Indexed OCR Text
Pages 441-460
الموطأ. قال أبو عمرَ: مِن حُجَّةٍ الحسنِ بنِ صالح فى إيجابِه التسليمتين جميعًا الاستذكار وقولِه: إن مَن أَحدَث بعدَ الأولى وقبلَ الثانيةِ فسَدت صلاتُه - قولُّه ◌َِ: (( تحليلُها التسليم)). ثم بيَّن كيف التسليمُ. ومن حُجَّةٍ مَن أوجب التسليمةَ الواحدةَ دونَ الثانيةِ ، وقال: يخرج بالأولى مِن صلاتِه. وجعَل الثانيةَ سنةً قولُه وَّهِ: ((تحليلُها التسليم)). قالوا: والواحدةُ يقعُ عليها اسمُ تسليم . وممن احتجَّ بهذا أصحابُ (١) الشافعيّ، وطائفةٌ مِن أهلِ الظاهرِ. قال أبو عمر : ژُوی عن النبى ێ ، أنه کان یسلمُ تسلیمتین ، مِن وجوه كثيرة ؛ منها حدیثُ ابن مسعودٍ وهو أکثرها تواترًا ، ومنها حدیثُ وائلِ بنِ حجرٍ الحضرمىِّ، وحدیثُ عمارٍ ، وحديثُ البراءِ بنِ عازبٍ ، وحدیثُ ابنِ عمرَ، وحديثُ سعدٍ ، وقد تقدَّم ذکرُه(١) . فأما حديثُ ابنِ مسعودٍ، فرواه عنه(٢) علقمةُ، والأسودُ، وأبو الأحوصِ، وزِرُّ بنُ حبيشٍ، ذكرها كلَّها أبو بكرٍ بن أبى شيبةَ ، وعبدُ الرزاقٍ ، (٤) وغيرهما(). القبس (١) سقط من: م. (٢) تقدم فى ص٤٣٨، ٤٣٩ . (٣) سقط من: ص، م. (٤) ابن أبى شيبة ٢٩٩/١، وعبد الرزاق (٣١٣٠)، وسيأتى فى شرح الحديث (٣٩٩) من الموطأ . ٤٤١ الموطأ الاستذكار حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرِ وعبدُ الوارثِ، قالا: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُّ محمدِ بنِ شاكرٍ (١) الصائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سابقٍ، قال : حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ، عن عبد الرحمنِ بنِ الأسودِ ، عن أبيه، وعلقمةً، عن عبدِ اللهِ، قال: كان رسولُ اللهِ وَ لَه يكبّرُ فى كلٌّ ركوع وسجودٍ ورفعٍ ووضعٍ، وأبو بكرٍ، وعمرُ، و(٢) يسلِّمون عن أيمانهم وعن شمائلهم: السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ(٣). وهكذا رواه زهيرٌ، عن أبى إسحاقَ(٤). وحديثُ البراءِ رواه وكيع، عن حريثٍ ، عن الشعبىِّ، عن البراءِ(٥). وحديثُ وائلٍ بنِ محُجْرٍ رواه شعبةُ ، عن عمرو بنِ مرةً، عن أبى البَخْترِىِّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الْيَخْصُبِىِّ، عن وائلٍ بنِ محُجْرٍ(٦). ورواه سلمةُ بنُ كُهيلٍ، عن محْرٍ بنِ عَنْبسٍ ، عن وائلٍ بنٍ محجْرٍ(٧). وحديثُ عمارٍ رواه أبو بكرِ بنُ عياشٍ ، عن أبى إسحاقَ، عن صِلَةَ بنِ زُفَرَ، القبس (١) بعده فى م: ((بن)). وينظر سير أعلام النبلاء ١٩٧/١٣. (٢) بعده فى ص، م: ((عثمان)). (٣) أخرجه أحمد ٨١/٧ (٣٩٧٢) من طريق إسرائيل به . (٤) أخرجه أحمد ١٧٤/٦ (٣٦٦٠)، والنسائى (١٠٨٢، ١٣١٨) من طريق زهير به. (٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٩٩/١ عن و کیع به. (٦) أخرجه أحمد ١٤٥/٣١ (١٨٨٥٣)، والدارمى (١٢٨٧) من طريق شعبة به. (٧) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٩٩/١، وأبو داود (٩٣٣) من طريق سلمة به. ٤٤٢ الموطأ . الاستذكار عن عمارِ(١). وحديثُ ابنِ عمرَ رواه عمرُو بنُ يحيى المازنىُ، عن محمدِ بنِ يحيى ابنِ حَبانَ، عن عمِّه واسعٍ بنِ حَبانَ، قال: قلتُ لابنٍ عمرَ: حدِّثْنى عن صلاةِ رسولِ اللهِ وَلّ كيف كانت؟ فذكَر التكبيرَ كلما رفَع رأسَه، وكلما وضَعه، وذكَر: السلام عليكم ورحمةُ اللهِ عن يمينِه، السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ عن يسارِهِ. رواه ابنُّ جريج(٢)، وسليمانُ بنُّ بلالٍ، وعبدُ العزيزِ بنُ محمد الدراوردىُّ(٣)، كلَّهم عن عمرو بن يحيى المازنيٌّ، وهو إسنادٌ مدنىٌّ صحيح. وكذلك حديثُ سعدٍ أيضًا وقد تقدَّم، وسائرُ أسانيدِ هذه الآثارِ مذكورةٌ فى غيرِ هذا الموضعِ . قال أبو عمرَ: وزُويت التسليمتانِ عن علىٍّ، وابنٍ مسعودٍ مِن وجوهٍ صحاحٍ، ذكرها أبو بكرٍ بِنُّ أبى شيبةً وغيرُه، وعن علقمةَ بنِ(٤) قيسٍ، وخيثمةً ابنِ عبدِ الرحمنٍ، وأبى وائلٍ شَقيقِ بنِ سلمةَ، وإبراهيمَ النخعيِّ، وأبى عبد الرحمنِ الشّلمئِ ، ومسروق بنِ الأجدع، وعبد الرحمنِ بنِ أبی لیلی ، القبس (١) أخرجه ابن ماجه (٩١٦) من طريق أبى بكر بن عياش به . (٢) أخرجه أحمد ٤٥٣/١٠ (٦٣٩٧)، والنسائى (١٣١٩)، وابن خزيمة (٥٧٦) من طريق ابن جريج به . (٣) أخرجه أحمد ٢٩٨/٩ (٥٤٠٢)، والنسائى (١٣٢٠)، من طريق الدراوردى به. (٤) بعده فى م: ((أبى)). وينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٣٠٠. ٤٤٣ الموطأ ما يفعلُ مَن رفَع رأسَه قبلَ الإمامِ ٢٠٦ - حدَّثنى يحيى، عن مالكِ، عن محمدِ بنِ عمرو بنِ عَلقمةَ ، عن مَلِيح بنِ عبدِ اللهِ السَّعدِىِّ، عن أبى هريرةَ ، أنه قال : الذى يرفَعُ رأسَه ويَخفِضُه قبلَ الإِمامِ ، فإنما ناصيتُه بيَدِ شيطانٍ . وعمرو بن ميمونٍ، وعطاء، وغيرِهم(١). الاستذ کار وذكر أبو بكرٍ ، قال: حدَّثنى يزيدُ بنُّ هارونَ، عن أشعثَ ، عن الشعبىِّ، أن عمرَ بنَ الخطابِ وسعدَ بنَ أبى وقاصٍ كانا يسلِّمان تسليمتين(٢). والقولُ عندى(٣) فى ذلك على ما تقدَّم ذكرُه مِن الإباحةِ. وباللهِ التوفيقُ. التمهيد مالكٌ ، عن محمدٍ بن عمرو بن علقمةً ، عن مليحٍ بن عبدِ اللهِ السّعدىِّ ، عن أبى هريرةَ، أَنَّه قال: الذى يرفَعُ رأسَه ويخفِضُه قبلَ الإمامِ ، فإنَّما ناصيتُه بيَدِ شيطانٍ(٤). قال أبو عمرَ: هكذا رواه مالكٌ موقوفًا لم يُختلَفْ عليه فيه. ورواه القبس حديثٌ: ((الَّذِى يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ كأنما(٥) نَاصِيَتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ )). قد يئَّنَ النبىُّ وَ لِّ أن الشيطانَ لا يَأْلُو فى إفساد الصلاة على العبدِ ؛ قولا بالوَسْوَسةِ حتى لا يدرى (١) ابن أبى شيبة ٢٩٩/١، ٣٠٠، وابن المنذر ٣/ ٢٢٠، ٢٢١. (٢) عند ابن أبى شيبة ٣٠٠/١: ((أن سعيدًا وعمارًا)). بدلًا من: ((عمر وسعد)). (٣) سقط من: ص، م. (٤) الموطأ برواية أبى مصعب (٤٩٢). وأخرجه العقيلى ٤٥٣/٣ من طريق مالك به. (٥) سقط من : ج ، م . ٤٤٤ الموطأ التمهيد الدَّراوزدِىُّ عن محمدِ بنِ عمرو بن علقمةً، عن مَلیحٍ ، عن أمی ھریرةَ ، عن النبيِّ وَلَه مرفوعًا(١). ولا يصح إلا موقوفًا بهذا الإسنادِ، واللهُ أعلمُ. ورواه حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ، عن مالكِ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، (٢)عن أبى سلمةً(٢)، عن أبى هزيرةً، عن النبيِّ وَِّ، مثلَه(٣) سواءٌ(٤) ، ولم يُتَابَعْ عليه عن مالكِ. وأمَّا حديثُ محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَله قال: ((أمَا يخْشَى الذى يرفعُ رأسَهُ قبلَ الإمامِ أن يُحَوِّلَ اللهُ رأسَه رأْسَ حِمَارٍ)) فحديثٌ صحيحٌ مَرْفُوعٌ، روَاه شعبةُ، وحمادُ بنُ زيدٍ، وحمادُ بنُ سلَمةً، ويونسُ بنُ عبيدٍ، عن محمدِ بنِ زيادٍ (٥). القبس كم صَلَّى، وفعلًا بالتقدُّمِ على الإمامِ حتى يَفشُدَ فرضُ الاقتداءِ. فأما الوَسْوَسَةُ فدَواؤها الذِّكَرَى والإقبالُ على ما هو فيه، وأما التقدُّمُ على الإمامِ (١) أخرجه البزار ( ٤٧٥ - کشف) من طريق الدراوردى به . (٢ - ٢) سقط من: م. وينظر تهذيب الكمال ٣٧٠/٣٣. (٣) سقط من: م. (٤) أخرجه الدارقطنى فى العلل ١٦/٨، ١٧ من طريق حفص به. (٥) أخرجه أحمد ٥٤٥/١٥، ٣٢١/١٦ (٩٨٨٤، ١٠٥٤٦)، ومسلم (١١٦/٤٢٧)، وأبو داود (٦٢٣) من طريق شعبة به، وأخرجه مسلم (١١٤/٤٢٧)، وابن ماجه (٩٦١)، والترمذى (٥٨٢)، والنسائى (٨٢٧) من طريق حماد بن زيد به، وأخرجه أحمد ١٦/ ٩٥، ١١٣ (١٠٠٦٩، ١٠١٠٤)، ومسلم (١١٦/٤٢٧) من طريق حماد بن سلمة به، وأخرجه أحمد ٥٠٢/١٢، ٣٠٠/١٥ (٧٥٣٥، ٩٤٩٥)، ومسلم (١١٥/٤٢٧) من طريق يونس بن عبيد به . ٤٤٥ الموطأ قال مالكٌ فيمن سَها ، فرفَع رأسَه قبلَ الإمامِ فى ركوعٍ أَو سجودٍ : إِنَّ السنةَ فى ذلك أن يرجِعَ راكمًا أو ساجدًا ، ولا ينتَظِرُ الإمامَ ، فإن ذلك خَطَأْ مِن فَعَله؛ لأَنَّ رسولَ اللهِ وَلِ قال: ((إِنما مجُعِل الإِمامُ لِيُؤْتَمَّبه ، فلا تَخْتَلِفُوا عليه)). وقال أبو هريرةَ: الذى يرفَعُ رأسَه ويَخفِضُه قبلَ الإمَامِ فإنما ناصِيتُه بيدٍ شيطانٍ . التمهید (١ فالقَوْلُ فيه كالقولٍ فى حديثٍ محمدِ بنِ عمرٍو ، ولا خلافَ فى معناهما عندَ الفقهاءِ، وأمَّا أهلُ الظَّاهرِ فيجِبُ على أصولِهم إيجابُ الإعادَةِ على مَن فَعَل ذلك؛ لأَنَّه فعَل ما نُهِى عنه، وكلُّ (٢) عملٍ عندَهم يطابقُهُ(٣) النهىُ يفسدُ(٤)، وتحَّتُهم عندى فى هذه المسألةِ قولُهُ وَِّهِ: ((أَّا مُجُعِل الإمامُ لِيُؤمَ بهِ ، فإذا ركَع فاركعوا، وإذا رفَع فارفعوا))(١)(٥). قال مالكٌ: السنَّةُ فى الذى يَرفَعُ رأسَه قبلَ الإمامِ فى ركوعٍ أو سجودٍ أنْ يَخِرَّ راكعًا أو ساجدًا، ولا يَقِفُ ينتظرُ الإمامَ؛ وذلك أنَّ رسولَ اللهِ وَ لِ قال: ((إنما مجعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به، فلا تَخْتَلِفُوا عليه)). وقال أبو هريرةَ: الذى يرفعُ رأسَه القبس فِعِلَّةُ ذلك طلبُ الاستِعِجَالِ، ودواؤه أن يَعلَمَ أنه لا يُسلِّمُ قبلَه، فلِمَ يستعجِلُ بهذه(٦) الأفعالِ؟ وفى الحديثِ: ((أَمَا يَخْشَى الَّذِى يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوَّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ (١ - ١) ليس فى: الأصل. (٢) فى ى، م: ((كان)). (٣) فى ى: ((بطائفه))، وفى م: ((بطالقة)). (٤) فى ى، م: ((سهل)). (٥) سيأتى فى الموطأ (٣٠٥). (٦) فى م: ((هذه)). ٤٤٦ الموطأ ويَخِفِضُه قبلَ الإمام إِنَما ناصيتُه بيدٍ شيطانٍ(١) . التمهيد أما قولُه: السُّنَّةُ. فإِنَّه أمرٌ لا أعلمُ فيه خلافًا، وقد ثبت عن النبيِّ وَّهِ التغليظُ فيمَن رفَع رأسَه قبلَ الإمامِ . روَى شعبةُ ، عن محمدِ بنِ زيادٍ ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَه: ((أما يَخشى الذى يرفعُ رأسَه قبلَ الإمامِ، راكعًا أو ساجدًا، أن يُحَوِّلَ اللهُ رأسَه رأسَ حمارٍ، أو (٢) صورتَه صورةَ حمارٍ)(٣). وهذا وعيدٌ وتهديدٌ ، وليس فيه أمرٌ بإعادةٍ ، فهو فعلٌ مَكروةٌ لِمَن فعله ولا شىءَ عليه إذا أكمل ركوعه وسجودَه، وقد أساءَ وخالف سنةَ المأمومِ، وعلى كراهيةٍ هذا الفعلِ للمأمومِ جماعةُ العلماءِ من غيرِ أن يُوجِبُوا فيه إعادةً ، وكذلك قال أبو هريرةَ : ناصيتُه بيدٍ شيطانٍ . ولم يَأْمُرْ فيه بإعادةٍ . القبس رَأْسَ حِمَارٍ؟)). وليس يريدُ به عندَ العلماءِ المسخَ صورةً، وإنما يريدون به الحماريَّةَ معنًى، وهو البَلَهُ، ضُرِبَ له الحمارُ مَثَلًا؛ لأنه أشدُّ البهائم بَلَهًا، (٤ ولا حماريَّةَ أعظمُ من أن يلتزمَ الاقتداءَ مع الإمامِ ثم يخالفَ ما التزم٤) فى تلك الحالِ، وهذا كقولِهِ وَلّه : ( لِيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رِفْعِهِمْ(٥) أَبْصَارَهمْ إِلَى السَّمَاءِ فِى الصَّلاةِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ))(٢) . وليس يُريدُ بذلك إذهابَها بالعَمَى، وإنما يشيرُ به إلى ذهابٍ فائدتها من العبرة . (١) الموطأ برواية أبى مصعب (٤٩٣). (٢) فی ر: (أو قال))، وفی ر ١: ((و)). (٣) تقدم تخريجه الصفحة السابقة . (٤ - ٤) سقط من: ج، م. (٥) فى د: ((رفع)). (٦) البخارى (٧٥٠) من حديث أنس، ومسلم (٤٢٩) من حديث أبى هريرة. ٤٤٧ الموطأ التمهيد وذكَّر مالكٌ(١)، عن محمدِ بنِ عمرو بن علقمةَ، عن مليحِ بنِ عبدِ اللهِ السعدىِّ، عن أبى هريرةَ قال: الذى يرفعُ رأسَه ويَخِفِضُ قبلَ الإمامِ فإنّما ناصيتُه بید شيطان . وأما قولُه: وذلك أنَّ رسولَ اللهِ بِه قال: ((إِنما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ به، فلا تَخْتَلِفُوا عليه)). فإِنَّ قولَه: ((إَّا جُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به)) . يستندُ من حديثٍ مالك، عن ابنِ شهابٍ، عن أنسٍ ، وقد مضَى ذكرُه فى بابِ ابنِ شهابٍ(٢)، إِلَّا أنَّه ليس فيه : ((فلا تَختلِفُوا عليه)). ويستنِدُ قولُه: ((فلا تَخْتَلِفُوا عليه)). من حديثٍ مالك، عن أبى الزِّنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلَّه قال: ((أَّا مُجُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به، فلا تَختلِفُوا عليه، فإذا كبّر فكَبروا، وإذا ركَع فاركَعوا، وإذا قال: سمِع اللهُ لِمَن حمِدَه. فقولُوا : اللهمَّ ربَّنا و(٢) لكَ الحمدُ، وإذا صلَّى قاعدًا فصَلُّوا قعودًا أجمعون(٤))). رواه معنُّ بنُّ عيسَى وحدَه فى ((الموطأُ)) عن مالكٍ(٥). وقد رُوِىَ من حديثٍ همامٍ بنٍ منبهٍ، عن أبى هريرةَ . ذكَر عبدُ الرزاقِ(٦): حدَّثَنا معمرٌ، عن همامٍ بنٍ منبهٍ، أنه سمع أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إَّا مُجُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به، فلا تختلفُوا عليه ، فإذا القبس (١) تقدم فى الموطأ (٢٠٦). (٢) سيأتى فى الموطأ (٣٠٤). (٣) سقط من: ر ١. (٤) فى ف، ر، م: ((أجمعين)). (٥) أخرجه ابن حبان (٢١٠٧) من طريق أحمد بن أبى بكر عن مالك به . (٦) عبد الرزاق (٤٠٨٢) . ٤٤٨ الموطأ كبَّ فكبروا، وإذا ركَع فاركَعُوا، وإذا قال: سمِع اللهُ لمن حمِده . فقولوا: اللهمَّ ربَّنا لك الحمدُ، وإذا سجَد فاسجدوا، وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون(١) )) . التمهید وقد مضى القولُ فى معنى هذا الحديثِ فى بابِ ابنِ شهابٍ إلَّا قوله: ((فلا تختلفوا عليه ». وفى قوله: ((فلا تَختلِفُوا عليه)). دليلٌ على أنَّه لا يجوزُ أن يكونَ الإمامُ فى صلاةٍ ويكونَ المأمومُ فى غيرِها ؛ مثلَ أن يكونَ الإمامُ فى ظهرٍ والمأمومُ فى عصرٍ، أو يكونَ الإمامُ فى نافلةٍ والمأمومُ فى فريضةٍ . وهذا مَوضِعٌ اختَلَف الفقهاءُ فيه ؛ فقال مالكٌ وأصحابُه : لا يُجْزِئُ أحدًا أن يُصَلِّىَ صلاةَ الفريضةِ خلفَ المتنفلِ، ولا يُصَلِّىَ عصرًا خلفَ من صلَّى ظهرًا . وهو قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِه والثورىِّ وقولُ جمهورِ التابعين بالمدينةِ والكوفةِ ، وحَُّتُهم أنَّ رسولَ اللهِ وَّه قال: ((إِنَّا مُجُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به)) . فمَن خالَفه فى نيتِه فلم يَّأَتَمَّ به، وقال: ((فلا تختلفُوا عليه)). ولا اختلافَ أشدُّ من اختلافٍ النَّاتِ ؛ إذ هى ركنُ العملِ . ومعلومٌ أنَّ من صلَّى ظهرًا خلفَ مَن يُصَلِّى عصرًا، أو صلَّى فريضةً خلفَ من يُصَلِّى نافلةٌ - فلم يَأْتِمَّ بإمامِه ، وقد اختَلَف عليه فبطَلت صلاتُه وصلاةُ الإمامِ جائزةٌ ؛ لأَنَّه المتبوعُ لا التابعُ . واحتَجُوا من قصةٍ معاذٍ بروايةِ عمرٍو بنٍ يحيى ، عن معاذٍ بنِ رفاعةً الزُّرَقِىّ ، عن رجلٍ من بنى سلِمةَ أَنَّه شكًا إلى رسولِ اللهِ وَّهِ تَطْوِيلَ معاذٍ بهم، فقال له القبس (١) فى ف، م: (أجمعين)). ٤٤٩ ( موسوعة شروح الموطأ ٢٩/٤) الموطأ التمهيد رسولُ اللهِ نَّهِ: ((يا معاذُ، لا تكنْ فتانًا، إِمَّا أن تُصلِّىَ معى، وإما أن تُخفِّفَ عن قومِك))(١). قالوا: وهذا يدلُّ على أن صلاتَه بقومِه كانت فريضته، وكان مُتَطَوِّعًا بصلاتِه مع النبيِّ وَّهِ. قالوا : وصلاةُ المُتَقِّلِ خلفَ مَن يُصَلِّى الفريضةَ لا يَختلفون فى جوازِها . وقال الشافعىُّ ، والأوزاعىُّ، وداودُ، والطبرىُّ، وهو المشهورُ عن أحمدَ بنِ حنبل : يجوزُ(٢) أن يَقْتَدِىَ فى الفريضةِ بالمتنفلِ، ويُصَلِّىَ الظهرَ خلفَ من يُصَلِّى العصرَ؛ فإنَّ كلَّ(٣) مُصَلِّ يُصَلِّى لنفسِه. ومن حُّتِهم أن قالوا : إنما أُمِرْنا أن نَأَتَّمَّ به فيما ظهَر من أفعالِهِ ، أما النيةُ فمغيَّةٌ عنَّا، وما غاب عنَّا فإِنَّا لم نُكَلَّفْه . قالوا : وفى هذا الحديثِ نفسِه دليلٌ على صحةٍ ذلك؛ لأنَّه قال: «إنما جُعِلَ الإمامُ لُؤْتُمَّ به، فلا تختلفوا علیه ؛ إذا ر گع فار گعوا ، وإذا سجَد فاسجدوا، وإذا كبَرَ فَكَيّرُوا، وإذا صلَّى جالسًا فضَلُّوا جلوسًا)). فَعَرَّفَنَا أفعالَه التى يُؤْثُّ به فيها ، وهى الظاهرةُ إلينا من ركوعه وسجودِه وتكبيرِه وقيامِه وقعودِه ، ففى هذه أَمَرَنا ألَّ نَختلِفَ عليه. قالوا: والدليلُ على صحةٍ هذا التأويلِ حديثُ جابٍ فى قصةِ معاذٍ؛ إذ كان يُصَلَّى مع رسولِ اللهِ وَِّ العشاءَ، ثم يَنصَرِفُ فِيَؤُمُّ قومَه فى تلك الصلاةِ ، هى له نافلةٌ ولهم فريضةٌ ، وهو حديثٌ القبس (١) أخرجه أحمد ٣٠٧/٣٤ (٢٠٦٩٩)، والطحاوى فى شرح المعانى ٤٠٩/١، ٤١٠، والطبرانى (٦٣٩١) من طريق عمرو بن يحيى به . (٢) فى م: ((بجواز)). (٣) فى ف، ر: ((كان)). ٤٥٠ الموطأ التمهيد ثابتٌ صحيحٌ لا يُختَلَفُ فى صحتِه . قالوا : ولا يَصِحُّ أن يَجعَلَ معاذٌ صلاته مع رسولِ اللهِ وَ لّ نافلةً وَيَزْهَدَ فى فضلِ الفريضةِ معه نَّهِ، ويَدُلُّك على ذلك قولُ رسولِ اللهِ وَله: ((إذا أُقيمتِ الصلاةُ فلا صلاةَ إلا