Indexed OCR Text
Pages 441-460
الموطأ
قال: حدَّثنا عقَّانُ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةً، عن قتادةَ ، عن ابنِ سيرينَ ،
عن صفيةً بنتِ الحارثِ، عن عائشةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ نَّهِ قال: ((لا يقبلُ اللهُ
صلاةَ حائضٍ إلَّا بخمارٍ))(١).
التمهيد
قال أبو عمرَ : اختلفَ العلماءُ فى تأويلٍ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١]. فرُوِىَ عن ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ: ﴿إِلَّا
مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾: الوجهُ والكفان. ورُويَ عن ابن مسعودٍ: ﴿مَا ظَهَرَ
مِنْهَا﴾: الثيابُ، قال: لا يُيدينَ قُرطًا، ولا قلادةً، ولا سِوارًا، ولا خَلخالًا،
إلا ما ظهَر مِن الثيابِ(١) . وقد رُوىَ عن أبى هريرةَ فى قولِه تعالى: ﴿وَلَا يُدِينَ
زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال: القُلْبُ والفَتَخَّةُ.
رواه ابنُ وهبٍ ، عن جريرِ بنِ حازمٍ، قال: حدَّثنى قيسُ بنُ سعدٍ ، أنَّ أبا
هريرةَ كان يقولُ، فذكره. قال جريرُ بنُ حازم: القُلْبُ: السّوارُ، والفَتَّخَّةُ (٣):
الخاتمُ . وقال جابرُ بنُ زيدٍ: هى كُخْلٌ فى عينٍ، أو خاتمٌ فى خِنصَرٍ . وقال سعيدُ
ابنُ جبيرٍ : الجلبابُ والرداءُ. وعن عائشةَ مثلُ قولٍ أبى هريرةً(٤) .
القبس
(١) أخرجه أحمد ٨٧/٤٢، ٢٩/٤٣ (٢٥١٦٧، ٢٥٨٣٤)، وابن المنذر فى الأوسط
(٢٤٠٣)، من طريق عفان به، وأخرجه أحمد ٢٨/٤٣، ٢٩، ٢٨٢ (٢٥٨٣٣، ٢٦٢٢٦)،
وأبو داود (٦٤١)، والترمذى (٣٧٧)، وابن ماجه (٦٥٥)، وابن حبان (١٧١١)، من طريق
حماد بن سلمة به .
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢٨٣/٤، ٢٨٤، وتفسير ابن جرير ٢٥٦/١٧ - ٢٥٩.
(٣) بعده فى م: (( و)).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٨٣/٤، وابن جرير ٢٦٠/١٧.
٤٤١
الموطأ
التمهید
وقد رُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، ولا يصِحُ: البنانُ، والقُرطُ، والدُّمْلُجُ(١)،
والخَلَخالُ، والقلادةُ(١) . يريدُ موضعَ ذلك، واللهُ أعلمُ. واختلف التابعونَ فيها
أيضًا على هذين القولين ، وعلى قولِ ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَالفقهاءُ فى هذا البابِ ،
فهذا ما جاء فى المرأةِ وحُكمِها فى الاستتارِ فى صلاتِها وغيرِ صلاتِها .
وأمَّا الرجلُ فإنَّ أهلَ العلم يستحِبُّون أن يكونَ على عاتقِ الرجلِ ثوبٌّ إذا لم
يكنْ متَّزِرًا؛ لئلا تقع عينُه على عورةٍ نفسِه، ويستحِبُّون للواحدِ المطيقِ على
الثياب ، أنْ يتجملَ فی صلاته ما استطاع بثيابه ، وطيبه، وسواکِه . قال معمرٌ،
عن أيوب ، عن نافعٍ : رآنى ابنُ عمرَ أُصلِّى فى ثوبٍ واحدٍ، فقال: ألم أكسُكَ
ثوبين ؟ قلتُ : بلى . فقال : أرأيتَ لو أرسلتُكَ إلى فلانٍ ، أكنتَ ذاهبًا فى هذا
الثوبٍ ؟ قلتُ : لا. قال(٢) : فاللهُ أحقُّ أنْ(٤) تزَيَّنَ له. أو: مَن تزيّنتَ له(٥). وقد
جاء عن النبيِّ وَّهِ مثلُ هذا. ومحملُه عندَنا على الأفضلِ، ولا سيَّما إنْ كان
إمامًا .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال :
القبس
(١) الدُّمْلُج والدُّمْلُونجُ: المِعْضَدُ من الحُلى. النهاية ١٣٤/٢.
(٢) أخرجه ابن أبى حاتم ٢٥٧٣/٨، ٢٥٧٤.
(٣) فى م: ((قلت)).
(٤) فى م: (مَن)).
(٥) أخرجه عبد الرزاق (١٣٩١) عن معمر به .
٤٤٢
الموطأ
التمهيد
حدَّثنا محمدُ بنُ عيسَى بنِ السَّكنِ الواسطىُّ ، قال: حدَّثنا المثُنَّى بنُ معاذٍ ،
عن أبيهِ، عن شعبةَ، وأخبرَنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال:
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ إسحاقَ النيسابورىُّ، قال: أنبأنا عبيدُ اللهِ بنُ مُعاذٍ ، قال :
حدَّثنا أبى، قال: حدَّثنا شعبةُ - واللفظُ لحديثِ المثنَّى، عن أبيهِ، عن
شعبةَ - عن توبةَ العنبرىِّ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا أراد أحدُكم أن يصلِّىَ فَلْيَتَّزر ولْيْتَدِ))(١).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ويعيشُ بنُ سعيدٍ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أصبغ، حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ البِرْتِىُ، حدَّثنا أبو معمرٍ، حدَّثنا
عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن نافع، قال: شغَلنى شىءٌ، فجاء ابنُ
عمرَ وأنا أصلِّى فى ثوبٍ واحدٍ . قال: فأمهَلَنى حتى فرَغتُ مِن الصلاةِ،
ثم قال: ألم تُكسَ ثوبين؟ قلتُ: بلى. قال: فلو أُرسِلتَ خارجًا مِن الدَّارِ
أكنتَ تذهبُ فى ثوبٍ واحدٍ؟ قلتُ: لا. قال: فاللهُ أحقُّ أنْ تَزَيَّنَ له أم
الناسُ؟ قلتُ: بلِ اللهُ. قال: ثم حدَّثَ بحديثٍ أكثرُ ظنِّى أنَّه ذكَر
النبىَّ وَلَّ قال: ((إذا وجَد أحدُكم ثويين، فليصلِّ فيهما، فإن لم يجدْ
إِلَّ ثوبًا واحدًا، فلْيَتَزِرْ به اتِّرارًا، ولا يشتملِ اشتِمالَ اليهودٍ))(٢).
