Indexed OCR Text

Pages 261-280

١٧٩ - [٢٩ظ] وحدَّثنى يحيى، عن مالِكِ، عن يزيد بن رُومانَ، الموطأ
أنه قال: كنتُ أصَلِّى إلى جانبٍ نافعٍ بنِ مجبیرِ بنِ مُطعِمٍ، فَيَغْمِزُنی ،
فأفتَحُ عليه ونحن نُصَلِّی .
مذهبُ ابنِ عمرَ وغيرِه فيمَن أدرَك بعضَ الصلاةِ مع الإمام هل هو أولُ صلاتِه أو الاستذكار
آخرُها؟ وكيف يقضِى؟ - فى بابِ النداءِ للصلاةِ ، فأغنّى ذلك عن إعادتِه
هنا .
وأما خبرُ نافعٍ بن جبيرِ بنِ مُطْعِمٍ مع يزيدَ بنِ رُومانَ(١) ، فمعناه الفتح على
المصلِّى، وفيه ردٌّ على مَن كرِه الفتحَ على الإمامِ؛ لأنه إذا جاز الفتح على مَن
ليس معك فى صلاةٍ، فالإمامُ أولَى بذلك.
وقد قال علىٍّ: إذا استطعَمك الإمامُ فأطعِمْه. يعنى الفتحَ عليه . رواه أبو
عبد الرحمن الشُّلمئُ ، عن على(٢) ، وهو یعارضُ حدیثَ الحارثِ، عن علىٍّ ،
عن النبيِّ وَلِّ، أنه قال: ((لا تَفتح على الإمامِ)) (٤). وقد تردَّد رسولُ اللهِ فی آیةٍ ،
فلما انصرف قال: ((أين أُتَىِّ؟ ألم(٥) يكنْ فى القومِ أُتَىّ؟)) (٦) يريدُ الفتحَ عليه .
القبس
= موطئه (٣٦٣)، وعبد الرزاق (٣١٧٠) من طريق مالك به .
(١) تقدم ص ٤١ - ٤٥ .
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٣٠). وأخرجه ابن أبى شيبة ٧٢/٢ من طريق مالك به.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٢٨٣١)، وابن أبى شيبة ٧٢/٢ من طريق أبى عبد الرحمن السلمى به .
(٤) أخرجه أبو داود (٩٠٨)، والبيهقى ٢١٢/٣ من طريق الحارث به.
(٥) فى الأصل: ((فلم))، وفى م: ((أفلم)).
(٦) أخرجه أبو داود (٩٠٧)، والبيهقى ٢١٢/٣ من حديث ابن عمر بنحوه.
٢٦١

الموطأ
القراءةُ فى الصبحِ
١٨٠ - حدَّثنى يحيى، عن مالكِ، عن هشام بن عروةً، عن أبيه ،
أن أبا بكر الصدِّيقَ صلَّى الصبح فقرأ فيها بسورة (( البقرة)) فی الركعتين
كلتيهما .
الاستذكار وقد فتَح نافعٌ على ابنِ عمرَ رضِى اللهُ عنهما فى صلاةِ المغربِ (١).
وكَرِه الكوفيُّون الفتحَ على الإمامِ، وأجازه مالكٌ، والشافعىُّ (" وأكثرُ(٣)
العلماء؛ لأن الله تعالى لم یئة عنه ولا رسولُه من وجه " يُحتجُ بمثله، وهی تلاوةُ
قرآنٍ فى الصلاةِ .
بابُ القراءة فى الصبحِ
ذكَر فيه مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه ، أن أبا بكرِ الصديقَ صلَّى
الصبحَ، فقرَأ فيها سورةَ ((البقرة)) فى الركعتين كلتيهما(4).
قالَ أبو عمرَ: أدخَل مالكٌ هذا الحديثَ ، واللهُ أعلمُ ؛ ليَدُلُّ به على أن قراءةً
الصبح طويلةٌ جدًّا .
القبس
(١) أخرجه عبد الرزاق (٢٨٢٧).
(٢ - ٢) فی ص، م: «لأنه لم ينه عنه بوجه).
(٣) طمس فى الأصل. والمثبت من شرح الزرقانى ٢٤٧/١.
(٤) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٢٠). وأخرجه الشافعى ٢٠٧/٧، والبيهقى ٣٨٩/٢ من طريق
مالك به .
٢٦٢

الموطأ
الاستذكار
وعلى هذا يصحُ استعمالُ الآثارِ وترتيبُ الأحاديثِ فى التغليسِ والإسْفارِ
بصلاةٍ الصبحِ؛ لأنه معلومٌ أن أبا بكرٍ لم يدخلْ فيها إلا مُغلِّسًا بها بعدَ أن طلَع
الفجر، ثم طوّل حتى أسفر . فمن فعل هذا كان مستعملًا للأحاديث فى التغلیس
والإسفارِ، وهو وجةٌ لا يبعُدُ فى استعمالِ الأحاديثِ. على أن حديثَ عائشةً:
كان النساءُ لينصرِفْنَ مِن صلاةِ الصبحِ مع رسولِ اللهِ وَلِّ مُتلفِّعاتٍ بِمُرُوطِهن،
ما يُعرَفْنَ مِن الغَلَسِ (١) . يدلّ على غيرِ الإسفارِ، إلا أنه ممكنٌ أن يكونَ فعلُه ذلك
أحيانًا، فيصِحُ التغليسُ، ويصِحُ الإسفارُ.
وقد روَى الزهرىُّ، عن أنسٍ ، أن أبا بكرِ رضِى اللهُ عنه صلَّى الصبح ، فقرَأ
فيها بسورةٍ ((البقرة)) فى الركعتين، فقيل له حينَ سلَّم: كادت الشمسُ أن
تطلُعَ ! فقال: لو طلعتْ لم تجدنا غافلين . رواه ابنُ عيينةً ویونسُ ومعمرٌ ، عن
الزهرىِّ ، عن أنسٍ(٢).
وقد رُوى عن مالكِ أنه كرِهِ أن يَقسِمَ المصلِّی سورةً بینَ ركعتين فى
الفريضةِ؛ وذلك لأنه لم يبلغْه أن النبىَّ وَلَهُ فَعَلَه، بل بلغه أن فِعلَ رسولِ اللهِ
قال: " وأكثر الصحابة کان قراءةً ((فاتحة الكتاب )» وسورة فی کلِّ ر کعةٍ ، وربما
جمع بعضُهم السورتین مع «فاتحة الكتاب )» فی ر کعةٍ، ژُوی ذلك عن ابنٍ
:3
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٣).
(٢) أخرجه الشافعى ٢٢٨/٧ - ومن طريقه البيهقى ٣٨٩/٢ - وابن أبى شيبة ٣٥٣/١ عن سفيان
ابن عيينة به، وأخرجه عبد الرزاق (٢٧١١) عن معمر به .
(٣ - ٣) سقط من: ص، م.
٢٦٣

