Indexed OCR Text

Pages 561-580

الموطأ
سجودِه. وقال شَريكٌ القاضى (١): ينظُرُ فى القيامِ إلى موضع السجودِ، وفى التمهيد
الركوعِ إلى موضعٍ قدَّمَيه، وفى السجودِ إلى أنفِه، وفى قعودِه إلى حَجْرِه.
قال أبو عمرَ : هذا كلُّه تحديدٌ لم يثبُتْ به(٢) أثرٌ، وليس بواجبٍ فى النظَرِ ،
ومَن نظر إلى موضع سجوده کان أسلم له وأبعد من الاشتغال بغیرِ صلاتِه إن شاء
اللهُ، وبالله التوفيقُ .
وأما قولُه : لقد أصابتنى فى مالِى فِتنةٌ . فالفِتَنُ على وجوهٍ ؛ فأمَّا فتنةُ الرجلِ
فى أهلِه ومالِهِ فتكفيرُها الصلاةُ والصدقةُ، كذلك قال حذيفةُ لعمرَ فى الحديثِ
الصحيحِ، وصدَّقه عمرُ وقال: لستُ عن هذه أسألُك(٣). وقال جماعةٌ من
فقهاءِ الحجازِ والعراقِ : إن المعاصِىَ كلَّها فتنةٌ تُكفِّرُها الصلاةُ والصومُ ما لم يُواقِعٍ
الكبائرَ، دليلُ ذلك قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ اُلسََّاتِ﴾
[هود: ١١٤]. نزَلت فى رجلٍ أصاب من امرأةٍ ما ليس بكَبيرةٍ(٤). ومنه قولُه
وَالر: ((يا معشرَ التُّجَّارِ، إِنَّ هذا البيعَ يشُوبُه الحَلِفُ والكَذِبُ، فشُوبُوه
بالصَّدقَةِ))(٥) .
القبس
(١) شريك بن عبد الله أبو عبد الله النخعى القاضى ، أدرك عمر بن عبد العزيز، كان من كبار الفقهاء،
وبينه وبين الإمام أبى حنيفة وقائع، توفى سنة سبع وسبعين ومائة . سير أعلام النبلاء ١٧٨/٨.
(٢) فى ص: ((فيه)).
(٣) أخرجه أحمد ٤١٤/٣٨ (٢٣٤١٢)، ومسلم (١٤٤).
(٤) أخرجه أحمد ١٦٥/٦ (٣٦٥٣)، والبخارى (٤٦٨٧)، ومسلم (٢٧٦٣) من حديث ابن
مسعود .
(٥) أخرجه أحمد ٦٠/٢٦ (١٦١٣٨)، وأبو داود (٣٣٢٦، ٣٣٢٧)، وابن ماجه (٢١٤٥)،=
٥٦١
( موسوعة شروح الموطأ ٣٦/٤)

الموطأ
التمهيد
وكلُّ مَن فُتِنِ بشيءٍ من المعاصِى والشهواتِ المحظورةِ فهو مفتونٌ، إِلَّ أنه إن
ترَك وأناب واسْتَغْفَر وتاب ، غُفِر له مع أدائِه لصلاتِه وزكاتِه وصومِه، وهذه
صفاتُ المُذْنِين، وقد فُتِ الصالحون وابتُلوا بالذُّنوبِ، قال اللهُ تعالَى: ﴿إِذَا
مَسَّهُمْ طَهِفٌ مِّنَ الشَّيْطِنِ تَذَكَرُواْ فَإِذَا هُم تُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. وقال
تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ
لِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٥]. وقد يكونُ من هذا البابِ من الفتنةِ ما هو أشدُّ
مما وصَفنا، وهو الإصرارُ على الذَّنبِ والإقامةُ عليه منه، وأنَّ لم يأتِهِ ، فنُه على
تلك الحالٍ ، ويُحِبُّ أَن تَسمَحَ نفسُه بتركٍ ما هو عليه من قبيح أفعاله ، وهو مع
ذلك لا يُقلِعُ عنها، فهذا وإن كان مُصِرًّا لم تأتِ منه توبةٌ، فهو مُقِرٌّ بالذنوبِ
والتقصيرِ ، يُحِبُّ أن يَختِمَ اللهُ له بخيرٍ ، فیُغفَرُ له هذا برجائِه ، ولا يُقطُ عليه،
وليست فتنتُه بذلك تُخرِجُه عن الإسلامِ . وقال بعضُهم: ولا هو ممّن نُكِت(١) فى
قلبِهِ نُكْتَةٌ سوداءُ غلَبت عليه فلا يعرِفُ معروفًا ولا يُنكِرُ منكرًا، كما قال حذيفةٌ
فی ذلك الحدیث ؛ لأنه ◌ُنکژ ما هو علیه ، ويودُ أنه تاب منه . قالوا : وإنما ذلك فى
الأهواءِ المُرْدِيَةِ ، والبدع المحُدَثةِ التى تُتَّخَذُ دِينًا وإيمانًا، ويُشهَدُ بها على اللهِ تعَدِّيًا
وافتراءً ، ولا يُحِبُّ من فُتِنَ بها أن يُقَصِّرَ فيها ولا يَنْتَقِلَ عنها، ويَوَدُّ أَلَّ يَأْتِيَه الموتُ
إلَّا عليها، فهذا أيضًا مفتونٌ مغرورٌ متدرِّجٌ، قد أصابَته فتنةٌ زُيِّن له فيها سُوءُ
عملِه ، يَوَدُّ أن يكونَ الناسُ كلُّهم مثلَه. قالوا: فهذه الفتنةُ أشدُّ من الفِتنتين اللتين
القبس
= والنسائى (٣٨٠٦، ٣٨٠٧) من حديث قيس بن أبى غرزة.
(١) فى م: ((تنگت)).
٥٦٢

٢٢٠ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ، أن الموطأ
رجلًا مِن الأنصارِ كان يُصلَّى فى حائطٍ له بالقُفِّ - وادٍ مِن أوديةِ
المدينةِ - فى زمانِ الثَمَرِ، والنخلُ قد ذُلِّلَتْ، فهى مُطوَّقٌ بثمرِها، فنظَر
إليها ، فأعجبه ما رأی مِن ثمرها ، ثُم رجعإلى صلاتِه، فإذا هو لا يَدِی کم
صلَّى ، فقال: لقد أصابتنى فى مالى هذا فتنةٌ . فجاء عثمانَ بنَ عفانَ ، وهو
يومَئذٍ خليفةٌ، فذكَر له ذلك، وقال: هو صدقةٌ، فاجعَلْه فى سُبُلِ الخيرِ .
فباعَه عثمانُ بنُ عفانَ بخمسين ألفًا ، فسُمِّىَ ذلك المالُ الخمسين .
التمهید
ذكّرنا من فتن الذنوب .
ومن الفتنِ أيضًا الكفر، وقد سمَّاه اللهُ فتنةً بقولِه: ﴿وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ
اَلْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]. وشَرحُ هذه المعانى يطولُ، وباللهِ العصمةُ لا شريكَ له .
وأما النُّهَسُ فطائرٌ صغيرٌ مثلُ العصفورِ، والدُّبْسِىُّ طائرٌ يُشْبِهُ اليمامةَ، وقيلَ :
هو اليمامةُ نفسُها. وقولُه: طفِقَ يَتَرَدَّدُ. كقولِه: جعَل يَتَرَدَّدُ. وفيه لغتان(١):
طِفِقٍ وطفَق ، يطفَقُ ويطفِقُ .
وأما حديثُه الآخرُ عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرٍ، أن رجلًا مِن الأنصارِ كان يصلَّى الاستذكار
فى حائطٍ له بالقُفِّ - وادٍ مِن أوديةِ المدينةِ - الحديث(٢). فإن الكلامَ فيه والكلامَ
فى الذى قبلَه سواءٌ ، إلا أن عثمانَ بنَ عفانَ فهِم عن الأنصارىِّ مُرادَه، فباعَ المالَ
القبس
(١) فى ص: ((لغات)).
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٤٨٧). وأخرجه ابن المبارك فى الزهد (٥٢٧) من طريق مالك به .
٥٦٣

الموطأ
الاستذكار بخمسين ألفَ درهم، وتصدَّق بها عنه ، ولم يجعلِ الحائطَ وَقْفًا .
وقد اختلف فى الأفضلِ مِن الصدقاتِ بالرقابِ، ومن الصدقاتِ
الموقوفاتِ، وكلاهما خيرٌ وعملٌ صالحٌ (١ وبر١ٌ)، وليس الآبارُ كالعيونِ،
واللَّهُ أعلمُ، إلا أن الدائمَ جارٍ على صاحبِهِ ما لم تَعْترِهِ آفةٌ، فَآفاتُ الدهرِ
كثيرةٌ .
وفى أحاديثٍ هذا البابِ ما يوجِبُ القولَ فى موضعِ نظرٍ المصلِّى إلى أينَّ
یکونُ ؟
فأما مالكٌ ؛ فقال: يكونُ نظرُ المصلِّى أمامَ قبلتِه . وقال الثورىُّ، وأبو
حنيفةً، والشافعىُّ، والحسنُ بنُّ حىٍّ: يستحبُّ أن يكونَ نظرُ المصلِّى إلى
موضعٍ سجودِه. وقال شريكٌ القاضى: ينظرُ فى القيامِ إلى موضعٍ
السجودِ، وفى الركوعِ إلى موضعٍ قدَمَيه، وفى السجودِ إلى أنفِه، وفى
قعودِه إلى حجرِه .
قال أبو عمرَ: هذا التحديدُ ليس فى (٢) النظرِ فى الأصولِ ما يوجِبُه،
وحَسْبُ المصلِّى أن يُقْبِلَ على صلاتِه ولا يلتفتَ يمينًا ولا شمالاً ، فإنه مكروه له ،
ومَن فكّر فيما هو فيه مِن صلاتِه ، وأقبَل على ما يَعْنيه منها ، شغَله ذلك عن النظرِ
إلى غيرها .
-
القبس
(١ - ١) سقط من: ص، م.
(٢) فى ص، م: ((على)).
٥٦٤

العملُ فى السهوِ
الموطأ
التمهيد
القبس
بابُ السَّھوِ
هذا بابٌ عظيمٌ فى الفقهِ، أحاديثُه كثيرةٌ ، ومسائلُه عظيمةٌ، وفروعُه متشعّبةٌ
ومُشغبةٌ، يذهَبُ العمرُ فى تحصيلها، ولا يتمكّنُ العبدُ من تفصيلها ، فعليكم أن
تُحقِّقوا (١) أصولَها وتربطوا فصولَها، ثم تُركِّبوا عليها ما يَليقُ بها وتطرَحوا الباقىّ عن
أنفسِكم منها، دخَلتُ الْمُتَسْتِيرَ(٢) رباطَ إفريقيَّةَ فَلَقِيتُ المتعبّدين الذين أعرَضُوا عن
الدنيا وأقبلوا على خدمةِ المولى، وسمِعتُهم لا يقرءون من فنِّ الفقهِ إلا مسائلَ الوضوءِ
والصلاةِ التى تَختَصُّ بما هم فيه، فحدَّثونى أن أبا بكرِ بنَ عبدِ الرحمنِ الخَوْلانيّ(٣)،
وكان من أحفَظِ أهلِ زمانِه بالمسائلِ، كان يَرِدُ عليهم فى الأشهرِ الفاضلةِ بنِيّةِ
الاعتكافِ فيسألونه عن المسائلِ، فإذا أَقْتاهم قالوا له : الروايةُ فى نوازلٍ (٤) سُحنونٍ،
بخلافٍ هذا النصّ فى الكتابِ الفلانىٌّ ، على غيرِ ما قلتَ . حتى طال عليه ذلك فقال
لهم : إذا ذكّرُتُم مسألتكم فاذكروا جوابَها معها ، فإن كان جاريًا على الأصولِ أمَرتُكم
بالتمشّكِ به، وإن كان خارجًا عن الأصولِ عرَّفْتُكم بالصوابِ فيه .
وأصولُ أحاديثِ السَّهوِ ستةٌ :
(١) فى ج، م: ((تحفظوا)).
(٢) موضع بين المهدية وسوسة بإفريقية، بينه وبين كل واحدة منهما مرحلة. معجم البلدان
٤ / ٦٦١.
(٣) هو أحمد بن عبد الرحمن الخولانى، شيخ المالكية ومفتى قيروان، كان رأسا فى المذهب، مات
سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة. الديباج المذهب ١٧٧/١، وسير أعلام النبلاء ١٧/ ٥١٩.
(٤) فى ج: ((نوادر)).
٥٦٥

