Indexed OCR Text

Pages 541-560

الموطأ
التمهيد
سلمةَ رسولَ اللهِ وَّله فقال: ((تنظرُ(١) أيَّامَ قُروئِها - أو أيَّامَ حيضتِها - فتَدَعُ
فِيها الصلاةَ، وتَغتسلُ فيما سوى ذلك، وتستثفرُ بثوبٍ (وتصلِّى")).
قال أبو عمرَ: قولُه: ((تَدَعُ الصلاةَ أَيَّامَ أَقرائِها - أو أيَّامَ حيضتِها » . يُضارُِ
حديثَ هشامٍ بنِ عُروةَ ، عن أبيه ، عن عائشةً فى قصةِ فاطمةً ابنةِ أبی محبيشٍ حين
قال لها رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّما ذلكِ عِرْقٌ، وليس بالحيضةِ، فإذا أقبلَتِ
الحيضةُ فاترُكِى الصلاةَ، فإذا ذهبَتْ عنكِ فاغتسلِى وصلِى)). ويضارُ حديثَ
نافعٍ هذا فى قوله: ((لِتنظرْ عددَ اللَّالِى والأيَّامِ التى كانت تحيضُهُنَّ من الشهرِ))
الحديثَ . وفى هذینِ المعنیینِ تَنازُمُ بینَ العلماءِ، سنذ کژُه ههنا فى هذا الباب
بعدَ الفراغ من طُرقِ هذا الحديثِ وألفاظِهِ ، بعونِ اللهِ ، إن شاءَ اللهُ .
وأمَّا الاختلافُ على نافع فى هذا الحديثِ فإنَّ أسد بنَ مُوسَی ذکر فی
((مُسندِهِ)) قال: حدَّثنا اللَّيثُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا نافعٌ، عن سُليمانَ بنِ
يَسارٍ، عن أُمّ سلمةَ، أنَّ امرأةً كانت تُهَراقُ الدِّماءَ على عهدِ رسولِ اللهِ وَه .
وساق الحديثَ بمعنَى حديثٍ مالكِ سواءً، ولم يُدخِلْ فى إسنادِهِ بينَ سُليمانَ
ابنِ يسارٍ وبِينَ أُمّ سلمةَ أحدًا .
القبس
(١) فى ن: ((لتنظر)).
(٢ - ٢) سقط من: م.
والحديث عند أحمد ٣٢٢/٤٤ (٢٦٧٤٠)، وأخرجه البيهقى ٣٣٤/١ من طريق عفان به،
وأخرجه أبو داود (٢٧٨)، والطبرانى ٢٧٠/٢٣ (٥٧٥)، والدارقطنى ٢٠٨/١ من طريق وهيب
به .
٥٤١

الموطأ
التمهید
وكذلك رواه أسدٌ أيضًا عن أبى خالدِ الأحمرِ سُليمانَ بنِ حيَّانَ، عن
الحجّاجِ بنِ أرطاةً، عن نافعٍ، عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ ، عن أُمّ سلمةً(١).
و کذلك رواه أبو أسامةً وابنُ نُمیرٍ، عن عُبیدِ اللهِ بنِ عمرَ ، عن نافعٍ، عن
سُليمانَ بنِ يَسارٍ، عن أَمّ سلمةَ قالت: سألَتِ امرأةٌ رسولَ اللهِ وَلِّ. بهذا
الحديثِ ، ليس بينَ سُليمانَ وبينَ أُمّ سلمةَ فيه أحدٌ . ذكره ابنُ أبى شيبةً فى
(( مُسندِهِ))(٢) عن أبى أسامةَ وابنٍ ثُميرٍ، جميعًا بالإسنادِ المذكور.
وخالَفهما عن عُبيدِ اللهِ بنِ عمرَ أنسُ بنُ عياضٍ، فأدخَل بينَ سُليمانَ بنِ
يَسارٍ وبِينَ أُمّ سلمةَ رجلًا .
حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ مسلمةَ القعنبىُ، قال: حدَّثنا أنسُ بنُ عِیاضٍ،
عن عُبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ، عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ ، عن رجلٍ من الأنصارِ،
أنَّ امرأةً كانت تُهَراقُ الدَّمَ، فاستفتَتْ لها أَمُّ سلمةَ رسولَ اللهِ وَلتِ. فذكَرَ مثلَ
حديثٍ مالكِ بمعناه(٣) .
وأمَّا روايةُ مَن روَى عَنِ اللَّثِ هذا الحديثَ، فأدخَل فى إسنادِهِ بينَ
سُليمانَ بنِ يَسارٍ وبِينَ أَمّ سلمةَ رجلًا، فأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال :
القبس
(١) أخرجه الطبرانى ٢٧٠/٢٣ (٥٧٧) من طريق أبى خالد به .
(٢) ابن أبى شيبة فى مصنفه ١٢٦/١.
(٣) أخرجه البيهقى ٣٣٣/١ من طريق محمد بن بكر به ، وهو فى سنن أبى داود (٢٧٦).
٥٤٢