المكتوبةُ))(١). وهذا مانع لكلِّ أحدٍ أن تُقامَ صلاةُ فريضةٍ لم يُصَلِّها فيَشتَغِلَ بنافلةٍ عنها . وقد روَى ابنُ جريجٍ، عن عمرو بن دينارٍ ، عن جابرٍ ، أُنَّ معاذا كان يُصَلِّی مع النبيِّ وَلي العشاءَ(٢) ، ثم ينصرفُ إلى قومِه فيُصَلِّی معهم، هى له تَطَوٌُّ ولهم فريضةٌ(٣) . قال ابنُ جريجٍ: وحديثُ (٤) عكرمةَ عن ابنِ عباس أنَّ معاذًا ... فذكَر مثلَ حديثٍ جابرٍ سواءً(٥). ومثلُ ذلك أيضًا حديثُ أبى بكرةَ فى صلاةِ الخوفِ : صلَّى رسولُ اللهِ وَآل# بطائفة ركعتين، ثم بطائفةٍ ر کعتين ، وهو مسافرٌ خائِفٌ ، فعلِمْنا أنَّه فى الثانيةِ مُتَنَفِّلٌ(٦) . القبس - (١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٢٨٥) من الموطأ . (٢) بعده فى ف، م: ((الآخرة)). (٣) أخرجه الشافعى ١٧٣/١، والطحاوى فى شرح المعانى ٤٠٩/١، والدارقطنى ٢٧٤/١، ٢٧٥، والبيهقى ٨٦/٣ من طريق ابن جريج به . (٤) بعده فى الأصل: ((عن)). (٥) أخرجه عبد الرزاق (٢٢٦٥) عن ابن جريج، حدثت عن عكرمة به . (٦) أخرجه أحمد ٥٠/٣٤، ١٣٦ (٢٠٤٠٨، ٢٠٤٩٧)، وأبو داود (١٢٤٨)، والنسائى (١٥٥٠، ١٥٥٤) من حديث أبى بكرة به . ٤٥١ الموطأ حے ما یَفعَلُ مَن سلّم مِن ر کعتَين ساهيًّا ٢٠٧ - [٣٤ظ] وحدَّثنى يحيى، عن مالكِ، عن أيوب بن أبى تَمِيمَةً السَّختِيانيٌ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ أَلاتِ انصرَف مِن اثنَتَين، فقال له ذو اليَدَين: أَقَصُرتِ الصلاةُ أُمْ نَسِيتَ یا رسولَ اللهِ؟ فقال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أَصَدَق ذو اليَدَين؟)). فقال الناسُ: نعم. فقام رسولُ اللهِ بِّهِ، فصَلَّى ركعَتَيْن أُخْرَتَين، ثم سلَّم، وقد أجمَعُوا أنه جائزٌ أن يُصَلِّىَ النافلةَ خلفَ من يُصَلِّى الفريضةَ (١إن شاء١)، وفى ذلك دليلٌ على أن النِّئَاتِ لا تُراعَى فى ذلك، واللهُ أعلمُ . التمهيد مالك ، عن أيوب بن أبی تميمة السّخْتِیانِّ(٢)، عن محمدِ بنِ سیرینَ ، عن أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَلِّ انصرَف من اثنتين، فقال له ذُو اليدينِ : أَقَصُرَتِ الصلاةُ يا رسولَ اللهِ أُمْ نسِيتَ؟ فقال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((أَصَدقَ ذُو اليدين؟)) فقال الناسُ : نعم. فقامَ رسولُ اللهِ پێ فصلَّی ر کعتین ◌ُخریین ثم سلّم ، ثم کبَّ القبس (١ - ١) فى ف: (لمن شاء))، وفى ر: «لمن يشاء)). (٢) قال أبو عمر: « هو أيوب بن أبی تمیمة، واسم أبی تميمة کیسان، وهو من سبی کابل، مولی لعزة ، وقيل: بل هو مولى لعمار بن شداد، مولى المغيرة، ثم انتموا إلى بنى طهية. وأيوب يكنى أبا بكر، وكان يبيع الجلود بالبصرة ؛ ولذلك قيل له: السختياني. وهو أحد أئمة الجماعة فى الحديث والأمانة والاستقامة. و کان من عباد العلماء، وحفاظهم وخیارهم. ذکر البخاری، عن أبى داود ، عن شعبة، قال: ما رأيت مثل هؤلاء قط ؛ أيوب، ويونس ، وابن عون . أخبرنا خلف ابن القاسم، حدثنا ابن المفسر، حدثنا أحمد بن على بن سعيد، حدثنا أبو السائب سلم بن جنادة، حدثنا = ٤٥٢ ثم كبّر، فسجّد مِثلَ سجودِهِ أَو أَطْوَلَ، ثُم رفَع، ثم كبّر، فسجَد مِثلَ الموطأ سجودِه أو أطوَلَ ، ثم رفَع . التمهید القبس = حفص بن غياث، قال: سمعت هشام بن عروة يقول: ما قدم علينا أحدٌ من أهل العراق أفضل من أيوب السختيانى، ومن ذلك الرؤاسى. يعنى: مشعرا - لأنه كان كبير الرأس. وأخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا عبد الملك بن بخر، قال: حدثنا موسى بن مروان، قال: حدثنا العباس بن الوليد النزسى، قال: حدثنا وهيبٌ، عن الجعد أبى عثمان، عن الحسن، قال: أيوب سيد شباب أهل البصرة. قال موسى بن هارون: وسمعت العباس بن الوليد يقول: ما كان فى زمن هؤلاء الأربعة مثلهم؛ أیوب، وابن عون، ویونس، والتيمى، وما كان فى الزمن الذى قبلهم مثل هؤلاء الأربعة؛ الحسن، وابن سيرين، وبكرّ، ومطرفٌ. وكان ابن سيرين إذا حدثه أيوب بالحديث، قال: حدثنى الصدوق . وذكر أبو أسامة عن مالك وشعبة، أنهما قالا : ما حدثناكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه. وقال ابن عون : لم يكن بعد الحسن ومحمد بالبصرة مثل أيوب؛ كان أعلمنا بالحديث. وقال شعبة، فى حديث ذكره: حدثنا به سید الفقهاء أيوب. وقال نافعٌ: خیر مشرقی رأيته أيوب. وقال ابن أبى مليكه: أيوب خير أهل المشرق. وقال ابن أبى أويس: سئل مالكٌ: متى سمعت من أيوب السخْتيانى؟ فقال: حج حجتين فكنت أرمقه ولا أسمع منه، غير أنه كان إذا ذكر النبى ام لتر بكى حتى أرحمه، فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبى وَلفيه كتبت عنه. قال: وسمعت مالكا يقول: ما رأيت فى العامة خيرا من أيوب السختيانى. أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا إسماعيل بن محمد، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: سمعت على بن المدينى يقول: أربعةٌ من أهل الأمصار يشكن القلب إليهم فى الحديث؛ يحيى بن سعيد بالمدينة ، وعمرو بن دينار بمكة، وأيوب بالبصرة، ومنصورٌ بالكوفة. قال أبو عمر : توفى أيوب رحمه الله سنة ثنتين وثلاثين ومائة، بطريق مكة راجعا إلى البصرة فى طاعون الجارف، لا أعلم فى ذلك خلافا، ومات وهو ابن ثلاث وستين. لمالك عنه فى ((الموطأ)) من حديث النبى و # حديثان مسندان، هذا ما له عنه فى رواية يحيى، وأما سائر رواة ((الموطأ)) غير يحيى، فعندهم = ٤٥٣ الموطأ التمهید فسجدَ مثلَ شُجودِه أو أطولَ، (١ثم رفَع(١)، ثم كبّر فسجَد مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم رفَع (٢) . محمدُ بنُ سيرينَ، يكنى أبا بكرٍ ، وهو مولّى لأنسٍ بنِ مالكِ الأُنصارىِّ، وهو أحدُ أئمةِ التابعين من أهلِ البصرةِ ، وُلدَ قبلَ قتلٍ عُثمانَ بسنتينٍ ، وتُؤُنِّىَ سنةً عشرٍ ومائةٍ. وقد ذكّرْنا الاختلافَ فى اسم أبى هريرةَ فى كتابِنا فى (٣) ((الصحابةِ)) (٤). وفى هذا الحديثِ وجوهً من الفقهِ والعلم؛ منها أنَّ النسيانَ لا يُعصمُ منه أحدٌ نِيًّا كان أو غيرَ نبىٌّ؛ قال صلَّى اللهُ عليه: ((نسِىَ آدمُ فنسيَتْ ذُریتُه))(٥) . وفيه أنَّ اليقينَ لا يَجِبُ تركُه للشكِّ حتى يأتىَ يقينٌ يُزيلُه، أَلَا تَرَى أَنَّ ذا اليدَين كان على يقين من أنَّ فرضَ صلاتِهم تلك أربع ركعاتٍ ، وكانت إحدَى القبس = فى الموطأ عن مالك عن أيوب، حديثان آخران فى الحج، نذكرهما أيضا إن شاء الله . (١ - ١) ليس فى: الأصل، م. (٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٤٧٠). أخرجه البخارى (٧١٤، ١٢٢٨، ٧٢٥٠)، وأبو داود (١٠٠٩)، والترمذى (٣٩٩)، والنسائى (١٢٢٤) من طريق مالك به. (٣) فى الأصل، م: ((من)). (٤) الاستيعاب ١٧٦٨/٤. (٥) أخرجه الترمذى (٣٣٦٨)، والنسائى فى الكبرى (١٠٠٤٦) من حديث أبى هريرة. ٤٥٤ الموطأ التمهيد صلاتي العَشِىِّ(١) كما رُوىَ، فلمَّا أتَى بها رسولُ اللهِ وَ لَهِ على غيرِ تمامِها، وأمكنَ فى ذلك القَصْرُ من جهةِ الوحي ، وأمكنَ الوَهْمُ ، لَزِمَه الاستفهامُ ليصيرَ إلى يقينٍ يَقطَعُ به الشكّ . وفيه أنَّ الواحدَ إذا ادَّعَى شيئًا كان فى مجلسٍ جماعةٍ لا يُمكنُ فى مثلِ ما ادَّعَاه أنْ يَنْفَرِدَ بعلمِه دونَ أهلِ المجلسِ ، لم يُقطع بقولِه حتى تُسْتَخْبَرَ الجماعةُ ، فإِنْ خالفُوه سقَط قولُه أو نُظرَ فيه بما يَجِبُ ، وإِنْ تابعُوه ثبَت ، وقد جعَل بعضُ أصحابِنا وغيرهم من الفقهاءِ هذا أصلًا فى رؤيةِ الهلالِ فى غيرٍ غَيْمٍ ، وهو أصلّ يطولُ فیه الكلامُ ، وليس هذا موضعه . وفيه دليلٌ على أنَّ المُحُدِّثَ إذا خالفتْه جماعةٌ فى نقلِهِ أنَّ القولَ قولُ الجماعةِ ، وأنَّ القلبَ إلى روايتِهم أشدُ سُكُونًا من روايةِ الواحدِ . وفيه أنَّ الشكُّ قد يعودُ بقِينًا بخبرِ أهلِ الصدقِ ، وأُنَّ خبر الصادقِ يُوجبُ اليقينَ ، والواجبُ إذا اختلف أهلُ مجلسٍ فى شهادةٍ وتكافئوا فى العدالةِ ، أنْ تُؤُخذَ شهادةُ مَن أَثبَتَ علمًا ، دونَ مَن نفَاه . وفيه أنَّ مَن سلَّم ساهيًا فى صلاتِه لم يضرّه ذلك، وأتَّها بعدَ سلامِه ذلك، وسجد لسهوه، ولم يُؤمر باستئنافٍ صلاتِه ، بل بينى على ما عمِل فيها ويُتُّها . وفيه السجودُ بعدَ السلام لمنْ عرَض له مثلُ هذا فى صلاتِه، أو لمن زادَ فيها القبس (١) يريد: الظهر والعصر. النهاية ٣/ ٢٤٢ .. ٤٥٥ نو الموطأ ساهیًا ، قیاسًا علیه، وسنذ کژ اختلاف الفقهاءِ فی