.
قال : وقال لى عمرُو بنُ دينارٍ مثلَه .
قال(٤) : وحدَّثنا ابنُ مجريج، عن عطاءٍ، قال: كان سعدُ بنُ أبی وقّاصِ
وعائشةُ يُوفِیانِ الصلاةَ فى السفرِ ، ويصومانِ . قال: وسافرَ نفرٌ مِن أصحابٍ
النبيِّ وَّرِ فَأوفَى سعدٌ الصلاةَ وصامَ، وقصَر القومُ وأفطرُوا، فقالوا لسعدٍ:
كيف نُفطِرُ ونقصُرُ الصلاةَ، وأنت تُتِمُّها وتصومُ ؟ فقال: دونكم أمرَ كم ، فإنى
أعلمُ بشأنِى. قال: فلم يُحرِّمْه سعدٌ عليهم، ولم يَنْهَهم عنه . قال ابنُ مجريجٍ :
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٥١٤.
(٢) فى الأصل، ق: ((ما)).
(٣) تقدم تخريجه ص ٥١٧.
(٤) تقدم تخريجه ص ٥٢٧.
٥٥٤
الموطأ
فقلتُ لعطاءٍ : فأىُّ ذلك أحبُّ إليك؟ قال : قصرُها . قال: وكلَّ ذلك قد فعلَه التمهيد
الصالحونَ والأخيارُ.
قال أبو عمرَ : حديثُ عطاءٍ هذا، وما حَكَاه عن سعدٍ وعائشةَ أعرفُ(١) مِن
روايةٍ جويريةَ، عن مالك، عن الزُّهرىِّ، عن رجلٍ، عن عبد الرحمنِ بنِ المسوَرِ
ابنِ مخرمةَ ، أَنَّ سعدَ بنَ أبى وقاصٍ ، والمسورَ بنَ مخرمةَ، وعبد الرحمنِ بنَ عبد
يُغُوثَ كانوا جميعًا ؛ فكان سعدٌ يقصُرُ الصلاةَ ويُفطِرُ، وكانا يُتِمَّانِ الصلاةَ
ويصومانِ ، فقيل لسعدٍ فى ذلك، فقال سعدٌ : نحنُ أعلمُ(٢) .
المشهورُ عن سعدٍ ما ذكرَه عطاءٌ، وعلى أىِّ(٢) حالٍ كان ففيه دليلٌ على
إباحةِ القصرِ والتَّمامِ ، وعلى هذا يُخرَّجُ اختلافُ الروايةِ عن سعدٍ، كأنه كان يُتِمُّ
مرَّةٌ ، ويقصُرُ أُخرَى، وكذلك كلُّ مَن رُوِىَ عنه مثلُ ذلك مِن الصحابةِ ، واللهُ
أعلمُ .
ورَوَى ابْنُ وَهْبٍ، عن ابنِ لَهِيعَةً، عن بُكَيْرِ بنِ الأُشَجِّ، عن القاسِمِ بنِ
محمدٍ ، أنَّ رجلًا قال له : عَجِئْتُ مِن عائشةَ حينَ كانَتْ تُصَلِّى أَرْبَعًا فى السَّفَرِ ،
ورسولُ اللهِ وَهِ كان يُصَلِّى ركعتين. فقال له القاسمُ: عليكَ بِسُنَّةٍ
رسولِ اللهِ وَلِّ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لا يُعَابُ(٤).
القبس
(١) فى ق: ((أقرب)).
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٤٢٠/١ من طريق جويرية به .
(٣) فى م: ((أن)).
(٤) تقدم تخريجه ص ٥١٧ .
٥٥٥
الموطأ
التمهيد
وذكَرَ عبدُ الرَّزَّاقِ (١) ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزُّهْرِىِّ، عن عروةَ، عن
عائشةَ، أَنَّها كانَتْ تُنِمُ فى السَّفَرِ .