الموطأ
التمهيد
حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعیدٍ
ويزيدُ بنُ خالدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ موهَبٍ، قالا: حدَّثنا اللَّثُ ، عن نافع، عن
سُليمانَ بنِ يَسارٍ، عن رجلٍ أخبرَه، عن أَمّ سلمةَ، أنَّ امرأةً كانت تُهَراقُ
الدَّمَ. فذكَر معنَى حديثٍ مالكٍ، قال: ((فإذا خلَّفَتْ (١) ذلك وحضرَتٍ
الصلاةُ فَلْتَغْتَسلْ))(٢) .
قال أبو داودَ(١) : وحدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ مهدئٍّ،
قال: حدَّثنا صخرُ بنُ مُجُوَيريةَ، عن نافع. بإسنادِ اللَّيثِ ومعناه، قال:
(( فلتتركِ الصلاةَ قدرَ ذلك، ثم إذا حضرَتِ الصلاةُ فلْتغتسلْ ولتَسْتَثْفز بثوبٍ
وتصلِّی)).
وعندَ اللَّيثِ فى هذا أيضًا عن يزيدَ بنِ أبى حبيبٍ ، عن جعفرٍ بنٍ ربيعةً، عن
عِراكِ بنِ مالكِ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ أمّ حبيبةَ سألَتْ رسولَ اللهِ ێ عن
الدَّمِ، فقال لها رسولُ اللَّهِ فَلَّهِ: ((امكُثِى قدرَ ما كانت تَحبِشُكِ حيضتُكِ ثم
اغتسلِى)). قالت عائشةُ: رأيتُ مِرْكَتَها مَلآنَ دمًا (٤).
القبس
(١) فى الأصل: ((خافت)).
(٢) أخرجه البيهقى فى المعرفة (٤٧٤) من طريق محمد بن بكر به ، وهو فى سنن أبى داود
(٢٧٥)، وأخرجه الدارمى (٨٠٧)، وابن المنذر (٨١٢)، والبيهقى ٣٣٣/١ من طريق الليث به.
(٣) أخرجه البيهقى ٣٣٣/١ من طريق محمد بن بكر به، وهو فى سنن أبى دواد (٢٧٧) ، وأخرجه
ابن الجارود (١١٣) من طريق يعقوب به، وأخرجه الدارقطنى ٢١٧/١ من طريق ابن مهدى به.
(٤) أخرجه أحمد ٤٩/٤٣ (٢٥٨٥٩)، ومسلم (٦٥/٣٣٤)، وأبو داود (٢٧٩)، والنسائى
(٢٠٧، ٣٥١) من طريق الليث به .
٥٤٣

الموطأ
التمهيد
وعندَ اللَّیثِ أیضًا عن یزید بنِ أبی حبیپٍ ، عن بُکیرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأُشجّ،
عن المنذرِ بنِ المغيرة ، عن عُروةَ بنِ الزبيرِ ، أنَّ فاطمةَ بنتَ أبى محُبيشٍ حدَّثتْه أنَّها
سألَتْ رسولَ اللهِ وَلَهِ وَشَكَتْ إليه الدَّمَ، فقال لها رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إنَّما ذلكِ
عِرِقٌ ، فانظرِى إذا أتاكِ قُرْؤكِ فلا تُصلِّى، فإذا مرَّ قُرؤكٍ فتطهَّرِى، ثم صلَّى ما بينَ
القُرءِ إلى القُرءِ)). ذكر ذلك كلَّه أبو داودَ (١).
وقال أبو داودَ: سمِعتُ أحمدَ بنَ حنبلٍ يقولُ: فى الحيضِ حديثان،
والآخر فى نفسِى منه شىءٌ. قال أبو داودَ : يعنى أنَّ فى الحيضِ ثلاثةَ أحاديثَ
هى أُصولُ هذا البابِ ؛ أحدُها حديثُ مالكِ ، عن نافعٍ، عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ .
والآخرُ، حديثُ هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ . والثالثُ الذى فى قلبِه
منه شىءٌ، هو حديثُ حَمْنَةً بنتِ جحشٍ الذى تروِیه ابنُ عَقيل .
قال أبو عمرَ : أمَّا حديثُ نافعٍ، عن سُليمانَ بنِ يَسارٍ ، فقد مضى فى هذا
البابِ مُجوَّدَ الإسنادٍ ، والحمدُ للهِ . وأمّا حديثُ عائشةَ فى قصةِ فاطمةً ابنةِ ابی
◌ُبیش ؛
فحدَّثناه سعيدُ بنُ نَصرِ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ، قال: حدّثنا
سفيانُ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عُروةَ ، عن أبيه، عن عائشةَ ، أَنَّ فاطمةَ بنت أبى
مُحُبيشِ الأسديَّةَ كانت تُستَحاضُ فسألَتْ رسولَ اللهِ وَّلَه فقال لها: ((إنَّما
القبس
(١) أبو داود (٢٨٠).
٥٤٤