القبس
(١) أخرجه البيهقى ٢٣٥/٢ من طريق المثنى وعبيد الله به، وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٣٧٨/١،
وابن حبان (١٧١٣) من طريق عبيد الله بن معاذ به .
(٢) سيأتى تخريجه ص ٤٥٦.
٤٤٣
الموطأ
التمهید
وفى قولِه ◌َله: ((أوَلِكلِّكم ثوبان؟ )) . دليلٌ على أنَّ مَن كان معه ثوبانٍ يتّزِرُ
بالواحدِ ، ويلبَسُ الآخرَ، أَنَّه حسنٌ فى الصلاةِ ، وإنما قلنا: حسنٌ. ولم نقُلْ:
واجبٌ . لأنَّ رسولَ اللهِ ێ وأصحابه، قد صلّوا فی ثوپٍ واحدٍ ومعھم ثیابٌ ،
وحسبُك بأبى هريرةَ ، وهو راوِى هذا الحديثِ .
ذكَر مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أنه قال: سُئِلَ أبو
هريرةَ : هل يُصلِّى الرجلُ فى ثوبٍ واحدٍ؟ قال : نعم . فقيل له : هل تفعَلُ أَنتَ
ذلك؟ قال: نعم، إنِّى لأصلِى فى ثوبٍ واحدٍ ، وإنَّ ثيابِى لعَلَى المِشْجَبِ (١).
وقد حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا أبو سعيدِ بنُ الأعرابيّ، قال :
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدِ الزَّعفَرَانُ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن أبى
الزنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَِّ: (( لا يصلِّى أحدُكم فى
الثوبِ الواحدِ ليسَ على مَنْكِبَيهِ منه شىءٌ)) (١).
وأخبرَنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
محمدُ بنُ الجهم السِّمَّرىُّ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ عونٍ ، قال : أنبأنا هشامُ بنُ
عروةَ، عن أبيهِ، عن عمرَ بنِ أبى سلمةً، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ وَ له فى بيتٍ أمّ
سلمةَ يُصلِّى فى ثوبٍ واحدٍ ، واضعًا طرَفَيهِ على عاتِقَيهِ (١) .
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٣١٩).
(٢) أخرجه أحمد ٢٥٧/١٢ (٧٣٠٧)، ومسلم (٥١٦)، وأبو داود (٦٢٦)، والنسائى (٧٦٨)
من طريق ابن عيينة به .
(٣) أخرجه البيهقى ٢٣٧/٢ من طريق جعفر بن عون به. وتقدم فى الموطأ (٣١٧).
٤٤٤
الموطأ
التمهید
ورَوى عكرمةُ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((إذا صلَّى
أحدُ کم فی توپٍ فلیخالِفْ بطرفیهِ علی عاتِقیهِ)) (١) . مِن حدیثِ یحیی بنِ أُبی
کثیرٍ عن عكرمةً .
قال أبو عمر : فهذه سنةُ الصلاةِ فی الثوبِ الواحدِ إذا كان واسعًا ، وإن كان
ضيقًا فحديثُ جابٍ وحديثُ ابنِ عمرَ ؛ أمَّا حديثُ جابٍ ، فرواه أبو حزْرَةً يعقوبُ
ابنُ مجاهدٍ، عن عبادةَ بنِ الوليدِ، قال: أنبأنى جابرٌ، أنَّ رسولَ اللهِ مَّه قال له:
((إن كان واسعًا فخالِفْ بينَ طرَفيهِ، وإن كان ضيِّقًا فاشدُدْه عليك)). وبعضُهم
يقولُ فيه : ((فاشْدُدْه على حَقْوِكَ)) (١). وعندَ مالكِ حديثُ جابرٍ هذا بلاغًا عن
جابرٍ، عن النبيِّ بَّه، وقال فى آخرِه: ((وإنْ كان قصيرًا فلْتَّزِرْ به)) . وقد ذكّونا
هذا الخبرَ فى بلاغاتِ مالكٍ(١) . والحمدُ للهِ .
وأمَّا حديثُ ابنِ عمرَ، فروَاه حمادُ بنُ زيدٍ ، عن أيوبَ ، عن نافعٍ، عن ابنِ
عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَه - أو قال عمرُ -: ((إذا كان لأُحدِكم ثوبان
فليصلِّ فيهما ، وإن لم يكنْ له إلا ثوبٌ فَلْيَِّر به، ولا يشتملِ اشتِمالَ اليهودِ))(٤).
وروَى أبو الْمُنيبِ عبيدُ اللهِ العَتَكُِّّ، عن عبدِ اللهِ بنِ بُريدةً، عن أبيه ، قال:
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٣٣/١٢ (٧٤٦٦)، والبخارى (٣٦٠)، وأبو داود (٦٢٧)، من طريق يحيى
ابن أبی کثیر به .
(٢) سيأتى تخريجه ص ٤٥٥ .
(٣) سيأتى فى الموطأ (٣٢٢).
(٤) سيأتي تخريجه ص ٤٥٦ .
٤٤٥
الموطأ
التمهيد
نهَى رسولُ اللهِ وَّهِ أَنْ يصلَّى فى سراويلَ ليس عليها رداءٌ(). وهذا خبرٌ لا
يُحتُ به لضعفه ، ولو صحّ كان معناه النَّذْبَ لمن قدرَ، وقد جاءما يعارضُه ؛ روَى
أبو حصينٍ، عن أبى صالح، عن عائشةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَ لِّ صلَّى فى ثوبٍ،
بعضُه عليها (١) . وهذا لا محالةَ دونَ السراويلِ. ويؤُدُّه أيضًا حديثُ جابرٍ ،
وحديثُ ابنِ عمرَ؛ قولُه: ((وإن كان ضَيقًا فِلْتَِّرْ به)).