الموطأ
التمهيد
القبس
الحديثُ الأوَّلُ: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ إِحْدَى صَلاتَي
العِشَاءِ، فَسَلَّمَ مِن رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ إِلَى (١ جانبٍ جذْعٍ فِى١) الَسْجِدِ فَاسْتَنَدَ إِلَيْهِ مُغْضَبًا،
فخَرَجَ سَرَّعَانُ النَّاسِ يَقُولُونَ: قُصِرَتِ الصَّلاةُ. وَفِى الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ
يُكَلِّمَاهُ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْتَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلاةُ أَمْ نَسِيتَ يا رسولَ اللهِ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ؟)) . فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ
وَلِّ فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ اللَّيْنِ بَقِيَّنَا عَلَيْهِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبْرَ فَسَجَدَ، ثُمَّ رَفَعَ ، فَكَرَ ثُمّ
سَجَدَ، فَكَبََّ(٢) ثُمَّ سَلَّمَ.
الحديثُ الثانى: رَوَى عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَِّيِّ،وَلِ صَلَّى الْعَصْرَ فَسَلَّمَ من
ثَلاَثٍ، فَقَالَ لَهُ رَجَلٌ يُقَالُ لَهُ : الْخِزْبَاقُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَلَّمْتَ مِنْ ثَلاثٍ. فَخَرَجَ
مُغْضَبًا يَجُّ رِدَاءَه وَقَالَ: ((أَحَقًّا مَا يَقُولُ هَذَا؟)). قَالُوا: نَعَمْ. فَصَلَّى الوَّكْعَةَ الَّتِى
بَقِيَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ كَثْرَ وَسَجَدَ وَسَلَّمَ(٣)، كَما تَقَدَّمَ .
الحديثُ الثالثُ: رَوَى ابْنُ مسعودٍ، أَنَّ النَّبِىِّ ◌َّهِ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَلَئًا
سَلَّمَ تَوَشْوَشَ الْقَوْمُ، فَقَالَ النَّبِىُّ وَِّ: ((مَا شَأَنَّكُمْ؟)). قَالُوا: أَزِيدَ فِى الصَّلاةِ؟
قَالَ: ((وَمَا ذاك؟)). قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا. فَكَبَرَ النَّبِىُّ وَِّهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنْ، ثُمّ
سَلَّمَ وَقَالَ: ((مَنْ زَادَ فِى صَلاتِهِ أَوْ نَقَصَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَينْ)) (٤).
(١ - ١) فى ج، م: ((جذع فى جانب)).
(٢) بعده فى ج، م: ((ثم رفع، فكبر)).
(٣) تقدم تخريجه ص٤٧٨ ، ٤٧٩ .
(٤) تقدم تخريجه ص ٥٥١، وينظر ص٥١٨ .
٥٦٦

٢٢١ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك، عن ابن شهابٍ ، عن أبى سلمةَ الموطأ
ابنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَ لآل قال: ((إِن
أحدّ کم إذا قام یصلّی ، جاءه الشيطانُ ، فلبس علیه صلاته، حتى لا يَدِى
كَمْ صلَّى، فإذا وجَدَ ذلك أحدُكم، فليسجد سجدتين وهو جالسٌ)).
مالكٌ (*)، عن ابن شهابٍ، عن أبى سلمةً بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أبى هريرةَ، التمهيد
أن رسولَ اللهِ وَّه قال: ((إن أحدً كم إذا قام يصلِّی جاء الشيطانُ فليس عليه حتى
لا يَدْرِى كم صلَّى؟ فإذا وجَد ذلك أحدُكم فليسجدْ سجدتين وهو جالسٌ))(١).
القبس
الحديثُ الرابعُ: رَوَى عبدُ اللَّهِ بِنُ مالكِ ابْنُ بُحَيْنَةَ، أَنَّ النَّبِيِّ،وَِّ صَلَّى الظُّهْرَ
فَقَامَ مِن اثْنَيْنْ وَلَمْ يَجْلِسْ، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْ، ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذلِكَ(٢).
الحديثُ الخامسُ: رَوَى أبو سعيدِ الخُدرِىُّ، أن النبيَّ ◌َِّ قال: ((إذا شَكَّ
أحدُكم فى صلاتِه، فلم يَدْرِكم صَلَّى؛ ثلاثًا أم أربعًا، فَلْيَبْنِ على اليقينِ وَلْيَطْرَحِ
الشَّكَّ)). وفى روايةٍ: ((فَلْيُصَلِّ ركعةٌ، ولْيَسْجُدْ سجدتين وهو جالسٌ قبلَ التَّسْلیم،
فإن كانت الركعةُ التى صلَّى خامسةً ، شفَعها بهاتَين السَّجدَتين، وإن كانت رابعةً ،
فالسَّجْدتانِ تَرْغِيمٌ للشيطانِ))(٣).
الحديثُ السادسُ: روَى أبو هريرةَ، عن النبيِّ وَلِّ، أنه قال: ((إن أحدَ كم يأتِيه
الشيطانُ فى صلاتِه فيَلْبِسُ عليه، فإذا وجَد ذلك أحدُكم فلْيَسْجُدْ سجدَتين)).
(*) من هنا ليس لدينا نسخ خطية إلى ص٥٧٧ سوى المطبوعة .
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٣٦)، وبرواية أبى مصعب (٤٧٩، ٤٨٨). وأخرجه
البخارى (١٢٣٢)، ومسلم ٣٩٨/١ (٨٢/٣٨٩)، وأبو داود (١٠٣٠)، والنسائى (١٢٥١)،
وابن حبان (٢٦٨٣) من طريق مالك به .
(٢) تقدم فى الموطأ (٢١٥، ٢١٦).
(٣) تقدم تخريجه ص ٥٠٥ - ٥١١ .
٥٦٧

الموطأ
التمهید
فى هذا الحديثِ مِن الفقهِ أن الشيطانَ يوسوسُ للإنسانِ ، وأن الصلاةَ لا
تَحُولُ بينَه وبينَه ، وأنه ساع على المرءِ فيما يفسِدُ عليه دِينَه جاهِدًا ، واللهُ يَعصمُ منه
من يَشاءُ مِن عبادِه. وقولُه: ((فلبَس عليه)) يَعنى خَلَطَ عليه، وهو على: ((فَعَلَ))
مُخَفَّفٌ، والمستقبلُ: يَلْبِسُ، مثلُ : ضرّب يَضرِبُ، وأَمَّا إذا كان مِن اللّاسِ
فالماضى منه: لَبِسَ، مثلُ : سَمِعَ، والمُستقبلُ منه: يَلبَسُ، مثلُ: يسمَعُ .
القبس
أما الحديثُ الأَوَّلُ ، فرأيتُ بالثَّغْرِ مَن قد تَجَاوَز فيه الحَدَّ ، فأُخرَج منه مائةً وخمسينَ
مسألةً مِن الفقهِ، وقد اسْتَوفَينا الغرضَ منه فى (١)((شرحِ الصحيح)) (١)، والقَدْرُ الذى
تَشْتَضِيئون به الآنَ أن العلماءَ اختلفوا فيه على ثلاثةِ أقوالٍ ؛ القولُ الأولُ : أن هذا
الحدیث إنما كان فى صدر الإسلام إبان(٢) كان الكلامُ مُباحًا فى الصلاةِ ، ثم نسخ ذلك
اللَّهُ تعالى فأمَر بالقُنُوتِ ، فصار الحديثُ منسوخًا لا مُتَعَلَّقَ فيه، ورواه المدنیُون عن
مالكِ . الثانى : أن هذا إنما يكونُ فيمَن سَلَّم مِن اثنتَين خاصةً دونَ غيرِه، وإلى هذا
صَغَى سُحنونٌ . الثالثُ: أن معنى هذا الحديثِ كلَّه مُسْتَرسِلٌ على الأزمانِ ، عامٌّ فى
جميع الأقوال والأفعالِ ، وهو المشهورُ مِن قولٍ علمائنا رحِمهم اللَّهُ، وبه قال الشافعىُ
وعامَّةُ العلماءِ. أما اختيارُ الْمَدَنِين أنه منسوخٌ، فقولٌ باطلٌ؛ لأن مِن شروطِ النسخِ
معرفةً التاريخَيْن، وقد جُهِلَت هلهنا ، (٢ ومن شروطِه تضادُّ الأمرين حتى لا يصحّ أن
يجتمعا، ولا مضادةَ هلهنا٣)؛ لأن الكلامَ المَنَّهِىَّ عنه هو المُطْلَقُ، وهذا كلامٌ فى إصلاحِ
الصلاةِ لا بدَّ لها منه، ولا تَتَمُّ دونَه. وأما اختيارُ سُحنونٍ فهو ضعيفٌ؛ لأن النبيِّ وَ ه
(١ - ١) فى د: ((صريح الصريح)).
(٢) فى م: ((أيام)).
(٣ - ٣) سقط من: ج، م.
٥٦٨