الموطأ
ذلك(١) عِرْقٌ وليس بالحيضةِ، فإذا أقبَلتِ الحيضةُ فاترُ كى الصلاةَ، وإذا أَدْبرَت التمهيد
فاغتسلى وصلّى)). أو(٢) قال: ((اغسلِى عنك الدَّمَ وصلَّى))(٣).
وهذا حديثٌ رواه عن هشامٍ جماعةٌ كثيرةٌ ؛ منهم حمَّادُ بنُّ سلمةَ ، وحمَّادُ
ابنُّ زيدٍ ، ومالكُ بنُ أنسٍ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ كُنَاسَةَ، وابنُ عُيينةَ . وزادَ
بعضُهم فيه ألفاظًا لها أحكامٌ سنذكُرُها إن شاءَ اللهُ فى بابٍ هشامٍ بنِ عُروةً من
هذا الكتاب(4).
وأمَّا الحديثُ الذى ذكَر أنَّه الثالثُ ، حديثُ حَمْنَةً، فأخبرناه أحمدُ بنُ
قاسم وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
الحارثُ بنُ أبي أسامةَ ، قال: حدَّثنا زكريًّا بنُ عدىٍّ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ
عمرٍو، عن عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عَقيلٍ ، عن إبراهيم بنِ محمدِ بنِ طلحةً، عن
عِمرانَ بنِ طلحةً، عن أُمِّه حَمْنَةً بنت جحشٍ ".
وأخبرَنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، قال: حدَّثنا أبو
داودَ ، قال: حدَّثنا زُهیرُ بنُ حربٍ وغيرُه، قالا : حدّثنا عبدُ الملكِ بنُ عمرو ،
القبس
(١) فى الأصل، ن، م: ((هو).
(٢) سقط من: م.
(٣) تقدم فى الموطأ (١٣٣).
(٤) ينظر ما تقدم ص ٥٢٤ وما بعدها.
(٥) أخرجه الدارقطنى ٢١٥/١، والحاكم ١٧٢/١، ١٧٣، والبيهقى ٣٣٨/١، ٣٣٩، وفى
الخلافيات (١٠١٤) من طريق الحارث بن أبى أسامة به، وأخرجه ابن المنذر (٨١١) من طريق زكريا
ابن عدى به .
٥٤٥
( موسوعة شروح الموطأ ٣٥/٣)

