Indexed OCR Text
Pages 581-600
الموطأ
التمهيد
ثابتٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ وَ له فى المستحاضةِ: ((تَدَعُ الصلاةَ
أَيَّامَ أقرائِها، ثم تَغْتسِلُ وتصلِّى، وتتوضَّأَ عندَ كلِّ صلاةٍ، وتصومُ
وتصلِّی))(١).
وبحديثٍ حبيبٍ بن أبى ثابتٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ ، أنَّ فاطمةَ بنت أبى
محبيشٍ أَتَتْ رسولَ اللهِ وَهِ فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ ، إِنِّى أَستحاضُ فلا يَنقطعُ
عَنِّى . فأمرّها أنْ تَدَعَ الصلاةَ أيَّامَ أقرائِها ، ثم تَغتسلَ وتتوضَّأَ لكلِّ صلاةٍ وتُصلِّىَ
وإنْ قطَرِ الدَّمُ على الحصيرِ (١).
وبما حدّثناه عبدُ الوارثِ بنُ سفیانَ وأحمدُ بنُ قاسم، قالا : حدّثنا قاسم
ابنُّ أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، قالَ: حدَّثنا يحيى بنُ
هاشم، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ قالت : جاءَتْ
فاطمةُ ابنةُ أبى حبيشِ إلى رسولِ اللهِ وَلَّ فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ، إِنِّى امراةٌ
أُستحاضُ فلا أطهُرُ ، أفادُ الصلاةَ؟ قال: ((لا، إنَّما هو عِرْقٌ وليس
بالحيضةِ ، فإذا أقبلَتِ الحيضةُ فدعى الصلاةَ، وإذا أدبرَتْ فاغسلِى عنكِ
الدَّمَ، وتوضَّئِى عندَ كلِّ صلاةٍ وصلِّى))(٢).
وروايةُ أبى حنيفةً، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةً لهذا
القبس
(١) أخرجه ابن أبى شيبة ١٢٨/١، والدارمى (٨٢٠)، وأبو داود (٢٩٧) من طريق شريك به .
(٢) أخرجه أحمد ١٧٣/٤٠، (٢٤١٤٥)، وأبو داود (٢٩٨) من طريق حبيب بن أبى ثابت به .
(٣) أخرجه أحمد ٣٩٩/٤٢، ٣٤٠ (٢٥٦٢٢)، والبخارى (٣٢٥، ٣٣١)، ومسلم (٣٣٣)،
وغيرهم من طريق هشام به .
٥٨١
الموطأ
التمهید
الحديثِ، كرواية يحتى بنِ هاشم(١) سواءً، قال فيه: ((وتوضَّئِى لكلِّ
صلاةٍ)) . وكذلك روايةُ حمَّادِ بنِ سلمةً، عن هشامٍ أيضًا بإسنادِه مثلَه(٢).
وحمَّادُ بنُ سلمةَ فى هشامٍ بنِ عُروةَ ثَبَثّ ثقةٌ .
وأمَّا سائرُ الرّواةِ له عن هشام بنِ عُروةَ، فلم يَذْكُرُوا فيه الوضوءَ لكلِّ
الصلاةِ، لا مالكٌ، ولا اللَّيثُ(٤) ، ولا ابنُ عُيينةَ، ولا غيرُهم، إِلَّ مَن ذَكَوْتُ لك
فيما علِمْتُ .
وروَى شُعبةُ قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ ميسرةَ، والمُجالدُ بنُ سعیدٍ ،
وبيانٌ، قالوا: سمِعْنا عامرًا الشعبىُّ يُحدِّثُ عن قَمِيرِ امرأةٍ مسروقٍ، عن
عائشةَ، أنَّها قالت فى المستحاضةِ: تَدَعُ الصلاةَ أيَّامَ خَيضِها، ثم تَغْتسِلُ
غُسلًا واحدًا، ثم تَتَوضَّأُ عندَ كلِّ صلاةٍ(*). وروَى الثوریّ، عن فِراسٍ وبَيَانٍ،
عن الشعبىِّ، عن قَمِيرٍ، عن عائشةَ مثلَهُ(١) . قالوا: فلمَّا رُوىَ عن عائشةَ أنَّها
أفتَتْ بعدَ رسولِ اللهِ وَ له فى المُستحاضةِ أنَّها تتوضَّأَ لكلِّ صلاةٍ، وقد كان
رُويَ عنها مرفوعًا ما تَقَدَّمَ ذكرُه من حُكم المُستحاضةِ أنَّها تَغْتسِلُ لكلِّ صلاةٍ ،
القبس
(١) فى ن، م: ((هشام)).
(٢) تقدم تخريجه فی ص ٥٢٥.
(٣) تقدم تخريجه فى ص ٥٢٦.
(٤) أخرجه أبو عوانة (٩٢٩)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٠٢/١، ١٠٣، وابن المنذر فى
الأوسط ٢/٢ (٨٠٧) من طريق الليث به .
(٥) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٠٥/١ من طريق شعبة به .
(٦) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٠٥/١ من طريق الثورى به.
٥٨٢
الموطأ
التمهید
ومِن مُحُكمِها أنَّها تَجمَعُ بينَ الصلاتين بغُسلٍ واحدٍ ، علِمْنا بفتواها وجوابِها بعدَ
وفاةِ النبيِّ وَ لِّ أَنَّ الذى أفتتْ به هو النَّاسخُ عندَها؛ لأَنَّه لا يَجوزُ عليها أنْ تَدَعَ
الناسِخَ وتُفْتِىَ بالمنسوخ ، ولو فعلَتْ لسقَطَتْ روايتُها . فهذا وجْهُ تهذيبٍ الآثارِ
فى هذا المعنَى .
