Indexed OCR Text
Pages 41-60
الموطأ قال : إذا أُقيمتِ الصلاةُ فامش إليها كما كنتَ تمشِى، فصلُ ما أدرَكتَ ، واقْضٍ التمهيد ما سبقك . قال أبو عمرَ: قد اختلَف السلفُ فى هذا البابِ كما ترَى، وعلى القولِ بظاهرٍ حديثِ النبيِّ وَِّ فى هذا البابِ جمهورُ العلماءِ وجماعةُ الفقهاءِ، وقد روَى ابنُ القاسم فى سَماعِه قال : سُئل مالكٌ عن الإسراع فى المشي إلى الصلاةِ إذا أُقيمت؟ قال: لا أَرَى بذلك بأسًا ما لم يسعَ أو يخُبَّ . قال: وسُئل عن الرجلِ يخرجُ إلى الحَرَسِ، فيسمَعُ مؤذنَ المغربِ فى الحَرَسِ ، فيحرِّكُ فرسَه ليدرِكَ الصلاةَ. قال مالكٌ: لا أرَى بذلك بأسًا. وقال إسحاقُ: إذا خاف ( فَواتَ التكبيرة الأولى١) فلا بأسَ أن يسعَى . قال أبو عمرَ: معلومٌ أن النبيَّ وَ لّ إنما زجَر عن السعي مَن خاف الفَوتَ(١) ، قال: ((فما أدرَ كتُم فصلُّوا)). فالواجبُ أن يأتىَ الصلاةَ مَن خاف فَوتَها ومَن لم يخَفْ ذلك بالوقارِ والسكينةِ وتَركِ السَّعي وتقريبِ الخُطا؛ لأمرٍ النبيِّ وَّرَ بذلك، وهو الحجةُ وَه . وأما قولُه : ((وما فاتكم فأتمُّوا)). على ما روَى مالكٌ وغيرُهُ ممَّن تقدَّم ذِكرُه فى هذا البابِ ، ففيه دليلٌ على أن ما أدرَك المصلِّى مع إمامِه فهو أوَّلُ صِلاتِهِ، وهذا موضعّ اختلف فيه العلماءُ؛ فأما مالكٌ، فَاختلَفتِ الروايةُ عنه فيما أُدرَك القبس (١ - ١) فى ص ١٦، ص ١٧: ((فوت التكبير الأول)). (٢) ليس فى: الأصل، ص ١٦، ص ١٧، م. ٤١ الموطأ التمهيد المصلِّى من صلاةِ الإمام ؛ هل هو أولُ صلاتِه أو آخِرُها؟ فروَى سُحنونٌ عن جماعةٍ مِن أصحابٍ مالكِ؛ منهم ابنُ القاسم، عنه، أن ما أدرَك فهو أولُ صلاتِه، ولكنَّه يقضِى ما فاته بالحمدِ وسورةٍ . وهذا هو المشهورُ من المذهبِ، وقال ابنُّ خُوازِ بندادَ (١) : وهو الذى عليه أصحابنا، وهو قولُ الأوزاعىّ، والشافعىٌّ ، ومحمدِ بنِ الحسنِ، وأحمدَ بن حنبلٍ ، والطبرئِّ، وداودَ بنِ علىٍّ . وروی أشهبُ - وهو الذی ذكره ابنُ عبد الحكم - عن مالك ، ورواه عیسی ، عن ابنِ القاسم، عن مالك، أن ما أدرَك فهو آخِرُ صلاتِه. وهو قولُ أبى حنيفةً، والثورئٍ، والحسنِ بنِ حیٍّ . قال أبو عمرَ: هكذا حکَی ابنُ خُوازِبندادَ ()، عن أبى حنيفةً) . وذكَر الطحاوىّ، عن محمدٍ ، عن أبى يوسفَ ، عن أبى حنيفةَ ، أن الذى يقضِيه(٢) أولُ صلاِه، وكذلك يقرأُ فيها(٤) . ولم يَحكِ خلافًا . ولا خلافَ عن مالكٍ وأصحابِه أن مَن أدرَك مع الإمامِ ركعتين أنه يقرأُ فيها(٤) بأمّ القرآنِ وحدَها معه فى كلِّ ركعةٍ ، ثم يقومُ إذا سلَّم الإمامُ فيقرَأَ بأمّ القرآنِ وسورةٍ فيما يقضِى فى كلِّ ركعةٍ. وهذا قولُ الشافعىِّ أيضًا، فكيف يصحُ مع هذا المذهبِ الدَّعوَى على مَن قال بهذا القولِ أن ما أدرَك فهو أولُ صلاتِه؟ بل الظاهر الصحيحُ على ما القبس (١) فى الأصل: ((خوازبنداذ)). (٢ - ٢) فى الأصل، م: ((عن مالك وأصحابه وعن - وفى م: عن - محمد بن الحسن)). (٣) فى ص ٢٧: ((أدرك)). (٤) فى ص ١٦: ((فيهما)). ٤٢ الموطأ ذكّرنا أن ما أدرَك آخِرُ صلاتِه. وأما البناءُ فلا أعلمُ. خلافًا فيه بينَ العلماءِ أن التمهيد المصلِّىَ يبنى فيه على صلاةِ نفسِه، ولا يجلِسُ إلا حيثُ يجبُ له إذا قام لقضاءٍ ما عليه ، وقد صرَّح الشافعىُّ بأن قال: ما أدرَك فهو أولُ صلاِه . وقولُه فى القضاءِ والقراءةٍ كقول مالك سواءً، وكذلك صرّح الأوزاعىُّ بأن ما أدرَك من صلاةٍ الإمامِ فهو أولُ صلاتِه. وأظنُّهم راعَوُا الإحرامَ؛ لأنه لا يكونُ إلا فى أولٍ الصلاةِ، والتشهدُ والتسليمُ لا يكونُ إلا فى آخرِها، فمِن هلهنا قالوا: إن ما أدرَك فهو أولُ صلاتِه . واللهُ أعلمُ . وقال الثورىُّ: يصنعُ فيما يقضِى مثلَ ما صنَع الإمامُ فيه . وقال الحسنُ بنُ حىّ فيما ذكَّر الطحاوىُّ: أولُ صلاةِ الإمامِ أولُ صلاتِك، وآخرُ صلاةِ الإمامِ آخرُ صلاتك إذا فاتك بعضُ صلاته. وأما المزنئُ ، وإسحاقُ ، وداودُ ، فقالوا: ما أدرَك فهو أوَّلُ صلاِهِ، يقرَأَ فيه مع الإمامِ بـ: ((الحمدُ للهِ)) وسورةٍ إن أدرك ذلك معه، وإذا قام للقضاءِ قرأ : ((الحمدُ للهِ)) وحدها ، فیما یقضِى لنفسِه ؛ لأنه آخِرُ صلاتِه . وهو قولُ عبدِ العزيزِ بنِ أبى سلمةَ الماجشونِ ، فهؤلاءِ اطّد على أصلهم قولُهم وفعلُهم . وأما السلفُ رضِى اللهُ عنهم، فرُوِى عن عمرَ، وعلىٍّ، وأبى الدرداءِ، بأسانيدَ ضعافٍ: ما أدرَكتَ فاجعَلْه آخِرَ صلاتِكُ(١) . وثبت عن سعيدِ بنِ المسيبِ، والحسنِ البصرىِّ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، ومكحولٍ، وعطاءٍ، والزهرىِّ، والأوزاعىٌّ، وسعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ: ما أدرَكتَ فاجعَلْه أوَّلَ القبس (١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٣١٦٠)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٢٣/٢. ٤٣ الموطأ التمهيد صلاتِك (١) . والذى يَجِىءُ على أُصولِهم، إن لم يثبتْ عنهم نصٌّ فى ذلك، ما قاله المُزنىُّ ، وإسحاقُ، وداودُ . ورُوِى عن ابنِ عمرَ أنه قال: ما أدرَكتَ فاجعَلْه آخِرَ صلاتِك. وعن مجاهدٍ وابنٍ سيرينَ مثلُ ذلك(١) . وذكر ابنُ المنذرِ(١) أن مالكًا، والثورىّ، والشافعيَّ، وأحمدَ بهذا يقولون . قال أبو عمرَ : ظَنَّ ذلك من أجلِ قولِهم فى القراءةِ فى القضاءِ. واللهُ أعلمُ . واحتَجَّ القائلون بأن ما أدرَك هو أوَّلُ صلاتِه بقولِهِ وَهِ: ((وما أدرَكْتُم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا)). قالوا: والتَّمامُ هو الآخِرُ. واحتجَّ الآخَرون بقولِه: ((وما فاتكم فاقضُوا)). قالوا : والذى يقضِيه هو الفائتُ . والحُججُ متساويةٌ لكِلا المذهَبين من جهةِ الأثرِ والنظَرِ، إلا أنَّ روايةَ مَن روَى: ((فأَتْمُّوا)). أكثرُ. وأما مَن جعَل ما أدرَك مع الإمامِ أوَّلَ صلاتِه، فليس يطُّردُ فيه ويستقيمُ إلا ما قاله ابنُ أبى سلمةَ، والمُزنىُ، وإسحاقُ، وداودُ، واللهُ أعلمُ، وبه التوفیُ والسَّدادُ، لا شريكَ له . وقد زعم بعض المتأخّرین من أصحابنا أن من ذهب مذهب ابنِ أبى سلمةً ، والمُزنىٌّ ، فى هذه المسألةِ ، أسقَط سُنةَ الجَهرِ فى صلاةِ الليلِ، وسُنةَ السورةِ مع أمّ القرآنِ . وهذا ليس بشىءٍ؛ لأن إمامه قد جاء بذلك، وحصَلَت صلاتُه على القبس (١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٣١٦١، ٣١٦٢، ٣١٧٣)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٢٣/٢، ٣٢٤. (٢) ينظر مصنف عبد الرزاق (٣١٧٠)، ومصنف ابن أبى شيبة ٢/ ٣٢٤. (٣) ينظر الأوسط لابن المنذر ٤/ ٢٤٠. ٤٤ الموطأ. ◌ُنتِها فى سرِّها وجَهرِها وغيرِ ذلك من أحكامِها، وإنما هذا كرجلٍ أُحرَم والإمامُ التمهيد راكعٌ، ثم انحنَى ، فلا يقالُ له : أسقَطتَ سُنةَ الوقوفِ والقراءةِ . وكرجلٍ أدرَك مع إمامِه ركعةً، فجلس معه فى موضع قيامِه أو انفرَد ، فلا يقالُ له : أسأتَ أو أسقطتَ شيئًا . وحسبُه إذا أتمّ صلاتَه أن يأتىَ بها على سُنةٍ آخِرِها ، ولا يضُرُّه ما سبقه إِمامُه فى أوَّلِها؛ لأنه مأمورٌ بأتِّباعٍ إِمامِه ، وإنما جُعِل الإمامُ ليؤتمّ به . وقال أبو بكرِ الأثرمُ : قلتُ لأبى عبدِ اللهِ ، يعنى أحمدَ بنَ حنبلِ: أرأيتَ قولَ مَن قال: يجعَلُ ما أدرَك مع الإمامِ أوَّلَ صلاِه . ومَن قال: يجعَلُه آخِرَ صلاتِهِ . أَىُّ شىءٍ الفرقُ بينَهما؟ قال: من أجلِ القراءةِ فيما يقضِى. قلتُ له: فحديثُ النبيِّ ◌ِليه على أىِّ القولين يدلَّ عندَك؟ قال: على أنه يقضِى ما فاته، قال وَلِّ: ((صلُّوا ما أدرَ كَثُم، واقضُوا ما سبقكم)). وقد احتَجَّ داودُ وغيرُه من القائلين بأن مَن أدرَك الإمامَ يومَ الجُمُعةِ فى التشهُّدِ صلَّى ركعتين بهذا الحديثِ؛ قولُه وَلِّ: ((ما أدرَ كثُم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا)) . أو ((فاقضُوا)) . قالوا : فالذى فاته ركعتان لا أربعٌّ، فإنما عليه أن يقضىّ ما فاته ويتمّ صلاته . قال أبو عمرَ: ولعَمرِى إن هذا لوجةٌ ، لو لم يكنْ هناك ما يعارضُه وينقضُه ، لَكِنْ لمَّا قال ◌َله: «مَن أدرَك ركعةً من الصلاةِ فقد أدرك الصلاةَ))(١). كان فى هذا القولِ دليلٌ كالنصِّ على أن مَن لم يدركْ ركعةً من الصلاةِ فلم يدركِ الصلاةَ، ومعلومٌ أن مَن لم يُدركِ الجمعةَ يصلِّى أربعًا، على أن داودَ قد جعَل مثلَ هذا الدليلِ أصلًا جاريًا فى الأحكام، وترَك الاستدلالَ به هلهنا لما ذكرنا . واللهُ القبس (١) تقدم فى الموطأ (١٤) . ٤٥ الموطأ ١٤٩ - وحدَّثنى يحيى، عن مالكِ، عن عبد الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ ابنِ عبدِ الرحمنِ بن أبى صَعْصَعَةَ الأنصارِىِّ ثم المازنِّى ، عن أبيه ، أنه أُخْبَرِه أنَّ أبا سعيد الخدرىَّ قال له: إِنِى أَرَاك تُحِبُّ الغنمَ والباديةَ ، فإِذا كنتَ فى غنمِك أو باديتِك، فأذَّنْتَ بالصلاةِ فارفَعْ صوتَك بالنداءِ، فإِنه لا یسمُ مدی صوتِ المُؤَذِّنِ جنٍّ ولا إنس ولا شىء إلا شهِد له يومَ القيامةِ . قال أبو سعيدٍ: سمِعتُه من رسولِ اللهِ وَله . التمهيد المُستعانُ. وقد ذكّرنا هذه المسألةَ فى بابٍ ابن شهاب ، عن أبى سلمةً ، من هذا الكتاب(١) . والحمدُ للهِ. مالكٌ، عن عبد الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى صَعْصَعَةً الأنصارىِّ ثم المازنىّ، عن أبيه، أنَّه أخبره أنَّ أبا سعيد الخدرىَّ قال له: إنِّى أراكَ تُحبُّ الغنمَ والباديةَ، فإذا كُنتَ فى غنمِكَ أو باديتِكَ فأذَّنْتَ بالصلاةِ، فارفَعْ صوتَك بالنداءِ؛ فإِنَّه لا يَسمعُ مدَى صوْتِ المؤذِّنِ جنٍّ ولا إنس ( ولا شىءٍ إلَّا شهِدَ له يومَ القيامةِ. قال أبو سعيدٍ: سمعتُه من رسولِ اللهِ وَلَّ(). هكذا هذا الحدیثُ عند جماعة الرواة عن مالك ، لم يختلفُوا فی إسناده فى القبس (١) ينظر ما تقدم فى ١٨٥/٢ - ١٩٦. (٢ - ٢) ليس فى: الأصل، ص، ص ١٧. (٣) الموطأ برواية أبى مصعب (١٨٣). وأخرجه أحمد ٤٠٦/١٧، ٤٨٤ (١١٣٠٥، ١١٣٩٣)، والبخارى (٦٠٩)، والنسائى (٦٤٣) من طريق مالك به. ٤٦ الموطأ التمهيد ((الموطأً)) وغيرِه. والمدَى : الغايةُ وحيثُ ينتهِى الصوتُ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدّثنا بكرُ بنُ حمَّادٍ ، قال: حدَّثنا مُسددٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عن مالكِ بنِ أنسٍ ، قال : حدَّثنی عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أبی صعصعةً ، عن أبيه ، عن أبى سعيد الخدرىٌّ، عن النبيِّ وَ لِّقال: ((إِذَا أَذَّنْتَ فارفع صوتَك؛ فإنَّهُ لا يَسمعُ مدَى صوْتٍ المؤذِّنِ شىءٍ إِلَّا شهِدَ له)). وقد وهِم ابنُ عُيينةً فى اسم هذا الشيخ ؛ شیخ مالك ، إذ روى عنه هذا الحدیثَ . حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ ، قال: حدَّثنا ميمونُ بنُ حمزةَ ، قال: حدّثنا الطحاوىُّ، قال: حدَّثنا المُزَنُ، قال: حدَّثنا الشافعىُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى (١) صَعْصَعَةَ، قال: سمِعتُ أيِى - وكانَ یتیمًا فی حجرٍ أبى سعيد الخدرىِّ - قال : قال لی أبو سعيد الخدرىُّ : أْ مُنئَّ ، إذا كُنْتَ فى هذه البوادِى، فارفَعْ صوتَك بالأذانِ؛ فإنى سمِعتُ رسولَ اللهِ وَه يقولُ: ((لا يَسمعُهُ إِنس ولا جنٍّ ولا حَجرّ إلَّا شهِدَ له)) (١). ثم ذكرَ الشافعىُّ حدیثَ مالكِ هذا پإسنادِه سواءً، كما ذكرناه عن مالكٍ (٢) . القبس (١) ليس فى: الأصل، م. (٢) الشافعى فى السنن المأثورة (١٤٣)، وأخرجه أحمد ٧٧/١٧ (١١٠٣١)، وابن ماجه (٧٢٣) من طريق ابن عيينة به . ٤٧ الموطأ التمهید ثم قال الشافعىُّ : مالكٌ أصابَ اسمَ الرَّجلِ فيما أُرَى، وقد أخطأَ فيه ابنُ عيينةً . أخبرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ، حدَّثنا الحسنُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ بَخْرٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا سُنيدٌ، قال: حدّثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا يعلَى بنُ عطاءٍ، عن أبيه، قال: كنتُ مع عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، فلمَّا حضَرتِ الصلاةُ قال لى: أَذِّنْ واشدُدْ صوتَك؛ فإنَّه لا يَسمعُك من حجرٍ ولا شجرٍ ولا بَشَرٍ إلا شهِد لك يومَ القيامةِ، ولا يَسمعُك من شيطانٍ إلَّا وَلَّى وله نفيرٌ حتى لا يَسمعَ صوتَك، وإِنَّهم لأَمَدُّ الناسِ أعناقًا يومَ .