وقد روَى سلمةُ بنُ الأكوع، أنَّ رسولَ اللهِ وَ له قال له: ((صلِّ فى
قميصٍ)). وبعضُهم يقولُ فى حديثٍ سلمةَ هذا أنَّه قال : قلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛
إِنِّى أتصيَّدُ أفأصلِّى فى القميصِ الواحدِ؟ قال: ((نعم، وزُرَّهُ ولو بشَوكةٍ)) (١).
وروَى ابنُ عباسٍ، عن عليٍّ، أَنَّ رسولَ اللهِ وَّلِ قال: ((إذا كان إزارُكَ
واسعًا فتوشَّخ به، وإن كان ضيقًا فاتَِّرْ به))(٤). وهذه الآثارُ كلُّها تبينُ لك ما قلناه
وفسّرناه . وبالله التوفيقُ .
ورُوِىَ عن جابرٍ، وابنِ عمرَ، وابنٍ عباسٍ، ومعاويةَ، وسلمةَ بنِ الأكوعِ،
وأبى أمامةً ، وأبى هريرةَ ، وطاوسٍ ، ومجاهدٍ ، وإبراهيم ، وجماعةٍ مِن التابعين ؛
القبس
(١) أخرجه أبو داود (٦٣٦)، والبيهقى ٢٣٦/٢، من طريق عبيد الله العتكى به.
(٢) أخرجه أحمد ٤٠ / ٤٧٥، ٤٧٦، ٢٣٢/٤٣، ٢٣٣ (٢٤٤١٣، ٢٦١٣٦)، وأبو داود
(٦٣١) من طريق أبى حصين به .
(٣) أخرجه أحمد ٢٧/ ٥٠، ٥١ (١٦٥٢٠)، والبخارى فى تاريخه ٢٩٧/١، والنسائى (٧٦٤)،
من حديث سلمة بن الأكوع.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٣١١/١، وابن سعد ٣/ ٣٠، والبزار (٤٦٠) من طريق ابن عباس به .
وينظر علل الدارقطنى ٣/ ٨٦.
٤٤٦
الموطأ
التمهيد
أنهم أجازُوا الصلاةَ فى القميصِ الواحدِ ، إذا كان لا يصِفُ (١) . وهو قولُ عامةٍ
فقهاءِ الأمصارِ فى جميع الأقطارِ ، ومِن العلماءِ مَن استحبَّ الصلاةَ فى ثويين ،
واستحبُوا أنْ يكونَ المصلِّى محمَّرَ العاتِقَين، وكرِهُوا أنْ يصلِّىَ الرجلُ فى ثوبٍ
واحدٍ مؤتَزرًا به، ليس على عاتقِه منه شىءٌ . إذا قدَرَ على غيرِهِ ، وأجمَع جميعُهم
أنَّ صلاةَ مَن صلَّى بثوبٍ يسترُ عورته جائزةٌ. وكان الشافعىُ يقولُ: إِذا كان
الثوبُ ضيقًا يَزُرُّه، أو يخلِّلُه بشىءٍ ؛ لئلَّ يتجافَى القميصُ، فيرى مِن الجيبِ
العورةَ، وإنْ لم يفعلْ ورأى عورتَه ، أعادَ الصلاةَ. وهو قولُ أحمدَ ، وقد رّصَ
مالكٌ فى الصلاةِ فى القميصِ مَحلُولِ الإزارِ ليس عليه سراويلُ ولا إزارٌ . وهو قولُ
أبى حنيفةً، وأبى ثورٍ، وكان سالمٌ يصلِّى محلولَ الإزارِ(١). وقال داودُ
الطائُ : إذا كان عظيمَ اللحيةِ فلا بأسَ به. وأجمعوا على أنَّ سترَ العورةِ فرضٌ
واجبٌ بالجملةِ على الآدميّين. واختلفوا هل هى مِن فروضٍ الصلاةِ أم لا؟ فقال أكثرُ
أهلِ العلمِ، وجمهورُ فقهاءِ الأمصارِ: إنها من فروضِ الصلاةِ . وإلى هذا ذهب أبو
الفرجِ عمرُو بنُ محمدٍ المالكىُّ، واستدلَّ بأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قَرَن أخذَ الزِّينةِ بذكرٍ
المساجدِ ، يعنى الصلاةَ، والزينةُ المأمورُ بها فى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِنْدَ
كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ . [الأعراف: ٣١]: هى الثيابُ الساترةُ للعورةِ ؛ لأَنَّ الآيَةَ نزَلت مِن أجلِ
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٣٩٥، ١٣٩٨،١٣٩٦ - ١٤٠٠)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢٢٦/٢ -
٢٢٨، والأوسط لابن المنذر ٦١/٥ - ٦٣.
(٢) أخرجه الخطيب فى الموضح ٢٢٣/٢.
(٣) داود بن نصير أبو سليمان الطائى الكوفى، ولد بعد المائة بسنوات، وكان من كبار أئمة الفقه
والرأى، برع فى العلم بأبى حنيفة. مات سنة اثنتين وستين ومائة. سير أعلام النبلاء ٧/ ٤٢٢.
٤٤٧
الموطأ
التمهيد الذين كانوا يطوفونَ بالبيتِ عُراةً؛ وهذا ما لا خِلافَ فيه بينَ العلماءِ.
وأخبرَنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا حمزةُ بنُ محمدٍ ، قال : أنبأنا
أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال : أنبأنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال: حدَّثنا غُندرٌ، عن شعبةَ،
عن سلمةً ، قال : سمِعتُ مسلمًا البطينَ ، عن سعيدٍ بنٍ جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ ،
قال : كانتٍ المرأةُ تطوفُ بالبيتِ وهى عُريانةٌ ، وتقولُ (١) :
اليومَ يبدو بعضُه أو كلُّه فما بَدًا منه فلا أحلُّه
فنزلَت: ﴿يَبَنِىّ ءَدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾(٢).