قال (٢): وأخْبَرَنا الثَّوْرِىُّ، عن هشامٍ بنِ عُرْوَةً، عن أبيه عُرْوَةَ، عن عائشةً
أنَّها كانَتْ تُتِمُّ فى السفرِ .
قال أبو عمرَ : رَدَّ الذينَ ذهَبُوا إلى أنَّ القَصْرَ فى السَّفَرِ مع الأمْنِ سُنَّةٌ مَسْئُونَةٌ
غيرُ فَرِيضَةٍ - حديثَ عائِشَةَ حيثُ قالَتْ : فرِضَت الصَّلاةُ ركعتين ركعتين،
فزِيدَ فِى صلاةِ الحَضَرِ ، وَأَقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ. فَرَدُّوه بأنْ قالُوا : قد صَحّ عنها أنَّها
كانَتْ تُتِهُ فى السَّفَرِ ، وهذا مِن فِعْلِها يَرُدُّ قَوْلَها ذلك، وإِنْ صَحَّ قَوْلُها ذلك
عنها، ولم يَدْخُلْه الوَهْمُ مِن جِهَةِ النَّقْلِ فهو على غيرِ ظاهِرِه وفيه مَعْنَى مُضْمَرٌ
باطِنٌّ؛ وذلك واللهُ أعلمُ كأَنَّها قالَتْ: فَأَقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ لِمَنْ شاءَ. أو نحوَ
هذا، قالُوا: ولا يجوزُ على عائِشَةَ أنْ تُقِرَّ بأنَّ القَصْرَ فَرْضٌ فى السَّفَرِ وتُخالِفَ
الفَرْضَ ، هذا ما لا يجوزُ لُسْلِمٍ أنْ يَنْسُبَه إليها . قالوا : وغيرُ جائزٍ تأْوِيلُ مَن تَأَوَّلَ
عليها أنَّ إنْمَامَها كان مِن أَجْلِ أنَّها كانَتْ أمَّ المؤمنين، فكانَتْ حَيْثُما نزَلَت
نزَلَتْ(١) على بَنِيها فلم تَقْصُرْ؛ لأنَّ ذلك كان منها كأَنَّها كانَتْ فى بَيِها . وهذا
لا يجوزُ لأَحَدٍ أنْ يعتقِدَه؛ لأنَّ النبيَّ وَلَّه ◌ِهِ صارَتْ عَائِشَةُ وسائِرُ أَزْوَاجِه أُمَّهَاتِ
المُؤْمِنِينَ. وكان ◌َِّ لِلمُؤْمِنِينَ أَبًا رءوفًا رحيمًا، وكان يَقْصُرُ فى أَسْفَارِهِ كُلِّها؛
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٥٢٧.
(٢) عبد الرزاق (٤٤٦٢).
(٣) سقط من: م.
٥٥٦
الموطأ
التمهيد
فى غَزَاوَتِه وعُمَرِه (١) وحَجَّتِهِ مَةَ. وفى قِراءَةٍ أُتَّىٌّ بنِ كَعْبٍ: ( النبيُّ أَوْلَى
بالمؤمنين مِنْ أنفسِهِم وَأَزْوَاجُه أَمَّهَاتُهُم وهو أبٌ لهم)(١) فممَّا يَرُدُّ حديثَ عَائِشَةً
إِنْخَامُها فى أسْفَارِها ، ومِّ يَرْدُّه أيضًا حديثُ ابنِ عَبَّاسٍ وغيرِهِ أَنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ
فى الحَضَرِ أَرْبَعًا، وفى السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ. وما رُوِىَ عنها بِمَّا قَدَّمْنا ذِكْرَه فى هذا
البابِ أنَّ رسولَ اللهِ وَ أَتَمَّ فى السَّفَرِ وَقَصَرَ، وصامَ وأَقْطَرَ. وبِمَّا يُعَارِضُه أيضًا
حديثُ القُشَيْرِىِّ، عن النبيِّ وَلِّ أَنَّه قال: (( وَضَعَ اللهُ عن المُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ
الصَّلاةِ)). والوَضْعُ(٣) لا يكونُ فى الأَغْلَبِ إلَّا مَّا قد ثَبَتَ فوُضِعَ منه .