(١) القيامةِ(١). قال شُنیدٌ : وأخبرنا خالدُ بنُ عبدِ اللهِ ، عن طلحةً بنِ یحتی ، عن عيسى بنِ طلحةَ، عن مُعاويةَ بنِ أبى سُفيانَ ، أَنَّه سمِع المؤذِّنَ ، فتَشَهَّدَ كما تَشَهَّدَ ، ثم قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَّلَه يقولُ: ((المؤذِّنون أطولُ الناسِ أعناقًا يومَ (٢) القيامة))(٢). قال سُنیدٌ : وأخبرنا حبّات ، عن ابنِ لَهِیعةً ، عن ◌ُبیدِ اللهِ بن أبى جعفر ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال : منْ أذنَ اثنتى عشرةَ سنةً وجبت له الجنةُ ، و ◌ُتِبَ له القبس (١) أخرجه البغوى فى الجعديات (٢٣٤٠) عن هشيم به. (٢) أخرجه أحمد ٧٥/٢٨، ١٠٦ (١٦٨٦١، ١٦٨٩٨)، ومسلم (٣٨٧)، وابن ماجه (٧٢٥) من طريق طلحة بن يحيى به . ٤٨ الموطأ التمهيد بكلِّ تأذينةٍ ستونَ حسنةً ، وبكلِّ إقامةٍ ثلاثون حسنةً ... قال: وحدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبى خالدٍ، قال: حدَّثنا " شُبيلُ بنُ عوفٍ البَجَلىُ)، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قال: مَن مُؤذّنُكم اليومَ؟ قُلْنا: موالينا وعبيدُنا. قال: إنَّ ذلكَ بكم لنقصّ (٢) کبیرٌ . قال : وقالَ إِسماعيلُ : قال عمرُ بنُ الخطابِ: لو كُنْتُ أطيقُ مع الخِلِّفَى(١) لأَذَّنْتُ . قال هُشيمٌ: وأخبرنا محُصينٌ، قال : حُدثْتُ أنَّ عمر بن الخطابِ قال : لولا أنْ تكونَ سُنَّةٌ ما أَذَّنَ غیرِی . حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ سعيدٍ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ مُعاويةً، قال : أخبرنا أبو يعقوبَ إسحاقُ بنُ أحمدَ بنِ جعفرِ البغدادىُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ منصور الرمادىُّ، قال: حدَّثنا عتَّابُ بنُ زيادٍ، قال: حدَّثنا أبو حمزةَ الشّكّرِىُّ، عن الأعمشِ، عن أبى صالح، عن أبى هريرةَ، قال : قال رسولُ اللهِ بَّه: ((الإمامُ ضامِنٌ، والمؤذِّنُ مُؤْتمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأئمةَ، واغفر للمؤذِّنين)). قالوا: يا رسولَ اللهِ ، لقد ترَكتنا نَتنافسُ بعدكَ فى الأذانِ . فقال: القبس (١ - ١) فى م: ((سهيل بن عوف الحلى)). وينظر الإصابة ٣/ ٣٨٠. (٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المشكل ٤٤٤/٥ من طريق إسماعيل به . (٣) الخُلِيفى بالكسر والتشديد والقصر: الخلافة، وهو وأمثاله من الأبنية كالرَّمِّيًّا والدَّلِّيلا، مصدر يدل على معنى الكثرة. يريد به كثرة اجتهاده فى ضبط أمور الخلافة وتصريف أعتَّتها . النهاية ٢/ ٦٩. ٤٩ ( موسوعة شروح الموطأ ٤/٤ ) الموطأ التمهید ((إِنَّ بعدَكم قومًا سَفِلَتُهم مُؤذِّئُوهم)) (١). وهذه الزيادةُ لا تجىءُ إلَّا بهذا الإسنادٍ ، وهو إسنادٌ رجاله ثقاتٌ معروفونَ؛ أبو حمزةَ الشّكّرِىُّ، وعتَّابُ بنُ زيادٍ مَروزيَّانِ ثِقتانِ، وسائرُ الإسنادِ يُستغنَى عن ذكرِهم لشهرتِهم، إلّا أنَّ أحمدَ بِنَ حنبلٍ ضَّف الحديثَ كلَّه ، ويقالُ: إنَّه لم يَسمعه الأعمشُ من أبى صالحٍ. قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: رواه ابنُّ فُضيلٍ عن الأعمشِ، عن رجلٍ(٢) ، ما أدرِى لهذا الحديثِ أصلًا. ورواه ابنُّ نُميرٍ عن الأعمشِ؛ فقال: نُبْتُ عن أبى صالحٍ، ولا أرانى إلَّا قد سمعتُه منه (١). قالَ أبو عمرَ: ( فضائلُ الأذانِ كثيرةٌ، وقد رُوِى عن عائشةً أنَّها قالت فى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَن دَعَا إِلَى اَللَّهِ وَعَمِلَ صَلِحًا﴾ الآيةَ [فصلت: ٣٣]: نزلَتْ فى المؤذِّنين(٥). وحديثُ هذا البابِ ومثلُه يَشهدُ بفضلٍ رفعٍ ١٤ الصوتِ فيه، ولا أدرِى كيفيةً القبس (١) أخرجه البزار (٣٥٧ - كشف ) عن أحمد بن منصور به، وأخرجه الطحاوى فى شرح المشكل (٢١٩٩)، والبيهقى ٤٣٠/١ من طريق أبى حمزة به. (٢) أحمد ٨٩/١٢ (٧١٦٩). (٣) أحمد ٥٢٦/١٤ (٨٩٧٠). (٤ - ٤) فى ص: ((فى هذا الحديث فضل للأذان كبير وفضل لرفع)). وفى ص ١٧: ((فى هذا الحديث فضل للأذان كثير