قالوا : وأمَّا حدیثُ أُمّ حبيبةً وقصتُها فمختلف فيه، وأ کثُهم يقولون فيه:
إِنَّها كانت تَغْتسِلُ من غيرِ أنْ يَأْمرَها بذلك رسولُ اللهِ وَالتِ . وهذا قد یجوزُ أن
تكونَ أرادَتْ به العلاجَ، ويجوزُ أن تكونَ ممَّن لا تَعرفُ أقراءَها ولا إِدبارَ
حيضيتِها، ويكونُ دمُها سائلًا، وإذا كان كذلك فليست صلاةٌ إلَّ وهى
تَحتمِلُ أن تكونَ عندَها طاهرًا من حيضٍ، فليس لها أنْ تُصلِّيَها إِلَّ بعدَ
الاغتسالِ ؛ فلذلك أَمِرَتْ بالغُسلِ. والمُستحاضةُ قد تكونُ استحاضتُها على
معانٍ مختلفةٍ ؛ فمنها أنْ تَكونَ مُستحاضةً قد استمرّ بها الدَّمُ وأَيَّام حيضتِها
معروفةٌ، فسبيلُها أنْ تدعَ الصلاةَ أيَّامَ حيضتِها ثم تَغْتِلَ وتتوضَّأَ بعدَ ذلك
لكلِّ صلاةٍ. ومنها أن تكونَ مُستحاضةً قد استمرّ بها دمُّها فلا ينقطعُ عنها ،
وأيَّامُ حيضتِها قد خفِيَتْ عليها، فسبيلُها أنْ تغتسلَ لكلِّ صلاةٍ؛ لأنَّه لا يأتِی
عليها وقتٌ إلَّا احتملَ أنْ تكونَ فيه حائضًا، أو طاهرًا مِن حيضٍ، أو
مُستحاضةً، فيُحتاطُ لها فتُؤمِرُ بالغسلِ. ومِنها أن تكونَ مُستحاضةً قد
خفِيَتْ عليها أيَّامُ حيضتِها ودمُّها غيرُ مُستمرٌّ بها، يَنقطعُ ساعةً ويعودُ بعدَ
ذلك، تكونُ هكذا فى أيَّامِها كلِّها، فتكونُ قد أحاطَ عِلمُها أنَّها فى وقتٍ
انقطاع ديها طاهرٌ من مَحيضٍ طُهرًا يُوجِبُ عليها غُسلًا، فلها إذا اغتسلَتْ
القبس
٥٨٣
الموطأ
التمهيد أنْ تُصلِّيَ فى حالِهَا تلك ما أرادَتْ من الصلواتِ بذلك الغُسْلِ إن أمكنَها
ذلك .
قالوا : فلمَّا وجَدنا المرأةَ قد تكونُ مُستحاضةً لكلِّ وجهٍ من هذه الوجوه
التى معانيها وأحكامُها مُختلفةٌ، واسمُ الاستحاضةِ يَجمعُها، ولم يكنْ فى
حديثٍ عائشةَ تِبيانُ استحاضةِ تلك المرأةِ ، لم يَجُزْ لنا أن نَحمِلَ ذلك على
وجهٍ من تلك الؤُجُوهِ دُونَ غيرِها إلّا بدليلِ، ولا دليلَ إلَّا ما كانت عائشةُ تُفتِی
به فى المستحاضةِ أنَّها تَدَعُ الصلاةَ أيَّامَ حيضِها ، ثم تَغتسلُ غُسلًا واحدًا ،
ثم تتوضَّأُ عندَ كلِّ صلاةٍ. هذا كلُّه من حُجّةٍ مَن ينفِى إيجابَ الغُسلِ على (١)
كلِّ مُستحاضةٍ لكلِّ صلاةٍ. وهى(٢) بجملةُ مذهبٍ أبى حنيفةَ وأصحابِهِ،
والثورىٌّ، ومالكِ، واللَّيثِ، والشافعيِّ، والأوزاعيِّ، وعامَّةٍ فُقهاءِ الأمصارِ،
إِلَّ أنَّ مالكًا يَستحِبُ للمستحاضةِ الوُضوءَ لكلِّ صلاةٍ ولا يُوجِبُه عليها،
وسائرُ مَن ذكْنَا يُوجبُ الوضوءَ عليها لكلِّ صلاةٍ فرضًا، كما يُوجبُه على
سَلِسِ البولِ ؛ لأن اللهَ قد تَعبَّدَ مَن ليس على وُضوءٍ من عباده المؤمنين إذا قام
إلى الصلاةِ أنْ يَتَوضَّأَ، وسَلِسُ البولِ والمستحاضةُ ليسا على وُضوءٍ، فلمَّا أُمرًا
جميعًا بالصلاةِ، ولم يكنْ حدثُهما الدَّائمُ بهما يَمنعُهما من الصلاةِ، وكان
عليهما أنْ يُصلِّيا على حالِهما، فكذلك يَتَوضَّأانِ للصلاةِ ؛ لأنَّ الحَدَثَ يَقطعُ
الصلاةَ بإجماع من العلماءِ، وعلى صاحبِهِ أنْ يَنصرِفَ من صلاتِه من أجلِه،
القبس
(١) فى ن: ((عن).
(٢) فى الأصل، م: ((فى)).
٥٨٤
الموطأ
والمستحاضةُ مأمورةٌ بالصلاةِ، وكذلك سَلِسُ البولِ ، لا ينصرِفُ واحدٌ منهما. التمهيد
عن صلاتِه، بل يُصلّى كلَّ واحدٍ منهما على حالِهِ، فكذلك يَتَوضَّأَ وهو على
حاله، لا يَضُه دوام حدثه لؤُضوئه، كما لا يضرُّه لصلاته ؛ لأنَّه أقصى ما يقدِرُ
عليه ، فكما لا تَسقُطُ عنه الصلاةُ فكذلك لا يَسقُطُ عنه الوُضوءُ لها . هذا أقْوَى
ما احتجّ به مَن أوجب الوضوءَ على هؤلاءِ لكلِّ صلاةٍ . وأمَّا مالكٌ فإنَّه لا يُوچِبُ
على المستحاضةِ، ولا على صاحبِ السَّلَسِ وُضوءًا؛ لأنَّه لا يَرفُ به حَدَثًا .
وقد قال عكرمةُ، وأيوبُ، وغيرهما: سواءٌ دٌمُ الاستحاضةِ أو دم مجرحٍ؛ لا
يُوجب شىءٌ من ذلك وُضوءًا .
وروَى مالكٌ، عن هشامِ بنِ مُروةَ، عن أبيه، أَنَّه قال: ليس على
المستحاضةِ إلّا أنْ تغتسلَ غُسلًا واحدًا، ثم تتوضَّأَ بعدَ ذلك لكلِّ صلاةٍ. قال
مالكٌ: والأمرُ عندَنا على حديثِ هشامٍ بنِ عُروةً، عن أبيه، وهو أحبُّ ما
سمعتُ إلى ) . والوضوءُ علیها عنده استحبابٌ على ما ذگّرنا عنه؛ لأَنَّه لا يَرفُ
الحدثَ الدائمَ ، فوجْهُ الأُمرِ به الاستحبابُ ، واللهُ أعلمُ .