سُجودِ السهو فى باب زیدِ بنِ التمهید أسلمَ ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ (١)، وفى بابِ ابنِ شهابٍ، عن عبد الرحمنِ الأعرجِ(٢) إن شاء اللهُ . وفيه أنَّ سجدَتَي السهوِ يُكَبَّرُ فيهما، وأنهما على هيئةٍ سُجودِ الصلاةِ ، وليس فى حديثٍ مالكِ هذا السلامُ من سجدتَى السهوِ، وذلك محفوظٌّ فى غيره، وسنذ کژ ذلك فى هذا الباب إن شاء اللهُ. وقد كانَ ابنُ شهابٍ يُنكِرُ أن یکون رسول الله ێ سجد یوم ذِی الیدین، ولا وجه لقوله ذلك؛ لأنَّه قد ثبت عن النبيِّ بَ﴿ فى هذا الحديثِ وغيرِهِ أَنَّه سجَد يومَئذٍ بعدَ السلامِ. قرأْتُ على خلفٍ بنِ القاسم ، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ جعفرِ بنِ الوردِ حدَّثهم، قال : حدَّثنا يُوسفُ بنُ يزيدَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالح، قال: حدَّثنى الليثُ بنُ سعدٍ ، عن (٣ يزيد بن أبى حبيب٣ٍ)، عن جعفرِ بنِ ربيعةً، عن عراكِ(٤) بنِ مالكِ، عن أبى هريرةَ، أنَّ النبيَّ ◌َّهِ سِجَد يومَ ذِى اليدين سجدتين بعدَ السلامِ(٥). وقد زعم بعضُ أهلِ الحديثِ أنَّ فى هذا الحديثِ دليلاً على قبولٍ خبرٍ القبس (١) سيأتى ص ٥١٥ - ٥١٩ . (٢) سيأتى ص ٥٣٩ - ٥٤٤. (٣ - ٣) فى النسخ: ((ابن أبى ذئب)). والمثبت من مصدر التخريج. وينظر تهذيب الكمال ٢٩/٥، ٢٥٥/٢٤. (٤) فى م: ((عراء)). وينظر تهذيب الكمال ٥٤٥/١٩. (٥) أخرجه النسائی (١٢٣٢) من طريق ليث به . ٤٥٦ الموطأ الواحدٍ، وقد ادَّعَى المخالفُ أنَّ فيه حُجةً على مَن قال بخبرِ الواحدِ، والصحيحُ أنَّه التمهيد ليس بحجةٍ فی قبول خبرِ الواحدِ ولا فی ردِّه . وفیه أيضًا دلیلٌ علی أنَّ الكلام فى الصلاةِ ، إذا کان فيما يُصلِحُها وفيما هو منھا ، لا يُفسِدُها ، عمدًا كان أو سهوًا ، إذا كان فيما يُصلِحُها ، وقد اختلف فى هذا المعنَى جماعةُ الفقهاءِ من أصحابِنا وغيرِهم، على ما نُبيِّنُه إن شاء اللهُ. وفيه أنَّ مَن تكلّم فى الصلاةِ وهو يظنُّ أَنَّه قد أتمّها ، وهو عند نفسِه فی غیرِ صلاةٍ أَنَّه يبنى ولا تفشُدُ صلاُه . فأما قولُ مالكٍ وأصحابِه فى هذا البابِ ؛ فإِنَّهم اختلفوا فيه واضطربَتْ أقاويلُهم ورواياتُهم فيه عن مالكِ ؛ فروَى سُحنونٌ ، عنٍ ابنِ القاسمِ، عن مالكِ ، قال: لو أنَّ قومًا صلَّى بهم رجلٌ ركعتين وسلَّم ساهيًا، فسبّحوا به فلم يَفقَهْ ، فقال له رجلٌ من خلفِه ممن هو معه فى الصلاةِ : إِنكَ لمْ تُتَمَّ ، فَأَنتُمَّ صلاتك . فالتفَت إلى القومِ ، فقال : أحقٌّ ما يقولُ هذا؟ فقالوا : نعم . قال: يُصلِّى بهم الإمامُ ما بَقِىَ من صلاتِهم، ويُصَلَّون معه بقِيَّةً صلاتهم ؛ مَن تكلمَ منهم ومَن لم يتكلم، ولا شىءَ عليهم، ويفعلون فى ذلك ما فعَل النبيُّ وَله یومَ ذِی الیدین. هذا قولُ ابن القاسم فى كتابٍ(١) ((المدوّنَةِ))(٢)، وروایتُه عن مالكٍ، وهو المشهورُ من مذهبٍ مالكِ، وإياه يُقلِّدُ إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، واحتجّ له فی کتاپ رده علی محمد بن الحسن، و کذلك روی عیسی ، عنِ ابنِ القاسم ، قال عيسى: سألتُ ابنَ القاسمِ عن إمامٍ فعَل اليومَ كفعلِ النبيِّ نَلّ يومَ .-. القبس (١) فى الأصل، م: ((كتب)). (٢) المدونة ١٣٣/١. ٤٥٧ الموطأ التمهید ذى اليدين، وتكلّم أصحابُه على نحوٍ ما تكلّم أصحابُ النبيِّ وَل یومَ ذی اليدين، فقال ابنُ القاسم: يفعلُ كما فعل النبيُّ وَ لِّ يومَ ذِى اليدين، ولا يُخالفُه فى شىءٍ من ذلك ؛ لأنَّها سُنةٌ سنَّها . زادَ الُتْبِئُ فى هذه عن عيسى ، عنِ ابنِ القاسمِ : ولْيرجعِ الإمامُ فيما شكَّ فيه إليهم ويُمَّ معهم ، ويُجزِتُهم. قال عيسى : قال ابنُّ القاسم: ولو أنَّ إمامًا قامَ من رابعةٍ ، أو جلَس فى ثالثةٍ، فشُبِّح به فلم يَفْقَه ، فكلَّمَه رجلٌ ممن خلفه - كان مُحسِنًا ، وأُجْزته صلاته . قال عيسى : وقال ابنُّ كِنانةَ: لا يجوزُ لأحدٍ من الناسِ اليومَ ما جازَ لمن كان يومَئذٍ مع النبيِّ وَ طِّ؛ لأنَّ ذا اليدَين ظنَّ أنَّ الصلاةَ قد قَصُرَتْ، فاستفْهَمَ عن ذلك ، وقد عِلِمَ الناسُ اليومَ أنَّ قَصْرَها لا يَنزلُ ؛ فعلى من تكلّم الإعادةُ . قال عيسى : فقرأتُه