الموطأ
١٨١ - وحدَّثنى يحيى، عن مالكِ، عن هشامٍ بنِ عُروةَ، عن
الاستذكار
مسعودٍ وابنٍ عمرَ، وهذا كلُّه من فعلِهم يدلُّ على الإباحةِ والتخييرِ، فيفعلُ
المصلِّى من ذلك ما شاء، إلا أن الاختيارَ ما اختاره مالكٌ من قراءة سورةٍ مع
((فاتحةِ الكتابِ)) فى الركعتين الأوليين من كلِّ صلاةٍ، وكذلك فى صلاةٍ
الصبحِ وهو قولُ جمهورِ العلماءِ" .
وقد أعلمتُك فيما تقدَّم أن القراءةَ فى الصلواتِ كلِّها ليس فيها شىءٍ محدودٌ
لا يُجاوزُ فى(١) التطويلِ والتقصيرِ.
" والآثارُ بذلك مشهورةٌ جدًّا"، وقد ذكرتُ منها فى ((التمهيدِ)) ما فيه
كفايةٌ. "وهى فى المصنفاتِ كثيرةٌ متكررةٌ، ويقضِى عليها ويفسّرُها) قولُه
وَوَ: ((مَن أُمَّ بالناسِ فليُخفِّفْ)) (٥). إلا أن يعرفَ الإمامُ مذهبَ مَن
خلْفَه وإرادته فيطوِّلَ، كما فعَل أبو بكرِ رضِى اللهُ عنه، والاجتهادُ فى
بابِ التخييرِ والإباحةِ سائقٌ، والحمدُ للَّهِ﴾ .
وأما قراءةُ عمرَ بنِ الخطابِ فى صلاةٍ الصبحِ بسورةِ ((يوسفَ )) وسورةٍ
القبس
(١ - ١) فى ص، م: ((الأكثر)).
(٢) فى ص: ((لأنه قد ورد فيها كلها))، وفى م: ((فى التطويل والتقصير لأنه قد ورد فيها كلها)).
(٣ - ٣) فى الأصل: (( .... ل على ذلك))، ولعلها: ((والآثار كثيرة تدل على ذلك)).
(٤ - ٤) فى الأصل: ((وكل ركعة قرأ فيها مصليها ... هو أقل ما يلزم، وملاك هذا الباب)).
(٥) سيأتى فى الموطأ (٣٠١).
(٦ - ٦) فی ص، م: «وما بالاقتداء بالصدیق رضی الله عنه بأس فإنه من الذین هدی الله فأين
المهرب عنه وحديث مالك هذا قد وصله الثقات الأثبات رواه معمر وسفيان بن عيينة ویونس بن یزید
عن الزهرى » .
٢٦٤

أبيه، أنه سمع عبدَ اللهِ بنَ عامٍ بنٍ ربيعةً يقولُ: صلَّينا وراءَ عمرَ الموطأ
ابنِ الخطابِ الصبحَ، فقرَأ فيها بسورةِ ((يوسُفَ)) وسورة ((الحجّ))،
قراءةً بطيئةً، فقلتُ: واللهِ إِذَنْ لقد كان يقومُ حينَ يطلَعُ الفجرُ.
قال : أجَلْ .
((الحجّ)) قراءةً بطيئةً. فرواه مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، أنه سَمِع الاستذكار
عبدَ اللهِ بنَ عامٍ بن ربيعةً يقولُ: صَلَّينا وراءَ عمرَ بنِ الخطابِ رضِى اللهُ عنه
الصبحَ، فقرأ سورةَ ((يوسفَ)) وسورةَ ((الحجّ))(١). وهذا الحديثُ رواه و کیڤ
وأبو أسامةَ، عن هشام قال: أخبرنى عبدُ اللهِ بنُ عامٍ بن ربيعةً. لم يُذْكر فيه :
عن هشام، عن أبيه (٣).
وزعم المسلم بن الحجاج أن مالگا وهِم فيه، وأن أصحابَ هشام لم يقولوا
فیه : عن هشام ، عن أبيه . وإنما قالوا : عن هشامٍ ، أخبرنى عبدُ اللهِ بنُ عامٍ بنِ
ربيعةَ. والقولُ عندى ما قاله مالكٌ؛ لأنه أقعدُ بهشام وأحفظُ مِن كلِّ مَن خالفه
فى ذلك ، وزيادتُه مقبولةٌ ، وقد أنكر مالكٌ ما بلغه من أحاديثِ هشامٍ بالعراقِ ،
وذكر أنه خلَّط فيها وساء حفظُه .
وليس فى هذا الحديثِ والذى بعدَه أكثرُ من استحبابٍ عمرَ وعثمانَ طولَ القراءةِ
فى صلاةِ الصبح، وقد استَحب ذلك مالكٌ وجماعةٌ من العلماءِ فى صلاةِ الصبحِ) ، فعلى
القبس
(١ - ١) سقط من: ص، م.
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٢١). وأخرجه الشافعى ٢٠٧/٧، والطحاوى فى شرح المعانى
١٨٠/١، والبيهقى ٣٨٩/٢ من طريق مالك به.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٥٣/١، ٣٥٤ عن وكيع به ، ومسلم فى التمييز ص ٢٢٠ عن أبى أسامة
به .
٢٦٥