الموطأ
التمهيد
وقد اختلف الفقهاءُ فى معنى هذا الحديث ؛ فقال قومٌ منهم : معناه : انْ یبنیَ
على يقينه، وعلى أكثرٍ ظنّه، ثم يسجُدَ . قالوا: وهو حديثٌ ناقصٌ يفسِّرُه
حديثُ أبى سعيد الخدرىِّ(١)، وحديثُ عبدِ الرحمن بن عوفٍ(٢) وحديثُ ابنِ
عباسٍ(٢)، وغيرِهم، أن رسولَ اللهِ وَّه قال: ((إذا شَكَّ أحدُ كم فی صلاتِه فلم
يَدْرٍ أثلاثًا أم أربعًا؟ فلْيصلِّ ركعةً، ويسجُدْ سجدتين وهو جالسٌ قبلَ التسليمِ)).
القبس
قد جری له ذلك فی السلام من ثلاث فی حدیث عمران، وقد جرى له مِثْلُ ذلك فی
السلامِ مِن خمسٍ فى حديث ابن مسعودٍ ، وهذا مجُمُودٌ لا يَلِيقُ بمرتبةِ سُحنونٍ ولا
بَتَذْقِيقِه فى الفروعِ، والصحيحُ أنه جارٍ(٢) كما قُلناه فى كلِّ مسألةٍ .
مسألةٌ أصوليةٌ : قد بَنَّا فى ((المُتْوَسِّطِ)) و ((المُقُسطِ)) وغيرِهما القولَ فى عِصْمةٍ
الأنبياء صلواتُ اللهِ عليهم عن(٤) الذنوبِ، وبينَّا فى كتابٍ ((المُشْكِلَين)) تأويلَ ما ورَد
من(٥) ذلك فى القرآنِ ظاهرًا ، ورَدَدْناه إلى أصلِ العِضمةِ بالدليلِ، وهو الذى نَدِينُ اللَّهَ
تعالى به ، وتَهْزِمُ القولَ علی أنهم معصومُون ، وإن كان الناسُ قد اختلفوا فی الذنوب
المُعلِّقةِ بالأفعالِ ، فقد اتَّفَقوا على أن الكذبَ لا يجوزُ أَن يَقَعَ منهم لا سهوًا ولا عمدًا؛
لأن القولَ هو الذى يَتَبَّنُ به الشَّرْعُ، فلو جازَ أن يتَطرّقَ إليه ذلك لما وقَعت الثِّقةُ فيه
بالبيانِ، فإِذا ثبَت هذا عُدْنا إلى قولِهِ وَّهِ: ((كلُّ ذلك لم يَكُنْ)). وفى روايةٍ أُخرى:
(١) تقدم تخريجه ص ٥٠٥ - ٥١١.
(٢) تقدم تخريجه ص٥١٩
(٣) فى ج، م: (جائز)).
(٤) فى م: ((من)).
(٥) فى م: ((فى)).
٥٦٩

الموطأ
التمهید
قالوا : والأحاديثُ كلُّها فى الشّهوِ على خلافٍ هذا، إنّما هى أن يعتمدَ الإنسانُ
على أكثرٍ ظنّه كما روَى ابنُ مسعودٍ(١) أو يبنىَ على يقينِه كما روَى أبو سعيد
وعبدُ الرحمنِ بنُّ عوفٍ. قالوا : وأمَّا حديثُ أبى هريرةَ ، فحديثٌ مُجمَلٌ مُضمّرٌ
قد ظهرَ فى غيرِهِ مِن الأحاديثِ . قالوا : فلا يُجزئُ أحدًا أبدًا إذا شكَّ فى صلاتِه
أن يخرجَ منها إلّا حتى يستيقِنَ تمامَها، وسواءٌ اعتَرَاه هذا مرَّةً أو ألفَ مرَّةٍ . وقال
القبس
((فلم تَقْصُرْ ولم أَنْسَ)). وقد كان نَِّ نِى، فإنه(٢) لم يُسَلِّمْ مُتَعمِّدًا؛ فمِن الناسِ
مَن قال: هذا نسيانٌ. قيل له: فيه على قولِك(٣) إخبارٌ عما كان بأنه(٤) لم يَكُنْ ، وهذا
لا يجوزُ نِشيانًا عليه؛ لأنه مِن بابِ الكذبِ ، سمِعتُ شيخَنا أبا(° سعدٍ محمدَ بنَ طاهرٍ
الزنجانيَّ بالمسجد الأقصى يقولُ: سمِعتُ أباْ) المُظَفَّرِ شاهْفُورَ يقولُ: إن قولَ(٦) النبىِّ
وقالتله: ((لم تَقْصُز))(٧). صحيح. وقوله: ((لم أنس)) . لم تُرِدْ به: ولم أنسَ الركعتين،
وإنما أراد به: ولم أُسَلِّمْ ساهِيًّا، (" وإنهاء) سَلَّمْتُ مُتعمِّدًا. وقد بيَّنَّا تمامَ الكلامِ فى كتابٍ
((المُشْكِلَين)).
وقد اختلف الناسُ فى رجوع النبيِّ نَّهِ إلى القضاءِ(٩)، هل كان بما ظهَر إليه
(١) تقدم تخريجه ص٥١٨، ٥٥١.
(٢) فى ج، م: ((فإن)).
(٣) فى ج، م: ((ذلك)).
(٤) فى ج: ((بما)).
(٥ - ٥) سقط من: ج، م.
(٦) سقط من: ج، م.
(٧) فى ج، م: ((يقصر)).
(٨ - ٨) فى ج، م: ((بل)).
(٩) فى ج، م: ((القصد)).
٥٧٠