الموطأ
التمهيد
قال : حدّثنا زُهیرُ بنُ محمدٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عقیل ، عن إبراهيم بنِ
محمدِ بنِ طلحةً ، عنِ عمّه عِمرانَ بن طلحةَ ، عن أَمِّه حَمْنةً ابنةٍ جحشٍ ، بمعنّی
واحدٍ قالت: كُنْتُ أُستَحاضُ حيضةً كثيرةً شديدةً، فأتيتُ رسولَ اللهِ وَهـ
أستفتِيه وأُخبرُه، فوجدتُه فى بيتِ زينبَ بنت جحشٍ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ،
إِنِّى أُستحاضُ حيضةً كثيرةً شديدةً ، قد مَنَعَتْنى مِن الصلاةِ والصومِ ، فماذا ترَى
فيها؟ فقال: ((أنعَتُ لكِ الكُرْسُفَ(١)؛ فإنَّهُ يُذهبُ الدَّمَ)). قلتُ: هو أكثرُ من
ذلك. قال: ((فتلجَّمِى))(١). قلتُ: هو أكثرُ من ذلك. قال: ((فاتَّخذِى ثوبًا)).
قلتُ: هو أكثرُ من ذلك(٢)، إنَّما أتُجُ ثَبَجًا. قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((سآمركٍ
بأمرين أيَّهما فعلْتِ أجزأ عنك من الآخرِ ، وإنْ قَوِيتِ عليهما فأنتِ أعلمُ ، إنَّما
هى ركضةٌ من الشيطانِ ، فتَحتَّضِى سَّةَ أيَّامِ أو سبعةً فى علمِ اللهِ ، ثم اغتسلِی،
حتى إذا رأيتِ أَنَّك قد طَهُرْتٍ واستنقأْتٍ (٤) فصلِّى أربعًا وعشرين ليلةً - أو ثلاثًا
القبس
(١) الكرسف: القطن. النهاية ١٦٣/٤.
(٢) تلجمى: أى: اجعلى موضع خروج الدم عصابة تمنع الدم، تشبيها بوضع اللجام فى فم الدابة .
النهاية ٢٣٥/٤.
(٣) بعده فى الأصل: ((قال))، وفى م: ((قالت)).
(٤) فى الأصل: (استيقيت))، وفى ق، ن: ((استنقيت)). واستنقأت: أى: بالغت فى التنقية ، والرواية
هکذا بالهمزة ، قال الشيخ أحمد شاکر : هو استعمال جائز ومسموع، إذ إن همز ما ليس بمهموز کثیر فی
كلام العرب ... وهذا الحرف : (استنقات)) لم أره فی شیء من روايات هذا الحدیث مرویا بالياء، إلا فى
رواية الدارقطنى ، وأما أبو داود والترمذى والحاكم فإنه مروى عندهم بالهمزة، وكذلك هو بالهمزة فى
نسخة مخطوطة صحيحة عتيقة من التحقيق لابن الجوزى ، وكذلك فى نسخة مخطوطة صحيحة قديمة
من المنتقى للمجد ابن تيمية. جامع الترمذى ٢٢٤/١. وينظر عون المعبود ١١٧/١.
٥٤٦

الموطأ
التمهيد
وعشرين ليلةً - وأيَّامَها، وصومِى، فإنَّ ذلك يُجزئُكِ، وكذلك فافعلى كُلّ
شهرٍ، كما تَحيضُ النساءُ وكما يَطُرنَ لميقاتٍ حيضِهِنَّ وطُهرِ هِنَّ. فإن قَويتِ
على أَنْ تُؤْخِّرِى الظهرَ وتعجّلِى العصرَ، ثم تَغْتسلين وتَجمَعين بينَ
الصلاتين الظهرِ والعصرِ، وتؤخِّرينَ المغربَ وتعجّلين العشاءَ، ثم تَغتسلین
وتجمعین بینَ الصلاتينِ فافعلی، ثم تغتسلین مع الفجرِ ، فافعلی ، وصومِی ،
إِن قَدَرْتِ على ذلك)). قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((وهذا أحبُّ الأمرينِ إِلىَّ)).
قال أبو داودَ : وما عدا هذه الثلاثةَ أحاديثَ ففيها اختلافٌ واضطرابٌ .
قال : وأمَّا حديثُ عدىٍّ بنِ ثابتٍ والأعمشِ ، عن حبيبٍ بن أبى ثابتٍ ، وحديثُ
أيوبَ أبى(٢) العلاءِ، فهى كلُّها ضعيفةٌ لا تَصِحُّ .
حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ بنِ عبدِ المؤمن، قال : حدّثنا محمدُ بنُ بکرٍ ،
قال : حدَّثنا أبو داودَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى ، قال : حدثنا محمدُ بنُ أبی
عدىٍّ، عن محمدِ بنِ عمرٍو ، قال: حدَّثنى ابنُ شهابٍ ، عن عُروةَ بنِ الزبيرِ ، عن
فاطمةَ ابنةٍ أبى محبيشٍ، أنَّها كانت تُستَحاضُ، فقال لها النبيُّ وَالتِ: ((إذا كان
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، ق، ن. وذكر ناشر المطبوعة أنه سقط أيضا من الأصل عنده، وأنه أثبته
من سنن أبي داود .
(٢) أخرجه البيهقى ٣٣٩/١ من طريق محمد بن بكر به، وهو فى سنن أبى داود (٢٨٧)، وأخرجه
أحمد ٤٦٧/٤٥، ٤٦٨ (٢٧٤٧٤)، والترمذى (١٢٨) من طريق عبد الملك بن عمرو أبى عامر
العقدی به .
(٣) فى م: ((ابن)). وينظر تهذيب الكمال ٤٩٢/٣.
٥٤٧

