Indexed OCR Text

Pages 461-480

الموطأ
التمهيد
أصحابه یوم ذِی الیدین .
قال أبو عمرَ : فكانوا يُفرّقُون فى هذه المسألةِ بينَ الجماعةِ وبينَ المنفردِ،
فيُجيزون من الكلامِ فى شأنِ الصلاةِ للإمامِ ومَن معه ما لا يُجيزونه للمنفرد .
وكان غيرُ هؤلاءِ منهم يَحمِلون جوابَ ابنِ القاسمِ فى المنفردٍ فى هذه
المسألةِ ، على خلافٍ من قولِه فى استعمالِ حديثٍ ذِى اليدين، كما اختلف قولُ
مالكٍ فى ذلك، ويَذهبون إلى جوازٍ الكلامِ فى إصلاحِ الصلاةِ للمنفردٍ
والجماعةِ، ويقولون: لا فرقَ بينَ أن يُكلِّمَ الرجلُ فى إصلاح الصلاةِ مَن معه
فیھا ، وبينَ أن يُكلِّم من ليس معه فيها ، إذا كان ذلك فى شأنٍ إصلاحها وعملها ،
کما أنّه لا فرق بين أن يُکلِّمَ رجلٌ(١) من معه فیها ومن ليس معه فیها بكلام فی غیرِ
إصلاحها، فى أنَّ ذلك يُفسِدُها. قالوا: وإذا كانت العِلَّةُ شأنَ إصلاحِ الصلاةِ،
فالمنفردُ قد شمِلتْه تلكَ العِلَّةُ، فلا يَخرُجُ عنها. قالوا: وقد تكلّم النبيُّ وَلَهـ
وأصحابُه يومَ ذِى اليدين فى شأنِ الصلاةِ، وبنَوا على ما صلَّوا، ولو كان
بينَ المنفردِ والجماعةِ فرقٌ لِبَيْتَه رسولُ اللهِ وَّهِ، ولقال: إنما هذا لمن كان
مع إمامِه خاصةً دونَ المنفردِ. ولما سكَت عن ذلك لو اختلف محُكمُّه.
واللهُ أعلم .
قال أبو عمرَ: من حُجَّةٍ مَن ذهَب إلى الوجهِ الأولِ ، ممن يقولُ بقولِ ابنِ
القاسم فى هذا البابٍ ، أنَّ النهى عن الكلام فى الصلاة على ما ورد فى حديثٍ
القبس
(١) بعده فى الأصل: ((فى إصلاح)).
٤٦١

الموطأ
التمهيد ابن مسعودٍ (١) وغيرِهِ، إنما خُرِّجَ على ردِّ السلامِ فى الصلاةِ، وعلى مُجاوبةٍ مَن
جاءَ فسألَ: بكمْ سُبِقَ من الصلاةِ؟ وعلى مَن عرَضَتْ له حاجةٌ فأمَر بها وهو فى
صلاةٍ، وقد كان فی مندوحةٍ عن ذلك حتى يفرغ من صلاته، فعلى هذا ◌ُرِّجَ
النھئ عن الكلام فى الصلاة وجاءً خبرُ ذِی الیدین بجوازِ الكلامِ فى إصلاحٍ
الصلاةِ إذا لم يُوجدْ بُدٌّ من الكلام، فوجَب استعمالُ الأخبارِ كلِّها، وإلَّا يَسقُطُ
بعضُها ببعضٍ، ولا سبيلَ إلى ذلك إلّ بهذا (٢) التخريج والتوجيهِ، واللهُ أعلمُ .
وهذا ليس للمنفردٍ ؛ لأنَّ المنفردَ قد أُمرَ بالبناءِ على يقينه ، فكان له فى ذلك
مندوحةٌ عن الكلام ؛ لأنَّ الكلامَ إِنما جازَ فيما لا يُوجَدُ منه مندوحةٌ ، واللهُ أعلمُ .
فهذا ما لمالكِ وأصحابِهِ فى روايةِ ابنِ القاسمِ وغيرِه فى مسألةِ ذِی اليدين .
وأمَّا سائرُ العلماءِ فنحنُ نذكرُ ما صحَّ فى ذلك عندَنا عنهم أيضًا بعونِ اللهِ .
أَمَّا أحمدُ بنُ حنبلِ فذكَر الأَثْرِمُ عنه أنَّه قال: ما تكلّم به الإنسانُ فى صلاتِه
لإصلاحھا لم تَفسُدْ علیه صلاته، فإن تكلّم بغير ذلك فسدتْ علیه . وقال فى
موضعٍ آخرَ : سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلِ يقولُ فى قصةِ ذِى اليدين : إنما تكلّم
ذُو اليدين وهو يرى أنَّ الصلاةَ قد قَصُرَتْ، وتكلُّم النبىُ عليه السلامُ وهو دافعٌ
لقولٍ ذِى اليدين، فكلَّم القومَ فأجابوه؛ لأنّه كان عليهم أن يُجُوه .
وذكر الخرقِىُّ أنَّ مذهبَ أحمدَ بنِ حنبلٍ فيمن تكلّم عامدًا أو ساهيًا بطَلَتْ
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٤٦٨ - ٤٧٠ .
(٢) فى ق: ((على)).
٤٦٢
.