وفى إجْمَاعِ الجُمْهُورِ مِن الفُقَهاءِ على أنَّ المُسَافِرَ إذا دخَلَ فى صَلاةِ المُقِيمِين
فَأَذْرَكَ منها رَكْعَةً أَنَّه يَلْزَمُه أَنْ يُصَلِّىَ أَرْبَعًا، فلو كان فَرْضُ الْمُسَافِرِ ركعتينِ لم
يَنْتَقِلْ فَرْضُه إلى أَرْبَع، كما أنَّ المُقِيمَ إذا دخَلَ خلفَ المُسَافِرِ لم يَنْتَقِلْ فَرْضُه إلى
اْتَتَيْنِ، وهذا واضِحٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ وأَنْصَفَ. قالُوا : وكيفَ يجوزُ للمُسَافِرِ أنْ يكونَ
مُخَيَّرًا؛ إنْ شاءَ دخَلَ خلفَ الإِمَامِ المُقِيمِ فصَلَّى أَرْبَعًا، وإنْ شاءَ صلَّى وحدَه
ركعتين، ولا يكونُ مُخَيَّرًا فى حالِ انْفِرَادِه؛ إنْ شاءَ صلَّى ركعتين، وإنْ شاءَ
أَرْبَعًا. قالُوا: ولو كان فَرْضُ الْمُسَافِرِ ركعتين ما جازَ له تَغْبِيرُ فَرْضِه بالدُّخُولِ مع
المُقِيم فى صَلاتِهِ، ولَبَطَلَتْ صلاتُه كما لو صلَّى الصُّبْحَ خلفَ إمامٍ يُصَلِّى الظُّهْرَ
إلى آخرِها . وهذا بَيِّنٌّ واضِحٌ، والحمدُ للهِ .
القبس
(١) فى ق: ((عمرته)).
(٢) وهى أيضا قراءة عبد الله بن مسعود، وهى قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف. ينظر البحر
المحيط ٧/ ٢١٢.
(٣) فى الأصل، ق: ((وضع )).
٥٥٧
الموطأ
التمهید
أَخْبَرَنا محمدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ معاويةَ، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ، قال: أَخْبَرَنا محمدُ بنُ حاتم، قال: أَخْبَرَنا حِبانُ ، قال :
حدَّثنا عبدُ اللهِ ، عن ابنٍ عُيَيْنَةً، عن أيُّوبَ، عن شَيْخِ مِن بَنِى قُشَيْرٍ، عن عَمِّه،
أَنَّه انْتَهَى إلى النبيِّ نَّهِ وهو يَأْكُلُ - أو قال: يَطْعَمُ - فقال: ((ادْنُ فَكُلْ)).
فقلتُ: إِنِّى صائمٌ. فقال: ((إنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلاةِ، وَالصِّيَّامَ،
وعنِ الحُبْلَى وَالُرْضِعِ))(١).
ورَوَاه عبدُ اللهِ بنُ الشِّخِّيرِ، وعَمْرُو بِنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِىُّ، عن النبيِّ عليه
السَّلامُ ؛ فأمَّا حديثُ ابْنِ الشِّخِّيرِ ، فَرَوَاه أبو عَوانَةً ، عن أبى بِشْرٍ ، عن هاِئٍّ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ، عن أبيه، عنِ النبيِّ عليه السَّلامُ أنَّه قَدِمَ عليه . فَذَكَرَ مِثْلَ
حديثِ القُشَيْرِىِّ(٢) . وأمَّا حديثُ عَمْرِو بنِ أَمَيَّةَ، فِرَوَاه الأوزاعُ، عن يَحْيَى بِنِ
أبى كَثِيرٍ ، عن أبى قِلابَةَ، عن جَعْفَرِ بنِ عمرٍو بنٍ أَمِيَّةً ، عن أبيه، عن النبيِّ عليه
السَّلامُ. هكذا حدَّثَ به الوَلِيدُ بنُ مُسْلِم، عن الأَوْزَاعِّ(٢).