وقد احتجَّ بعضُ أصحابِنا على سُقوطِ الوُضوءِ بقولِ رسولِ اللهِ وَله
لفاطمةَ بنتِ أبِى حُبيشٍ: ((فإذا ذهَب قدرُ الخَيْضةِ فاغتسلِى وصلِّى)). ولم
يَذْكُرْ وُضوءًا، ولو كان الوضوءُ واجبًا عليها لمَا سَكَت عن أنْ يأمرَها به.
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ عقب الحديث (١٣٧).
٥٨٥
الموطأ
١٣٥ - وحدَّثنى يحيى، عن مالك، عن هشام بن عروةً، عن
أبيه ، عن زينبَ بنتٍ أبى سلمةَ، أنها رأَت زينب بنت جحشٍ، التى
كانت تحتَ عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ، وكانت تُستَحَاصُ، فكانت
تغتسِلُ وتُصَلِّی
وممن قال بأنَّ الوضوءَ على المستحاضةِ غيرُ واجبٍ؛ ربيعةُ، وعكرمةٌ(١)،
التمهيد
وأيوبُ ، وطائفةٌ. واللهُ الموفّقُ للصوابِ .
وأمَّا الأحاديثُ المرفوعةُ فى إيجابِ الغُسْلِ لكلِّ صلاةٍ ، وفى الجمعِ بِينَ
الصلاتينِ بُغُسلٍ واحدٍ، وفى الوضوءِ لكلِّ صلاةٍ على المستحاضةِ، فكلُّها
مُضطربةٌ لا تَجِبُ بمثلِها حُجّةٌ .
الاستذكار
و(*) ذكَر مالكٌ فى ((الموطأً))، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زينب
بنتِ أبى سلمةَ ، أنها رأت زينبَ بنت جحشٍ، التى كانت تحتَ عبد الرحمنِ
ابنِ عوفٍ، وكانت تُشْتحاضُ، فكانت تَغتسلُ وتصلِّى(٢).
ء
هكذا رواه يحيى وغيرُه عن مالكِ فى ((الموطأَ))، وهو وهمّ مِن مالكٍ
رحمه اللهُ؛ لأنه لم تكنْ قطُّ زينبُ بنتُ جحشِ تحتَ عبدِ الرحمنِ بنِ
القبس
(١) بعده فى ن: ((ومالك)).
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب (١٧٣) .
(*) إلى هنا ينتهى الخرم المشار إليه فى ص ٤٩٨ .
٥٨٦
الموطأ
عَوفيٍ، وإنما كانت تحتَ زيد بن حارثةً، ثم كانت تحتَ رسولِ اللهِ وَ ظله، الاستذكار
وإنما التى كانت تحتَ عبد الرحمنِ أمّ حبيبةً بنتُ جحشٍ، وکنَّ ثلاثَ
أخواتٍ؛ زينبُ كانت كما ذكرنا، وأم حبيبةَ تحتَ عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ،
وحَمْنةُ بنتُ جحشِ تحتَ طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ. وقد قيل: إنهن كلَّهن(١)
استُحِضْنَ. وقيل: إنه لم يكنْ تُستَحاضُ منهن إلا أم حبيبةَ وحَمْنةٌ، فاللهُ
أعلمُ. وروى الليثُ بنُ سعدٍ، عن هشام بن عروةً، عن أبيه، عن زینبَ
بنتِ أبى سلمةً، أن أمّ حبيبةَ بنتَ جحشٍ كانت تُشْتحاضُ، فكانت تغتسلُ
وتصلِّی .
وكذلك رواه يحيى بنُّ سعيدٍ ، عن عمرةً وعروةَ، عن زينبَ بنتِ أبی
سلمةً، أن أمَّ حبيبةَ ، وذكر الحديثَ .
وقد أسند حديثَ أمّ حبيبةَ هذا الزهرىُّ، فرواه عن عروةَ، عن عائشةً ، أن أمَّ
حبيبةً بنت جحشٍ "امرأةً عبدِ الرحمنِ بنِ عَوفٍ) استُحِيضت، فأمَرِها رسولُ
اللهِ أن تَغتسلَ لكلِّ صلاةٍ(١) . فإن قيل: لم يَرفعه إلا محمدُ بنُ إسحاقَ عن
الزهرىِّ، وأما سائر أصحابِ الزهرىِّ، فإنهم يقولون فيه : عنه ، عن عروة ، عن
عائشةَ، أن أمّ حبيبةَ ينتَ جحشِ استُحِيضت، فسألَت رسولَ اللهِ وَخَرِ، فقال:
((إنما هو عرقٌ وليس بالحيضةِ)). وأمَرها أن تغتسلَ وتُصلِّىَ، فكانت تَغْتسلُ
القبس
(١) فى ص، م: ((ثلاثتهن)).
(٢) فى م: ((عن)).
(٣ - ٣) سقط من: ص، م.
(٤) تقدم تخريجه ص ٥٢٨ .
٥٨٧
٠٠٠
الموطأ
الاستذكار
لكلِّ صلاةٍ. قيل له: لما أمرها رسولُ اللهِ أن تغتسلَ وتُصلىَ" فهمت عنه،
فكانت تَغتسلُ لكلِّ صلاةٍ، على أن قوله : ((تغتسلُ وتصلِّى)). يقتضِى أَلا
تصلی حتی تغتسلَ، وقد ذكرنا طرقَ حديث الزهرىِّ هذا فى (( التمهيدِ )) ،
واختلافَ ألفاظِ أصحابِه عليه فيه (١٢). وقال آخرونَ: يَجبُ عليها أن تَغتسلَ
للظهرِ والعصرِ غُسلًا واحدًا، وللمغرب والعشاءِ غُسلًا واحدًا، وتُؤُخرَ الظهرَ،
فتصليها فى آخرٍ وقتها ، وتُقدِّمَ العصر فى أول وقتها، و كذلك تفعلُ بالمغرب
والعشاءِ، وتغتسلُ للصبح غُسلًا واحدًا .
ورووا بذلك آثارًا قد ذكرناها فى (( التمهيدِ ))(١) . وژُوى عن علىٍّ ، وابنٍ
عباسٍ أيضًا مثلُ ذلك، وقد ذكرتُ الروايةَ عنهما فى ((التمهيدِ))(٤)، وهو قولُ
إبراهيم النخعىّ ، وعبدِ اللهِ بنِ شدادٍ ، وفرقةٍ. وقال آخرون: تغتسلُ فى كلِّ يوم
مرةً فى أىِّ وقتٍ شاءت مِن النهارِ. رواه مَعقلٌ الخَتْعمىُّ(٥) ، عن علىِّ، قال : إذا
انقضَى حيضُها اغتسلَت كلَّ يوم، واتخذَت صوفةً فيها سَمنٌ أو زَيت (١) . وقال
آخرون: تَغتسلُ مِن (٧ُهرٍ إلى ظُهرٍ » .