وفضل لرفع)) . (٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٢٥/١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١١٠/١٣ إلى ابن المنذر وابن مردويه . ١٥٠ - وحدَّثْنى يحيى، عن مالكِ، عن أبى الزِّنادِ، عن الأَعْرَجِ، الموطأ عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَّهِ قال: ((إِذا نُودِىَ للصلاةِ أُدبَر التمهید فهْمِ المَواتِ والجمادِ، كما لا أدرى كيفيةَ تسبيحِها: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَا يُسَيُِّ ◌ِدِهِ وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ الآيةَ [الإسراء: ٤٤]. ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. وقد مضَى فى بابٍ نافع(١) حُكمُ الأذانِ فى السفرِ والحضرِ، وكيفيةُ وُجوبِهِ ، سُنةً أو فرضًا على الكفاية، ومذاهبُ العلماءِفى ذلك كُلُّه مُمهَّدًا . والحمدُ للهِ . مالكٌ، عن أبى الزنادِ، عن الأعرج، عن أبى هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّر قال: ((إذا نُودىَ للصلاةِ أدبرَ الشيطانُ له ضُراطٌ حتى لا يَسمعَ النداءَ، فإذا قُضىَ النداءُ أقبَل، حتى إذا تُوَّبَ بالصلاةِ أدبرَ، حتى إذا قُضىَ التثویبُ أقبل حتى يَخطِرَ بین المرءونفسِه ، يقولُ : اذكُرْ كذا ، واذكُوْ كذَا . لما لم يكن يذكرُ، حتى يَظلَّ الرجلُ إِنْ یدرِى كم صلَّى))(٢). فى هذا الحديثِ من الفقْهِ أنَّ الصلاةَ من شأنها أنْ يُؤذَّنَ لها، قال اللهُ عزَّ حديثُ: ((إِذَا نُودِى للصلاةِ أُدبَر الشيطانُ)) إلى آخرِهِ. يَحتملُ الحقيقةَ والمجازَ؛ أما الحقيقةُ، فليس يَشْتحِيلُ أن يكونَ للشيطانِ حُصَاصٌ - وهو الضُّرَاطُ - لما يثَنَّه مِن قبلُ، وذكرنا أنه جِسمٌ مِن الأجسامِ مُؤْتَلِفٌ مِن طعامٍ وشرابٍ، وفى القبس (١) سيأتى ص ٩٧ - ١٠٢. (٢) الموطأ برواية أبى مصعب (١٨٤). وأخرجه أحمد ٢٤/١٦ (٩٩٣١)، والبخارى (٦٠٨)، وأبو داود (٥١٦)، والنسائى (٦٦٩) من طريق مالك به. ٥١ الموطأ الشيطانُ له ضُراطٌ، حتى لا يَسمَعَ النداءَ، فإذا قُضِىَ النداءُ أقبل ، حتى إذا ثُوِّب بالصلاةِ أَدبَر ، حتى إِذا قُضِى التثوِيبُ أقْبَل حتى يخطِرَ بينَ المرءِ ونفسِه؛ يقولُ: اذُز كذا، واذكُر کذا . لِما لم يكُنْ یذکرُ، حتى يظَلَّ الرجلُ إِنْ يَذْرى كم صلَّى)). التمهيد وجلّ: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ أَمَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبَّ﴾ [المائدة: ٥٨]. وقال: ﴿إِذَا تُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]. وقد ذكرنا ما للعلماءِ من الأقوالِ والمذاهبِ فى الأذانِ فى السفرِ والحضَرِ عندَهم ، وما اخترنا من ذلك بما صحَّ عندَنا فى بابٍ نافع، من كتابنا هذا(١) ، وأفردنا القولَ فى الأذانِ للصبحِ فى بابِ ابنِ شهابٍ ، عن سالم ، من كتابِنا هذا، فلا معنَى لإعادةِ شىءٍ من ذلك كلِّه ههُنا . القبس الحديث: ((إنَّ الشيطانَ حَسَّاسٌ، و(٢)جَسَّاسٌ لَحَاسٌ))(٤). فلا يمتنعُ أن يكونَ له مخُصاصٌ، لاسيّما وهو أَذَلَّ له فى الفِرارِ، وأَبلَغُ لدُخُولِ الرُّغْبِ فى قلبِه، وأُدعَى لذَهابٍ قوتِه حتى لا يملِكُ نفسَه مِن خوفٍ ذکرِ اللَّهِ تعالى . وفى الحديث: ((لا يَقُولَنَّ أحدُكم: لَعَنِ اللَّهُ الشيطانَ. فإنه إذا سمِعها تعاظَم (١) سيأتى ص ٩٧ - ١٠٢. (٢) سيأتى ص ١١٦ - ١١٩. (٣) فى ج: ((أو)). (٤) الحساس: الشديد الحس والإدراك، والجساس: من التجسس، واللحاس: كثير اللحس لما يصل إليه، وهو أن يأخذه بلسانه. ينظر النهاية ٢٣٧/٤. (٥) فى د: ((أخزى)). ٥٢ الموطأ وروَى (١) الأوزاعىُّ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبى سلمةً، عن أبى هريرةَ التمهيد قال: قال رسولُ اللهِ وَِّهِ: ((إذا نادَى المنادِى للصلاةِ أدبرَ الشيطانُ وله ضُراطٌ)). فذكر معنی حدیث أبی الزنادٍ سواء، وزاد: ((حتى لا يدرِیَ کمْ صلَّی ؛ أثلاثًا أم أربعًا ؟ فإذا لم يدرِ أثلاثًا صلَّی أم أربعًا ، فليسجد سجدتين وهو جالسٌ))(٢). وقد ذكرنا معنَى هذا الحديثِ فيما سلَف من حديث ابنٍ (٣) شهاب () . وجملةُ مذهبٍ مالكِ عندَ أصحابِهِ وتحصيلُه عندَهم أنَّ الأُذانَ سُنةٌ مُؤكدةٌ حتى يصيرَ كالجبلِ، وليَقُلْ: أعوذُ باللّهِ مِن الشيطان الرجيم . فإنه إذا قالها تضاءل وتَصاغر)) . القبس وهذا حديثٌ صحيحٌ (خرّجه النسائىْ)، ولأن اللَّه تعالى قال له: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اٌلَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٥]. فما أثَّر ذلك فيه، فكيف يَسْألُ عن لعنةٍ غيرِ اللَّهِ تعالى. وأما المجازُ فى معنى الحديثِ فهو مُتَّسِعٌ، ويكونُ استعارةً وعبارةً عن فِرارِهِ ذليلًا خاسِئًا، كما يَفِرُ العَيْرُ الضَّرُوطُ . (١) بعده فى الأصل، ص ١٦، م: ((عن)). (٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٢٩/١، والبخارى (٣٢٨٥)، والنسائى فى الكبرى (٥٩١) من طريق الأوزاعى به . (٣) سيأتى ص ٥٦٨ - ٥٧٧ . (٤) سقط من: ج. (٥ - ٥) سقط من: ج. والحديث عند النسائى فى الكبرى (١٠٣٨٨ - ١٠٣٩٠). ٥٣ الموطأ واجبةٌ على الكِفايةِ، وليس بفرضٍ. وهو قولُ (١) أبى حنيفةَ. واختلف أصحابُ التمهید الشافعىِّ ؛ فمنهم من قال: هو فرضٌ على الكِفاية. ومنهم مَن قال: هو سُنَّةٌ مُؤكدةً على الكفايةِ . وأمَّا قولُه فى هذا الحديثِ: ((أدبَرَ الشيطانُ)) إلى آخرِ الحديثِ. فإنَّ هذا الحديثَ عندى يخرجُ فى التفسيرِ المسندِ فى قولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿مِن شَرِّ اُلْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴿ الَّذِى يُؤَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٤، ٥]. لم يختلِفْ أهلُ التفسيرِ وأهلُ اللغةِ أنَّ الوسواسَ الشيطانُ يُوسوسُ فى صُدورِ الناسِ وقلوبهم . أىْ : يُلقِى فى قُلوبِهِم الرّيَبَ ، ويُحرِّكُ خواطر الشكوكِ، ويُذَكّرُ من أمرٍ الدنيا بما يشغَلُ عن ذكرِ اللهِ . وأصلُ الوسواسِ فى اللغةِ صوْتُ حركةٍ الخَلْيِ. وقولُه: ﴿اَلْخَنَّاسِ﴾ لأَنَّه يَخْنِسُ عندَ ذكرِ العبدِ للهِ، ومعنَى (يخنسُ)) : أی: ترجئُ ناكصًا . القبس وقولُه: ((حتى يَخْطِرَ بينَ المرءِ ونفسِه)). يعنى بذلك الوسوسةً، وهو أمرٌ مَكّن اللَّهُ تعالى منه الشيطانَ فى الإنسانِ، وجعل دواءَه الاستعاذةَ، فقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعُ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٦]. وهذا ما لم تَتمكّنِ الشهواتُ فى القلوبِ، ولم تَحْلَوْلِ(٢) المعاصی فی النفوس ، ولا ارتبطت العَلائقُ بالھوی حتی غلَبت النفسَ ، فليس دواؤُها حينَئذٍ الاستعاذةَ، وإنما ينفعُ فيها التوبةُ بحَذْفِ الشهواتِ، وقطعِ العَلائقِ، والاستبصارِ بالحقائقِ . (١) بعده فى ص ١٦: ((أصحاب)). (٢) فى د: ((تحل)). ٥٤ الموطأ ذكر معمرٌ، عن قتادةَ قال: ﴿اَلْوَسْوَاسِ اُلْخَنَّاسِ﴾. قال: هو التمهيد الشيطانُ؛ إذا ذكّر اللهَ العبدُ ختَس(١). وذكَر حجاجٌ، عن ابن جريج، عن عُثمانَ بنِ عطاءٍ، عن عكرمةَ قال : الوسواسُ محلَّه الفؤادُ؛ فُؤَادُ الإنسانِ ، وفى عينيه، وذَكرِه ، ومحلُّه من المرأةِ فی عينها إذا أقبلَتْ ، وفى فرجِها ودُبُرِها إذا أدبرَتْ، فهذه مجالسُه منهماً(١). وذگر و کیت، عن سفيان ، عن حکیم بن لجبیرٍ ، عن سعيد بن جبيرٍ ، عن ابنِ عباسٍ قال: ما من مولودٍ يُولدُ إلّ وعلى قلبِه وسواسٌ، فإذا عقَل فذكَر اللـهَ خنَس، وإذا غفَل وسوسَ (١). وقال ابنُ قُتِبً(٤) : خنس ، ایْ : كفَّ وأقصر. وقال الیزیدِئُ () : يُوسوسُ ثم يخِسُ ، أى : يتوارَى . القبس (١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٤١٠، وابن جرير ٧٥٤/٢٤ من طريق معمر به. (٢) فى ص، ص ١٦، ص ١٧: ((منها)). والأثر عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٨٠٩/١٥ إلى ابن المنذر. (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٤١٠/٢ من طريق الثورى به. (٤) غريب الحديث ٧٠٥/٣، ٧٠٦ . وهو عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبو محمد الدينورى الكاتب، له ((غريب القرآن))، و((غريب الحديث)) و((المعارف)) وغيرها، كان