الموطأ
١٨٢ - وحدّثنی یحیی ، عن مالك ، عن یحیی بن سعيد وربیعةً بنِ
أبى عبدِ الرحمنِ ، عن القاسِمِ بنِ محمدٍ ، أن الفَرافِصَةَ بنَ عميرِ الحنَفِىّ
قال: ما أخَذتُ سورةَ ((يوسفَ)) إلا من قراءةٍ عثمانَ بنِ عفانَ إِياها فى
الصبح مِن کثرة ما كان يُردّدُها(١) .
١٨٣ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك، عن نافع، أن عبد الله بن عمرَ
كان يقرّأُ فى الصبحِ، فى السفَرِ ، بالعَشْرِ السوَرِ الأَوَّلِ من المُفصَّلِ،
فى كلِّ ركعَةٍ ، بـ: ((أمّ القُرآنِ)) وسورةٍ(٢).
الاستذكار ما قلنا مِن استحبابِ العلماءِ لطول القراءة فى صلاة الصبح، وذلك فى الشتاءِ
أكثرُ منه فى الصيفِ. وكذلك قراءةُ عثمانَ بسورةِ (( يوسفَ))، وأما تَردادُ عثمانَ
لها ، وتكريرُه قراءتها فى أكثرٍ أيامِه، فإنه ربما خفَّتْ على لسانِ الإنسانِ الحافظِ
للقرآنِ قراءةُ بعضٍ سُورِ القرآنِ دونَ بعضٍ ، فمالَ إلى ما خفَّ عليه ، فكان ذلك
أكثرَ قراءته، وربما أعجبه مِن سُورِ القرآنِ ما فيه قصصُ الأنبياءِ، فقرأها على
الاعتبارِ بها والتَّذْكارِ لها . وما أشُكُّ أن أبا بكرٍ وعمر وعثمانَ وعليًّا رضِى اللهُ
عنهم كانوا يعرفون مِن حرصٍ مَن خلفَهم على التطويلِ ما حمَلهم عليه أحيانًا .
وأما اليومَ فواجبٌ الاحتمالُ على التخفيفِ؛ لقولِ رسولِ اللهِ وَله: ((مَن أُمَّ
الناسَ فَلْيخففْ؛ فإن فيهم الضعيفَ والسقيمَ والكبيرَ وذا الحاجةِ ، ومَن صلَّى
لنفسِه فليطوِّلْ ما شاء)). وقولِهِ وَّله لمعاذٍ بن جبلِ: ((أفتَّانٌ أنت يا معاذُ ؟ اقرأْ
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٢٢). وأخرجه البيهقى ٣٨٩/٢ من طريق مالك به .
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٠٠)، وبرواية أبى مصعب (٢٢٣). وأخرجه البيهقى ٣٨٩/٢،
٣٩٠ من طريق مالك به .
٢٦٦

الموطأ
[٣٠و] ما جاء فى «أمّ القرآنِ))
١٨٤ - حدَّثنى يحيى ، عن مالك، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ
يعقُوبَ، أن أبا سعيدٍ مولَى عامٍ بنٍ كُريزٍ أُخبرَه، أن رَسولَ اللهِ وَلَه
بـ: ﴿َسَبِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى﴾، و: ﴿الشَّمْسِ وَضُحَنَهَا﴾، ونحوِ ذلك)). يعنى فى الاستذكار
العشاء الآخرةِ ().
وقد روى عن عمرَ بنِ الخطابِ أنه قال لبعضٍ مَن طوَّل مِن الأئمةِ : لا
تُبَغِّضٍ (٢) اللهَ إلى عبادِهُ) . وإذا كان الناسُ يؤمّرون بالتخفيفِ فى الزمنِ الأُولِ،
فما ظُّك بهم اليومَ ؟
ألا ترى إلى ما أجمعوا عليه من تخفيف القراءة فى السفر، وقد ژُوی عن
النبيِّ وَّ: ((إنى لأسمعُ بكاءَ الصبىِّ، فأتجوَّزُ فى صلاتى؛ مخافةً أن أشقَّ
على " أمُّه))(١).
وهذه الآثارُ كلُّها فى ((التمهيدِ)) بأسانيدِها . والحمدُ للهِ کثیرًا .
مالكٌ ، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، أن أبا سعيد مولَی عامٍ بنِ
التمهيد
القبس
حديثّ: قال أبىُّ بن كعبٍ ... إلى قوله: ((والقرآنُ العظيمُ)). أدخَله مالكٌ مُحَّةً
فى تَغْيِينِ الفاتحةٍ فى الصلاةِ؛ لأن النبيَّ وَلِّ قال لأَبىّ: ((كيف تقرأْ إذا افتحتَ
(١) سيأتى فى شرح الحديث (٣٠١) من الموطأ .
(٢) فى ص، م: ((تبغضوا)).
(٣ - ٣) فى الأصل: ((أفتن))، وكلا اللفظين قد ثبتا. وينظر صحيح مسلم بشرح النووى ٤/ ١٧٤،
وفتح البارى ٢/ ٢٠١، ٢٠٢. وفتنة الأم: أن تتلهى عن صلاتها لاشتغال قلبها بيكائه. فتح البارى
٢٠٢/٢.
٢٦٧
٠٠٠

:
الموطأ نادَى أُتَّىَّ بنَ كعبٍ وهو يُصَلِّى، فَلمَّا فرغ من صلاتِه لَحِقه، فوضع
رسولُ اللهِ وَلِِّ يدَه على يدِه وهو يريدُ أن يخرُجَ من بابِ المسجدِ ،
فقال: ((إنى لأرجو ألا تخرُجَ مِن المسجدِ حتى تعلَمَ سورةً ما أنزل اللهُ
فى التوراةٍ ، ولا فى الإنجيلِ، ولا فى الفرقانِ، مِثْلَها)). قال أُبىّ:
فَجَعَلتُ أُبْطِئُ فى المشى رجاءَ ذلك، ثم قلتُ : يا رسولَ اللهِ ، السورةَ
التى وعَدتَنى. قال: ((كيف تقرأْ إِذا افتَتَحتَ الصلاةَ؟)). قال: فقرَأْتُ
عليه: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾، حتى أَتَيْتُ على آخِرِها ، فقال
رسولُ اللهِ وَّهِ: ((هى هذه السورةُ، وهى السبعُ المثانى والقرآنُ
ء
العظيمُ الذى أعطِيتُ )).
التمهید
كُرَيْزِ أُخْبَرَه، أن رسولَ اللهِ وَِّنادَى أَتَىَّ بن كعب وهو يُصَلّى، فلمَّا فرَغ من
صلاته لحقه، فوضع رسولُ اللهِ پ یدہ علی یدِه وهو ◌ُرِيدُ أن يَخْرُجَ من بابٍ
المسجدٍ ، فقال: ((إنِّى لأرجو ألَّا تَخرُجَ من المسجدِ حتى تَعلَمَ سورةً ما أَنزَل
اللهُ فى التوراةِ ولا فى الإنجيلِ ولا فى الفُرقانِ مِثْلَها ». قال أبىّ: فجعَلْتُ أُبْطِئُ
فى المشي رجاءَ ذلك، ثم قلتُ: يا رسولَ اللهِ ، السورةَ التى وعَدْتَنى. قال:
((كيف تَقْرَأُ إذا افتَحْتَ الصلاةَ؟)). قال: فقرأْتُ عليه: ﴿الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ
اَلْعَلَمِينَ﴾. حتى أَتَيْتُ على آخرِها. فقال رسولُ اللهِ وَليهِ: ((هى هذه
القبس الصلاةَ؟)). فقال: ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. فعيَّنها قولاً وفعلاً وبيانًا
وتنبيهًا .
وفيه أيضًا إسقاطُ: ﴿بِسْمِ أَلَّهِ الَّغْيِ الرَّحَةِ﴾، وفيها زحامٌ عظيمٌ
قد بيَّاه فى ((مسائلِ الخلافِ)). وقولُه: ((ما أَنزِل فى التوراةِ ولا فى الإنجيلِ ولا فى
٢٦٨

الموطأ
السورةُ، وهى السبعُ المثانِى والقرآنُ العظيمُ الذى أُعْطِيتُ))(١)
التمهيد
قال أبو عمرَ: أبو سعيدٍ مولَى عامرٍ بنٍ كُرَيْرٍ لا يُوقَفُ له على اسمٍ، وهو
مَعدودٌ فى أهلِ المدينةِ ، روَى عنه محمدُ بنُّ عَجْلانَ ، وداودُ بنُ قيسٍ ، وصَفْوانُ
ابْنُ سُلَيم، والعلاءُ بنُ عبدِ الرحمنٍ، وأسامةُ بنُ زيدٍ، وروايتُه: عن أبی
هريرةَ ، وحديثُه هذا مُؤْسَلٌ. وقد رُوِى هذا الحديثُ عن أبى سعيدِ بنِ
المُعَلَّى(٢)، وأبو سعيدِ بنُ المُعَلَّى رجلٌ من الصحابةِ لا يُوقَفُ له أيضًا على اسم .
روَی عنہ حفصُ بنُ عاصم، وسعیدُ بنُ محبئرٍ، وقد ذكرناه فی کتابٍ
((الصحابةِ)) (٤). والحمدُ للهِ .
القبس
القرآنِ مثلُها)). وسكَت عن سائرِ الكتبِ كالزَّبورِ والصحفِ ؛ لأن هذه أفضلُها ، وإذا
كان الشىءُ أفضلَ الأفضلِ، كان أفضلَ الكلِّ ؛ كقولك: زيدٌ أفضلُ العلماءِ. فهو
أفضلُ الناسِ .
وفضلُها على غيرِها يكونُ مِن سبعةٍ أوجهٍ ؛ الأُولُ : أن الشىء قد يَشْرُفُ بذاتِه
كشَرَفِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ على خلقِه ، وليس هذا لـ: ((فاتحة الكتابِ))؛ لأن الذاتيةَ فى
الكلِّ واحدةً ، وهى كلامُ اللَّهِ تعالى . الثانى: أن الشىءَ قد يَشْرُفُ بصفاتِه، وذلك
للبارئ سبحانه على الحقيقةِ والإطلاقِ دونَ سائر المخلوقاتِ؛ ﴿لَيْسَ کَمِثْلِهِ،
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٣١). وأخرجه إسحاق بن راهويه - كما فى المطالب (٣٨٨٧) -
وأبو عبيد فى فضائل القرآن ص ١١٧، وابن جرير ١٢٢/١٤، والحاكم ٥٥٧/١، ٥٥٨ من طريق
مالك به .
(٢ - ٢) فى ص ١٧: ((وقد روى العلاء، عن أبيه عن أبى هريرة هذا الحديث)).
(٣) سيأتى تخريجه ص ٣٢٢.
(٤) الاستيعاب ١٦٦/٤.
٢٦٩

الموطأ
التمهید
ولم يَخْتَلِفِ الرّواةُ على مالكِ عن العلاءِ فى إسنادٍ هذا الحديثِ،
وخالَفه فيه " غيرُه؛ جماعةٌ عن العَلاءِ، فرواه ابنُّ جُرَيْج، وابنُ عَجْلانَ،
ومحمدُ بنُ إسحاقَ - عن العلاءٍ) مرسلًا، عن النبيِّ وَلِينَ(٣) .
ورواه إسماعيلُ ومحمدٌ ابنا جعفرٍ بنٍ أبى كثيرٍ ، وعبدُ العزيزِ بنُّ أبی
القبس
شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وفى ((الفاتحةِ)) شىءٌ مِن هذا
الشَّرَفِ، وبهذا شَرُف النبيُّ وَِّ على سائرِ الآدميِين؛ لأن الذَّاتَ له ولهم واحدةٌ،
وإنما شرُف بالصفاتِ وهى عظيمةٌ متعددةٌ، وقَعت الإشارةُ إلى أفضلها فى قوله :
﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَىَّ﴾ [الكهف: ١١٠]. ووقَع التنبيهُ على جميعِها فى قولِه
تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
وفى ((الفاتحةٍ)) مِن الصفاتِ ما ليس فى غيرِها حتى قيل: إن جميعَ القرآنِ
فيها. وهى عشرونَ كلمةً تَضَمَّنت جميعَ علومِ القرآنِ، ومِن شَرَفِها أن اللَّهَ تبارك
وتعالى قسمها بينَه وبينَ عبدِه، وهو الثالثُ. الرابعُ: أنه لا تَصِحُ القراءةُ إلا بها .
الخامسُ: أنه لا يلحَقُ عملٌ بثوابِها، وللَّهِ تعالى أن يُفاضِلَ بِينَ الثوابِ فى الفعلَين
وإن اسْتَويا. ولهذه المعانى كلُّها صارَت القرآنَ العظيمَ كما صارَت: ﴿قُلْ هُوَ
(١ - ١) فى ص ١٧: ((عن مالك)).
(٢ - ٢) فى ص ١٧: ((جماعة غيره، فرووه عن العلاء بن عبد الرحمن)).
(٣) أخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص ١١٧ عن حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبى
بكر، عن العلاء، عن النبى وَلتر، ومن طريق ابن عجلان وابن إسحاق عن العلاء به.
(٤) أخرجه أبو عبيد فى فضائل القرآن ص ١١٦، وأحمد ٣١٠/١٤ (٨٦٨٢) من طريق إسماعيل به ،
وأخرجه ابن جرير ١٢٣/١٤، والبيهقى ٢/ ٣٧٥، ٣٧٦ من طريق محمد بن جعفر بن أبى كثير به .
٢٧٠