الموطأ
التمهید
صلاتُه، إِلَّ الإمامَ خاصةً ، فإنَّه إذا تكلَّمَ لمصلحةٍ صلاتِه لم تَبطُلْ صلاتُه.
وأمّ الأوزاعىُّ فمذهبه جوازُ الكلام فى الصلاةِ فى كُلِّ ما يَحتاجُ إليه المصلِّى
مما يُعذرُ فيه، قال الأوزاعِىُّ: لو أنَّ رجلًا قال الإمامِ جهَر بالقراءةِ فى العصرِ: إِنَّها
العصرُ. لم يكنْ عليه شىء. قال: ولو نظَر إلى غُلام يريدُ أن يَسقُطَ فى بثٍ فصاح
به، أو انصرف إليه، أو جبَذه(١)، لم يكنْ بذلك بأسٌ.
وأمَّا الشافعىُّ فقال: لا يَشُكُ مُسلمٌ أنَّ النبي (ێ لم يَنصرِفْ إلّ وهو يرَى
أنْ قد أكمل الصلاةَ، وظنَّ ذُو اليدين أنَّ الصلاةَ قد قَصُرَتْ بحادثٍ من اللهِ،
ولم يَقبَلْ رسولُ اللهِ وَِّ مِن ذى اليدين إِذْ سألَ غيرَه، ولمَّا سألَ غيرَه، احتمَلَ أن
یکون سألَ من لم يسمع كلامه، فیکونون مثله - یعنی مثلَ ذی الیدین -
واحتمل أن يكونَ سألَ مَن سمِع كلامَه ولم يَسمع النِبِىِّ بَّهِ(٢) ردَّ عليه، فلمَّا لم
يَسمعِ النبىَّ عليه السلامُ(٢) ردَّ عليه، كان فى معنَی ذی اليدين ؛ من أنّه لم يدرِ
أَقَصُرَتِ الصلاةُ أم نسِىَ رسولُ اللهِ؟ فأجابَه ومعنَاه معنَى ذى اليدين، مع أنَّ
الفرضَ عليهم جوابُه، ألا ترَى أنَّ النبيَّ ◌َلِّ لَّ أخبَرُوه فقبِل قولَهم لم يَتَكلَّمْ ولم
يَتَكلَّموا حتى بنَوْا على صلاتِهم. قال: فلمَّا قُبضَ رسولُ اللهِ وَّهِ تناهَتٍ
الفرائضُ ؛ فلا ◌ُزادُ فيها ولا ◌ُنقَصُ منها أبدًا . قال : فهذا فرقُ ما بيننا وبينَه إذا كان
أحدُنا إمامًا اليومَ .
القبس
*
(١) فى ق: ((نتره)).
(٢) بعده فى الأصل، م: ((من).
(٣) بعده فى م: ((من)).
٤٦٣

الموطأ
التمهید
قال أبو عمرَ: فالذى حصل عليه قولُ مالك وأصحابِهِ، والشافعىِّ
وأصحابِه، فى هذه المسألةِ، مَمَّا لا يَختلفون فيه، أنَّ الكلامَ والسلامَ ساهيًا فى
الصلاةِ لا يُفسِدُها ، ولا يَقدَحُ فى شىءٍ منها ، وتُجْزِئُ منه سجدتًا السهوِ ، ولیستا
ههُنا بواجبةٍ فرضًا، عندَ واحدٍ منهم، ومَن نسِيَهما ولم يسجُدْهما لم يضرّه،
ويسجُدُهما عندَ مالكِ وأصحابِه متى ما ذكَر ، وإنما الخلافُ بينَ مالك والشافعيِّ
أنَّ مالكًا يقولُ: لا يُفسِدُ الصلاةَ تَعَمَّدُ الكلام فيها إذا كان فى إصلاحِها
وشأيِها . وهو قولُ ربيعةَ، وابنِ القاسمِ، إلَّا ما رُوىَ عنه فى المنفردِ .
وقال الشافعىُّ وأصحابُه ومن تابعَهم من أصحابٍ مالكِ وغيرِهم: إنَّه إن
تعمَّدَ الكلامَ، وهو يَعلمُ أَنَّه لم يُمَّ الصلاةَ وأَنَّه فيها، أفسد صلاتَه، وإنْ
تكلَّم (١ ساهيًا، أو تكلّم١) وهو يَظنُّ أَنَّه ليس فى صلاةٍ - لأَنَّه قد أكمَلها عندَ
نفسِه - فهذا يَينى، ولا يُفسِدُ عليه كلامُه هذا صلاتَه .
وأجمع المسلمون طُرّا أنَّ الكلامَ عامدًا فى الصلاةِ إذا كان المصلِّى يعلمُ أنَّه
فى صلاةٍ، ولم يكن ذلك فى إصلاح صلاتِه - يُفسِدُ الصلاةَ، إلَّا ما رُوىَ عن
الأوزاعىِّ أنَّه مَن تكلَّم لإحياءِ نفسٍ ، أو مثلٍ ذلك من الأمورِ الجسامِ ، لم تَفشُدْ
بذلك صلاتُه، وهو قولٌ ضعيفٌ فى النَّظَرِ؛ لقولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ
قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٨].
قال زيدُ بنُ أرقمَ: كُنَّا نتكلمُ فى الصلاةِ حتى نزِلَتْ: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ
القبس
(١ - ١) سقط من: ق .
٤٦٤

الموطأ
قَانِتِينَ﴾. فأَمِرْنا بالسكُوتِ ونُهِينَا عنِ الكلام(١). وقال ابنُ مسعودٍ: سمِعْتُ التمهيد
رسولَ اللهِ وَ له يقولُ: ((إنَّ اللهَ قدْ أحدث من أمرِهِ أَلَّا تَكَلَّمُوا فى الصلاةِ))(٢).
وقال مُعاويةُ بنُ الحكم: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَ لِّ يقولُ: ((إِنَّ صلاتنا هذه لا
يَصلُحُ فيها شىءٌ منْ كلامِ الناسِ))(٣). وليس الحادثُ الجسيمُ الذى(٤)
يَجِبُ له قطعُ الصلاةِ، ومِن أجلِه يُمنَعُ منَ الاستئنافِ، فمن قطَع صلاتَه لِمِا
يرَّه من الفضلِ فى إحياءِ نفسٍ، أو ما كان بسبيلٍ(*) ذلك، استأَنَفَ صلاته
ولم بينٍ. هذا هو الصحيحُ إن شاء اللهُ. وأجمعوا على (٦) أنَّ السلامَ فيها
عامدًا قبلَ تمامِها يُفسِدُها .
قال أبو عمرَ : وأما العراقيون ؛ أبو حنيفةً وأصحابُه، والثورِىُّ، فذهبوا إلى
أنَّ الكلامَ فى الصلاةِ يُفسِدُها، على أىِّ حالٍ كان؛ سهوًا أو عمدًا، لصلاح
الصلاةِ كان أو لغيرِ ذلك .
واختلَف أصحابُ أبى حنيفةً فى السلام فيها ساهيًا قبلَ إتمامِها؛ فبعضُهم
أفسَد صلاةَ المسَلِّم ساهيًا، وجعَله كالمتكلم ساهيًا، وبعضُهم لم يُفسِدْها
بالسلامِ فيها ساهيًا، وكلّهم يُفسِدُها بالكلامِ ساهيًا وعامدًا، وهو قولُ إبراهيمَ
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٤٧١ .
(٢) سيأتي تخريجه ص ٤٦٨ - ٤٧٠.
(٣) تقدم تخريجه ص ٣٥.
(٤) سقط من: ق .
(٥) فى م: ((يشمل)).
(٦) ليس فى: الأصل، م.
٤٦٥
( موسوعة شروخ الموطأ ٣٠/٤)