قال أبو عمرَ : لا يختلفُ العلماءُ بتأويلِ القرآنِ أنَّ قولَه عزَّ وجلَّ: ﴿خُذُواْ
زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. نزلت فى القومِ الذين كانوا يطوفونَ بالبيتِ عراةً ؛
رُوِّينا عن مجاهدٍ ، وطاوسٍ ، وأبى صالحٍ، ومحمدِ بنِ كعب القرظيِّ ، ومحمد
ابنِ شهابٍ الزُّهرىِّ، فى ذلك معنَى ما نورِدُه بدخولِ كلامِ بعضِھم فی بعضٍ ،
وأكثرُه على لفظِ ابنِ شهابٍ ، قال: كانت العربُ تطوفُ بالبيتِ عراةً إِلَّ
الحُمسَ ؛ قريشٌ وأحلافُهم، فمن جاءَ مِن غيرِهم وضَع ثيابَه ، فطافَ فى ثَوبَىْ
أحمَسيِّ؛ يستعيرُهما منه ، فإنْ لم يجدْ مَن يعيرُه استأجرَ مِن ثيابِهم ، فإنْ لم يجدْ
القبس
(١) قال السهيلى: يذكر أن هذه المرأة هى ضباعة بنت عامر بن صعصعة. الروض الأنف ٢/ ٢٩٠،
٢٩١.
(٢) النسائى (٢٩٥٦)، وفى الكبرى (٣٩٤٧، ١١١٨٢). وأخرجه مسلم (٢٥/٣٠٢٨)، عن
ابن بشار به، وأخرجه مسلم (٢٥/٣٠٢٨)، وابن جرير ١٥٠/١٠ من طريق غندر به.
٤٤٨
الموطأ
مَن يستأجرُ منه ثوبَه مِن الحُمْسِ ، ولا مَن يعيرُه ذلك - كان بينَ أحدٍ أمرينٍ: إمَّا التمهيد
أن يُلقِىَ عنه ثيابَه ويطوفَ عُرِيانًا، وإمَّا أنْ يطوفَ فى ثيابِه ؛ فإنْ طافَ فى ثيابِه
ألقاها عن نفسِه إذا قضَى طوافَه، وحرَّمها عليه فلا يقربُها ولا يقربُها غيرُه ، فكان
ذلك الثوبُ يسمَّى اللَّقَى. وفى ذلك يقولُ بعضُهم(١) :
كفى حزنًا كَرِّى عليه كأنَّه لقّى بينَ أيدِى الطائفين حَرِيمُ
والمرأةُ فى ذلك والرجلُ سواءٌ ، إلا أنَّ النساءَ كُنَّ يَطُفنَ بالليل، والرجالُ
بالنهارِ ، فقدِمتِ امرأةٌ لها هيئةٌ وجمالٌ ، فطافتْ عريانةً . وقال بعضُهم : بل كان
عليها مِن ثيابِها ما ينكشِفُ عنها ، فجعَلت تقولُ :
فما بدًا منه فلا أُحِلُّه
اليومَ يبدو بعضُه أو كلُّه
فكانوا على ذلك حتى بعَث اللهُ نبيَّه وَلَ، فأنزل عليه: ﴿يَبَنِيّ ءَادَمَ قَدْ
أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُؤَرِى سَوْءَاتِكُمْ وَرِثًا وَلِبَاسُ النَّقْوَى﴾ [الأعراف: ٢٦]؛ لأنهم
كانوا يطوفون عراةً. ونزَلت): ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.
وأمرَ رسولُ اللهِ وَلَهِ مناديًا فنادَى: ((ألَّ يطوفَ بالبيتِ عُريانٌ))(١).
وقال مجاهدٌ: كانت قريشٌ تطوفُ عراةً ، ولا يلبَسُ أحدُهم ثوبًا طافَ
فيه(٤) . وقال غيره ما ذكرناه .
القبس
(١) البيت فى اللسان (ح ر م) غير منسوب .
(٢ - ٢) سقط من: م.
(٣) ينظر تفسير ابن جرير ١٥٢/١٠ - ١٥٤.
(٤) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٢٠/١٠، ١٢١.
۔۔
٤٤٩
( موسوعة شروح الموطأ ٢٩/٥ )
الموطأ
التمهید
وقال أبو عمرَ : استدلَّ مَن جعَل سترَ العورةِ مِن فرائضٍ الصلاةِ بالإجماع
على إفسادٍ (١) مَن ترَك ثوبَه وهو قادرٌ على الاستتارِ به وصلَّى عُريانًا . وقال
آخرون : سترُ العورةِ فرضٌ عن أعيُنِ المخلوقين، لا مِن أجلِ الصلاةِ، وستر العورةِ
سنَّةٌ مؤكدةٌ مِن سننِ الصلاةِ، ومن ترَك الاستتارَ وهو قادرٌ على ذلك وصلَّى
عُريانًا فسدتْ صلاتُه؛ كما تفسُدُ صلاةٌ مَن تَرَك الجلسةَ الوسطَى عامدًا وإن
كانت مسنونةً . ولكِلا الفريقين اعتلالٌ يطولُ ذكرُه، والقولُ الأولُ أصحُ فى
النظرِ، وأصحُ أيضًا مِن جهةِ الأثرِ، وعليه الجمهورُ. واختلفوا فى العورةٍ مِن
الرَّجُلِ ما هى؟ فقال الشافعىُّ، وأبو حنيفةً وأصحابُهما ، والأوزاعىُّ ، وأبو ثورٍ:
ما دونَ السُّرةِ إلى الركبةِ عورةٌ . وقال أبو حنيفةَ: الركبةُ عورةٌ . وقال الشافعىّ:
ليست الشّرةُ ولا الرّكبتان مِن العورةِ. وحكى أبو حامدِ الترمذىُّ أنَّ(٢) للشافعيّ
فى السرةِ قولين، واختلَف المتأخرونَ مِن أصحابِه فى ذلك أيضًا على ذَينِكَ
القولين ؛ فطائفةٌ قالت : الشّرةُ مِن العورةِ . وطائفةٌ قالت : ليست الشّرةُ عورةٌ .
وقال عطاء: الركبةُ عورةٌ(٢) . وقال مالكٌ: الشّرةُ ليست بعورةٍ ، وأكرَهُ للرجلِ
أن يكشِفَ فخِذَه بحضرةِ زوجتِه . وقال ابنُ أبي ذئبٍ : العورةُ مِن الرجلِ الفرج
نفسُه؛ القبلُ والدبرُ دونَ غيرِهما. وهو قولُ داودَ ، وأهلِ الظاهرِ ، وقولُ ابنٍ
عليةَ ، والطبرىِّ(٤) . فمن حجّةٍ مَن قال: إنَّ الفخِذَ ليست بعورةٍ . حديثُ عائشةً
القبس
(١) بعده فى ص ٤: ((صلاة)).