الموطأ
سَلَمةً ، ورَؤُ بنُ القاسم ، وعبدُ السلامِ بنُ حفصٍ ، عن العلاء، عن أبيه ، عن
أبى هريرةَ، عن النبيِّ ◌َلهر مسندًا .
التمهید
ورواه عبدُ الحميد بن جعفر ، عن العَلاءِ، عن أبيه ، عن أبى هريرةَ ، عن أُتَىّ
ابنِ كعبٍ، عن النبيِّ نَِّ﴾(١). وهو الأشْبَهُ عندى. واللهُ أعلمُ .
القبس
اللهُ أَحَدُّ﴾ تعدِلُ ثُلُثَ القرآنِ (١)؛ إذ القرآنُ توحيدٌ وأحكامٌ ووَعْظٌ، و: ﴿قُلْ هُوَ
اللهُ أَحَدُّ﴾ فيها التوحيدُ كلُّه، وبهذا المعنى وقَع البيانُ فى قولِهِ وٍَّ لأبىّ بنِ
كعبٍ: ((أىُّ آيةٍ فى القرآنِ أعظَمُ؟)). قال: ﴿اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُمْ﴾
[البقرة: ٢٥٥]. قال: ((لِيَهْنِك العلمُ يا أبا المُنْذرِ))(٢). وإنما كانت أعظمَ آيةٍ؛ لأنها
توحيدٌ كلُّها، كما صار قولُهُ مَّهِ: ((أفضلُ ما قُلْتُه أنا والنَّبيُّون مِن قَبْلى: لا إله إلا
اللَّهُ))(٤) الحديث. أفضلَ الذكرِ؛ لأنها كلماتٌ حَوَتْ جميعَ علومِ التوحيدِ ،
و: ((الفاتحةُ)) تضَمَّنت التوحيدَ والعبادةَ والوعظ والتذكير، ولا يُستبعَدُ ذلك فى
قدرة الله تعالى فإن الله عزَّ وجلَّ جمع التوحید كلُّ فی آية الكرسىِّ ، ثم جمعه فى
أقلَّ حروفًا(٥) منها وهو: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾، ثم جمَعه لرسولِه ◌َلِ فِى
كلماتٍ يومٍ عرفةَ المُتَقدِّمةِ، ثم جمَع علومَ القرآنِ فى ((الفاتحةِ))، ثم جمعَها فى
(١) سیأتی تخريجه ص ٢٧٨ .
(٢) سيأتى فى الموطأ (٤٨٧، ٤٨٩).
(٣) أحمد ٢٠٠/٣٥ (٢١٢٧٨)، ومسلم (٨١٠).
(٤) سيأتى فى الموطأ (٥٠٢ ، ٩٦٦).
(٥) فى ج، م: (( حروف)).
٢٧١

الموطأ
التمهيد
حدَّثْنا يونس بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا
جعفرُ بنُّ محمدٍ الفريابيُ، قال: حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ
مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ السلامِ بنُ حفصٍ، قال: حدَّثنا العلاءُ بنُّ
عبد الرحمنِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ لأَتَىّ بنِ
القبس
آيتين (١)؛ قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾
[الطلاق: ١٢]. والثانيةُ: قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْمِنَّ وَاَلْإِنسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. ثم جمَعها فى آيةٍ واحدةٍ وهى قولُه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآَ إِلَّا بِالْحَقّ﴾ [الحجر: ٨٥]. وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا
خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]. السادسُ: أنه قال: ((الشَّبْعُ)). وهى سبغُ
آياتٍ تَضمَّنَت - كما قدَّمناه - من العلومِ ما لم يَتَضمَّنْ سِواها فى قَدْرِها .
السابعُ: ((المَثانى)). وهى مَثانٍ بمعانىَ، منها ما تشتركُ فيه مع القرآنِ فى
قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَبِهَا مَّثَانِىَ﴾ [الزمر: ٢٣]. ومنها ما
تنفردُ به، وهى أنها تُثَنَّى فى كلِّ ركعةٍ. ومنها أن اللَّه تعالى جعَلها قسمَین بينَه وبينَ
عبدِه فقال: ((هذه بينى وبين عَبْدِى ولعبدى ما سأَل))(١). ومنها أنها قسمان ؛ ثَنَاءٌ
ودعاء. ومنها أنها ورَدَت على الازدواجِ؛ اثنين اثنين، قال: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ إِيَّاكَ
اَلْعَلَمِينَ ﴾ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴿ أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيِمَ صِرَطَ الَّذِينَ
(١) فى د، م: ((اثنين)).
(٢) سيأتى فى الموطأ (١٨٦).
٢٧٢

الموطأ
كعبٍ: ((أَلَا أَعلِّمُك سورةً لم يَنْزِلْ فى التوراةِ ولا فى الإنجيلِ ولا فى الزَّبورِ ولا
فى الفُرقانِ مثلُها؟)). قال: نعم يا رسولَ اللهِ. فذكَر الحديثَ(١).
التمهيد
وذكَر محمدُ بنُّ إسحاقَ السَّاجُ فى ((تاريخِه))، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ
المِقْدامِ، حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَبْعِ، حدَّثنا رَوْحُ بنُ القاسمِ، عن العلاءِ بنِ
عبد الرحمنِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، قال: خرج رسولُ اللهِ وَلِّ على أَتَىِّ بنِ
كعبٍ وهو يُصَلِّى، فقال: ((السلام عليك أنْ أُتَهُ)). فالْتَفَتَ إليه ولم يُجِئْه، ثم
إن أبىَّ بنَ كعبٍ خفَّف الصلاةَ، ثم انْصَرَف إلى النبيِّ وَّفقال: السلامُ عليك
القبس
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ﴾. وهذا كلُّه مَثْنَى(٣) ،
ويُصِحُ أن تكون مثانی بهذه المعانی کلّها ، ويَصِح أن تكون ببعضها ، وذُکِر أنها سبٹ
آياتٍ؛ كما ذكَر ◌َّهِ أَن سورةَ ((المُلْكِ)) ثلاثونَ آيَةً(٢). وتقديرُ() الآي مِن
مُعْضِلاتِ القرآنِ، وقد صَحَّ عنه بَّهِ مِن حديثِ ابنِ عباسٍ ، أنه قال: فقرَأ العشرّ
الآياتِ الخَواتمَ مِن سورةِ ((آل عمرانَ» (٥) . ومن آياتِ القرآنِ طويلٌ وقصيرٌ، ومنه (٦) ما
ينقطعُ، ومنه ما ينتهِى إلى تمامِ الكلامِ، ومنه ما يكونُ فى أثنائِه كقوله: ﴿أَنْعَمْتَ
عَلَيْهِمْ﴾. على مذهبٍ أهلِ المدينةِ، فإنهم يُعُدُّونها آيةً ، وينبغى أن يُعَوَّلَ فى ذلك
على ما نقَل السلفُ وما تَقَلَّدوه .
(١) ذكره الدارقطنى فى العلل ٩/ ١٤.
(٢) فى د: ((ثناء)).
(٣) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (٤٨٩) من الموطأ .
(٤) فى ج، م: ((تعديد)).
(٥) سيأتى فى الموطأ (٢٦٥).
(٦) فى د: ((منها)).
٢٧٣
( موسوعة شروح الموطأ ١٨/٤ )