الموطأ
آخرون: معنى حديث أبى هريرةَ هذا فى الذى يستنكِحُه السَّهو(١)، ويكثرُ التمهيد
علیه، والأغلبُ فی ظنّه أنَّه قد أُنمَّ، لكنَّ الشيطانَ یوسوسُ إلیه فى ذلك كما
يوسوسُ إلى قومٍ فى كمالٍ طهارتهم. قالوا: فمَن كانت هذه حالَه أبدًا أجزاَه أن
یسجد للسهو سجدتین دون أن یأتی بر کعةٍ ، واحتجُّ بعضُهم على تأويله هذا بما
ذكره أبو داودَ (٢)، قال: حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنَا أَبَانٌ، قال:
القبس
ورأى ، أم بقولِ الناسِ وشهادتِهم عندَه؟ وهذا فصلٌ اختلف الناسُ فيه وتَزَّبوا کثیرًا ،
فإن وافَقْنا(٣) أنفسَنا على النظَرِ، فالظاهرُ أنه عمِلَ بشهادتهم. وكذلك (٤رُویَ عن
مالكِ رضِى اللَّهُ عنه فى مثلِ هذه النازلةِ. وإن اسْتَقْرَيْنَاء) الأثَرَ، فقد روى أبو داودَ فى
(سننِهِ)) (٥) فى هذا الحديثِ بعينه: فلم يَرْجِعْ رسولُ اللَّهِ وَلِّ حتى يَقَّتَه اللَّهُ.
وأمَّا حديثُ عِمرانَ، فهو نظيرُ حديثٍ ذى اليَدَينِ فى النُّقْصانِ، والسؤالِ،
والرجوعِ، والعملِ فى السجودٍ .
وأما حديثُ ابن مسعودٍ: فتوشْوَش(٦) القومُ. أى اضطَّرَبوا، ورُوِى:
وتَوسوَسوا (٧). أى تَكلَّموا بكلامٍ خَفِىٌّ، وسألهم النبيُّ وَ لِّ فأجابوه(٨) . وليس فيه
زيادةٌ على ما تقدَّم إلا فصلان(٩)؛ أحدُهما: أن ذلك كلَّه كان بعدَ تمامِ الصلاةِ،
(١) يستنكحه: يغلب عليه. ينظر اللسان (ن ك ح).
(٢) أبو داود (١٠٢٩).
(٣) فى ج، م: ((وقفنا)).
(٤ - ٤) غير واضح فى: د، وقرا الأمر واقتراه: تتبعه، وقروتُ البلاد قَرْوًا وقريتها قَرْيًا واقتريتها
واستقريتها، إذا تتبعتها تخرج من أرض إلى أرض. ينظر اللسان ( ق ر و، ق رى ).
(٥) أبو داود (١٠١٢).
(٦) فى ج، م: ((فتشوش)). والوشوشة: كلام مختلط خَفِىٌّ لا يكاد يُفهم. النهاية ١٩٠/٥.
(٧) فى ج، م: ((توشوشوا)).
(٨) بعده فى م: (فيه)) .
(٩) فى م: ((فصلين)).
٥٧١

الموطأ
التمهید
حدَّثنا يحيى بنُ أبى كثيرٍ، عن هلالٍ بن عياضٍ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، أَنَّ
النبىَّ وَ لِّ قال: ((إذا صلَّى أحدُكم فلم يَدْرِ أزاد أم نقَص ، فليسجدْ سجدتين
وهو قاعدٌ ، فإذا أتاه الشيطانُ فقال له: أحدثتَ. فليقُلْ: كَذبتَ. إِلَّا أن يجدَ
ريحًا بأنفِه ، أو صوتًا بأذنه)) .
القبس
بخلافٍ حديث أبى هريرةَ وعمرانَ؛ فإنها كانت مُراجَعَةً فى أثناءِ الصلاةِ . وأما
الفصلُ الثانى: فسُجُودُه للركعةِ الزائدةِ كما سجَد فى الحديثَين المتقدِّمَين للسلامِ
الزائد .
وأما حديثُ عبدِ اللَّهِ ابنِ بُحَينةَ، ففيه سُقُوطُ الجَلْسِ الوسطَى، وجَبْرُها
بالسجودِ كما تقدَّم بيانُه، وفيه السجودُ قبلَ السلامِ. وهلهنا احتمالانٍ نشَأُ للعلماءِ منه
نَظَرَانٍ؛ أحدُهما: أن النبىَّ وَِّ تذكَّر هلهنا للنُّقْصانِ مِن قِبَلِ نفسِه فسجَد قبلَ
السلام، وفى تلك الأحاديثِ تذكّر بعدَ السلامِ (١ فسجدَ بعدَ السلامِ()، ولم يرجعٍ
النبىُّ بَّ للجلوسِ(٢)، ويحتمِلُ أن يكونَ تذكَّر وهو قائمٌ بأثَرِ الجلوسِ، ويحتمِلُ أن
يكونَ تذكَّر وهو جالس فى التشهد٣ِ) الآخِرِ، ويحتمِلُ أن يكونَ تذكَّر فيما بينَهما .
وقد روَى المغيرةُ بنُ شعبةً عن النبيِّ وَّةِ: ((مَن نَسِى الجَلْسةَ الوسطَى، فإن تذكّر قبلَ
أن يستوِىَ قائمًا (١ فليرجع إلى الجلوسِ، وإنْ تذكَّر وقد استوى قائمًا١) فلْيَتَمادَ ولا
يرجع))(٤) .
(١ - ١) سقط من: ج، م.
(٢) فى ج، م: ((إلى الجلوس)).
(٣ - ٣) فى ج، م: ((فى الجلوس)).
(٤) تقدم تخريجه ص ٥٣٠، وينظر ص ٥٣٦، ٥٣٧ .
٥٧٢