(٢) سقط من: م.
(٣) ذكره ابن المنذر فى الأوسط ٦٧/٥.
(٤) قال الحافظ: فى ثبوت ذلك عن ابن جرير نظر، فقد ذكر المسألة فى تهذيبه ورد على من =
٤٥٠
الموطأ
التمهيد
أنَّ النبيَّ وَِّ كان جالسًا فى بيتِه كاشفًا عن فخِذِه ، فاستأذنَ أبو بكرٍ، ثم عمرُ
فأذنَ لهما وهو على تلك الحالِ ، ثم استأذنَ عثمانُ، فسوَى عليه ثيابَه ثم أذنَ
له، فشُئِلَ عن ذلك فقال: ((ألا أستحيِى مِمَّنْ تستحيِى منه الملائكةُ))(١). وهذا
حديثٌ فى ألفاظِهِ اضْطرابٌ . واحتجَّ البخارىُّ فى ذلك بحديثٍ أنسٍ بنٍ
مالكٍ، قال: حسَر النبيُّ بَرَ على فخِذِه حتى إنِّى لأرى بياضَ فخِذٍ
نبيِّ اللهِ وَّه(١). ومِن حجةٍ من قال: ما بينَ السُّرَّةِ والركبةِ عورةٌ. قولُه
وَه: ((الفخِذُ عورةٌ)). رواه علىُ بنُ أبى طالبِ رضِى اللهُ عنه(٢)،
وابنُ عباسٍ )، ومحمدُ بنُ جحشٍ(٥)، وجَرْهَدٌ الأسلمىُ(١)، وقَبيصةُ بنُ
مُخارقٍ (٢)، كلَّهم عن النبيِّ بَه. قالوا: والركبةُ ليست مِن الفخِذِ.
واحتجوا أيضًا بأن أبا هريرةً قبّل سُرَّةً الحسنِ بنِ علىٍّ، وقال: أُقَبْلُ
القبس
= زعم أن الفخذ ليست بعورة. فتح البارى ٤٨١/١ .
(١) أخرجه أحمد ٥٣٨/١، ١٢٠/٤٢، ١٢١ (٥١٤، ٢٥٢١٦)، ومسلم (٢٤٠١، ٢٤٠٢).
(٢) البخارى (٣٧١).
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١/ ٤٧٤، وفى شرح المشكل (١٦٩٧)، والبيهقى ٢٢٨/٢.
(٤) أخرجه أحمد ٢٩٥/٤ (٢٤٩٣)، والترمذى (٢٧٩٦).
(٥) أخرجه أحمد ١٦٥/٣٧ (٢٢٤٩٤)، والبخارى فى تاريخه ١٢/١، ١٣، والطيرانى ٢٤٦/١٩
(٥٥١) .
(٦) أخرجه أحمد ٢٧٤/٢٥ (١٥٩٢٦)، وأبو داود (٤٠١٤)، والترمذى (٢٧٩٥، ٢٧٩٧،
٢٧٩٨).
(٧) ذكره ابن حزم فى المحلى ٣/ ٢٧٦.
٤٥١
الموطأ
٣١٩ - وحدَّثنى عن مالكِ، عن ابنِ شهابٍ، عن سعيد
ابنِ المسيَّبٍ، أنه قال: سُئِلَ أبو هريرةَ: هل يصلِّى الرجلُ فى
ثوبٍ واحدٍ؟ فقال: نعم. فقيل له: هل تفعلُ أنت ذلك؟
التمھید
منكَ ما كان رسولُ اللهِ إِّهِ يُقبّلُ منك(١). فلو كانت السرةُ عورةٌ ما
قبّلها أبو هريرةَ، ولا مكّنه منها الحسنُ، ومحالٌ أن يقبّلَها حتى ينظرَ
إليها .
أخبرنا أحمدُ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ بنِ العباسِ ، قال :
حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ الجعدِ الوشَّاءُ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى بنُ
حمادٍ النَّرسىُّ(١) ، قال: حدَّثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا حُميدٌ، عن
أنسٍ، قال: صلَّى النبيُّ ونَ﴿ خلفَ أبى بكرٍ رحِمه اللهُ فى ثوبٍ واحدٍ (٢) . قال
معتمرّ : أظنُّه فى مرضِه .
الاستذكار
وفى قولِهِ وَ له: ((أوَ لِكلِّكم ثوبان؟!)» دليلٌ على أن من كان معه ثوبان
فيَتَّزِرُ بالواحدِ ويَلبَسُ الآخرَ أنه حسنٌ أن يصلىَ فيهما معًا . وإنما قلنا : إن ذلك
حسنٌ وليس واجبًا؛ لأنَّ رسولَ اللهِ أَلِّ وأصحابَه قد صلَّوْا فى ثوبٍ واحدٍ
القبس
.
(١) أخرجه أحمد ٤٢٧/١٢، ٤٢٨ (٧٤٦٢)، والطحاوى فى شرح المشكل (١٧١٢)، وابن
حبان ( ٥٥٩٣، ٦٩٦٥).
(٢) فى النسخ: ((الرنسى)). والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٣٤٨/١٦."
(٣) أخرجه الضياء فى المختارة (١٩٧٠) من طريق معتمر به .
٤٥٢
فقال: نعم، إنى لأصلِّى فى ثوبٍ واحدٍ، وإن ثيابِى لَعَلَى الموطأ
المِشْجَبِ(١) .
٣٢٠ - وحدَّثنى عن مالكِ، أنه بلغه أنَّ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ كان
يصلِّى فى الثوبِ الواحدِ(٢).
٣٢١ - وحدَّثنى يحيى، عن مالكِ، عن ربيعةً بنِ أبى عبدِ الرحمنِ،
أن محمدَ بنَ عمرٍو بنٍ حَزْمٍ كان يصلّى فى القميصِ الواحدِ(٣).