القبس
(١ - ١) فى الأصل، ص، م: ((لكل صلاة)).
(٢) تقدم ص ٥٢٧ - ٥٢٩ .
(٣) تقدم ص ٥٧٦ - ٥٧٨ .
(٤) تقدم ص ٥٧٨ ، ٥٧٩ .
. (٥) فى ص، م: ((بن يسار)). وينظر تهذيب الكمال ٢٨١/٢٨.
(٦) تقدم تخريجه ص ٥٨٠ .
(٧ - ٧) فى ص، ط، م: ((طهر إلى طهر)).
٥٨٨
:
الموطأ
١٣٦ - وحدّثنی یحیی ، عن مالك ، عن شُمَئِّ مولی اُبی بکرِ بنِ
عبدِ الرحمنِ ، أن القَعْقاعَ بنَ حکیمِ وزیدَ بنَ أسلم أرسلاه إلی سعیدِ بنِ
المسيّبِ يسألُه؛ كيف تَغتسِلُ المستحاضةُ؟ فقال: تغتسِلُ من (١طُهْرِ
إلى طُهْر١ٍ)، وتتوضأُ لكلِّ صلاةٍ، فإن غَلَبها الدمُ استَثَفَرَتْ .
رواه مالكٌ، عن سُمَيٍّ، مولى أبى بكرٍ ، أن القَعْقاعَ بنَ حكيم، وزيدَ بنَ الاستذكار
أسلمَ أرسلاه إلى سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، يسألُه؛ كيف تَغتسلُ المستحاضةُ؟ فقال :
تَغتسلُ مِن ("ظُهرِ إلى ظُهرٍ ٢)، وتتوضأُ لكلِّ صلاةٍ، فإن غلَبها الدمُ اسْتَثْفِرَتْ(١).
وكان مالكٌ يقولُ: ما أرى الذى حدَّثنى به: مِن ظُهْرٍ إلى ◌ُهْرٍ. إلا قد وهِم.
قال أبو عمرَ : لیس ذلك بوهم ؛ لأنه صحیح عن سعيد ، معروفٌ عنه مِن
مذهبِهِ فى المستحاضةِ؛ تَغتسلُ كلَّ يومٍ مرةً مِن ظُهرٍ إلى ظُهرٍ . وكذلك رواه ابنُ
عيينةَ، عن سُمَىِّ مولى أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، قال: سألتُ سعيد بن المسيب
عن المُستحاضةِ، فقال: تغتسلُ مِن ظُهرٍ إلى ظُهرٍ، وتتوضأُ لكلِّ صلاةٍ، فإن
القبس
(١ - ١) كذا فى النسخ، قال فى عون المعبود نقلا عن الحافظ العراقى: المروى إنما هو الإعجام وأما
الإهمال فليس رواية مجزوما بها ، ثم ذكر ما أخرجه الدارمى عن سعيد بلفظ : تغتسل من الظهر إلى
مثلها من الغد لصلاة الظهر . ينظر عون المعبود ١٢١/١ .
(٢ - ٢) فى م: ((طهر إلى طهر)). وكذا فيما سيأتى من مواضع.
(٣) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٣)، ورواية أبى مصعب الزهرى (١٧٤). وأخرجه الشافعى
فى الأم ٢٠٩/٧، وأبو داود (٣٠١)، والبيهقى فى المعرفة (٤٨٥، ٤٨٦)، وفى الخلافيات
(١٠٨٧) من طريق مالك به.
٥٨٩
:
الموطأ
الاستذكار
غلَبها الدمُ استثفرَت(١) وصلَّت. قال سُعَىٌ: فأرسَلونى إليه(٢)؛ عمَن يَذكرُ
ذلك، فحصَبنى. وكذلك رواه الثورىُّ، عن سُمَيٍّ، عن سعيدٍ، مثلَهُ(٤): مِن
ظُهرِ إلى ظُهرٍ. وكذلك رواه وكيع، عن سعيدِ بنِ أبى عروبةَ، عن قتادةَ، عن
سعيدِ ابنِ المسيَّبِْ)، مثلَه: مِن ظُهْرٍ إلى ظُهرٍ(١). وهو قولُ سالمِ بنِ عبدِ اللهِ
وعطاءِ ابنِ أبى رباحٍ، والحسن البصرىِّ . وژُوی مثلُ ذلك عن ابنِ عمر ، وأنسِ
ابنِ مالكٍ، وروايةٌ عن عائشةَ. وقد رُوى عن سعيد بن المسيبٍ فى ذلك مثلُ
قول مالكٍ وسائرِ الفقهاءِ: أنها لا تغتسلُ إلا مِن (طهرٍ إلى طهرٍ)، والطهرُ" ما
وصفنا مِن انقضاءِ أیام دمِها ، إذا کانت تُمیزُ دمَ استحاضتها . وعلى هذا مذهبُ
مالكٍ، " والشافعىِّ°) ، وأبى حنيفةً الكوفىّ وأصحابِهم. ورَوى سفيانُ ابنُ
عُيينةَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن القَقاعِ بنِ حكيمٍ، قال: سألتُ سعيدَ بنّ
المسيَّبِ عن المستحاضةِ، فقال: (يابنَ أخى"، ما بقِى مِن الناسِ أحدٌ أعلمُ
بهذا منى ؛ إذا أقبلَت الحيضةُ فلْتدع الصلاةَ، وإذا أدبَرت فلْتغتسلْ، وتصلِّى .
وذكره ابنُ أبى شيبةً(١٠)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ فضيلٍ، عن يحيى بنِ
القبس
(١) بعده فى ص، م: ((بثوب)).
(٢) سقط من: ص، م.
(٣) الحَضب: رميك بالخَضباء. التاج ( ح ص ب ).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١١٦٩)، وابن أبى شيبة ١٢٧/١ من طريق الثورى به .
(٥ - ٥) سقط من : ص .
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ١٢٧/١ عن وكيع به .
(٧ - ٧) فى ص: ((ظهر إلى ظهر)).
(٨) سقط من: ص. وفى م: ((على)).
(٩ - ٩) سقط من : ص ، م .
(١٠) ابن أبى شيبة ١٢٦/١، ١٢٧.