الموطأ
التمهيد
وروَى هذا الحديثَ عن يحيى بن أبى كثيرٍ جماعةٌ؛ منهم الأوزاعىُ(١)،
وهشامٌ الدَّستُوائيُ(٢)، وعلىُّ بنُ المباركِ(٣)، كلُّهم بمعنَى واحدٍ. قالوا : فهذا أبو
سعيدٍ قد رَوَى فى هذا الحديثِ كما روَى أبو هريرةَ، وحصَل فى ذلك عند أبى
سعيدٍ حديثان ، ومُحالٌ أن يكونَ معناهما واحدًا ، بل لكُلِّ واحدٍ منهما موضعٌ،
القبس
ورُوِى عن ابنِ شهابٍ، أنه قال: كان آخِرُ الأمرّين مِن رسولِ اللهِ وَلَه السُّجُودَ
للسَّهْوِ قبلَ السلامِ، فأخَذ به الشافعىُّ فى كلِّ حالٍ، وقال أبو حنيفةً : الشُّجُودُ
للشّهو(٤) كلِّه بعدَ السلامِ؛ لأنه إن سجَد قبلَ السلامِ، لم يأْمَنْ أَن يَعْتِيَّه بعدَ ذلك
سهوّ(٥). ونظَر مالكٌ رضِى اللَّهُ عنه بصادقٍ بصيرته إلى اختلافِ الحالَين، وهى الزيادةُ
والنّقْصانُ، فجعَلهما نازلتَين، وأَقَوّ كلَّ واحدةٍ(٦) منهما فى نصابها ، والذى مالَ إليه
الشافعىُّ لا يُشْبِهُ مرتبته فى الأصولٍ؛ لأن حديثَ عبدِ اللَّهِ ابنِ ثُحَينةَ إن كان آخِرَ
الأحاديثِ، فلا يجوزُ أن يكونَ ناسخًا؛ لما بَيْنَّا؛ لأن مِن شرطِ النسخِ التَّماتُلَ فِى
الفعلِ، والتَّضَادَّ بتَعذُّرِ الجمع، وحديثُ عبدِ اللَّهِ ابنِ بُحَينةَ نُقْصانُ فعلٍ، وسائرُ
الأحاديثِ زيادةُ قولٍ، فكيف يَصِحُ أن يقالَ: إن أحدَهما رفعٌ للآخرِ (٢). والجمعُ
بينَهما ممکنٌ ؟
(١) أخرجه النسائى فى الكبرى (٥٨٨، ٥٨٩) من طريق الأوزاعى به .
(٢) تقدم تخريجه ص ٥١١ .
(٣) أخرجه أحمد ٧٨/١٨ (١١٥١٣)، وأبو يعلى (١١٤١)، وابن خزيمة (٢٩) من طريق على بن
المبارك به .
(٤) سقط من : ج .
(٥) فى م: ((السهو)).
(٦) فى م: ((واحد )).
(٧) فى ج، م: ((الآخر)).
٥٧٣

الموطأ
التمهيد
وهو مِثلُ ما ذكرنا مِن أنَّ هذا فى الذى يعتريه الشَّكُّ دائمًا لا ينفكُّ عنه قد
اسْتَنْكَحَه، ومع ذلك فإنَّه قد أتمَّ فى أغلبٍ ظَنِّه عندَ نفسِه، والحديثُ الآخرُ على
مَن لم يَدرِ أزاد أم نقَص ، فيلزمُه ألَّ يخرجَ مِن صلاتِه إلّ بيقينٍ مِن تمامِه، وهكذا
فشّر اللَّيثُ بنُ سعدٍ حديثَ أبى هريرةَ، وحكى ذلك عنه ابنُ وهبٍ ، وهو قولُ
القبس
وأما حديثُ أبى هريرةَ، فاختلَف العلماءُ فيه؛ فمنهم من قال: هو تَقَصّ(١) لِما
تقدَّم مِن الأحاديثِ وتمامٌ له ؛ فتارةً رُوِى مضافًا، وتارةً رُوِى مفصولاً . وقال آخرون :
بل هو حدیثٌ بينَّ فيه حكمًا آخر؛ وهو الرجلُ الذى تَكْثُر علیه الوَهْمُ فی صلاته، وقد
غَلَب عليه غَلَبةٌ(٢) لا يُمْكِنُه الاخْتِرازُ منه، فهذا يُلقِيه(٣) ويسجُدُ سجدتَين بعدَ السلامِ.
وبذلك أفتَى(٤) القاسمُ بنُ محمدٍ مَن(٥) سألَه. ورُوِى عن مالكِ رضِى اللَّهُ عنه، أنه قال
به .
وأما السّْدتانِ اللَّتان قال: هما تَرغيمتانِ(٦) للشيطان. فإن معنى ذلك : أن
الشيطانَ أراد أن يَنْقُصَ مِن صلاتِه و(٧) يُفْسِدَها عليه بإدخالٍ ما ليس منها فيها،
فيسجُدُ العبدُ حينئذٍ إِخْزاءً له؛ لقولِ النبيِّ نَّهِ: ((إذا سجد ابنُ آدمَ اعْتَزَلَ الشيطانُ
يَتْكِى، يقولُ: يَا وَيْلَناه، أُمِر ابنُ آدمَ بالسجودِ فسجَد فله الجنةُ، وأُمِرتُ بالسجودِ
(١) فى د: ((بعض))، وفى ج: ((نقص))، وفى م: ((نقض)). المثبت ما يقتضيه السياق .
(٢) سقط من: م.
(٣) فى ج: ((يلغيه))، وفى م: « يغلبه)).
(٤) بعده فى ج: ((ابن)).
(٥) فى ج، م: ((لمن)).
(٦) فى م: ((ترغيم)).
(٧) فى ج، م: ((أو)).
٥٧٤
:

الموطأ
التمهيد
ابنِ وهپ ایضًا ، وقول مالك فیما ذكره عِیسی بنُ دینارٍ فى كتاب الصلاة عن ابنِ
القاسم ، عن مالك ، قال : فإذا كثُر السَّهُ على الرجل ، ولزمه ذلك ، ولا يدرِى
أسّهَا أم لا ، سجَد سجدتى السَّهوِ بعدَ السَّلامِ. ثم قيل لابنِ القاسم: أرأيتَ
رجلا سهَا فى صلاتِهِ ثم نَسِى سَهْوَه فلا يَدْرِى أقبْلَ السَّلامِ أم بعدَه؟ قال: يسجدُ
القبس
فَأَبَيْثُ فلِيَ النارُ))(١).
وعلى هذه الأحاديثِ تَنْبَنى مسائلُ السَّهْوِ جميعُها تأصيلاً وتفصيلاً، تَفْرِيعًا
وتعليلاً، وقد أشَرْنا إلى (٢ مجمَلٍ مِن٢) ذلك فى ((شرحِ الصحيحِ)) فلْيُنْظَرْ فيه ، فإن هذه
العُجالةَ لا تَقْتَضِيه، فقد تَيَّ فى هذه الأحاديثِ أن سجودَ السَّهْوِ بتَكْبِيرِ وسَلامٍ ولم
يَذْكُوْلها(٢) تَشَهّدًا. واختلف علماؤنا فيه، والصحيحُ سقوطُه كما بيَّنَّه فى موضعِه،
وتقدّم ژُروده فى هذه الأحاديثِ .
وأما الطهارةُ فواجبةٌ لها (٤) قبلَ السلام(٥) إجماعًا؛ لأنها (٦) مِن جملةِ الصلاةِ،
وهِى أيضًا مُفْتَقِرةٌ إلى الطهارةِ فى الصحيحِ مِن المذهبِ ، وإن كانت بعدَ السلامِ؛
لأنها ركنٌ مِن أركانِ الصلاةِ، فافتقَرت إلى الطهارةِ كالركوع والسجودِ (٧). فإن
(١) مسلم (٨١)، وابن ماجه (١٠٥٢).
(٢ - ٢) فى د: ((عمل)).
(٣) فى م: ((لهما)).
(٤) فى د: ((لهما)).
(٥) فى ج، م: ((الصلاة)).
(٦) فى د: ((لأنهما)).
(٧) فى د، ج، م: ((الجلوس)). والمثبت من حاشية د.
٥٧٥