ومعهم ثيابٌ، وذلك عندى تعليم منهم لمن يأخذُ الدينَ عنهم، وقبول الاستذكار
الرخصةِ اللهِ تعالى فيما رخّص عنه من دينه. وهذا يُغْنى عن إعادةِ القولِ فى
حديثٍ أبى هريرةَ حيثُ يقولُ: إنى لأصلِّى فى ثوبٍ واحدٍ وإن ثيابى لعلى
المِشْجَبِ . جوابًا منه لمن سأله عن الصلاةِ فى الثوبِ الواحدِ. وكذلك القولُ فى
حديث جابر أنه کان یصلِّی فی الثوبِ الواحدِ . وحدیثِ محمدِ بنِ عمرو بنِ
حزمٍ أنه كان يصلِّى فى القميصِ الواحدِ. وقد استحبَّ مالكٌ لمن «صلَّى فى
قميصٍ أن يكونَ على عاتقِه ثوبٌ أو عمامةٌ ؛ لما وصَفنا قبلُ ، ولا يختلِفُ العلماءُ
فى استحبابٍ ما ذكرنا ولا فيمن" صلَّى فى ثوبٍ واحدٍ ، أنه يُجزِتُه إذا ستر منه
عورته . والاختيارُ التجملُ بالثيابِ فى الصلاةِ ، فهى مِن الزينةِ ، وكان مالكٌ
رحِمه اللَّهُ مع استحبابِه أن يكونَ على عاتقِ المصلِّى فى القميصِ ثوبٌ، وقد
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٥٥)، وأخرجه ابن المنذر فى الأوسط (٢٣٧١) من طريق مالك به.
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٥٦).
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٥٧). وأخرجه البيهقى فى المعرفة (١٠٠٦) من طريق مالك به .
(٤ - ٤) سقط من: م.
٤٥٣
٣٢٢ - وحدَّثنى عن مالكِ ، أنه بلغه عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ، أن
الموطأ
رسولَ اللهِ وَ لَّه قال: (( من لم يجدْ ثوبين فلْيصلُ فى ثوبٍ واحدٍ ملتحِفًا
به، فإن كان الثوبُ قصيرًا، فلْيَتَّزِرْ به)).
قال يحيى : قال مالكٌ: أحبُّ إِلىَّ أن يَجعلَ الذى يُصلَّى فى
القميصِ الواحدِ على عاتِقَيه ثوبًا أُو عِمامةً .
الاستذكار رخّص له فى الصلاةِ فى القميصٍ محلول الأزرارِ، ليس عليه سراويلُ ولا إزارٌ .
مالكٌ، أنه بلَغه عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ نَّه قال: ((مَن لم يَجِدْ
التمهید
ثوبَين فلْيُصَلِّ فى ثوبٍ واحدٍ مُلْتِفًا به، فإن كان الثوبُ قصيرًا فلْيَتَِّر به))(١).
وهذا الحديثُ محفوظٌ عن جابرٍ مِن روايةِ أهلِ المدينةِ، حدَّثناه
عبدُ(١) اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثَنَا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثَنَا أبو داودَ ،
قال: حدَّثَنَا هشامُ بنُ عمارٍ، وسليمانُ بنُ عبدِ الرحمنِ، ويحيى بنُ الفضلِ
السّجِسْتانُ، قالوا: حدَّثَنَا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثَنَا يعقوبُ بنُ
مجاهدٍ أبو حَزْرةً (٤) ، عن عبادةَ بنِ الوليدِ بنِ عبادةَ بنِ الصامتِ قال : أنبأنا
جابرُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: سِرْتُ مع رسولِ اللهِ وَله فى غزوةٍ فقام يصلِّى،
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٥٣). وأخرجه ابن عدى فى الكامل ١٣٥٩/٤ من طريق مالك به .
(٢) فى الأصل، م: ((عبيد)). تقدم على الصواب مرارا.
(٣) فى ص: ((السختيانى)). وينظر تهذيب الكمال ٤٩٦/٣١.
(٤) فى ر١، م: ((حرزة)). وينظر تهذيب الكمال ٣٦١/٣٢.
٤٥٤
الموطأ
التمهيد
وكانت علىَّ بُرْدةٌ، ذهبتُ أُخالفُ بينَ طرَفَيها فلم تَبْلُغْ بى، وكانت لها
ذَبَاذِبُ(١) فتَكَّسْتُها ثم خالَفتُ بينَ طرفَيها، ثم تَوَاقَصْتُ() عليها لا
تسقُطُ، ثم جِئْتُ حتى قمتُ عن يسارِ رسولِ اللهِ وَلِّ، فَأخَذ بيدى
فأدارَنى حتى أقامَنى عن يمينِه، فجاء ابنُ صخرٍ حتى قام عن يسارِهِ،
فَأَخَذَنا بيدَيه جميعًا حتى أقامَنا خلفَه، قال: وجعل رسولُ اللهِ وَلَّهِ يَرْمُقُنى
وأنا لا أشعرُ، ثم فطِنتُ به (٤)، فأشار إلىَّ أن اتَّزِرْ بها. فلما فرغ رسولُ اللهِ
وَلَّه قال: ((يا جابرٌ)). قلتُ: لَيك يا رسولَ اللهِ. قال: ((إذا كان واسعًا
فخالِفْ بينَ طرَفَيه، وإن كان ضيِّقًا فاشدُدْه عليك))(٥) .
4
T
وقد رُوى هذا الحديثُ عن جابرٍ مِن طرقٍ، وروَى هذا المعنى عن النبىّى وَل
جماعةٌ مِن أصحابه ، وقد ذكرنا الآثار بذلك (١) فی بابِ ابنِ شهابٍ ، عن سعيد
ابنِ المسئَّبِ() .
٠٠
القبس
(١) ذباذب: أى: أهداب وأطراف، واحدها ذِبْذِب بالكسر، سميت بذلك لأنها تتحرك على
لابسها إذا مشى. النهاية ٢/ ١٥٤.
(٢) فى ر، ر١، م: ((تراقصتُ)). وتواقصت: أى: انحنيتُ وتقاصرتُ لأَمسِكَها بعنقى. النهاية ٢١٤/٥.
(٣) فى الأصل: ((قمت)).
(٤) فى ر ١: ((له)).
(٥) أخرجه ابن بشكوال فى غوامص الأسماء المبهمة ٣٦٦/١ من طريق المصنف ، وهو عند أبى داود
(٦٣٤)، ومن طريقه البغوى فى شرح السنة (٨٢٧).
(٦) فى ص، ر، ر١: ((فى ذلك)).
(٧) تقدمت الآثار ص ٤٤٣ - ٤٤٦ .