ورَوَاه أبو المغيرةِ ومحمدُ بنُ حَرْبٍ عن الأوْزَاعِىِّ، عَن يَحْتِى، عن أبى
قِلابةً، عن أبى الْمُهَاجِرِ، عن أبى أُمَيَّةَ الضَّعْرِىِّ، يَعْنِى عَمْرَو بِنَ أُمَّةً(٤).
وكذلك رَوَاه معاويةُ بنُ سَلَّامٍ، عن يَحْتَى بنٍ أَبِى كَثِيرٍ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَه(٥).
القبس
(١) النسائى (٢٢٧٤)، وفى الكبرى (٢٥٨٤). وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٤٢٣/١ من
طريق ابن المبارك به .
(٢) أخرجه النسائى (٢٢٨٠) من طريق أبى عوانة به .
(٣) أخرجه النسائي (٢٢٦٧) من طريق الوليد به .
(٤) أخرجه الدارمى (١٧٥٣)، والنسائى (٢٢٦٨)، والطبرانى ٣٦١/٢٢ (٩٠٧) من طريق أبى
المغيرة به ، وأخرجه النسائى (٢٢٦٩) من طريق محمد بن حرب به .
(٥) أخرجه النسائى (٢٢٧١) من طريق معاوية بن سلام به .
٥٥٨
الموطأ
وأخْبَرَنا محمدُ بنُ إِبْرَاهِيمَ، قال: حدَّثَنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: أَخْبَرَنا التمهيد
أحمدُ بنُ شُعَيْبٍ ، قال: أَخْبَرَنا عَبْدَةُ بنُ عبدِ الرحيم ، عن محمدِ بنِ شُعَيْبٍ ،
قال: أُخْبَرَنا الأوْزَاعِىُ، عن يَحْنَى، عن أبى سَلَمَةَ، قال: حدَّثَنِى عَمْرُو بِنُ أُمَيَّةَ
الضَّعْرِىُّ، قال: قَدِمْتُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ بَلَه مِن سَفَرٍ، فقال: ((انْتَظِرِ
الغدَاءَ أَا أُمَيَّةَ)) . فقلتُ: إِنِّى صائِمٌ. قال: ((ادْنُ مِنِّى حَتَّى أَخْبِرَكَ عن المُسافِرِ؛
إِنَّ اللهَ وَضَعَ عنه الصيامَ ونِصْفَ الصَّلاةِ))(١).
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصْبَغَ ،
قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بَكْرٍ بنُ أبى شَيْبَةَ، قال: حدَّثنا
ابنُّ عُلَيَّةَ، عن عليّ بنِ زَيْدٍ ، عن أبى نَضْرَةَ، قال: مَرَّ عِمْرَانُ بنُ محُصَيْنٍ فى
مَجْلسِنا، فقال: غَزَوْتُ مع رسولِ اللهِ وَلِّ فلم يُصَلِّ إلّ ركعتين حتى رَجَع إلى
المدينةِ، وحَجَجْتُ معه فَلَمْ يُصَلِّ إلَّا ركعتين حتى رَجَعَ إلى المدينةِ، وشَهِدْتُ
معه الفَتْحَ فَأَقَامَ بِمَكّةً ثَمَانٍ عَشْرَةَ لا يُصَلَّى إِلَّ ركعتين، ثم يقولُ لأَهْلِ البلدِ:
((صَلُّوا أَرْبَعًا؛ فإنَّا قومٌ سَفْرٌ)). واعْتَمَرْتُ معه ثَلاثَ عُمَرٍ: لا يُصَلِّى إِلَّ
(٢)
ركعتين(٢).