الموطأ
النَّخَعَىِّ، وعطاءٍ، والحسنِ، وحمَّادِ بنِ أبى سُليمانَ، وقتادةَ(١) .
التمهيد
وزعَم أصحابُ أبى حنيفةَ أنَّ حديثَ أبى هريرةَ هذا فى قصة ذى اليدين
منسوخٌ بحديث ابن مسعودٍ وحدیث زیدِ بنِ أرقم اللذين ذکونا . قالوا : وفى
حديثٍ ابنٍ مسعودٍ بيانُ أَنَّ الكلامَ كان مُباحًا فى الصلاةِ ثم نُسِخَ . قالوا :
فحديثُ ابنٍ مسعودٍ ناسخٌ لحديثِ أبى هريرةً فى قصةِ ذِی الیدینِ. قالوا : وإن
كان أبو هريرةَ مُتَأُخرَ الإسلامِ فإِنَّه أرسَل حديثَ ذِى اليدينِ كما أرسَل حديثَ :
((منْ أدركَهُ الفجرُ بجنبًا فلا صومَ له))(٢)، ثم أضافَه إلى مَن حدَّثَه به إذ سُئلَ عنه .
قالوا: وكان كثيرَ الإرسالِ، وجائزٌ للصاحبِ إذا أخبرَه الصاحبُ(٣) بشىءٍ أن
يُحدِّثَ به عن رسولِ اللهِ وَّلَإذا لم يقلْ: سمعتُ. أَلَا تَى أن ابنَ عباسٍ حدَّث
عن رسولِ اللهِ وَّه بما لا يَكادُ يُحصَى كثرةً من الحديثِ، ومعلومٌ اَنَّه لم يسمع
منه إلا أحاديثَ يسيرةً؟ وقالوا: أَلَا تَرَى إلى أنسٍ بنِ مالكٍ، يقولُ: ما كُلُّ ما
نُحدِّثْكُم سمِعناه من رسولِ اللهِ وَّهِ، ولكنْ منه ما سمِعْنا ومنه ما أخبَرَنا
أصحابنا(٤) . وكلُّ حديثِ الصحابةِ مقبولٌ عندَ جماعةِ العلماءِ على كُلِّ حالٍ .
قالوا : فغيرُ نكيرِ أن يُحدِّثَ أبو هريرةَ بقصةِ ذى اليدين وإنْ لم يشهَدْها . قالوا :
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٣٥٦٦، ٣٥٧٠، ٣٥٧١، ٣٥٧٣)، ومصنف ابن أبى شيبة
٢/ ٤٤٢.
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٦٤٨) من الموطأ.
(٣) فى الأصل، م: ((الصحابة)).
(٤) أخرجه الطبرانى (٦٩٩)، والحاكم ٣/ ٥٧٥، والخطيب فى كتاب الجامع (١٠٠).
٤٦٦

الموطأ
ومما يدلُّ على أنَّ حديثَ أبى هريرةَ منسوخٌ أَنَّ ذا اليدين قُتْلَ يومَ بدرٍ لا خلافَ بينَ التمهيد
أهلِ السيرِ فى ذلك . قالوا : فيومُ ذی اليدين ، كان قبلَ يومٍ بدرٍ . واحتَُوا بما رواه
ابنُّ وهب ، عن العُمَرِىِّ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ، أنَّ إسلامَ أبى هريرةَ كان بعدَ
موتٍّ ذِى اليدينِ. قالوا: وهذا الزهرِىُّ مع عليِه بالأثرِ والسّيرِ، وهو الذى لا
نظیر له فى ذلك ، يقولُ : إِنَّ قصةً ذِی الیدین كانت قبلَ بدرٍ . حگاه معمر وغيرُه
عن الزهرىِّ(١)، قال الزهرِىُّ: ثم استحكمَتِ الأمورُ بعدُ. وهو قولُ (٧أبى
معشرٍ؛ أن ذا اليدين قُتِل يومَ بدرٍ . وهو قول٢ُ) ابنِ عمرَ .
(٢قال أبو عمرَ: أما ما ادَّعاه العراقيون من أن حديث أبى هريرةَ منسوخٌ
بحديثٍ ابنٍ مسعودٍ فغيرُ مسَلَّم له ؛ لأنه لا خلافَ بينَ أهلِ الحديثِ ٢) وجماعةٍ
أهلِ السِّيرِ أن(٣) حديثَ ابنِ مسعودٍ كان بمكةً فى حينٍ مُنصَرَفِه من أرضِ الحبشةِ،
وذلك قبل الهجرة ، وأن(٤) حديث أبى هريرةَ کان بالمدينةِ فی قصةِ ذی الیدین،
هذا ما لا يدفعه حاملُ أثرٍ ولا ناقدُ(٥) خبرٍ ، وابن مسعود شهد بعد قدومه من أرض
الحبشةِ بدرًا، وأبو هريرةَ إنما كان إسلامُه عامَ خيبرَ .
قال أبو عمرَ : هو كما قالوا إلَّ أنَّ مَن ذِكَر فى حديثِ ابنِ مسعودٍ أنَّ رسولَ
اللهِ وَّه قال له فى حينِ رُجوعِه من أرضِ الحبشةِ: ((إنَّ اللهَ أحدَثِ الَّ تَكَلَّمُوا فِى
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٣٤٤١).
(٢ - ٢) ليس فى: الأصل، م.
(٣) فى الأصل، م: ((قالوا و)).
(٤) ليس فى: الأصل، م.
(٥) فى الأصل، م: ((ناقل)).
٤٦٧