٤٥٥
الرخصةُ فى صلاةِ المرأةِ فى الدّرعِ والخمارِ
الموطأ
٣٢٣ - حدَّثنى يحيى، عن مالكِ، أنه بلغه أن عائشةً زوج
النبيِّ وَّه كانت تُصلِّى فى الدِّرْعِ والخمارِ.
التمهید
وفى هذا الحديثِ دليلٌ على أن الواجبَ سَتْرُه فى الصلاةِ العَوْرةُ فقط ، وقد
ذكرنا مذاهبَ العلماءِ فى العورةِ مِن الرجلِ والمرأةِ مع سائرِ أحكامِ هذا البابِ فی
بابِ ابنِ شهابٍ المذكورِ (١) ، والحمدُ للهِ، فلا وجه لإعادةِ ذلك هلهنا .
حدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثَنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثَنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثَنا سليمانُ بنُ حربٍ ، قال: حدَّثَنا حمادُ بنُ زيدٍ ، عن أيوبَ ،
عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّليه - أو قال عمرُ -: ((إذا كان
لأحدِكم ثَوْبانٍ فَلْيُصَلِّ فيهما ، فإن لم يكنْ(١) إلا ثوبٌ فَلْيَتَّزِرْ به، ولا يَشْتملِ
اشتمالَ اليهودِ))() .
الاستذكار
بابُ الرخصةِ فى صلاةِ المرأةِ فى الدّرعِ
ذكَر فيه مالكٌ أنه بلَغه عن عائشةَ رضِى اللَّهُ عنها أنها كانت تصلِّى فى الدّرعِ
وأما المرأةُ فكلُّها عَوْرةٌ فى الصلاةِ إلا وجهَها وكَفَّيها ، وقال أبو حنيفةً : ليست
قَدَمُها عَوْرةً .
القبس
(١) تقدم ص٤٣٧ - ٤٥٢.
(٢) بعده فى ر ١: ((له)).
(٣) أبو داود (٦٣٥). وأخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٣٧٧/١، والبيهقى ٢٣٦/٢ من طريق
حماد بن زيد به وتقدم ص ٤٤٣.
٤٥٦
٣٢٤ - وحدَّثنى عن مالك، عن محمدِ بنِ زيدِ بنِ قُنْفُذٍ، عن أمِّه، الموطأ
أنها سألَت أُمّ سلمةَ زوجَ النبيِّ ◌َّهِ: ماذا تصَلِّى فيه المَزَأَةُ مِن [٢ ٥ظ] الثيابِ؟
فقالت : تُصَلِّى فى الخمارِ والدِّرْعِ السابغِ إذا غَيَّب ظُهُورَ قدَمَيها .
٣٢٥ - وحدَّثنى عن مالك، عن الثقةِ عندَه ، عن بُكيرِ بنِ عبدِ اللهِ
والخِمارِ(١).
الاستذكار
(١)
وعن محمدِ بنِ زيدِ بنٍ ١٢ قُتْفُذٍ ، عن أمِّه، أنها سألت أمَّ سلمةَ رضِى اللَّهُ
عنها : ماذا تصلِّى فيه المرأةُ مِن الثيابِ؟ فقالت: تصلِّى فى الخِمارِ والدِّرعِ السابغِ
إذا غيَّبِ ظَهَورَ قدمَيها(١).
وعن الثقةِ عندَه ، عن بكيرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأشجِّ ، عن بُشْرِ بنِ سعيدٍ ، عن
القبس
وقد ثبت أمرُ النبيِّ ◌َلِّ للنساءِ يإِسْبالِ الدّرعِ على الأقدامِ، وهذا نصّ.
وأكمَلُ هيئاتِ الصلاةِ فى اللِّاسِ أن يكونَ فى ثوبَين؛ لحديثِ عمرَ : إذا وسَّع اللهُ
عليكم فأَوسِعوا : جمَع رجلٌ عليه ثيابَه (٥) . الحديث .
وقد كان مِن شيوخِ الزُّهَّادِ مَن له ثيابٌ مَطْوِيَّةٌ لا ينشُرُها إلَّا إذا صَلَّى، فإذا فرَّغ مِن
الصلاةِ أعادها على غَرّها(١) ، ويقولُ: لقاءُ اللهِ أفضلُ حالٍ تَزِيَّنُ لها .
(١) درع المرأة: قميصها. النهاية ٢/ ١١٤.
والأثر فى الموطأ برواية أبى مصعب (٣٦٠). وأخرجه البيهقى ٢٣٣/٢ من طريق مالك به .
(٢) ليس فى: الأصل. والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٢٣٠/٢٥.
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٦٣)، وبرواية أبى مصعب (٣٦١). وأخرجه عبدالله بن وهب فى
موطئه (٤٤٨)، وعبد الرزاق (٥٠٢٨)، وأبو داود (٦٣٩)، والبيهقى ٢٣٢/٢ من طريق مالك به.
(٤) تقدم تخريجه ص ٤٤٠.
(٥) أخرجه البخارى (٣٦٥).
(٦) فى م: ((عودها)). وأعادها على غَرِّها. أى: كما كانت مطوية. ينظر النهاية ٣/ ٣٥٧، والتاج (غ ر ر).
٤٥٧
ابنِ الأَشَجِّ ، عن بُشْرِ بنِ سعيدٍ ، عن عبيدِ اللهِ بنِ الأسودِ الخَوْلانيّ ،
الموطأ
وكان فى حَجْرٍ ميمونةَ زوج النبيِّ وَّهِ، أن ميمونةً كانت تُصَلِّى فى
الدِّرْعِ والخِمارِ ليس عليها إِزارٌ.
الاستذكار عبيدِ اللهِ الخَوْلانيّ وكان فى حَجْرٍ ميمونةً، أن ميمونةً كانت تصلِّى فى الدِّرْع
والخِمارٍ، ليس عليها إزارٌ".
فأما حديثُ عائشةَ رضي اللهُ عنها، فذكره أبو بكرِ بنُ أبى شيبةً(٢) قال:
حدَّثنا ابنُ فضيلٍ، عن عاصمِ بنِ سليمانَ الأحولِ ، عن معاذةَ ، عن عائشةَ ، أنها
کانت تصلِّی فی یزع وخمارٍ .
قال(٣): وحدَّثنا عيسى بنُ يونسَ، عن الأوزاعىّ، عن مكحولٍ ، قال :
سُئلت عائشةُ: فى كم تصلِّى المرأةُ؟ فقالت: ائتِ عليًّا فاسأله ثم ارجِعْ إلىّ.