الموطأ
دُ الحيضِ فإِنَّ دٌ أَسودُ يُعرَفُ، فإذا كان ذلك فأمسكِى عن الصلاةِ، وإذا كان
التمهید
الآخَرُ فتَوضَّئِى وصلِّى، فإنَّما هو ◌ِرِقٌ))(١).
قال ابنُ المثنّی : حدّثنا به ابنُ ابی عدیٍّ من کتابه ھکذا، ثم حدّثنا به من
حفظه(١) فقال: حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، عن الزهرىِّ، عن مُروةَ، عن عائشةَ،
أنَّ فاطمةً كانت تُستحاضُ . وذكّره .
١
قال أبو عمرَ : اختُلف عن الزهرىِّ فى هذا الحديثِ اختلافًا كثيرًا؛ فمرّةً
يروِيه عن عَمْرَةَ، عن عائشةَ. ومرَّةً عن عُروةَ، عن عائشةً. ومرَّةً عن عُروةَ
وعَمْرَةَ، عن عائشةَ. ومرّةً عن ◌ُروةً ، عن فاطمةً بنتِ أبی ◌ُبیشٍ. وقد ذكرنا
كثيرًا من ذلك فى بابِ هشامٍ بنِ عُروةً(٣) .
وقال فيه سُهيلُ بنُ أبى صالح: عن الزهرىِّ، عن عُروةَ: حدَّثتنى فاطمةُ ابنةُ
أبى خُبيشٍ، أَنَّها أمَرتْ أسماءَ أن تسألَ رسولَ اللهِ وَِّهِ، وأسماءُ حدَّثتنى أنَّها
أُمَرتْ فاطمةَ ابنةَ أَبِى مُبيشٍ تَسألُ رسولَ اللهِ وَلِّ عنِ الحيضِ، فأمَرِها أنْ تَقْعُدَ
أيَّامَها التى كانت تَقْعُدُ ثم تَغْتَسِلَ(٤) .
وأكثرُ أصحابٍ ابن شهابٍ يَقولون فيه: عن عُروةَ وعَمْرَةَ، عن عائشةَ ، أَنَّ
أَمَّ حبيبةً بنتَ جحشِ خَتَنَةً رسولِ اللهِ وَّهِ، وهى تحتَ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ ،
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٥٢٨ .
(٢) فى ق، ن: ((لقطه)).
(٣) ينظر ما تقدم ص ٥٢٧ - ٥٢٩ .
(٤) تقدم تخريجه ص ٥٢٨.
٥٤٨

الموطأ
استُحيضَتْ. هكذا يقولون عن ابنٍ شهابٍ فى هذا الحديثِ : أمُّ حبيبةً . لا
يذكرونَ فاطمةً بنتَ أبى محُبيشٍ ، وحديثُ ابنِ شهابٍ فى هذا البابِ مُضطرِبٌ .
التمهید
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ، حدَّثنا ◌ُبيدُ اللهِ بنُ
يحتِى ، حدَّثنى أبى، حدَّثنا اللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن عُروةَ ، عن
عائشةً، أنَّها قالت: استفتَتْ أَمُّ حبيبةَ بنتُ جحشٍ رسولَ اللهِ وَ لِّ قالت: إِنِّى
أُستَحاضُ . فقال: ((إِنَّما ذلكِ عِرقٌ، فاغتسلِى ثم صلِّى)). فكانت تَغْتسِلُ عندَ
كلِّ صلاةٍ(١).
وروَاه ◌ِراكُ بنُّ مالكِ، عن عُروةَ، بخلافٍ روايةِ هشامٍ والزهرىِّ.
حدَّثناه عبدُ الوارثِ، حدَّثنا قاسمٌ، حدَّثنا مُطَّلبُ بنُ شُعيبٍ، حدَّثنا
عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، حدَّثنا اللَّيثُ، عن يزيدَ بنِ أبى حبيبٍ، عن جعفرِ بنِ
ربيعةً، عن عِراكِ بنِ مالكِ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ أُمَّ حبيبةَ سأَلَتْ
رسولَ اللهِ وَله عن الدَّم. قالت عائشةُ: لقد رأيتُ مِرْكَتَها مَلَآَنَ دمًا، فقال
لها رسولُ اللهِ وَّهِ: ((امكَثِى قدرَ ما تَحبِشُكِ حیضتُكِ ثم اغتسلِی)».
ویاسنادِه عن اللَّثِ ، عن یزید بنِ ابی حبیب، عن ◌ُکیرِ بنِ الأُشجّ، عن
المنذرِ بنِ المغيرةِ ، عن عُروةً بنِ الزبيرٍ ، أنَّ فاطمةَ بنتَ أبى حبيشٍ حدَّثته، أنَّها
أَتَتِ النبيَّ وَّهِ فِشَكَتْ إليه الدَّمَ، فقال لها رسولُ اللهِ وَهِ: ((إنَّما ذلكِ عِرْقٌ ،
AS
القبس
(١) أخرجه أحمد ٧٠/٤١ (٢٤٥٢٣)، ومسلم (٦٣/٣٣٤)، وأبو داود (٢٩٠)، والنسائى
(٢٠٦) من طريق الليث به .
(٢) تقدم تخريجه ص ٥٤٣.
٥٤٩