الموطأ
التمهید
الصلاةِ)). فقد وهِم ولم يَحفَظْ ، ولم يَقُلْ ذلك غيرُ عاصم بنِ أبى النَّجودِ ، وهو
عندهم سمّئُ الحفظ، کثیرُ الخطأ فى الأحاديث ، والصحیحُ فی حدیثِ ابنِ
مسعودٍ أَنَّه لم يكنْ إلَّا بالمدينةِ، وبالمدينةِ نُهىَ عن الكلام فى الصلاةِ، بدليلٍ
حديثِ زيدِ بنِ أرقمَ الأنصارىِّ؛ أنَّهم كانوا يَتَكَلَّمونَ فى الصلاةِ حتى نزَلتْ :
﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ . فَأُمِرُوا بالسكُوتِ فى الصلاةِ، ونُهُوا عنِ الكلامِ فيها .
وقد رُوىَ حديثُ ابن مسعودٍ بما يُوافقُ هذا ولا يدفعُه، وهو الصحيحُ؛
لأَنَّ (١ سورةَ ((البقرةِ))(١) مدنيةٌ، وتحريمُ الكلامِ فى الصلاةِ كان بالمدينةِ .
وأمَّا روايةُ عاصم فى حديثِ ابنِ مسعودٍ ، فأخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال :
حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا
الحميدىُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ أبى النجودِ، عن
أبى وائلٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: كنا نُسلِّمُ على النبيِِّ نَّه فى
الصلاةِ، قبلَ أن نأتّىَ أَرضَ الحبشةِ فيَرُدُّ علينا، فلمَّا رجَعْنا سلَّمْتُ عليه
وهو يُصلِّى، فلم تَرُدَّ علىَّ، فأخَذْنِى ما قَرْبَ وما بَعُدَ، فجلسْتُ حتى
قضَى النبىُِّ نَّهِ الصلاةَ فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، سَلَّمْتُ عليكَ وأنتَ
تُصلِّى فلمْ تَرُدَّ علىَّ؟ فقال: ((إنَّ اللهَ يُحدِثُ من أمرِهِ مَا يشاءُ، وإنَّ ◌ِمَّا
أحدَثَ الَّ تَكَلَّموا فى الصلاةِ))(٢).
قال سُفيانُ : هذا أجودُ ما وجَدْنا عندَ عاصم فى هذا الوجْهِ .
القبس
(١ - ١) فى الأصل، م: ((السورة)).
(٢) الحميدى (٩٤). وأخرجه أحمد ٤٦/٦، ٤٧ (٣٥٧٥)، والنسائى (١٢٢٠) من طريق سفيان به.
٤٦٨

الموطأ
وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرِّفٍ ، قال: التمهيد
حدَّثنا سعيدُ بنُ عُثمانَ الأَعْنَاقِىُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ الأيِىُّ،
قال : حدّثنا سُفیانُ بنُ عُیینةً ، عن عاصم ، عن أبى وائل ، عن عبدِ اللهِ قال : كنا
نُسَلِّمُ على النبيِّ وَّهِ(١ فى الصلاة١ِ) قبلَ أن نأتىَ أَرضَ الحبشةِ. فذكَر مثلَه
سواءً .
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا
إسماعيلُ ابنُ إسحاقَ القاضِى، قال: حدثنا عمرُو بنُ مرزوقٍ ، قال : أخبرنا
شُعبةُ، عن عاصم، عن أبى وائلٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: أتَيْتُ النبىَّ وَله وهو
يُصلِّى فسلمتُ عليه، فلم يَرُدَّ علىَّ، فلمَّا قضَى صلاتَه، قال: ((إنَّ اللهَ يُحدِثُ
النبيِّهِ مَا شَاءَ، وإِنَّ مَمَّا أحدَثَ له ألَّا تَكَلَّمُوا فى الصلاةِ))(٢). فلم يَقُلْ شُعبةُ فى
هذا الحديثِ عن عاصم أنَّ ذلك كان فى حين انصرافٍ ابنٍ مسعودٍ من أرضٍ
الحبشةِ . وقد رُوىَ حديثُ ابنٍ مسعودٍ من غيرِ طريقٍ عاصمٍ، وليسَ فيه المعنَى
الذى ذكّره ابنُ عُيينةَ وغيرُه عن عاصم، بل فيه ما يدلّ على أنَّ معناه ومعنَى
حديث زيد بن أرقم سواءٌ .
أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمد الجهنُّ ، قال : حدثنا حمزةُ بنُ محمد الكنانىُ ،
قال : حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبِ النَّسائِئُّ ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عمَّارٍ
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، ق .
(٢) أخرجه الشاشى (٦٠٥)، والطبرانى (١٠١٢٠) من طريق عمرو بن مرزوق به،
وأخرجه الطيالسى (٢٤٢)، وأحمد ٤٢٤/٧ (٤٤١٧)، والشاشى (٦٠٤) من طريق شعبة به .
٤٦٩

الموطأ
التمهید
الموصلِىُّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى غَنِيَّةً(١) والقاسمُ - يعنى ابنَ يزيدَ الجَزْمِىَّ - عن
سفیان ، عنِ الزییرِ بنِ عدئٍّ، عن كلثوم ، عن عبد الله بن مسعود - وهذا حدیثُ
القاسم - قال: كنتُ آتِى النبىَّ وَِّ، وهو يُصلِّ، فَأُسَلِّمُ عليه، فيُرُدُّ علىَّ،
فأتيتُه ، فسلمتُ عليه وهو يُصلِّى فلم يَؤُدَّ علىَّ شيئًا، فلمَّا سلَّم أشارَ إلى القومِ،
فقال: ((إِنَّ اللهَ أُحدَثَ فِى الصلاةِ ألَّا تَكَلَّمُوا إِلَّا بذكْرِ اللهِ ومَا ينبغِى لكمْ ، وأنْ
تَقوموا لله قانتين)»(٢) .
وأمَّا حديثُ زيدٍ بن أرقمَ، فليسَ فيه بيانُ أَنَّه قَبْلَ حديثٍ أبى هريرةَ ولا
بعدَه ، والنظرُ يشهدُ أنَّه قبلَه إن شاء اللهُ، على ما نُبَيِّنُه فى هذا البابِ .
والحديثُ حدَّثناه محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ
مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ شُعيبٍ ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ(٢) بنُ مسعودٍ ،
قال : حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ ، وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ عبدِ المؤمنِ ، قال :
حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عيسَى،
قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قالا جميعًا : أخبرنا إسماعيلُ بنُ أبى خالدٍ ، قال أحمدُ بنُ
شُعيبٍ فى حديثه: قال: حدَّثنى الحارثُ بنُ شُبَيْلٍ . وقال أبو داودَ فى حديثه :
عن الحارثِ بنِ شُبيلٍ، عن أبى عمرو الشيبانيّ، عن زيدِ بنِ أرقمَ، قال : كان
أحدُنا يُكلِّمُ الرجلَ إلى جنِهِ فى الصلاةِ فنزَلتْ: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَلْنِتِينَ﴾. فَأُمِزْنَا
القبس
(١) فى م: ((عيينة)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠٢/٨.
(٢) النسائى (١٢١٩)، وفى الكبرى (٥٥٨، ١١٤٣).
(٣) سقط من: م.
٤٧٠