الموطأ
التمهيد
قبلَ السَّلامِ أو بعده . وقال أبو مصعبٍ : من استنكحه السّهؤُ فليلة عنه وليدَغْه ،
ولو سجَد بعدَ السلام كان حسنًا . واختلف القائلون فى تأويلِ هذا الحديثِ
القولَ الآخَرَ فى سجودِ هذا المُستنكَح الذى هو فى أكثرٍ ظنِّه قد أتمَّ صلاتَه، متى
يكونُ سجودُه؟ فقال منهم قومٌ: يكونُ سجودُه قبلَ السَّلامِ. وهو مذهبُ
الشَّافعىِّ، ولا حرجَ فيه عندَ مالكِ وأصحابِهِ إِنْ فعَله قبلَ السلامِ، والذى
يستحِبُّونه بعدَ السلامِ فى ذلك، واحتجَّ قائلو هذا القول بأنَّ ذلك
منصوصٌ فى حديث أبى هريرةَ هذا، كذا روَاه محمدُ بنُّ إسحاقَ
ومحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مسلم ابنُ أخى الزُّهرىِّ، جميعًا عن الزُّهرىِّ بهذا
الإسنادٍ، عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ، قالا فيه: ((فلْيسجُدْ سجدتين
وهو جالسٌ))(١). وهو قولٌ مُجملٌ مُحتمِلٌ للتَّأويلِ، لكنَّه قد تَبَينَّ(٢) فى
رواية ابنِ أخى الزُّهرىِّ وابنٍ إسحاقَ، عن ابنِ شهابٍ. قالوا: هذا على
أنَّ الأغلبَ فى ظاهرٍ حديثٍ مالكِ أنَّهما قبلَ السَّلامِ. وقال أبو داودَ(٣):
القبس
قيل : لو كانت مِن أركانِ الصلاةِ ما فُعِلت بعدَ تَمامِها . قلنا : وإن فُعِلت بعدَ تمامِها فهى
مِن تمامِها . فإن قيل: لو كانت مِن تمامِها لفسَدَت الصلاةُ بتَوْكِها . قلنا : ليس كلُّ ما
كان مِن تمامِ الصلاةِ تَفْسُدُ بتَزْكِه، كهيئةٍ الجلوسِ(٤) والقراءةِ والقيامِ مع السورة.
(١) أخرجه أبو داود (١٠٣٢)، وابن ماجه (١٢١٦)، والبيهقى ٣٣٩/٢ من طريق ابن إسحاق به،
وفيه: ((فليسجد سجدتين قبل أن يسلم ثم ليسلم)). وأخرجه أبو داود (١٠٣١) - ومن طريقه
البيهقى ٣٣٩/٢ - من طريق ابن أخى الزهرى به، وفيه: ((وهو جالس قبل التسليم)).
(٢) فی م: (یتبین)).
(٣) ينظر سنن أبى داود ٢٧١/١ عقب الحديث (١٠٣٠).
(٤) فى د: ((السجود)). وكتب فى الحاشية: فى نسخة الجلوس.
٥٧٦

الموطأ
رواه ابنُ عيينةً(١)، ومعمرٌ(٢)، واللَّيتُ(٣) - كما رواه مالكٌ؛ لم يقولوا: قبلَ التمهيد
التَّسلیم .
قال أبو عمرَ : وقال آخرون فى هذا الموضع: بل يسجدُهما بعدَ السلامِ ،
ومَّن قال ذلك مالكٌ رحِمه اللهُ، وحُجَّةُ مَن قال ذلك أنَّ عبدَ اللهِ بنَ جعفرٍ روَى
عن النبيِّ وَ لَ أَنَّه قال: ((من شَكَّ فى صلاتِه فليسجدْ سجدتين بعدَما يُسلِّمُ )).
روَاه ابنُ جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ مُسافعٍ، عن مصعبِ بنِ شيبةً، عن عتبةً(٤) بن
محمدِ بنِ الحارثِ ، عن عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ(٥). قالوا: فهذا الحديثُ أولى ؛ لأَنَّه
مُفسّرٌ. قالوا : وحديثُ أبى هريرةَ ليس بحجةٍ على الذين لم يذكروه . وكُلُّ ما
ذكَرْنا قد قالته العلماءُ على ما وصَفْنا، والقولُ فى حديثِ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ هذا
كالقولٍ فى حديثٍ أبى هريرةَ هذا سواءً ، وباللهِ توفيقُنا. وإسنادُ أبى هريرةَ أثبتُ
عندَ أهلِ النَّقلِ ، وهو أولَى ما قيلَ فى هذا البابِ ، والأمرُ فيه متقاربٌ، واللهُ الموفِّقُ
للصَّوابِ .
القبس
(١) أخرجه الحميدى (٩٤٧)، وأحمد ٢٣٢/١٢ (٧٢٨٦)، ومسلم ٣٩٨/١ (٨٢/٣٨٩)، وأبو
يعلى (٥٩٥٨)، وابن خزيمة (١٠٢٠) من طريق ابن عيينة به.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٣٤٦٥)، وأحمد ٢١٢/١٣ (٧٨٠٣)، وابن المنذر فى الأوسط (١٦٥١)
من طريق معمر به .
(٣) أخرجه مسلم ٣٩٨/١ (٨٢/٣٨٩)، والترمذى (٣٩٧)، وأبو عوانة (١٩٠١)، والبيهقى
٣٣٩/٢ من طريق الليث به .
(٤) وقيل: عقبة. ينظر تهذيب الكمال ٣٢١/١٩، ومصادر التخريج الآتية .
(٥) أخرجه أحمد ٣/ ٢٨٠، ٢٨٥ (١٧٥٢، ١٧٦١)، وأبو داود (١٠٣٣)، والنسائى (١٢٤٩،
١٢٥٠) من طريق ابن جريج به .
٥٧٧
(موسوعة شروح الموطأ ٣٧/٤)