على ابن القاسم، فقال: ما أَرَى فى هذا حُجةٌ، وقد قال لهم رسولُ اللهِ وَتِ : ((كلِّ ذلكَ لم يكن؟)). فقالوا له: بَلَى. فقد كلَّمُوه عمدًا، بعدَ علمِهم أنّها لم تقصُرْ وبنوا معه . وقال يحيى، عن ابنِ نافع: لا أُحبُّ لأحدٍ أنْ يفعلَ مثلَ ذلك الفعلِ اليومَ، فإن فَعَل لم آمره أن يستأنفَ(١). وروَى أبو قُوَّةً موسَى بنُّ طارقٍ، عن مالكِ ، مثلَ قولِ ابنِ نافعٍ، خلافَ رواية ابنِ القاسم عنه، حدَّثنا خلفُ بنُ القاسم ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ القبس (١) بعده فى ق: ((قال عيسى وقال ابن يوسف إنما ذلك فى أول الإسلام ولا أرى لأحد أن يفعل اليوم، فإن فعل لم آمره أن يستأنف)). ٤٥٨ الموطأ ابنِ عبدِ المؤمنِ، قال: حدَّثنا المُفُضَّلُ بنُ محمدِ الجنَدِىُّ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ التمهيد زيادٍ ، قال: حدَّثنا أبو قُرّةَ، قال: سمِعتُ مالكًا يَستحِبُّ إذا تكلَّم الرجلُ فى الصلاةِ أن يعودَ لها، ولا يبنىَ. قال: وقال لَنا مالكٌ: إنما تكلّم رسولُ اللهِ وَِّ وتكلّم أصحابُه معه يومَئذٍ ؛ لأَنَّهم ظنُّوا أَنَّ الصلاةَ قد قَصُرَتْ ، ولا يجوزُ ذلك لأحدٍ اليومَ . وروَى أشهبُ ، عن مالكِ، فى سماعِه ، أَنَّه قيل له : أبَلَغك أنَّ ربيعةَ صلَّى خلفَ إِمامٍ فأطالَ التشهدَ ، فخافَ ربيعةُ أنْ يُسلِّمَ ، وكانَ على الإمامِ السجودُ قبلَ السلام ، فكلَّمه ربيعةُ ، وقال له: إنهما قبلَ السلام؟ فقال: ما بلَغنِى، ولو بلغنى ما تكلمتُ به، أيُكلَّمُ فى الصلاةِ؟ ! قال أبو عمرَ : تَحَتمِلُ روايةُ أشهبَ هذه أن يكونَ مالكٌ رجَع فيها عن قولِه الذى حكاه عنه ابنُ القاسم إلى ما حكّاه عنه أبو قُرّةَ ، ويَحتمِلُ أن يكونَ أنكَر هذا من فعلِ ربيعةً من أجلِ أَنَّه لم يكنْ يلزمُه عندَه الكلامُ فيما تكلّم فيه ؛ لأنَّ أمرَ سُجودِ السهوِ خفيفٌ فى أن يُقَلَ ما كان منه قبلَ السلام فيُجعَلَ بعدَ السلامِ، فكأنَّ ربيعةَ عِندَ مالكٍ تكلّم فيما لم يكنْ ينبغى له أن يَتَكَلَّمَ فيه، ورأَى كلامَه كأنَّه فى غيرِ شأنِ الصلاةِ، وذهَب ربيعةُ إلى أنَّه تكلّم فى شأنِ الصلاةِ وصلاحها . واللهُ أعلمُ . أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ على الباچئُ ، قال : أخبرنى أبى ، وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ يوسفَ ، قال : أخبرنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ علىِّ ، قال: أخبرنا عبدُ العزيزِ بنُ مُدركٍ، قال: أخبرنا ابنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا الحارثُ القبس ٤٥٩ الموطأ التمهید ابنُ مسکین، قال : أصحاب مالكِ کلُّهم على خلافٍ قول مالك فى مسألةِ ذی اليدين إلَّ ابنّ القاسم وحدَه؛ فإنَّه يقولُ فيها بقولِ مالكِ، وغيرُهم يأبُونه ويقولون : إنما كان هذا أولَ الإِسلام، فأمَّا الآنَ فقد عرَف الناسُ صلاتَهم، فمن تكلّم فيها أعادَها . قال ابنُّ وضاحٍ: وقد قيل : إنَّ ذا اليدين استُشْهِدَ يومَ بدرٍ ، وإسلامُ أبى هريرةَ کان عام خيبرَ . قال أبو عمرَ : قد قال جماعةٌ من المُقَدِّمین ما قاله ابنُ وضاح، فی موتِ ذی اليدين، وليسَ عندَنا كذلك، وإنما المقتولُ بيدرِذُو الشِّمالين، وسنُبيِّنُ القولَ فی ذلك بعدُ فى(١) هذا البابِ إن شاء اللهُ . وذكَرَ سُحنونٌ، عنِ ابنِ القاسمِ ، فى رجلٍ صلَّى وحدَه، ففرَغْ عندَ نفسِه من الأربع، فقال له رجلٌ إلى جنبِه: إنكَ لم تُصلِّ إلَّا ثلاثًا. فالتفَتَ إلى آخرَ، فقال : أحقٌّ ما يقولُ هذا؟ قال: نعم ! قال : تَفسُدُ صلاتُه ، ولم يكنْ ينبغِى له أن يُكلمَه، ولا يلتفِتَ إليه. وهذه المسألةُ عندَ أكثرِ المالكيين البغداديينَ وغيرِهم محمولةٌ من قولِ ابنِ القاسم، على أنَّ المصلّىَ إنما يَجوزُ له الكلامُ فى إصلاحِ الصلاةِ، للضرورةِ الدافعةِ إليه إذا كان فى صلاةٍ جماعةٍ، ولا يَجوزُ ذلك للمنفردٍ؛ لأنَّه لا يُوجَدُ بُدِّ لمن سُبِّحَ به، ولم يفقَة بالتَّسبيح ، أن يُكلِّمَ وُفصحَ له بالمرادِ للضرورة الداعية إلى ذلك فى إصلاح الصلاةِ؛ تأسِّيًّا بفعلِ النبيِّ بَاليه مع القبس (١) ليس فى: الأصل. وفى م: ((هذا فى). ٤٦٠