الموطأ
التمهيد يا رسولَ اللهِ. قال: ((وعليك السلامُ (١)، ما مَنعَكَ أى أَتَيُ أن تُجيبَنِى إِذ
دَعَوْتُكَ ؟)) . قال: يا رسولَ اللهِ، كنتُ أَصَلِّى. قال: ((أَفَلسْتَ تَجِدُ فيما أُوحِىَ
إِلَىَّ أَن ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾؟)) [الأنفال: ٢٤].
قال: بلى يا رسولَ اللهِ ، ولا أعودُ أبدًا. قال: ((أَىْ أَتَىُ، أَتُحِبُّ أن أعَلِّمَكَ سورةً
لم يَنْزِلْ فى التوراةِ ولا فى الإنجيلِ ولا فى الزَّبُورِ ولا فى الفُرقانِ مثلُها؟». قال:
نعم يا رسولَ اللهِ . قال: ((فإِنِّى لا أُخْرُجُ من هذا البابِ حتى تَعْلَمَها)). قال: ثم
أُخَذ رسولُ اللهِهِ بِيدى يُحَدِّثُنى، وأنا أتباطَأً (١) مَخافةَ أن يَتْلُغَ البابَ ، فلما
دنَوْنا من البابِ قلتُ: يا رسولَ اللهِ، السورةَ التى وعَدْتَنى؟ قال: (( كيف تَقْرَأُ فى
الصلاةِ؟)). قال: فقرأْتُ عليه: ((أَمَّ القرآنِ)). قال: ((هى هذه السورةُ ، وهی
الشَّبعُ المثانِى والقرآنُ العظيمُ )) (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُّ قاسم بنٍ عيسى المقْرِئُ ، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ إبراهيمَ
المقْرِئُ ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ إسماعيلَ المَحَامِلىُّ ، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ
موسى بن راشدِ القَطَّانُ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ
جعفرٍ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه ، عن أبى هريرةَ، عن أَتَىِّ بنِ كعبٍ ،
قال: قال رسولُ اللهِ إِّهِ: ((ألَا أَعلِّمُكَ سورةً ما أَنْزَلَ اللهُ فى التوراةِ ولا فى
الزَّبُورِ ولا فى الإنجيلِ ولا فى الفُرقانِ مثلَها؟)) . قلتُ : بلى يا رسولَ اللهِ . قال :
القبس
(١) سقط من: ص ١٦، ص ١٧، ص ٢٧.
(٢) فى ص ١٧، م: ((أتبطأ))، وفى ص ٢٧: (( أتبطأ به)).
(٣) أخرجه ابن جرير ١٢١/١٤، ١٢٢، وابن خزيمة (٨٦١) عن أحمد بن المقدام به، وأخرجه
النسائى (١١٢٠٥) من طريق يزيد بن زريع به .
٢٧٤

الموطأ
التمهيد
فقال: ((لَعَلَّكَ الَّ تَخرج من هذا الباب حتى تَعْلَمها )). قال: وقام فأخذ بيدی
يمشِى، فجعَلْتُ أتباطاً(١) به مخافةً أن يَخْرُج() قبلَ أن يُخْبِرَنى ، فلما تقَرَّب من
البابِ قلتُ: يا رسولَ اللهِ، السورةَ التى وعَدْتَنِى؟ قال: ((كيف تَقْرَأُ إذا قُمْتَ
تُصَلَّى؟)). فقرَأْتُ بـ: ((فاتحة الكتاب))، فقال: ((هى هى، وهى السبعُ
المثاني والقرآنُ العظيمُ الذى أُعْطِيتُ))(٢).
قال أبو عمرَ : فى هذا الحديثِ جَوازُ مُناداةٍ مَن فى الصلاةِ ليُجِيبَ إذا فرَغ
من صلاتِه .
وفيه أن مَن دُعِی به وهو فى الصلاة لا يُجِيبُ حتی یفْرُعْ من صلاته، وقد
تقَدَّم فى هذا الكتابِ من الأصولِ فى الكلامِ فى الصلاةِ ، وما يَجُوزُ فيها ما
يُضْبَطُ به مثلُ هذا وشِئْهُه من الفروعِ().
وفيه وضعُ اليدِ على اليدِ ، وهذا يُستحسَنُ من الكبيرِ للصغيرِ؛ لأن فيه تَأْنيسًا
وتأكيدًا للؤُدِّ .
وفيه ما كان عليه أبيّ بن كعبٍ من الحرصِ على العلم، وحرصُه حمَلَه على
قوله : يا رسولَ اللهِ ، السورةَ التى وعَدْتَنی .
القبس
(١) فى ص ١٧، ص ٢٧: ((أتبطأ)).
(٢) بعده فى ص ١٧: ((من الباب)).
(٣) سيأتى تخريجه ص ٢٧٨ .
(٤) سيأتى ص ٤٥٧ - ٤٦٥ .
٢٧٥