٥٩٠
١٣٧ - حدّثنى يحيى، عن مالكِ، عن هشام بن عروةً ، عن أبيه، الموطأ
أنه قال : ليس على المستحاضةِ إلا أن تَغْتَسِلَ غُسلًا واحدًا، ثم تتوضأَ
بعدَ ذلك لكلِّ صلاةٍ .
سعيدٍ، عن القَعقاع بن حكيم، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المسيبِ عن الاستذكار
المستحاضةِ، فقال: ما أعلمُ أحدًا أعلمَ) بهذا منِّى؛ إذا أقبلَت الحيضةُ فَلْتَدَع
الصلاةَ ، وإذا أدبرَت فلْتغتسلْ، ولْتغْسِلْ عنها الدمَ ، ولتتوضأُ لكلِّ صلاةٍ.
قال أبو عمرَ : يَحتمِلُ أن تكونَ هذه الروايةُ عن سعيدٍ فى امرأةٍ مَّزت إقبالَ
دم حيضتِها وإدبارَه، وإقبالَ دمِ استحاضتِها ، وتكونَ روايةُ مالكِ عن سُمَىٌّ فى
امرأةٍ أطبق عليها الدمُ ، فلم تميزه . واللهُ أعلم . ومَن ذكَر فى هذا الخبر وما كان
مثلَه: وتتوضأُ لكلِّ صلاةٍ. فقد زاد زيادةً صحيحةً جاءت بها الآثارُ المرفوعةٌ ،
وقد ذكّرناها فى ((التمهيدِ)) (١). والفقهاءُ بالحجازِ والعراقِ مُجمِعون على أن
المستحاضةَ تُؤمرُ بالوُضوءِ لكلِّ صلاةٍ ؛ منهم مَن رأَى ذلك عليها واجبًا ، ومنهم
مَن استحبّه. وقد ذكرنا ذلك والحمدُ للهِ(٢) . وأما الغسلُ لكلِّ صلاةٍ، فقد
مضَى القولُ فيه(٣).
وفى ((الموطأُ )) مالكٌ، عن هشام بن عروةَ ، عن أبيه ، أنه قال : ليس على
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) تقدم فى ص ٥٨٠ - ٥٨٢ .
(٣) تقدم فى ص ٥٧٣ - ٥٧٦ .
٥٩١
قال يحيى: قال مالكٌ: الأمرُ عندَنا أن المستحاضةَ إذا صَلّت ، أن
الموطأ
الزوجِها أن يُصيبَها، وكذلك النُّفَساءُ، إِذا بلغتْ أَقصى ما يُمْسِكُ
النساءَ الدمُ، فإِن رأْتِ الدمَ بعدَ ذلك، فإنه يُصيبُها زوجها، وإِنما هى
بمنزلةِ المُستحاضةِ .
قال مالكٌ: الأمرُ عندَنا فى المستحاضةِ على حديثٍ هشامِ بنِ
عُروةَ عن أبيه ، وهو أَحَبُّ ما سَمِعتُ إِلىَّ فى ذلك .
الاستذكار المستحاضةِ إلا أن تَغتسلَ غُسلًا واحدًا، ثم تَتوضأَ بعدَ ذلك لكلِّ صلاةٍ (١).
قال مالكٌ : الأمرُ عندَنا ، على حديث هشام بن عروةً ، عن أبيه ، وهو أحبُ
ما سمعتُ إلىَّ فى ذلك .
وأما قولُ مالكٍ: وكذلك النُّفساءُ إذا بلغت أقصى ما يُمسِكُ النساءَ الدُ فإِن
العلماءَ قد اختلفوا قديمًا وحديثًا فى مدةِ دمِ النفاسِ المُمسكِ للنساءِ عن الصلاةِ
والصوم ؛ فكان مالكٌ يقولُ : أقصَى ذلك شهران . ثم رجع فقال: يُسألُ عن
ذلك النساء . وأصحابُه على أن أقصى مدة النفاسِ شهران ، ستون يومًا . وبه قال
عبيدُ اللهِ بنُ الحسنِ، وهو قولُ الشافعىِّ، وأبى ثورٍ. وقال الأوزاعىُّ: تَجلسُ
كامرأةٍ مِن نسائِها، فإن لم يكنْ لها نساءٌ كأمّهاتِها وأخواتِها فأربعون يومًا .
ورُوى ذلك عن عطاءِ بنِ أبى رباحٍ وقتادةَ، على اختلافٍ عن عطاءٍ. وقال
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٨٤)، وبرواية أبى مصعب الزهرى (١٧٥). وأخرجه الشافعى
٢٠٩/٧، والبيهقى ٣٥٠/١، ٣٥١.
٥٩٢
الموطأ
أكثرُ أهلِ العلم: أقصى مدةِ النفاسِ أربعون يومًا . ورُوى ذلك عن عمرَ بنِ الاستذكار
الخطابِ، وعبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، وعثمانَ بنِ أبى العاصِ، وأنسٍ بنِ مالكِ،
وعائذٍ بنِ عَمٍ و المُزَنىِّ ١، وأمّ سلمةَ زوجِ النبيِّ وَلَ . وهؤلاء كلُّهم صحابةٌ ،
لا مخالفَ لهم منهم ١ . وبه قال سفيانُ الثورىُّ، والليثُ بنُ سعدٍ ، وأبو حنيفةً
وأصحابُه، وأحمدُ بنُ حنبلٍ ، وإسحاقُ بنُ راهُويه ، وأبو عبيدِ القاسمُ بنُ سلامٍ،
وداودُ(١) . وقد حُكى عن الليثِ بنِ سعدٍ أن مِن الناسِ مَن يقولُ: سبعون يومًا .
ورُوى عنِ الحسنِ أنه قال: لا يكادُ النفاسُ يجاوزُ أربعين يومًا ، فإن جاوَز
خمسين يومًا فهى مُستحاضةٌ. وحكَى الأوزاعىُّ عن أهلِ دمشقَ، أن أجلَ
النِّفَاسِ مِن الغلامِ ثلاثونَ يومًا ، ومِن الجاريةِ أربعونَ يومًاً) . ورُوى عن الضحاكِ
قولٌ شاذٌّ أيضًا؛ أن النُّفساءَ تنتظرُ سبعَ ليالٍ وأربعَ عشْرةَ ليلةً ، ثم تَغتسلُ وتصلِّی ،
وهذا لا وجه له . وأما أقلُّ النفاسِ ، فقال مالكٌ: إذا ولَدت المرأةُ ولم ترَدمًا ،
اغتسلَت وصلَّت. وهو قولُ الأوزاعىِّ، والشافعيِّ، وأبى ◌ُبيدٍ ، ومحمدِ بنِ
الحسنِ، وأبى ثَورٍ . ولم يَحُدَّ الثورىُّ، وأحمدُ ، وإسحاقُ فى أقلِّ النفاسِ حدًّا .