الموطأ
التمهید
فانظُرِى ، فإذا أتاكِ قُرؤكِ فلا تُصلِّى، فإذا مرّ القُرءُ فتَطَهَّرى ثم صلِّى ما بينَ القُرءِ
إلى القُرْءِ))(١).
قال أبو عمرَ: لهذا الاختلافِ ومثله عن عُروةَ، واللهُ أعلمُ ، ضعَّف أهلُ
العلم بالحديثِ ما عدا حدیثَ هشام بنِ عُروةً وسلیمانَ بنِ یَسارٍ من أحاديثِ
الحيضِ والاستحاضةِ . فهذه الأحاديثُ المرفوعةُ فى هذا البابِ ، وأمَّا أقاويلُ
الصحابة والتابعين وسائرٍ فُقهاءِ المسلمين، فسنُوردُ منها هلهنا ما فيه شفاءٌ
واكتفاء إن شاءَ اللهُ .
قال أبو عمرَ: أمَّا قولُه فى حديثٍ مالكٍ فى هذا البابِ : عن نافعٍ، عن
سُليمانَ بنِ يَسارٍ ، عن أَمّ سلمةَ ، أنَّ امرأةً كانت تُهَراقُ الدِّماءَ على عهدٍ
رسولِ اللهِ وَّهِ. فمعناه عندَ جميع العلماءِ أنَّها كانَتِ امرأةٌ لا يَنقطعُ دمُّها ، ولا
ترَى منه طُهرًا ولا نَقاءً، وقد زادها ذلك على أيامِها المعروفةِ لها وتمادَى بها ،
فسألَتْ عن ذلك لِتعلمَ هل حُكمُ ذلك الدَّمِ كحكمٍ دمِ الحيضِ؟ أو هل هو
حيضٌ أو غيرُ حيضٍ؟ فأجابها رسولُ اللهِ وَلي بجوابٍ منَعها به من الصلاةِ فى
أيَّامِ حيضتِها، فبانَ بذلك أنَّ الحائضَ لا تُصلِّى، وهذا إجمائعٌ، وَأَمَرِها وَلِأَنْ
تَغْتسلَ وتصلِّىَ إِذا خلَّفَتْ ذلك. واحتملَتْ ألفاظُ هذه الأحاديثِ من التأويلِ ما
أوجَب اختلافَ العلماءِ فى هذا البابِ على ما نَذكرُه عنهم إن شاءَ اللهُ .
(٢)
والذى أجمعُوا عليه أنَّ المرأةَ لها ثلاثةُ أحكام فى رُؤَيّتِها الدَّمَ الظاهرَ
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٥٤٤ .
(٢) سقط من: م.
٥٥٠

الموطأ
السائلَ من فرجِها؛ فمِن ذلك دمُ الحيضِ المعروفُ ، تَتركُ له الصلاةَ إذا كان التمهيد
حيضًا، وللحيضِ عندَهم مقدارٌ اختلفوا فيه ، وكلُّهم يقولُ: إذا جاوز الدَّمُ ذلك
المقدارَ فليس بحيضٍ . والحيضُ خِلقةٌ فى النساءِ وطبعٌ مُعتادٌ معروفٌ منهنَّ،
وحكمُه ألَّ تصلِّىَ معه المرأةُ ولا تَصومَ، فإذا انقطَع عنها كان طُهرُّها منه
الغُسلَ.
ومِن ذلك أيضًا الوجهُ الثانى، وهو دُ النِّفاسِ عندَ الولادةِ ، وله أيضًا عندَ
العلماءِ حدٍّ محدودٌ اختلفوا فيه على ما نَذكرُه عنهم إن شاءَ اللهُ، وطُهُها عندهم
انقطاعُه والغسلُ منه كالفُسْلِ من الحيضِ سواءً .
والوجْهُ الثانِى (١)، دم ليس بعادةٍ ولا طبعٍ منهُنَّ ولا خِلقةٍ ، وإنَّما هو ◌ِرِقٌ
انقطَع ، سائلٌ دمُه لا انقطاعَ له إلَّ عندَ البُزْءِ منه، فهذا محُكمُه أنْ تكونَ المرأةُ فيه
طاهرًا لا يَمنعُها من صلاةٍ ولا صومٍ بإجماع من العلماءِ واتِّفاقٍ من الآثارِ
· القبس
واختلَط على العلماءِ أمرُ المُخْتلِطةِ، وتَحيَّروا فى أمرٍ المُتَحيّرة ، ولو أردنا أن نَشْرُدَ
كلامَهم، أو نُبِيِّنَ مَرامَهم(١) لاتَّسَعِ الخَرْقُ، وخرَج الأمرُ عن الضَّبْطِ ، وأَشبَهُ ما فى
ذلك أحدُ أصولٍ مالكٍ؛ وهو أنَّ دمَ المرأةِ إذا خرَج عن الاعتيادِ، فهى مُسْتحَاضَةٌ تصومُ
وتُصلِّی ، ویأتیها زوجها ، حتی تری دمًا مُتَغيّرًا فتعمَلُ عليه ، فإن تمادى بها ، فلا يَخْلو
أن تكونَ مُبْتدَأةً أو مُعْتَادَةً ، فإن كانت مُبْتَدَأةً فَلْتُمْسِكْ أيامَ لِدَاتِها ، وإن كانت مُعْتَادَةً
فَلْتُمْسِكْ قَدْرَ عادتِها ، وقيل : تَسْتظهِرُ بثلاثةِ أيامٍ . والاستظهارُ مشهورٌ فى المذهب،
ضعيفٌ فى الحديثِ، وقيل: تَتمادى إلى خمسةً عَشَرَ يومًا ، وهو أكثرُ الحَيْضِ .
(١) كذا فى النسخ، والصواب: ((الثالث)).
(٢) فى م: ((مراميهم)).
٥٥١