رأسا فى علم اللسان العربى والأخبار وأيام الناس، توفى سنة ست وسبعين ومائتين. سير أعلام النبلاء ٠٢٩٦/١٣ (٥) يحيى بن المبارك بن المغيرة أبو محمد اليزيدى، له اختيار فى القراءة لم يخرج فيه عن السبعة ، ألف ((النوادر)) و((المقصور والممدود)) وغيرهما، وكان نظيرا للكسائى، توفى سنة اثنتين ومائتين. سير أعلام النبلاء ٩/ ٥٦٢. ٥٥ الموطأ التمهید قال أبو عمرَ: فقولُ رسولِ اللهِ وَل﴿ه فى هذا الحديثِ: ((إذا نُودىَ للصلاةِ)). يريدُ: إذا أُذِّنَ لها فرَّ الشيطانُ من ذكرِ اللهِ فى الأذانِ ، وأَدبَرَ وله ضُراطٌ من شِدَّةِ ما لحِقه من الخِزْيِ والذُّعرِ عندَ ذكرِ اللهِ. وذِكرُ اللهِ فى الأُذانِ تفزَُّ منه القلوبُ ما لا تَفْزَعُ من شىءٍ من الذكرِ ؛ لما فيه من الجهرِ بالذکرِ ، وتعظيم الله فيه، وإقامة دينه، فيدپِرُ الشيطانُ لشدة ذلك على قلبِه حتى لا يَسمعَ النداءِ، فإذا قُضىَ النداءُ أقبَل على طبعِه وجِبِلَّتِهِ يُوسوسُ أيضًا، ويفعلُ ما يَقدرُ مما قد سُلِّطَ عليه، ((حتى إذا تُوَّبَ بالصلاةِ)) . والتثويبُ ههُنا الإقامةُ، ((أدبره)). أيضًا، ((حتى إذا قُضىَ التثويبُ)). وهو الإقامةُ كما ذكَرْتُ لكَ، ((أقبَل حتى يَخطِرَ(١). بينَ المرءِ ونفسِه، يقولُ: اذكُرْ كذا وكذا. لِمَا لم يكنْ يذكُرُ، حتى يَظلَّ الرجلُ إنْ يدرِى كم صلَّى)). لِيُنسيّه ويَخِطَ (٣ ويَلْيِس٢َ) عليه، أجارَنا اللهُ منه. وفى هذا الحديثِ فضلٌ للأذانِ عظيمٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الشيطانَ يُدبِرُ منه، ولا يُدبرُ من تلاوةِ القرآنِ فى الصلاةِ، وحسبُكَ بهذا فضلاً لمن تَدَبَّرَ . روَى ابْنُّ القاسم، عن مالكٍ قال : استُعمِلَ زيدُ بنُ أسلمَ علی مَعدِنِ بنِی سُلیم - و کان معدِنًا لا يزالُ يُصابُ فیه الناسُ من قِلِ الجنِّ - فلمَّا وليهم شكوا القبس (١) بعده فى ص ١٦: ((ما)). (٢ - ٢) ليس فى: الأصل، ص ١٦، ص ١٧، م. ٥٦ الموطأ ذلك إليه ، فأمَرهم بالأذانِ وأَنْ يَرفَعوا أصواتَهم به، ففعلوا، فارتفَعَ ذلك عنهم، التمهيد فهم عليه حتى اليوم. قال مالكٌ: وأعجبنى ذلك من رأي زيد بن أسلمَ . هكذا روَى سُخْنونٌّ فى سماعِ ابنِ القاسمِ . وذكَره الحارثُ بنُ مِسكينٍ، قال: أخبرَنى عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ وعبدُ اللهِ بنُّ وهبٍ ، قالا: قال مالك: استُعمِلَ زيدُ بنُ أسلم علی مَعْدِنِ بنِی سُليمٍ . فذكره سواءً إلى آخرِه (١) . وذكَر يعقوبُ بنُ شيبةَ، قال: حدَّثنا أبو سلمةَ التَّبُوذَكِىُّ، قال: حدَّثنا جريرُ بنُ حازمٍ، قال: سمِعتُ سُليمانَ الشيبانىَّ يُحدِّثُ عن يُسَيْرِ بنِ عمرٍو، قال: سمِعتُ عمرَ يقولُ: إنَّ شيئًا من الخلْقِ لا يَستطيعُ أنْ يَتحوَّلَ فى غيرِ خلْقِه، ولكن للجنِّ سَحَرةٌ كسحرة الآدميينَ ، فإذا خشِيتُم شيئًا من ذلك (٤) فَأَذِّنُوا(٤) . حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا قاسمٌ، حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاحِ، حدَّثنادُحيمٌ(٥)، القبس (١) أخرجه اللالكائى فى كرامات الأولياء (١٣٣) - ومن طريقه الذهبى فى سير أعلام النبلاء ٣١٧/٥- من طريق الحارث بن مسكين به. (٢) فى ص، ص ١٦، ص ١٧، م: ((بسير)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠٢/٣٢. (٣) فى ص ١٦: ((الإنس)). (٤) أخرجه محمد بن فضيل بن غزوان فى كتاب الدعاء ص ٣٠٢، وابن أبى شيبة ٣٩٧/١٠ من طريق الشيبانى به . (٥) فى ص، ص ١٧، م: ((ابن دحيم)). وينظر تهذيب الكمال ٤٩٥/١٦. ٥٧ الموطأ التمهيد حدَّثنا الفريابي، حدَّثنا سُفيانُ، عن الشيبانيِّ، عن يُسَيرِ بنِ عمرو، قال: ذُكر الغِيلانُ عندَ عمرَ، فقالَ: إِنَّه ليسَ شىءٌ يَتَحوَّلُ عن خلقِه الذى خُلِقَ عليه، ولكنْ لهم سحرةٌ كسحرتِكُم فإذا أحسستُم من ذلك شيئًا فَأَذِنُوا بالصلاةِ . وذكَر الأصمعىُّ، عن أبى عمرو بنِ العلاءِ قال : الغِيلانُ سحرةُ الجنّ. وأمّا قولُه: ((حتى إذا تُوُّبَ بالصلاةِ أدبَر، حتى إذا قُضىَ التثويبُ أقبلَ)). فإِنَّه عنَى بقولِه: ((التثويبُ)). هلهنا