ورُوى عن الحسن البصرىِّ عشرينَ يومًا ، وعن أبى حنيفةً خمسةً وعشرين يومًا ،
وعن أبى يوسفَ أحدَ عشرَ يومًا .
القبس
(١) عائذ بن عمرو بن هلال بن عبيد بن يزيد المزنى، يكنى أبا هبيرة، كان ممن بايع بيعة الرضوان
تحت الشجرة ، سكن البصرة وابتنى بها دارًا وتوفى فى إمارة عبيد الله بن زياد ، أيام يزيد بن معاوية.
ينظر الاستيعاب ٧٩٩/٢، وأسد الغابة ١٤٧/٣، ١٤٨، والإصابة ٦٠٩/٣، ٦١٠.
(٢) فى ص، م: ((فيه)). وينظر الأوسط لابن المنذر ٢٤٨/٢ - ٢٥٠.
(٣) ينظر الأوسط لابن المنذر ٢/ ٢٥٠.
(٤) فى ص، ط، م: ((ليلة)).
٥٩٣
( موسوعة شروح الموطأ ٣٨/٣)
الموطأ
[٢٣ظ] ما جاء فى بَولِ الصبئِّ
١٣٨ - حدّثنى يحيى، عن مالك، عن هشام بن عروةَ، عن أبيهِ ،
عن عائشةَ زوج النبيِّ وَلِّ أنها قالت: أَتِىَ رسولُ اللهِ وَلِّ بصبىٌّ، فبال
على ثوبِه، فدعا رسولُ اللهِ وَلَّهِ بماءٍ فأَتْبعه إياه .
الاستذكار
قال أبو عمر : التحدیدُ فی ھذا ضعیفٌ ؛ لأنه لا يَصِحُ إلا بتوقیف ، ولیس
فى مسألةٍ أكثرِ النفاسِ موضعٌ للاتباع (١) والتقليدِ إلا مَن قال بالأربعين؛ فإنهم
أصحابُ رسولِ اللهِ وَلّه ولا مخالفَ لهم منهم، وسائرُ الأقوالِ جاءت عن
غيرِهم، ولا يَجوزُ عندَنا الخلافُ عليهم بغيرِهم؛ لأن إجماعَ الصحابةِ حُجَّةٌ
على مَن بعدَهم ، والنفسُ تسكنُ إليهم ، فأين المَهربُ عنهم دونَ سُنَّةٍ ولا أصلٍ ؟
وبالله التوفيقُ .
التمهيد
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ قالت : أَتَى رسولُ اللهِ
وَله بصبىٍّ، فبالَ على ثوبِه، فدعا رسولُ اللهِ وَهِ بماءٍ فَأَتْبَعه إِيَّهُ(١).
قد مضَى القولُ فى معنَى هذا الحديثِ ، وما للعلماءِ فيه من المذاهبِ فی
بابِ ابنِ شهاب ، عن عبيدِ اللهِ من هذا الكتاب(١).
القبس
بابُ بَوْلِ الصَّبِىِّ
(١) فى الأصل ، ص.
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤١)، وبرواية أبى مصعب (٥١٢)، وأخرجه البخارى
(٢٢٢)، والنسائى (٣٠٢)، والطحاوى ٩٣/١، والبيهقى ٤١٤/٢ من طريق مالك به.
(٣) سيأتى فى ص ٥٩٦ - ٦٠١ .
٥٩٤
١٣٩ - وحدّثنى يحيى عن مالكِ، عن ابن شهاب، عن عُبَيدِ اللهِ الموطأ
ابنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ بنِ مسعودٍ ، عن أمّ قيسٍ بنتٍ مِحْصَنٍ، أنها أَتَت
بابنٍ لها صغيرٍ لم يَأْكلِ الطعامَ إِلى رسولِ اللهِ وَ لَّهِ، فَأَجلَسه فى
حجرِه، فبال على ثوبِه، فدعا رسولُ اللهِ وَ لِّ بماءٍ فنضَحه ولم يَغْسِلْه.
التمهيد
حدَّٹنا أحمدُ بنُ قاسم بن عیسی ، قال: حدّثنا عبيدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ
حَبابةَ ، قال: حدَّثنا البغوىُّ، قال: حدَّثنا علىّ بنُ الجَعْدِ ، قال : أخبَرَنى المباركُ
ابنُّ فضالةَ، عن الحسن، عن أمَّه١)، عن أمّ سلمةَ، قالت: بَوْلُ الغلامِ يُصَبُّ
عليه الماءُ صَبًّا(١)، وبَوْلُ الجاريةِ يُغْسَلُ؛ طعِمتْ أو لم تَطْعَمْ ".
قال أبو عمر : وهو قول ابن وهب رحمهاللهُ ، ورَوی حميدٌ ، عن الحسنِ،
أنه قال فى بَوْلِ الجاريةِ: يُعْسَلُ غْلًا، وبَوْلُ الغلامِ يُتبعُ بالماءِ(٤). وعلى هذا القولِ
تکونُ الآثارُ المرفوعةُ فى هذا البابِ کلّها غير متدافعةٍ ولا متضادةٍ ، وقد ذكرنا
کثیرًا من آثار هذا البابِ ومعانیه فی بابِ ابنِ شهابٍ عن عبيدِ اللهِ من هذا الكتاب .
مالك، عن ابنِ شهابٍ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن أمِّ قيسٍ بنتِ
مِحصَنٍ، أنها أتَت بابن لها صغيرٍ، لم يأكلِ الطعامَ، إلى رسولِ اللهِ وَله ،
حديثُ أمِّ قيسٍ بنتٍ مِحْصَنٍ حديثٌ صحيحٌ مُتَّفَقٌّ عليه، وفيه ثلاثُ فوائدَ؛ القبس
(١ - ١) فى م: ((بن عبد الله)).
(٢) سقط من: م.
(٣) البغوى فى الجعديات (٣٢٢٥)، وأخرجه ابن أبى شيبة ١/ ١٢١، وأبو داود (٣٧٩)، وابن
المنذر فى الأوسط (٧٠٠)، والبيهقى ٤١٦/٢ من طريق الحسن، عن أمه، عنها.
(٤) أخرجه الطحاوى ٩٣/١ من طريق حميد به.