فقال: فى دِرْع سابغٍ وخِمارٍ . فرجَع إليها فأخبرها ، فقالت : صدَق .
ورَوى حمادُ بنُّ سلمةَ، عن قتادةَ ، عن ابنِ سيرينَ، عن صفيةً بنتِ الحارثِ ،
عن عائشةَ، أن رسولَ اللهِ لَّهِ قال: ((لا يقبلُ اللهُ صلاةَ حائضٍ إلَّ بخِمارٍ)) (".
وأما حديثُ أمّ سلمةَ، فرواه موقوفًا على أمّ سلمةً، كما رواه مالكٌ،
ومحمدُ بنُّ إسحاقَ ، وابنُّ أبي ذئبٍ ، وبكرُ بنُّ مضرَ، وحفصُ بنُ غِياثٍ ،
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٣٦٢). وأخرجه البيهقى ٢٣٣/٢ من طريق مالك به.
(٢) ابن أبى شيبة ٢٢٦/٢.
(٣) ابن أبى شيبة ٢٢٤/٢.
(٤) تقدم تخريجه ص ٤٤١ .
٤٥٨
الموطأ
وإسماعيلُ بنُ جعفرٍ، كلَّهم رَوَوه عن محمدِ بنِ زيدٍ ، عن أمِّه، عن أمِّ سلمةَ الاستذكار
موقوفًا عليها ، ورفعه عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ دینارٍ ، عن محمدِ بنِ زیدِ بنِ
قُنْفُذٍ، عن أمِّه، أنها سألت أمَّ سلمةَ، أنها سألت النبيَّ ◌َِّ ماذا تصلِّى فيه المرأةُ؟
قال: ((فى الخمارِ والدِّرْعِ السابغِ الذى يغيِّبُ ظهورَ قدمَيها))(١).
وأما حديثُ ميمونةَ ، فالثقةُ الذى رواه عنه مالكٌ هو الليثُ بنُ سعدٍ .
ذكّر أبو الحسن على بنُ عمرَ الحافظُ الدارقطنىُ، قال: حدَّثنا أبو علىّ
إسماعيلُ بنُ محمدِ بنِ الصفَّارِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الفرجِ الأزرقُ ، حدَّثنا
منصورُ بنُ سلمةً ، قال: حدَّثنا الليثُ بنُ سعدٍ ، عن بكيرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأشجِّ،
عن بشرِ بنِ سعيدٍ ، عن عبيدِ اللهِ الخَوْلانيّ، قال: رأيتُ ميمونةَ تصلِى فى دِرعِ
سابغٍ ولا إزارَ عليها ١. قال أبو سلمةَ منصورُ بنُ سلمةَ: وهذا ما رواه مالكُ بنُ
أنسٍ ، عن اللیثِ بنِ سعدٍ .
قال أبو عمرَ : أكثرُ ما " يقولُ مالكٌ: حدَّثنى الثقةُ. فهو مَخْرمةُ بنُ " بکیرِ بنِ"
الأشجّ . يقولُ أصحابُه؛ ابنُ وهبٍ وغيرُه: "إنه أخذه مِن کتبٍ بکیرٍ، كان"
القبس
(١) تقدم تخريجه فى ص ٤٤٠ .
(٢) أخرجه الحارث بن أبى أسامة (١٣٤ - بغية) من طريق الليث به ..
(٣ - ٣) تآكل فى الأصل. والمثبت موافق لما فى شرح الزرقانى.
(٤) سقط من : م .
(٥ - ٥) فى م: ((كل ما أخذه مالك)).
(٦) فى الأصل: ((فإِن))، وفى م: ((فإنه)). والمثبت من تنوير الحوالك ١/ ١٢٢، وشرح الزرقانى
٤١٢/١.
٤٥٩
الموطأ
الاستذكار
يأخذُها مِن مخرمةَ ابنِه فينظرُ فيها ..... (١) تصلّى فى الخمارِ والدرعِ السابغِ عِن
ابنِ عباسٍ ، وعروةَ بنِ الزبيرِ، وعكرمةَ، وجابرِ بنِ زيدٍ، وإبراهيمَ، والحكمِ ().
وقال جابرُ بنُ زيدٍ : تصلِّى المرأةُ فى درعٍ صَفيقٍ وخمارٍ صَفيقٍ(٢). وهو قولُ فَقَهاٍ
الأمصارِ. وقال ابنُ عمرَ: إذا صلَّت المرأةُ ( فلْتصلٌ فى ثيابِها) كلِّها؛ الدرع
والخمارِ والملحفةِ) . وروى عن عَبيدةَ أن المرأةَ تصلَّى فى الدرعِ والخمارِ
والحِقْوِ. رواه ابنُ أبى شيبةَ، " وقال فيه: كانت الأنصارُ تسمى الإزارَ الحِقْوَ".
وقال مجاهدٌ : لا تصلِّى المرأةُ فى أقلَّ مِن أربعةِ أثوابٍ(٢). وهذا لم يَقُلْه غيرُه فيما
علِمتُ)، وهذه الأثوابُ؛ الخمارُ، والدرعُ، والمِلْحفةُ، والإزارُ.
قال أبو عمرَ: لهذا - واللهُ أعلمُ - ترجمَ مالكٌ رحِمه اللهُ : بابُ الرخصةِ
فى صلاةِ المرأةِ فى الدرعِ والخمارِ .
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيّ، قال: حدَّثنا
محمدُ ... (٨)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصارىُّ، قال: حدَّثنا سليمانُ
القبس
(١) تآكل فى الأصل بمقدار أربع كلمات، ولعل تقدير العبارة : وقد روى أن المرأة.
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢٢٥/٢، ٢٢٦.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٢٦/٢.
(٤ - ٤) بياض فى: الأصل. والمثبت موافق لما فى مصدر التخريج.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٢٥/٢.
(٦ - ٦) سقط من: م.
والأثر أخرجه ابن أبى شيبة ٢٢٥/٢.
(٧ - ٧) تآكل فى: الأصل. والمثبت من شرح الزرقانى ١/ ٤١١.
(٨) تآكل وطمس فى الأصل بمقدار خمس كلمات، وفى م: ((بن إبراهيم التيمى)).
٤٦٠