فهذا يَدُلُّكَ على أنَّ الإِمَامَةَ لا تَنْقُلُ فَرْضًا عن حالِهِ، أَلا تَرَى إِلى قَوْلِهِ وَه
القبس
(١) النسائى (٢٢٦٦)، وفى الكبرى (٢٥٧٦).
(٢) ابن أبى شيبة ٤٥٣/٢. وأخرجه أحمد ١٠٤/٣٣، ١١٠ (١٩٨٧١، ١٩٨٧٨)، وأبو داود
(١٢٢٩)، وابن خزيمة (١٦٤٣) من طريق إسماعيل به.
٥٥٩
الموطأ
التمھید
لِنْ خَلْفَه مِن أهْلِ الحَضَرِ: ((صَلُّوا أَرْبَعًا؛ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ)). وكذلك قال عُمَرُ لأَهْلِ
مَكَّةَ أيضًا حِينَ صلَّى بهم، ثم سلَّمَ مِن ركعتين، وقال لهم: أَيُّوا صَلاَتَكم ، فَإِنَّا
(١)
قَوْمٌ سَفْرٌ(١).
فلمَّا لم يَكُنِ اتَِّاعُ الإِمَامِ يَحْمِلُ المُقِيمَ إذا صلَّى خلفَ الُسَافِرِ على أنْ يَجْتَزِئِّ
بركعتين، ويَقْتَصِرَ على السَّلام معه؛ لأنَّ كُلَّ على فَرْضِه، وكان المسافر إذا
أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صلاةِ المُقِيمِ انْتَقَلَ حُكْمُه إلى محُكْم المُقِيمِ، ولَزِمَه أنْ يُصَلِّىَ أَرْبَعًا-
عَلِمْنَا بذلك أنَّ قَصْرَ الصَّلاةِ ليس بفَرْضٍ واجِبٍ؛ لأَنَّه لو كان فَرْضًا لأَضَافَ
المسافرُ إلى ركعتِه التى أُدْرَكَها مِن صلاةِ المقيم ركعةٌ أَخْرَى، واسْتُجْزِئَ بذلك،
فلمَّا أَجْمَعُوا على غيرِ ذلك عُلِمَ أنَّ القَصْرَ للمُسَافِرِ سُنَّةٌ لا فَرْضَّ ؛ أَلا تَرَى أنَّهم قد
أْمَعُوا أَنَّه جائِزٌ للمُسَافِرِ أنْ يُصَلِّىَ خلفَ المُقِيم؛ مَن كَرِهَ ذلك منهم، ومَنٍ
اسْتَحْسَنَه، كلُّهم يُجِيزُه، وقد أجْمَعُوا على أنَّ المُسَافِرَ إذا أدْرَكَ ركعةٌ مِن صلاةٍ
المُقِيمِ لَزِمَه الإِْمَامُ، بل قد قال أكْثَرُهم: إِنَّه إذا أُخْرَمَ المسافرُ خلفَ المُقُيم قبلَ
سَلامِهِ أَنَّه تَلْزَمُه صَلاةُ المقيم، وعليه الإِثْمَامُ، فلو كان القَصْرُ فَرْضًا واجِبًا ما دَخَلَ
المسافرُ مع المقيم فى صَلاتِه، والأُمْرُ فى هذا واضِحٌ بَيْنٌّ لِنْ لمْ يُعَانِدْ، وأُلْهِمَ
رُشْدَه .
أَخْبَرَنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ وعبيدُ بنُ محمدٍ ، قالا : حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ
مَشْرُورٍ ، قال: حدَّثنا عيسَى بنُ مسكينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سَنْجَرَ، قال :
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٣٤٧، ٣٤٨).
٥٦٠
-