٥٩٥
الموطأ
التمهيد
فأجلَسه فى حجرِه، فبال على ثوبِه، فدعا بماءٍ فنضَحه، ولم يغسِلْه(١).
أم قيسٍ هذه اسمُها مُجُدَامةُ (١) بنتُ وهبٍ بنٍ مِحصَنٍ، أختُ عكاشةً بنِ
B
وهب بنٍ مِحصَنٍ، وقد ذكرناها فى الصحابياتِ من كتابِنا فى «الصحابةِ)).
قال أبو عمرَ : النضحُ فى هذا الموضعِ صبُّ الماءِ من غيرِ عَرْكٍ ، وفى قولِه :
ولم يغسِلْه. دليلٌ على ذلك إن شاء اللهُ. وفى هذا الحديثِ "دليلٌ على" أن
إحداها: (أنَّ الفَسْلَ" إنما هو تَخْرِيكُ المغسولِ بالماءِ خلافًا لأبى حنيفة والشافعيِّ،
القبس .
ولِما تَوهَّمه أبو الفرج المالكىُّ، مِن أَن الغَسْلَ صَبُّ الماءِ على المغسولِ خاصةً ، وفى
هذا الحديثِ : فَأَتْبَعه بالماءِ ولم يَغْسِلْه . فبَيَّن أن الغَسْلَ معنَى زائدٌ على صَبِّ الماءِ.
الثانيةُ: أن الغرضَ مِن إزالةٍ "النجاسةِ ذَهابُْ عَيْنِها، فإذا زالَت بصَبٌ الماءِ عليها لم
يُفْتَقَرْ إلى تحريكِ اليدِ بالماءِ ، وكان البولُ مِن الصبىِّ قد وقَع على الثوبِ ، فصُبَّ عليه
الماءُ فى الحالِ، وهو طَرِئٍّ، فأخذَته أجزاءُ الماءِ فلم يَحْتَجْ إلى تَخْرِيكِ . الثالثةُ:
قولُهُ : أَتِىّ بصَبِىٌّ لم يأْكُلِ الطعامَ. وقد ظنَّ بعضُ الناسِ أن الصبىَّ إذا لم يأكُلِ الطعامَ
لم يُغْسلْ بَولُه ؛ لقوله فى الحديث : فأتبعه إيّاه ولم يغسله . فخفِی علیه تفسیژذلك فى
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٠)، ورواية أبى مصعب (٥١٣)، وأخرجه الدارمى (٧٦٨)،
والبخارى (٢٢٣)، وأبو داود (٣٧٤)، والنسائى (٣٠١)، وابن خزيمة (٢٨٦) من طريق مالك
به .
(٢) فى الأصل، م: ((جذامة)). وينظر الاستيعاب ٤/ ١٨٠٠.
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤ - ٤) فى ج: ((بيان الغسل))، وفى م: ((بيان الغسل و)).
(٥ - ٥) فى د: ((النجس إزالة)).
٥٩٦
الموطأ
الماء إذا غلب على النجاساتِ وغمرها طهّرها ، و کان الحكمُ له لا لها ، ولو كان التمهيد
إذا اختلَط بالنجاساتِ لحِقته النجاسةُ ما(١) كان طَهورًا، ولا وصَل به أحدٌ إلى
الطهارة ، وهذا مردودٌ بأن اللهَ عزَّ وجلَّ سمَّاه طَهورًا، وأجمع المسلمون على
ذلك فى كثيرِه، وإن اختلفوا فى معانٍ مِن قليلِه، وقد مضَى القولُ واضحًا فى
الماءِ فى بابٍ إسحاقَ بنِ أبي طلحةَ عندَ ذكرِ حديثٍ وُلوغ الهِرةِ فى الإناءِ ،
فأغنى ذلك عن إعادته هلهنا .
قال أبو عمرَ: أجمَع المسلمون على أن بَولَ كلِّ آدمىٌّ يأكلُ الطعامَ
نَجِسٌ. واختلف العلماءُ فى بَولِ الصبىِّ والصبيةِ إذا كانا مُرضَعين لا
القبس
اللغةِ ، فعاد يطلُبُ التأويلَ فى بولِ الصبىِّ فى غيرِ موضعِه، وهذا بابٌ يقعُ فيه العلماء
كثيرًا؛ بأن يَتَأْوَّلوا غيرَ موضعِ التأويلِ فى القرآنِ والحديثِ، فَتَبْطُلُ المسألةُ مِن
أصلها، كما تأوَّل أيضًا(٢) بعضُهم مِن قولِه: أَتِى بصبىٌّ لم يأكلِ الطعامَ. أَن تَوْلَ
الأنثى بخلافٍ بَوْلِ الذكَرِ ، ويَحْتُون فى ذلك بما لا ( نرضَى أن نَحكيه). وبولُ
الذكرِ والأنثى سواءٌ، أكلا الطعامَ أو لم يأكُلا؛ لأن غذاءَه مِن غذاءٍ أمُّه ، وما يَسْتحيلُ
عنه فحكمه حكمُ ما يَشتحيلُ مِن أمِّه ، وإنما كان يكونُ للشافعيِّ ومَن وافَقه كلامٌ لو
خُلِقِ المولودُ ابتداءً ، وإلا فهو مخلوقٌ فى بطنٍ أمِّه من لحمِها ودمِها ورُطوباتِها ، ينمو
بنَمائِها، فلا شكّ في أن حكمَه حكمُها . واللهُ أعلمُ .
(١) ليس فى: الأصل.
(٢) ينظر ما تقدم فى ٥٠٤/٢ - ٥٢٣ .
(٣) سقط من : ج .
(٤ - ٤) فى م: ((ترضى أن تحكيه)).
٥٩٧
الموطأ
التمهید
يأكلان الطعامَ؛ فقال مالكٌ وأبو حنيفةً وأصحابُهما: بَولُ الصبىّ والصبيةِ
كبولِ الرجلِ. وهو قولُ الثورىِّ والحسنِ بنِ حىٍّ. وقال الأوزاعىُّ: لا بأسَ
يتَولِ الصبىّ ما دام يشرَبُ اللبنَ، ولا يأكلُ الطعامَ. وهو قولُ عبدِ اللهِ بنِ
وهبٍ صاحبٍ مالكٍ. وقال الشافعىُّ: بَولُ الصبىّ ليس بنَجِسٍ حتى
يأكلَ الطعامَ، ولا يَيينُ لى فرقُ ما بينَه وبينَ الصبيةِ، ولو غُسِل كان أحبّ
إلىَّ.