الموطأ
بالسكوتِ ونُهِينًا عن الكلام(١) . اللَّفظُ لحديث أبى داود . ففى هذا الحديثِ ،
وحديثٍ ابنٍ مسعودٍ ، دليلٌ على أنَّ المنعَ من الكلام كان بعدَ إِباحتِه فى الصلاةِ،
وأنَّ الكلامَ فيها منسوخٌ بالنهي عنه والمنعِ منه .
التمهيد
وأمَّا قولُهم: إنَّ أبا هريرةَ لم يَشهدْ ذلك لأَنَّه كان قبلَ بدرٍ ، وإسلامُ أبى
هريرةً كان عامَ خيبرَ. فليسَ كما ذكَّروا؛ بلَى(٢) إِنَّ أبا هريرةَ أَسلَم عامَ خيبرَ،
وقدِم المدينةَ فى ذلك العامِ، وصحِب النبىَّ وَلّ نحوَ أربعة أعوامٍ ، ولكنَّه قد
شهِد هذه القصةَ وحضَرها ؛ لأنَّها لم تكنْ قبلَ بدرٍ ، وحضور أبى هريرةً یومَ ذی
اليدين محفوظٌ من روايةِ الحفاظِ الثقَاتِ، وليسَ تقصيرُ مَن قصَّرَ عن ذلك بحجةٍ
على من علِم ذلك وحفِظَه وذكَّره، فهذا مالكُ بنُ أنسٍ قد ذكَر فى ((موظَِّهِ))(٣)
عن داودَ بنِ الحصينِ، عن أبى سفيانَ، مولَى ابن أبى أحمدَ ، قال: سمِعْتُ أبا
هريرةَ يقولُ: صلَّى لنا رسولُ اللهِ وَِّ العصرَ فسلّم فى ركعتينِ . وذكر الحديثَ .
هكذا حدَّثَ به ابنُ القاسمِ(٤)، وابنُ وهبٍ(٥)، وابنُ بُكيرٍ(٦)،
القبس
(١) النسائى (١٢١٨)، وفى الكبرى (١١٤٢). وأخرجه البيهقى فى المعرفة (١١٧١، ١١٧٢) من
طريق محمد بن بكر به ، وهو عند أبى داود (٩٤٩). وأخرجه البخارى (٤٥٣٤)، وابن خزيمة
(٨٥٦، ٨٥٧)، وابن حبان (٢٢٤٦) من طريق يحيى بن سعيد به، وأخرجه مسلم (٥٣٩)،
والترمذى (٤٠٥، ٢٩٨٦) من طريق هشيم به .
(٢) فى ق: ((بل)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٢٠٨).
(٤) ذكره سحنون فى المدونة ١٣٥/١.
(٥) أخرجه ابن وهب فى موطئه (٤٥٥)، وابن خزيمة (١٠٣٧)، والطحاوى فى شرح المعانى ٤٤٥/١
من طريق ابن وهب به .
(٦) أخرجه البيهقى فى السنن الصغرى (٩٢٠) من طريق يحيى بن بكير به .
٤٧١

الموطأ
التمهيد
والقَعْنَبِىُّ (١) ، والشافعىُ(٢) ، وقتيبةُ بنُ سعید(٣)، عن مالك، عن داودَ بالإسنادِ
المذكورِ، ولم يقلْ يحتى: صلَّى لنا. فى حديثٍ مالكٍ عن داودَ هذا، وإنما
قال: صلَّى رسولُ اللهِ وَله. وسقَط أيضًا عن بعضِهم قولُه: لنا . وشهودُ أبی
هريرةَ لذلك، وقولُه: صلَّى لنا رسولُ اللهِ نَّهِ. و: صلَّى بنا رسولُ اللهِ.
و: بينما نحنُ مع رسولِ اللهِ. كُلَّ ذلك فى قصةٍ ذى اليدين، محفوظٌ عندَ
أهلِ الإتقانِ .
أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ
محمد الصائغُ، قال : حدّثنا محمدُ بنُ سابقٍ، قال : حدثنا شيبانُ ، عن يحتی
ابنِ أبى كثيرٍ، عن أبى سلمةَ، عن أبى هريرةَ، قال: بينما أنا مع رسولِ اللهِ وَيقول
فى صلاةِ الظهرِ، فسلّم رسولُ اللهِ وَ لآه من الركعتين، فقامَ رجلٌ من بنی سُليم،
فقال: يا رسولَ اللهِ ، أَقَصُرَتِ الصلاةُ أُمْ نسِيتَ؟ فقال رسولُ اللهِ: ((لم تَقْصُرْ
ولم أَنْسَه)). قال: يا رسولَ اللهِ، إنما صلَّيْتَ ركعتينِ. فقال رسولُ اللهِ: ((أكما
يقولُ ذو اليدين؟)) قالوا: نعم. فصلَّى بهم ركعتين أُخريين. قال يحتى:
وحدَّثنى ضَعْضَهُ بنُّ جَوْسٍ، أَنَّه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: ثم سجد رسولُ اللهِ وَلَه
سجدتين(٤) .
القبس
(١) أخرجه أبو عوانة (١٩١٧)، والبيهقى فى السنن الصغرى (٩٢٠) من طريق القعنبى به.
(٢) الأم ١٢٣/١، ١٩٣/٧.
(٣) سيأتى تخريجه ص ٤٩٢.
(٤) أخرجه البيهقى ٣٥٧/٢ من طريق جعفر بن محمد به، وأخرجه مسلم (١٠٠/٥٧٣)،=
٤٧٢