الإقامةَ، ولا يَحتملُ غيرَ هذا التأويلِ عندِى، واللهُ أعلمُ ، وإنما سُمِّيَتِ الإقامةُ فى هذا الموضع تثويًا؛ لأَنَّ التثويبَ فى اللغةِ معنَاه العودةُ، يُقالُ منه: ثابَ إلىَّ مالى بعدَ ذهابِهِ. أىْ: عادَ، وثابَ إلى المريضِ جسمُه(١) . إذا عاد إليه، ومنه قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذْ جَمَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةٌ لِلنَّاسِ وَأَمْنَا﴾ [البقرة: ١٢٥]. أىْ: معادًا لهم يَتوبُونَ إليه، لا يَقضونَ منه وطرًا . وإنما قيلَ للإقامةِ: تثويبٌ ؛ لأنَّها عودةٌ إلى معنَى الأذانِ، تقولُ العربُ : ثوَّبَ الداعِى . إذا كرَّر دُعاءَه إلى الحربِ وغيرِها ، قال حسانُ بنُ ثابتٍ(٢): فى فتيةٍ كسيوفٍ الهندِ أوجهُهم لا يَنْكُلُونَ إذا ما ثوَّبَ الداعِى (٣) وقال آخرٍ(٢) : القبس (١) ثاب إلى المريض جسمه: حسنت حاله بعد نحوله ورجعت إليه صحته . التاج (ث و ب). (٢) البيت فى ديوانه ص ٣٣٦، وفيه: ((نحو الصريخ)). بدلًا من: ((لا ينكلون)). (٣) البيت فى الدرر اللوامع ١٥٦/١ منسوبا إلى زهير بن مسعود الضبى، واللسان (يا) غير منسوب. ٥٨ الموطأ التمهيد : إذا الداعِى المُثَوِّبُ قال يالا(١) لخيرٌ نحنُ عندَ الناسِ منکم وقال عبدُ المطلبِ بنُ هاشمٍ وهو عندَ أخوالِه بنى النجارِ بالمدينةِ : غريبٌ حينَ ثابَ إلىَّ عقلِی فحنَّتْ ناقتِى وعلِمْتُ أَنِّى وقال آخر (٢): ما شَفَعْنا الأذانَ بالتثويبٍ لو رأينا التوكيدَ خُطَّةَ عَجٍْ ولا خلافَ علِمتُه أنَّ التثويبَ عندَ عامةِ العلماءِ وخاصَّتِهم قولُ المؤذِّنِ: الصلاةُ خيرٌ من النوم. ولهذا قال أكثرُ الفقهاءِ: لا تثويبَ إلَّ فى الفجرِ . وقال الحسنُ بنُ حَىٍّ : يُتَوَّبُ فى الفجرِ والعشاءِ. وقال حمادٌ، عن إبراهيمَ : التثويبُ فى صلاةِ العشاءِ والصبحِ لا فى غيرِهما . وقال ابنُ الأنبارىِّ: إنما سُمِّى التثويبُ تثويًا - وهو قولُهُ(١) : الصلاةُ خيرٌ من النوم ، الصلاةُ خيرٌ من النوم- لأَنَّه دُعاءٌ ثانٍ إلى الصلاةِ ، وذلك أنَّه لمَّا قال: حىَّ على الصلاةِ، حیَّ على الفلاحِ. وكان هذا دُعاءً إلى الصلاةِ ، ثم عاد فقال : الصلاةُ خيرٌ من النومِ. فدعا إليها مرةً أخرى، عادَ إلى ذلك، والتثويبُ عندَ العربِ العودةُ . وذكّر نحوَ ما تقدَّمَ . وقد يَحتمِلُ أنْ تكونَ الإقامةُ سُمِّيَتْ تثويًا لتثنيتِها ، فى مذهبٍ مَن رأی القبس (١) يالا: أراد: يال بنى فلان ونحوه. اللسان (يا). (٢) هو أبو تمام، والبيت فى ديوانه ١٢٦/١. (٣) فى ص، ص ١٦، ص١٧: ((أن يقول)). ٥٩ الموطأ التمهید تثنيتها أو (١) تثنيةَ قولِه: قد قامَتِ الصلاةُ . عندَ مَن قال ذلك من العلماءِ وهم الأكثر. وأمَّا اختلافُ العلماءِ . فى الإقامةِ ، فقال مالكٌ: تُفرَدُ الإقامةُ ويُثَنَّى الأذانُ. ومعنى قوله: تُفرَدُ الإقامةُ. يريدُ غيرَ التكبيرِ فى أولِها (١). وآخرِها، فإنَّه يُثَنَّى بإجماع من العلماءِ. وقال الشافعىُّ: تُفرَدُ الإقامةُ. كقولٍ مالكٍ سواءٌ إلَّا قولَّه: قد قامَتِ الصلاةُ. فإِنَّه يقولُها مرتينٍ. فخالفَ مالكًا فى هذا الموضعِ وحدَه من الإقامةِ. ويُروَى أَنَّ أبا مَحذورةَ وولدَه ومؤذنى مكَّةَ كُلَّهم يقولون: قد قامَتِ الصلاةُ. مرتينٍ(٤). وهو قولُ الزهرىّ، والحسنِ البصرىِّ، ومكحولٍ، والأوزاعيّ(٥) . وبه قال أبو ثورٍ، وأحمدُ، وإسحاقُ. وقال مالكٌ: يقولُ: قد قامَتِ الصلاةُ. مرةً واحدةً. ورُوِىَ عن ولدِ سعدِ القَرَظِ بالمدينةِ أنَّهم يقولون: قد قامَتِ الصلاةُ. مرةً واحدةٌ(١). وقال الكوفيون(٧)؛ أبو حنيفةً وأصحابُه، والثورىُّ، والحسنُ ابنُّ حَىٍّ: الأذانُ والإقامةُ مثنى مثنى سواءً. إلّا أنَّ التكبيرَ عندَهم فى أولِ القبس (١) فى الأصل: ((و)). (٢) بعده فى الأصل، م: ((قد قامت الصلاة)). (٣) فى م: ((أولهما)). (٤) تقدم تخريجه ص ١٨ . (٥) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢٠٤/١، ٢٠٥، والأوسط لابن المنذر ١٨/٣. (٦) أخرجه الحاكم ٦٠٧/٣، والبيهقى ٣٩٤/١، ٣٩٦، ٤١٥. (٧) بعده فى ص، ص ١٦، ص ١٧: ((و)). ٦٠