الموطأ
التمهید
المرفوعةِ ، إذا كان معلومًا أنَّه دمُ العِرقِ لا دمُ الحيضِ. وأمَّا وطءُ الزَّوجِ أو السَّيِّدِ
للمرأةِ التى هذه حالُها، فمختلفٌ فيه من أهلِ العلم ؛ جماعةٌ قالوا : لا سبيلَ
لزوجها إلى وطئِها ما دامَتْ تلك حالَها. قالوا: لأنَّ كلَّ دم أذِى يَجبُ غسلُه من
الثَّبِ والبدنِ ، ولا فرقَ فى المباشرةِ بينَ دمِ الحيضِ ودمِ الاستحاضةِ ؛ لأنَّه كلَّه
رجسٌ، وإنْ كان التعبّدُ منه مُختلفًا، كما أنَّ ما خرَج من السَّبِيلين سواءٌ فى
النجاسةِ وإن اختلفَتْ عباداتُه فى الطهارةِ . قالوا : وأمَّا الصلاةُ فرخصةٌ ورَدَتْ بها
الشُنَّةُ، كما يُصلِّى سَلِسُ البولِ. وممن قال: إنَّ المستحاضةَ لا يُصيئُها
زوجها . إبراهيمُ النخعىُّ، وسليمانُ بنُ يَسارٍ، والحكمُ، وعامرٌ الشعبىُّ، وابنُ
سيرينَ ، والزهرىُّ . واختُلِف فيه عنِ الحسنِ . ورُويَ عن عائشةً فى المستحاضةِ
أنَّه لا يأتِيها زوجها (١) . وبه قال ابنُ عُليَّةً.
وذكِر عن شريكٍ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ قال : المستحاضةُ تصومُ
وتصلِّى ، ولا يأتيها زوجها .
وعن حمّادٍ بنِ زيدٍ ، عن حفصٍ بنِ سُليمانَ، عن الحسنِ مثلَهُ(٢) .
وعن عبدِ الواحدِ بنِ سالم، عن محريثٍ ، عن الشعبىِّ مثلَه.
وذكَر عبدُ الرَّزَّاقِ (١)، عن الثَّورئِّ، عن منصورٍ قال: لا(٩) تَصومُ ، ولا يأتِيها
القبس
(١) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ٢٧٨/٤، ٢٧٩، وسنن الدارمى (٨٥٥).
(٢) أخرجه الدارمى (٨٥٤) من طريق حماد به .
(٣) عبد الرزاق (١١٩٣).
(٤) ليس فى: الأصل، ق .
٥٥٢