الموطأ
التمهيد
وذكره أحمدُ بنُ شُعيبٍ(١)، عن إبراهيمَ بنِ يعقوبَ، عن الحسنِ بنِ
موسَى، عن شيبانَ ، بإسنادِهِ مثلَه سواءً .
وحدثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاویةً ، قال: حدَّثنا
الفضلُ بنُ الحُبّابِ القاضِى بالبصرةِ ، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ الطيالسِىُّ ، قال:
حدَّثنِى عكرمةُ بنُ عمارٍ ، قال : حدَّثنِى ضمضمُ بنُ جَوْسِ الهِفَّانِئُّ، قال: قال
أبو هريرةَ: صلَّى بنا رسولُ اللهِ نَّهِإحدَى صلاتي العَشِىِّ. وذكر الحديثَ(٢).
حدَّثنِى محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُطَرّفٍ، قال: حدَّثْنَا
سعيدُ بنُ عُثمانَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ
عُبِينةً ، عن أيوبَ بنِ موسى ، قال: قال مَن سمع أبا هريرةَ يقولُ: صلَّى بنا رسولُ
اللهِ وَ ل﴿ إحدَى صلاتي العشىِّ. وذكر الحديثَ.
وحدَّثنى محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُعاويةً، قال: حدّثنا
أحمدُ بنُ شُعيبٍ ، قال : أخبرنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ ، قال : حدَّثنا یزیدُ بنُ زُریعِ،
قال : حدَّثنا ابنُّ عونٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: قال أبو هريرةَ: صلَّى بنا
رسولُ اللهِ وَّهِ إِحدَى صلاتي العَشِيِّ، قال: قال أبو هريرةَ: ولكنِّ نسِيتُ.
القبس
= والبيهقى ٣٥٧/٢ من طريق شيبان به .
(١) النسائى فى الكبرى (٥٦٢، ٥٧٠).
(٢) أخرجه ابن حبان (٢٦٨٧) عن الفضل بن الحباب به، وأخرجه أبو داود (١٠١٦)، والنسائى
(١٣٢٩) من طريق عكرمة بن عمار به .
٤٧٣

الموطأ
التمهید
قال: فصلَّى بنا ركعتين ثم سلَّم ، فانطلَق إلى خشبةٍ معروضةٍ فى المسجدِ ، فقال
بيدِه عليها كأنَّه غضبانُ، وخرجَتِ السَّرَعَانُ(١) من أبوابِ المسجدِ، فقالوا :
قَصُرتِ (٢) الصلاةُ . وفى القومِ أبو بكرٍ وعمرُ، فهابَا أن يُكلِّمَاه، وفى القوم رجلٌ
فى يدِه طُولٌ، وكان يُسمَّى ذا اليدين، فقال: يا رسولَ اللهِ أَنْسِيتَ أم قَصُرَتِ
الصلاةُ؟ قال: ((لمْ أَنسَ ولمْ تَقْصُرِ الصلاةُ)). قال: ((أكما يقولُ ذو اليدين؟))
قالوا : نعم! فجاءَ فصلَّى الذى كان ترَك، ثم سلَّم، ثم كبّر فسجَد مثلَ سُجودِه،
أو أطولَ ، ثم رفَع رأسَه (" وكب٣ّ)، ثم كبّر فسجَد مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم رفَع
رأسَه فكبّ(٤) .
وأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال : حدثنا محمدُ بنُ بکرٍ ، قال : حدَّثنا أبو
داود ، قال: حدثنا محمدُ بنُ عُبیدٍ ، قال : حدثنا حمادُ بنُ زیدٍ ، عن أيوبَ
السَّخْتِيَانِىٌّ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن أبى هريرةَ، قال: صلَّى بنا رسولُ اللهِ
وَلٌ إِحدَى صلاتي العَشِىِّ؛ الظهر أو العصرَ، قال: فصلَّى بناركعتينِ ثم سلَّم،
القبس
(١) السَّرَعان، بفتح السين والراء: المسرعون إلى الخروج، ونقل القاضى عياض عن بعضهم إسكان
الراء، قال: وضبطه الأصيلى فى البخارى بضم السين وإسكان الراء، والأول هو الصواب . ينظر
صحيح مسلم بشرح النووى ٦٨/٥.
(٢) فى الأصل، م، وإحدى نسخ النسائى: ((أقصرت)).
(٣ - ٣) ليس فى: الأصل، م.
(٤) النسائى (١٢٢٣)، وفى الكبرى (٥٧٤). وأخرجه أحمد ١٣٠/١٢ (٧٢٠١)، والدارمى
(١٥٣٧)، والبخارى (٤٨٢)، وأبو داود (١٠١١)، وابن ماجه (١٢١٤) من طريق ابن عون
به .
٤٧٤

الموطأ
التمهيد
ثم قامَ إلى خشبةٍ فی مُقَدَّمِ المسجدِ ، فوضع يديهِ علیها ، إحداهما على الأخرى ،
وخرَج سَرَعَانُ الناسِ، وقالوا : قَصُرت(١) الصلاةُ، قَصُرت(١) الصلاةُ. وفى
الناسِ أبو بكرٍ وعمرُ، فهابَا أن يُكلِّمَاه، فقامَ رجلٌ، وكان رسولُ اللهِ وَ لَهِ يُّسميه
ذا اليدينِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أنسِيتَ أم قَصُرَتِ الصلاةُ؟ فقال: ((لمْ أنسَ
ولم تَقْصُرِ الصلاةُ)). قال: بل نسِيتَ يا رسولَ اللهِ. فأقبَل رسولُ اللهِ وَ الِ على
القومِ، فقال: ((أصدَق ذو اليدين؟)) فأومَئوا أن نعم . فرجَع رسولُ اللهِ إلى
مَقامِه، فصلَّى الركعتين الباقيتين، ثم سلَّم، ثم كبَر فسجد مثلَ سُجودِه أو
أطولَ، ثم رفَع وكبّر، وسجَد مثلَ سجودِه أو أطولَ، ثم رفع و کبَّر. قال : فقيل
لمحمدٍ : سلَّم فى السهوِ؟ قال: لم أحفظْ من أبى هريرةَ، ولكنْ تُكُنْتُ أنَّ عِمرانَ
ابنَ مُصینٍ ، قال : ثم سلَّم(٢) .
قال أبو داودَ(٣): كلَّ مَن روَى هذا الحديثَ، لم يَقُلْ: فأومَئوا. إلّ حمَّادَ بنَ
زید .
قال أبو عمرَ : وهکذا رواه هشامُ بنُّ حسان، عن محمد بنِ سیرینَ ، عن
أبى هريرةَ، قال: صلَّى بنا رسولُ اللهِ وَلَّ إحدَى صلاتي العَشِىِّ. ثم ذكَر مثلَ
القبس
(١) فى الأصل، م: ((أقصرت)).
(٢) أخرجه البيهقى فى المعرفة (١١٥٦) من طريق محمد بن بكر به ، وهو فى سنن أبى داود
(١٠٠٨)، وأخرجه مسلم (٩٨/٥٧٣)، وأبو داود (١٠١١)، وابن حبان (٢٦٨٨) من طريق
حماد بن زيد به .
(٣) أبو داود عقب (١٠٠٩).
٤٧٥