وقال الطبرىُّ: بولُ الصبىّ يُتبعُ ماءً، وبولُ الصبيةِ يُغسلُ غَسلًا. وهو قولُ .
الحسنِ البصرىِّ. وقال سعيدُ بنُّ المسيبِ: الرشِّ بالرشِّ، والصبُّ بالصبِّ من
الأبوالِ كلِّها (١).
قال أبو عمرَ : احتجَّ مَن ذهَب مذهبَ الأوزاعيّ والشافعيّ بهذا الحديث،
ولا حجةً فيه؛ لأن النضحَ يحتملُ أن يكونَ أراد به صبَّ الماءِ، ولم يُردْ به
الرشَّ، وهو الظاهرُ من معنَى الحديثِ؛ لأن الرشَّ لا يَزيدُ النجاسةَ إلا شَرًّا، ومن
الدليل على أن النضحَ قد يكونُ صبَّ الماءِ والغَسلَ من غيرٍ عَوْكِ ، قولُ العربِ:
غسَلتْنى السماءُ. وما رُوِى عن النبيِّ بَ لِّ أنه قال: ((إنى لأعلمُ أرضًا يُقالُ لها:
عُمانُ . يَنْضَحُ بناحيتِها البحرُ، بها حىٍّ من العربِ، لو أتاهم رسولى ما رمَوه
بسهم ولا حجرٍ)) ().
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١/ ١٢٥، وشرح معانى الآثار ٩٣/١.
(٢) أخرجه أحمد ٣٩٨/١ (٣٠٨) من حديث عمر.
٥٩٨
الموطأ
التمهید
وقد جاءتْ عن النبيِّ وَّهِ أحاديثُ فيها التفرقةُ بينَ بولِ الغلامِ والجاريةِ ؛
منها : ما رواه قتادةُ ، عن أبی حرپٍ بن أبی الأسودِ ، عن أبيه، عن علىّ ، عن
النبيِّ وَِّ، أنه قال: ((يُغسلُ بولُ الجاريةِ، وَيُتَضَحُ على بولِ الغلامِ))(١) . قال
قتادةُ: ما لم يَطعَما الطعامَ ، فإِذا أَطعِما الطعامَ غُسِلا جميعًا . ومنها ما روَاه سِماكُ
ابنُ حربٍ، عن قابوسَ بنِ أبى المُخارقِ، عن لُبابةَ بنتِ الحارثِ ، أن الحسنَ بنَ
علىَّ بال على النبيِّ وَّر، فقلتُ: أعطِنى ثوبَك أغسله . فقال: ((إنما يُغسلُ من
الأنثى، ويُنضحُ من بولِ الذَّكرِ))(٢) .
وهذا عندَ جميعِهم ما لم يأكلا(٢) الطعامَ ، فقال جماعةٌ من أهلِ الحديثِ :
فالتفرقةُ بينَ بولِ الغلامِ والجاريةِ ، ما لم يأكل الطعامَ، على هذه الآثارِ وما كان
مثلَها . والنضح على بولِ الغلامِ عندَهم: الرشُّ.
ومن حجتهم ما رواه عبدُ الرحمنِ بنُ مهدئٍّ، قال: حدّثنا يحيى بنُ الوليدِ ،
قال: حدَّثْنا مُحِلُّ بنُ خليفةَ، قال: حدَّثنى أبو السَّمْح، خادمُ النبيِّ وَ لَه، أن
النبىَّ ◌َّةِ أَتِى بحسنٍ أو حسينٍ فبال عليه، قال: فجئتُ لأغسلَه، فقال:
القبس
(١) أخرجه أحمد ٧/٢ (٥٦٣)، وأبو داود (٣٧٨)، وابن ماجه (٥٢٥)، والترمذى (٦١٠) من
طريق قتادة به .
(٢) أخرجه أحمد ٤٤٥/٤٤، ٤٤٦ (٢٦٨٧٥)، وأبو داود (٣٧٥)، وابن ماجه (٥٢٢) من
طریق سماك به .
(٣) فى م: ((يأكل)).
٥٩٩
الموطأ
التمهيد
(يُغسلُ من بولِ الجاريةِ، ويُرشُ من بولِ الغلامِ»(١).
قال أبو عمرَ : القياسُ أن لا فرقَ بينَ بولِ الغلام والجاريةِ، كما أنه لا فرقَ
بينَ بولِ الرجل والمرأةِ ، إلا أن هذه الآثارَ إن صحَّت، ولم يعارضْها عنه وَلّ
مثلُها ، وجَب القولُ بها ، إلا أن روايةَ مَن روَى الصبَّ على بولِ الصبىّ وإتباعَه
الماءَ أصحُ وأولَى، وأحسنُ شىءٍ عندى فى هذا البابِ ما قالته أم سلمةً .
حدَّثنى أحمدُ بنُ قاسم بن عيسى ، قال: حدَّثنى عبيدُ اللهِ بنُ حَبابةَ ، قال :
حدَّثنى البغوىُّ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُّ الجعدِ ، قال : أخبرنى المباركُ بنُ فَضالةَ،
عن الحسنٍ، عن أمِّه (٢)، عن أم سلمةَ، قالتْ: بولُ الغلامِ يُصبُّ عليه الماءُ
صبًا، وبولُ الجاريةِ يُغسلُ؛ طعِمتْ، أو لم تطعَمْ().
وهذا حديثٌ مُفسرٌ للأحاديثِ كلِّها، مُستعملٌ لها ، حاشا حديثَ المُحِلِّ
ابنِ خليفةَ الذى ذكَر فيه الرشَّ، وهو حديثٌ لا تقومُ به حجةٌ، والمُحِلُّ
ضعيفٌ . وإذا صُبَّ على بولِ الغلام، وغُسِل بولُ الجاريةِ ، وقد علِمنا أن الصبَّ
قد يُسمَّى نضحًا، كان الفرقُ بينَ بولِ الغلامِ والجاريةِ الرَّضِيعين ما بينَ الصبّ
والعَرْكِ تعبدًا، کان وجهًا حسنًا، وهو أولی ما قِیل به فى هذا الباب، على ما
رُوِى عن أمّ سلمةَ ، وباللهِ التوفيقُ .
القبس
(١) أخرجه أبو دواد (٣٧٦)، وابن ماجه (٥٢٦)، والنسائى (٣٠٣)، وابن خزيمة (٢٨٣) من
طریق ابن مهدی به .
(٢) فی ر، ى، م: ((أبيه)).
(٣) تقدم تخريجه ص ٥٩٥ .
٦٠٠