الموطأ
التمهيد
(" واسْتَدَلَّ بعضُ أصحابِنا بقولِه: ((كيف تَقْرَأ إذا افتتَحْتَ الصلاةَ؟)). قال:
فقرأْتُ عليه: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾. فقال: فى ذلك دليلٌ على
◌ُقوطِ الاستعاذةِ فى أولِ السورةِ (١) قبلَ القراءةِ. قال: ودليلٌ أيضًا على سقوطٍ
قراءةٍ: ﴿نِسْمِ اللَّهِ اَلََّرِ الرَّحَيَةِ﴾. وفى ذلك اعْتِراضٌ
للمُخالِفِ؛ لقولِه فى هذا الحديثِ: ((كيف تَقْرَأَ؟)) فأجابه بما يَفْتَتِحُ به
القراءةَ، لكن الظاهرَ ما قال صاحبنا(١)؛ لأن الاستعاذةَ قراءةٌ، والتّوجيهَ قراءةٌ .
قال أبو عمرَ: فى هذا الحديثِ ) دليلٌ على أن فاتحة الكتابِ تُقْرَأُ فى أولِ
ركعةٍ ، وحكمُ كلِّ ركعةٍ كحكم أولِ ركعةٍ فى القِياسِ والنَّظَرِ ، وظاهرُ قوله :
فقرَأْتُ عليه: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾. والأغْلَبُ منه أنه انْتَتَحها
بذلك. واللهُ أعلمُ . وقد تقَدَّم فى البابِ قبلَ هذا من وُجوهِ القول فى ذلك ما فيه
ـ(٤)
كفايةٌ(٤) .
وهذا الحديثُ يُخَرَّجُ فى التفسيرِ المُسْنَدِ فى تأويلٍ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَقَدْ
ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]. أن السبع المثانىَ (( فاتحةُ
الكتابِ ))، قيل لها ذلك لأنها تُثَنَّى فى كلِّ ركعةٍ. كذلك قال أهلُ العلم بالتأويلِ .
القبس
(١ - ١) فى ص ١٦: ((وفى قوله: ((كيف تقول إذا افتتحت الصلاة؟)). قال: فقرأت عليه:
﴿الحمد لله رب العالمين﴾. فى ذلك دليل على أن التوجيه والاستعاذة ردّ على من أوجب ذلك.
ولهم فى ذلك اعتراضات قد ذكرناها فى موضعها وفيه)).
(٢) فى ص ١٧، ص ٢٧: ((الصلاة)).
(٣) فى الأصل: ((به صاحبنا))، وفى ص ١٦، م: ((به أصحابنا))، وفى ص ١٧: (( بعض أصحابه)).
(٤) تقدم ص ٢٥٤ - ٢٥٩ .
٢٧٦

الموطأ
التمهيد
وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ فى قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِىِ﴾ .
أنها ((فاتحةُ الكتابِ)) (١). ورُوِى عنه أنها السبعُ الطََّلُ؛ ((البقرةُ))، و«آلُ
عمرانَ))، و(النساء)، و((المائدةُ))، و((الأنعامُ))، و((الأعرافُ))، و((الأنفالُ
و(٢) براءةُ))(٢). وهو قولُ مجاهدٍ وسعيدِ بنِ جبيرٍ (٢)؛ لأنها تُثَنَّى فيها حُدودُ القرآنِ
والفرائض. والقولُ الأولُ أثبتُ عنه ، وهو الصحیُ فی تأويلِ الآية ؛ لأنه قد ثبت عن
النبىِّ نَّه من وجوهٍ صِحاح، أحسنُها حديثُ شعبةً، عن خُبيبٍ بنِ عبدِ الرحمنِ،
عن حفصٍ ابنِ عاصمٍ، عن أبى سعيدِ بنِ المعَلَى، وقد ذكّرناه فى البابِ قبلَ هذا" .
وعندَ شعبةً فى هذا حديثٌ آخرُ روَاه عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ .
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال : حدَّثنا
محمدُ بنُ عبدِ السلامِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثَنَّى ومحمدُ بنُ بِشَّارٍ ، قالا :
حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ العلاءَ بنَ
عبد الرحمنِ يُحَدِّثُ عن أبيه، عن أَتَىِّ بنِ كعبٍ، قال: السبعُ المثانى :
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾(١).
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٣١٧ .
(٢) فى ص١٧: ((أو)). وينظر مطبوعة الاستذكار ١٨٧/٤.
(٣) أخرجه ابن جرير ١٠٧/١٤ - ٠١١١ وفيه: ((ويونس)). بدلًا من: ((الأنفال وبراءة)).
وبذكر ((الأنفال))، و((براءة)) يكون المعدود ثمانية، فلعله على قول من يقول: إن ((الأنفال))
و((براءة)) سورة واحدة. وينظر الدر المنثور ٢٢٢/٧، ٢٢٤.
(٤) ينظر تفسير ابن جرير ١٠٩/١٤ - ١١١.
(٥) سيأتي تخريجه ص ٣٢٢ .
(٦) أخرجه ابن جرير ١١٦/١٤ عن ابن المثنى به .
٢٧٧

الموطأ
١٨٥ ۔ وحدّثنی یحیی ، عن مالك ، عن أمی نُعیم، وهب بنِ
کَیسانَ، أَنْهُ سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: مَن صلَّى رکمَةً لم يقرأ فيها
بـ ((أُمّ القرآنِ)) فلم يُصَلِّ [١٣٠] إلا وراءَ الإمامِ.
التمهيد
وهو قولُ قتادةَ. وروَى معمرٌ، عن قتادةَ ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِ﴾ . قال: هی
((فاتحةُ الكتابِ ))، ثُثَنَّى فى كلِّ ركعةٍ مكتوبةٍ وتَطَوَّعٍ().
وأخبرنا سعيدُ بنُ نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ
وضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شَيْبةَ، قال: حدَّثنا أبو أسامةً، عن
عبد الحميد بن جعفر ، عن العلاءبن عبد الرحمن بن يعقوب ، عن أبيه ، عن أبى
هريرةَ، عن أَبيِّ بنِ كعبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِّ: (( ما فى التوراةِ ولا فى
الإنجيلِ مثلُ ((أمّ القرآنِ))، وهى السبعُ المثانى، وهى مقسومةٌ بينى وبينَ
عبدی، ولعبدِی ما سأَل))(٢) .
اخْتُلِف على العلاءِ فى هذا الحديثِ، كما ترَى، فى الإسنادِ والمتنِ، وأَظُنُه
کان فى حفظه شىءٌ ، واللهُ أعلم. وقد جوَّده ابنُ أبى شيبةً ویوسفُ بنُ موسى ،
عن أبى أسامةَ، عن عبد الحميدِ بنِ جعفرٍ . وبالله التوفيقُ.
وأما "حديثُه عن" وهب بن كيسان، أنه سمع جابر بن عبدِ اللهِ یقولُ: مَن
الاستذكار
القبس
٠
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٤٩/١، ٣٥٠، وابن جرير ١١٨/١٤.
(٢) ابن أبى شيبة - كما فى الإتحاف بذيل المطالب ٥١٣/٨ - ومن طريقه عبد الله بن أحمد فى
زوائد المسند ١٨/٣٥ (٢١٠٩٤)، وابن الضریس (١٤٦)، وابن حبان (٧٧٥)، وأخرجه عبد بن
حميد (١٦٥ - منتخب )، والدارمى (٣٤١٥)، وعبد الله بن أحمد فی زوائد المسند ٢٠/٣٥
(٢١٠٩٥) من طريق أبى أسامة به .
(٣ - ٣) تآكل فى: الأصل. وفى م: ((حديث).
٢٧٨