الموطأ
التمهید
حديثٍ حمادِ بنِ زيدٍ ، عن أيوبَ سواءً، ولم يَقُلْ: فأومَئوا . أخبرنِيه عبدُ اللهِ بنُ
محمدٍ ، قال : أخبرنا عبدُ الحميدِ بنُّ أحمدَ، قال: حدَّثنا الخضِرُ بنُ داودَ ، قال :
حدَّثنا أبو بكرِ الأثرمُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ بكرِ السَّهْمِىُّ، قال: أخبرنا هشامُ
ابنُ حسانَ . فذكره(١).
قال أبو عمرَ: فحصَل محمدُ بنُّ سيرينَ، وأبو سفيانَ مولَى ابنٍ أبى
أحمدَ ، وأبو سلمةً بنُ عبدِ الرحمنِ، وضَعْضَمُ بنُ جُؤْسٍ، کلّھم یروی عن
أبى هريرةَ فى هذا الحديثِ: صلَّى بنا رسولُ اللهِ. وكذلكَ روَاه العلاءُ بنُ عبدِ
الرحمنِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، وابنُ أبى ذئبٍ، عن المقبرىِّ، عن أبى
هريرةَ(٢) ، وقد رُوىَ هذا الحديثُ أيضًا عن محمدِ بنِ سیرینَ، عن رجلٍ من
الصحابة يقال له : أبو الغُریانِ . بمثلٍ حديث أبى هريرةً ومعناه؛ ذكره أبو جعفر
العقيلىُّ، قال : حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدِ بنِ أسباطٍ ، قال : أخبرنا أبو نعيم ، قال :
أخبرنا أبو خَلْدَةَ، قال: سأُلْتُ محمدَ بنَ سيرينَ فقلتُ: أَصلِّى وما أدِى
أركعتين صليْتُ أم أربعًا؟ فقال: حدَّثنى أبو العُريانِ أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ صلَّى
يومًا ودخلَ البيْتَ، وكان فى البيْتِ رجلٌ طويلُ اليدين، وكان رسولُ اللهِ
وَلَّ يُسميه ذا اليدين، فقال ذو اليدين: يا رسولَ اللهِ، أَقَصُرَتِ الصلاةُ أم
القبس
(١) أخرجه أبو داود (١٠١١)، والترمذى (٣٩٤)، والطحاوى فى شرح المعانى ٤٤٤/١ من طريق
هشام به .
(٢) أخرجه أبو داود (١٠١٥)، والطحاوى فى شرح المعانى ٤٤٥/١ من طريق ابن أبى ذئب به،
وذكره أبو داود (١٠١٣) من طريق العلاء به .
٤٧٦

الموطأ
التمهيد
نسِيتَ؟ قال: ((لم تَقْصُرْ ولم أنسَ)). قال: بل نسِيتَ الصلاةَ. قال: فتقدَّمَ
فصلَّى بهم ركعتين، ثم سلَّم، ثم كبَرَ فسجَد مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم كبّر
ورفَع رأسَه، (١ثم كبّر وسجَد مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم كبّر ورفَع رأسَه١) .
ولم يَحْفَظْ لى أحدٌ سلَّم بعدُ أم لا(٢) .
وقد قيلَ : إِنَّ أبا العريانِ المذكورَ فى هذا الحديثِ هو أبو هريرةَ .
وقد روَى قصةً ذى اليدين عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ، ومعاويةُ بنُ حُديج، وعِمرانُ
ابنُ محصينٍ، وابنُّ مَسْعَدَةَ رجلٌ من الصحابةِ ، وكلُّهم لم يَحْفَظْ عنِ النبىِّ عليه
السلامُ، ولا صَحِبّه إلَّا بالمدينةِ متأخرًا .
فأما حديثُ ابنِ عمرَ فذكره أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً(٣)، قال: حدَّثنا أبو أسامةً ،
قال: حدَّثنا عُبيدُ اللهِ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَهِ ، صِلَّى
بالناسٍ ركعتينٍ، فسَهَا ، فسلّم، فقال له رجلٌ يُقالُ له: ذو الیدین. وذكّر
الحدیث .
وأمَّا حدیثُ مُعاویةً بن خديجٍ، فروَاه الليثُ بنُ سعدٍ ، عن يزيد بن أبى
حبيبٍ، أَنَّ سُويدَ بنَ قيسٍ أخبره عن مُعاويةَ بنِ حُديج، أنَّ النبيَّ نَل ◌ِ صِلَّى
يومًا، فسلَّم وانصرَف ، وقد بَقِىَ عليه من الصلاةِ ركعةٌ ، فأدرَكه رجلٌ ، فقال :
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م، ومجمع الزوائد.
(٢) أخرجه الطبرانى ٣٧١/٢٢ (٩٣٠) من طريق أبى نعيم به. وعنده: (( ولم يحفظ محمد سلم
بعد أم لا)).
(٣) ابن أبى شيبة ٣٨/٢.
٤٧٧

الموطأ
التمهيد
نسِيتَ من الصلاةِ ركعةً. فرجَع، فدخَل المسجدَ، وأمَر بلالاً، فأقامَ الصلاةَ،
فصلَّى بالناسِ ركعةً، فأخبرتُ بذلك الناسَ، فقالوا: أتعرِفُ الرجلَ؟
قلتُ : لا، إِلَّ أن أَرَاه، فمرّ بى، فقلْتُ: ها هو هذا. فقالوا: طلحةُ بنُ
عُبيدِ اللهِ (١).
وأمَّا حديثُ عِمرانَ بنِ حُصينٍ، فروَاه شُعبةُ (٢)، وعبدُ الوهابِ الثقفِىُّ(٣)،
وابنُ عُلَيَّةَ، ويزيدُ بنُ زُريعِ ، وحمادُ بنُ زيدٍ (٤)، كلُّهم عن خالدِ الحذَّاءِ، عن أبى
قلابةً ، عن أبى المهلب ، عن عمران بن محصين .
أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
وضَّاحِ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن خالدٍ
الحذَّاءِ، قال: حدَّثنا أبو قلابةَ، عن أبى المهلب ، عن عمران بنِ حُصین ، وأخبرنا
عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ قراءةً مِّى عليه، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثَهم ، قال : حدَّثنا
بكرُ بنُ حمادٍ ، قال حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال حدَّثنا خالدٌ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٢٢٧/٤٥ (٢٧٢٥٤)، وأبو داود (١٠٢٣)، والنسائى (٦٦٣) من طريق ليث
به .
(٢) أخرجه الطيالسى (٨٨٧)، وأحمد ١٧٦/٣٣ (١٩٩٦٠)، والطبرانى ١٩٤/١٨ (٤٦٦) من
طريق شعبة به .
(٣) أخرجه مسلم (١٠٢/٥٧٤)، وابن ماجه (١٢١٥)، وابن خزيمة (١٠٥٤) من طريق
عبد الوهاب به .
(٤) أخرجه النسائى (١٣٣٠)، وابن خزيمة (١٠٥٤)، وأبو عوانة (١٩٢٣)، والطيرانى ١٩٥/١٨
(٤٦٨) من طريق حماد به .
٤٧٨