٢٢٢ - وحدَّثنى عن مالكِ، أنه بلغَه، أن رسولَ اللهِ مَلِّ قال:
الموطأ
(إِنِّى لِأَنسَى - أو أُنَشَّى - لأَسُنَّ)) .
مالكٌ أنه بلغه أن رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((إنى لأَنْسَى - أو أُنَّشَى -
لأَسُنَّ))(١).
التمهید
أما هذا الحديثُ بهذا اللفظِ فلا أعلمُه يُروَى عن النبيِّ وَّهِ بوجهٍ مِن الوجوهِ
مسندًا ولا مقطوعًا مِن غيرِ هذا الوجهِ ، واللهُ أعلمُ ، وهو أحدُ الأحاديثِ الأربعةِ
فى ((الموطأُ)) التى لا توجدُ فى غيرِهِ مسندةً ولا مرسلَةٌ، واللهُ أعلمُ،
ومعناه صحيح فى الأصولِ، وقد مضَت آثارٌ فى بابِ نومِه عن الصلاةِ
تَدُلُّ على هذا المعنى، نحوَ قولِهِ وَلِّ: ((إن اللهَ قبَض أرواحنا لتكونَ سُنَّةٌ
لمّن بعدَكم))(٢) .
وقال ◌َله: ((إنما أنا بَشَرَّ أَنسَى كما تنْسَون)). ويُعِث ◌َّهِ مُعلِّمًا، فما سَنَّ
لنا اتَّبَعْناه، وقد بلَّغ ما أُمِر به، ولم يَتوفَّاه(٣) اللهُ حتى أُكمَل دينَه سُننًا وفرائضَ.
والحمدُ للهِ .
حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أبو الطَّيِّبِ وجيهُ بنُ الحسنِ بنِ
يوسفَ، قال: حدَّثنا أبو بكرةَ بَكَّارُ بنُ قتيبةَ القاضى، قال: حدَّثنا أبو داودَ
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٩٧٠)، وبرواية أبى مصعب (٤٨٩). وعند محمد بن الحسن :
أخبرنى مخبر .
(٢) ينظر ما تقدم فى ٢٤٣/٢
(٣) كذا فى النسخ، وهى لغة. ينظر النحو الوافى ١٨٥/١.
٥٧٨

٢٢٣ - وحدَّثنى عن مالك، أنه بلَغه، أن رجلاً سأل [٣٧ظ] القاسمَ الموطأ
ابنَّ محمدٍ فقال : إِنِى أَهِمُ فى صلاتى، فيَكْثُرُ ذلك علىَّ. فقال القاسمُ
ابنُ محمدٍ: امْضٍ فى صلاتِك، فإنه لن يذهَبَ عنك حتى تنصرِفَ
وأنت تقولُ : ما أتَمتُ صلاتى .
الطيالسىُّ، حدَّثنا أبو بكرِ النَّهْشَلُّ، حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ بنِ يزيدَ، عن التمهيد
أبيهِ، عن عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ وَّهِصلَّى الظهر أو العصرَ، شَكَّ أبو بكرٍ لا
يَدْرِى أيَّهما، قال عبدُ الرحمنِ - وقد سمّاها عبدُ الرحمنِ -: فصلَّى خمسًا،
فقيل: يا رسولَ اللهِ ، أَزيدَ فى الصلاةِ؟ قال: ((وما ذاك؟)). قالوا: صلَّيتَ
خمسًا. فقال رسولُ اللهِ وَ له: ((إنما أنا بشرٌ مِثلُكم، أذكرُ كما تذكُرون،
وأنسَى كما تنْسَون)). (١ فلما فرَغ سجَد سجدتي السهوِ) .
أردف مالكٌ حديثَه المسندَ فى هذا البابِ بما بلغه عن القاسم بن محمدٍ ، أن رجلاً الاستذكار
سألَه فقال: إنى أَهِمُ فى صلاتى، فيكثرُ ذلك علىَّ. فقال القاسمُ: امضٍ فى
صلاتِك؛ فإنه لن يذهبَ عنك حتى تنصرِفَ وأنت تقولُ: ما أتممتُ صلاتى(٢).
قال أبو عمرَ: هذا عندى فيمن يغلبُ عليه أنه يعترِيَه ذلك مع إتمامٍ صلاتِهِ ،
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، ر، ر١، م.
والحديث أخرجه أحمد ٩٠/٧ (٣٩٨٣)، ومسلم (٩٣/٥٧٢)، والنسائى (١٢٥٨) من طريق
أبى بكر النهشلى به .
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٤٩١) .
٥٧٩

الموطأ
الاستذكار وأن تلك الوسوسةً قد علِيمٍ مِن نفسِه فيها أنها تَعْتِيه ، وقد أكمل ما عليه مِن العملِ
فى الأغلبِ ، وأنه لا ينفكُّ منها، والأغلبُ عندَه أنها وسوسةٌ تنوُّه مع حالِه
تلك، ولم يكنْ يعرفُ مِن نفسِه قبلَ أن يعتريَه ذلك إلا الإتمامَ، واللهُ أعلمُ. وأما
من کان الأغلبُ علیه أنه لم یکملْ صلاته، فالحكمُ فیه أن یینی علی یقینِه ، فإن
اعْتَراه ذلك فيما يبنى أيضًا لها عنه، على ما جاء عن القاسم بنِ محمدٍ وغيرِه.
واللهُ أعلمُ .
ويدلّك على أن حديثَ هذا البابِ غيرُ حديثِ البناءِ على اليقينِ ، أن أبا سعيدٍ
الخدرىَّ هو الذى روى فيمَن لم يدرِ أثلاثًا صلَّى أم أربعًا، أن يصلىَ ركعةً ،
وهو (١) البناءُ على اليقينِ، فى أصلِ فرضِه، أَلَّا يخرجَ عنه إلا بيقين.
وقد ذكرنا فى الباب قبلَ هذا عندَ ذکرٍ حدیث مالك ، عن زيد بن أسلم فی
البناءِ على اليقينِ مَن قال مِن العلماءِ بالتحرِّى فى معنى ذلك الحديثِ أيضًا،
فأغنى ذلك عن ذکرِه ههنا .
وقد رَوى أبو سعيدٍ هذا(٢) عن النبيِّ وَلِهِ، أنه قال: ((إذا صلَّى أحدُ كم فلم
يَذْرِ أزاد أم نقص؟ فليسجد سجدتين وهو قاعدٌ ، فإذا أتاه الشيطانُ فقال : إنك قد
أحدثتَ . فليقلْ: كذبتَ . إلا أن يجدَ ريحًا بأنفِه أو يَسمعَ(٣) صوتًا بأذنِه)).
القبس
(١) بعده فى م: ((على)).
(٢) سقط من: م.
(٣) سقط من: ص، م.
٥٨٠