الموطأ
الاستذكار
صلَّى ركعةً لم يقرأ فيها بـ: ((أمّ القرآنِ)) فلم يُصلِّ؛ إلا وراءَ الإمامِ(١) . فقد رواه
يحيى بنُ سلَّامٍ صاحبُ ((التفسيرِ))، عن مالك، عن أبى نعيم وهبِ بنِ کَیْسانَ،
عن جابرٍ، عن النبيِّ وَّه١، وصوابه موقوفٌ على جابرٍ، كما فى ((الموطأ)).
وفيه مِن الفقهِ إبطالُ الركعةِ التى لا يُقرأُ فيها بـ: ((أمّ القرآنِ))، وهو يَشهدُ
بصحةٍ ما ذهب إليه ابنُ القاسم ورواه عن مالكِ فى إلغاءِ الركعةِ والبناءِ على
غيرِها، وألَّ يعتدَّ المصلى بركعةٍ لا يقرأ فيها بـ: ((فاتحة الكتابِ)) .
ويُفَسُّ(١) قولُ جابرٍ هذا ما رُوى عن النبيِّ وَّر، أنه قال: ((لا صلاةَ لمَن لم
يُقرأْ فيها بـ: ((فاتحة الكتابِ)). أى: لا ركعةً.
وأما قولُه: فلم يصلِ؛ إلا وراءَ الإمام . فقد تقدَّم هذا المعنى مجوَّدًا ، فلا
وجه لإعادته(٤) .
وفيه أيضًا أن الإمامَ قراءتُه لمَن خلفَه قراءةٌ ، وهذا مذهبُ جابرٍ، وقد خالَفه
فيه غيرُه ، والاختلافُ فى القراءةِ خلفَ الإمامِ بينَ الصحابةِ والتابعين وأئمةِ فقهاءٍ
القبس
(١) فى الأصل: ((إمام)).
والأثر فى الموطأ برواية محمد بن الحسن (١١٣)، وبرواية أبى مصعب (٢٣٣) . وأخرجه
البخارى فى جزء القراءة خلف الإمام (٢٨٥)، والترمذى (٣١٣)، والبيهقى ١٦٠/٢ من طريق
مالك به .
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ٢١٨/١، والبيهقى فى جزء القراءة خلف الإمام (٣٤٩) من
طریق یحیی بن سلام به .
(٣) فى م: ((تفسير)).
(٤) سيأتى ص ٣٣١ - ٣٦٦.
٢٧٩

الموطأ
القراءةُ خلفَ الإمامِ فيما لا يجهَرُ فيه بالقراءةِ
١٨٦ - حدَّثنى يحيى، عن مالك ، عن العلاء بن عبد الرحمنِ بنِ
يعقوب ، أنه سمع أبا السائبِ مولى هشامٍ بنِ زُهْرَةَ يقولُ : سَمِعتُ أبا
هريرةَ يقولُ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ وَّ يقولُ: ((مَن صلَّى صلاةً لم يقرأْ
فيها بـ: ((أُمِّ القرآنِ)) فهى خِداجٌ، هى خِداجٌ، هى خِداجٌ غيرُ تمامٍ )) .
قال: فقلتُ: يا أبا هريرةَ، إنى أحيانًا أكونُ وراءَ الإمام؟ قال: فغمَز
الاستذكار المسلمين كثيرٌ جدًّا، وسنوردُه ونمهِّدُه عندَ قولِه وَلّ: ((مالى أنازَعُ
القرآنَ))(١) . إن شاء الله تعالى.
التمهيد
مالكٌ، عن العلاء بن عبد الرحمنِ، أنه سمع أبا السائب مولی هشام بن
زُهرةَ يقولُ: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ وَله: ((مَن صلَّى صلاةً لم
يقرأْ فيها بـ: ((أمّ القرآنِ)) فهى خداجٌ، فهى خِداجٌ، فهى خِداجٌ غيرُ تمامٍ)) . قال :
فقلتُ : يا أبا هريرةَ، إنى أكونُ أحيانًا وراءَ الإمامِ ؟ قال: فغمَز ذراعى وقال: اقرأْ
القبس
حديثٌ: ((قسمتُ الصلاةَ بينى وبينَ عبدى)) إلى آخرِهِ. قولُه: ((يقولُ اللَّهُ:
حمِدنى عبدِى، وأثنَى، ومَجَّد)). التمجيدُ ثناءٌ وتَخْميدٌ، والثناءُ حمدٌ وتمجيدٌ ،
و کُّ واحدٍ منهما يُعبّرُ به عن صاحبه، ولكنه خَصَّ كلَّ واحدٍ منهما بمعناه الأخصّ ،
فخَصِيصةُ الحمدِ الْتمجيدُ(١)، (هُوَهُو، وهُوَ " أعظمُ) صفاتِ الثناءِ؛ لأنه يَتَضمَّنُ
الثناء بما هو المُثْنَى عليه فى ذاتِه، وبما صدر عنه مِن فعله، والثناءُ هو ذكرُ محاسنِ
(١) سيأتى ص ٣٣١ - ٣٦٦.
(٢) فى ج: ((التحميد )).
(٣ - ٣) فى م: ((فهو)).
(٤) فى ج: ((أعم)).
٢٨٠