الموطأ
التمهید
الحدَّاءُ، قال حدَّثنا أبو قلابةَ، عن أبى المهلبِ ، عن عمرانَ بنِ محُصينٍ - واللَّفْظُ
لحديثٍ مُسددٍ - قال: سلَّم رسولُ اللهِ وَلِّ فى ثلاث ركعاتٍ من العصرِ، ثم
دخَل ، فقام إليه رجلٌ يُقالُ له : الخِرِبَاقُ . وكان طويلَ اليدينِ، فقال : الصلاةَ يا
رسولَ اللهِ - وفى حديثِ ابنِ عُلَيَّةَ: فذكر له الذى صنَع - فخرَج مُغضَبًا يَجُوُ
إزارَه، فقال: ((أصدَقَ هذا؟)) قالوا: نعم. فصلَّى تلكَ الركعةَ ثم سلَّم، ثم
سجَد سجدتين، ثم سلَّم(١).
وأمَّا حديثُ ابنِ مَسْعَدَةً ، فرواه عبد الرزاقِ ، قال : أخبرنا ابنُ لجريج ، عن
عثمانَ بنِ أبى سُليمانَ، عن ابنِ مسعدةَ، صاحبٍ الجيوشِ، أنَّ النبيَّ وَّصِلَّى
الظهرَ أو العصرَ فسلّم فى ركعتينِ، فقال له ذو اليدينِ: أُخُفِّفَتِ الصلاةُ يا رسولَ
اللهِ أمْ نسِيتَ؟ فقال النبىُ عليه السلامُ: ((ما يقولُ ذو اليدين؟)) قالوا: صدَق
يا رسولَ اللهِ. فأتمَّ بهم الركعتين، ثم سجد سجدتَي السهوِ وهو جالسٌ بعدما
سلّم(٢).
وابنُّ مَسْعَدَةَ هذا اسمُه عبدُ اللهِ ، معروفٌ فى الصحابةِ ؛ قد روَى عنِ النبىِّ
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٣٧/٢، ٣٨ - ومن طريقه مسلم (١٠١/٥٧٤) - وأخرجه أحمد ٦١/٣٣
(١٩٨٢٨)، ومسلم (١٠١/٥٧٤)، وابن خزيمة (١٠٥٤، ١٠٦٠) من طريق ابن علية به،
وأخرجه أبو داود (١٠١٨)، وأبو عوانة (١٩٢٢)، والبيهقى ٣٥٩/٢ من طريق مسدد به، وأخرجه
النسائى (١٢٣٦)، والطيرانى ١٩٤/١٨ (٤٦٤) من طريق يزيد بن زريع به .
(٢) أخرجه الطبرانى فى الأوسط (٢٣٠٢)، وابن الأثير فى أسد الغابة ٣٨٤/٣ من طريق عبد الرزاق
به .
٤٧٩

الموطأ
التمهيد
علیه السلامُ أنَّ سمعه يقولُ: ((إِنِّی قدْ بَدُنتُ(١)، فمن فاته ژُ کوعی أدر كه فِی
بطءٍ قیامی ))(٢) . وروى عنه حدیثَ ذِی الیدین، وهو معدودٌ فى المكتِين(٣) .
وحسبُكَ فى هذا الحديثِ بحديثٍ أبى هريرةَ، ثم حديثٍ ابنِ عمرَ،
وحديثٍ عمرانَ بنِ مُصين وغيرِهم، وهو من الأحاديثِ التى لا مَطْعَنَ فيها
لأحدٍ وإنما اختلفوا فى تأويلٍ شيءٍ منه .
وأمّ قولُهم : إنَّ ذا اليدين قُتلَ يومَ بدرٍ . فغيرُ صحيحٍ ، وإنما المقتولُ يومَ بدٍ
ذُو الشمالين، ولسنا نُدافِعُهم أنَّ ذا الشمالين مقتولٌ بيدرٍ؛ لأَنَّ ابن إسحاقَ وغيرَه
من أهلِ السيرِ ذكَّرُوه فيمَنْ قُتِل يومَ بدرٍ ، وقال حمادُ بنُ سلمةَ، عن علىٍّ بنِ
زيد، عن سعيدِ بنِ المسيبِ ، قال: قُتِل يومَ بدرٍ خمسةُ رجالٍ من قريشٍ من
المهاجرين؛ ◌ُبيدةُ بنُ الحارثِ، وعامرُ بنُ أبى وقاصٍ، وذُو الشمالين، وابنُ
بَيْضَاءَ، ومِهْجَعْ مولَى عمرَ بنِ الخطابِ(٤) .
قال أبو عمرَ: إنما قال سعيدُ بنُّ المسيبِ : إِنَّهم من قريشٍ؛ لأنَّ الحليفَ
والمولَى يُعَدُّ من القوم، فمِهِجَعْ مولَى عمرَ، وذُو الشمالين حليفُ بنى زُهْرَةَ ؛ قال
ابنُ إسحاقَ: ذُو الشمالين هو عُميرُ(٥) بنُ عمرو بنِ غُبْشَانَ بنِ سُليمٍ بنِ مالكِ بنِ
القبس
(١) ينظر كلام المصنف فى ضبط رواية الحديث ٣٩٨/٤، ٣٩٩.
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٨٦٩)، وأحمد ١٣٣/٢٩ (١٧٥٩٢).
(٣) ذكر فى الاستيعاب ٩٨٧/٣ أنه يعد فى الشاميين.
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٧٤/١٤ من طريق حماد بن سلمة به .
(٥) فى ق: ((عبيد)). وينظر الاستيعاب ٤٦٩/٢، والإصابة ٤١٤/٢.
٤٨٠