الموطأ
التمهيد
زوجها، ولا تَمسُّ المصحفَ.
وعن معمرٍ ، عن أيوبَ قال: سُئِل سليمانُ بنُ يَسارٍ : أيصيبُ المستحاضةَ
زوجها؟ فقال: إنما سَمِعتُ بالرخصةِ لها فى الصلاةِ(٢).
قال معمرٌ: وسألتُ الزهرىَّ: أيُصيبُ المستحاضةَ زوجُها؟ فقال: إنما؟.
سمِعنا بالصلاةِ .
وذكَر إسماعيلُ بنُ إسحاقَ ، قال: أخبرنا أبو مُصعبٍ، قال: سمِعتُ
المغيرةَ بنَ عبد الرحمنِ - وكان من أُعلَى أصحابٍ مالكٍ - يقولُ: قولُنا فى
المستحاضة إذا استمرّ بها الدُّمُ بعد انقضاءِ أيَّامِ حیضتها ، أنَّا لا ندرِی هل ذلك
انتقالُ دمٍ حيضتها إلى أيامٍ(٢) أكثرَ منها أم ذلك استحاضةٌ؟ فنأمرُها أنْ تَغتسلَ إذا
مضَتْ أَيَّامُ حيضتِها ، وتصلَّى وتصومُ ، ولا يغشَاها زوجها احتياطًا حتى(4) يَنظرَ
إلى ما تصيرُ إليه حالُها بعدَ ذلك، فإن كانت حيضةً انتقلَتْ من أيَّامٍ إلى أكثرَ
منها، عمِلتْ فيما تَستقبلُ على الأيَّامِ التى انتقلَتْ إليها ، ولم يَضوَّها ما كانت
احتاطَتْ من الصلاةِ والصيامِ، وإنْ كان ذلك الدَّمُ الذى استمرّ بها استحاضةً
كانت قد احتاطَتْ للصلاةِ والصيامِ .
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) عبد الرزاق (١١٩١) .
(٣) فى م: ((دم).
(٤) ليس فى : الأصل، م.
٥٥٣

الموطأ
التمهيد
قال أبو مُصعبٍ : وهذا قولُنا وبه نُفِتِى .
وقال لجمهورُ العلماءِ: المستحاضةُ تصومُ وتصلِّى وتطوفُ وتقرأُ ويأتِيها
زوجها . وممّن رُوىَ عنه إجازةُ وطءِ المستحاضةِ ، عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ ، وابنُ
المسيَّبِ ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ مجبيرٍ، وعطاء(١) . وهو قولُ مالكِ، والشافعيِّ،
وأبى حنيفةً، وأصحابِهم، والثورىِّ، والأوزاعيِّ، وإسحاقَ ، وأبى ثورٍ. وكان
أحمدُ بنُ حنبلٍ يقولُ: أحبُّ إلىّ ألَّ يَطأَها إِلَّ أنْ يطولَ ذلك بها .
ذكّر ابنُ المباركِ ، عنِ الأجلح، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ قال فى
المستحاضةِ : لا بأسَ أنْ يُجامعَها زوجها(١).
وذكّر عبدُ الرَّزَّاقِ (١)، عن معمرٍ، عن إسماعيلَ بنِ شَرُوسٍ قال: سمِعتُ
عكرمةَ مولَى ابنِ عباسٍ يُسألُ عن المستحاضةِ: أيُصيبُها زومجها؟ قال : نعم وإن
سالَ الدَّمُ على عَقِبئها .
وعن الثورىِّ، عن سُمَىٌّ ، عن ابنِ المسيَّبِ، وعن يُونسَ، عن الحسنِ،
قالا فى المستحاضةِ: تصومُ وتصلِّى، ويجامعُها زوجها(4).
وعن الثورىِّ، عن سالمِ الأفطَسِ، عن سعيدِ بنِ مجبيرٍ، أَنَّه سألَه عن
القبس
(١) قول عطاء أخرجه عبد الرزاق (١١٩٤)، وابن أبى شيبة ٢٧٩/٤، والدارمى (٨٥١).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١١٨٩) - ومن طريقه ابن المنذر (٨٠٤) - عن ابن المبارك به .
(٣) عبد الرزاق (١١٨٨).
(٤) عبد الرزاق (١١٨٦).
٥٥٤

الموطأ
التمهید
المستحاضةِ: أتُجامعُ؟ فقال: الصلاةُ أعظمُ من الجماع(١).
وذکر ابنُ وهب، عن عمرو بن الحارثِ ، عن یحی بنِ سعيدٍ ، عن سعيد
ابنِ المسيَّبِ ، أَنَّه قال : المستحاضةُ تصومُ وتصلِّى ويطؤُها زوجها .
قال ابنُ وهب : وقال مالك : أمژ أهلِ الفقْهِ والعلم على ذلك وإن کان دمُها
كثيرًا. وقال مالكٌ: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: ((إنَّما ذلك عِرْقٌ، وليس بالحيضةِ)).
وإذا لم تكنْ حيضةً فما يمنَعُهُ(٢) أن يصيبها وهى تُصلِّى وتصومُ؟
قال أبو عمرَ: لمَّا(٢) حَكَمَ اللهُ فى دمِ المستحاضةِ(٤) بأنَّه لا يَمنغُ من
الصلاةِ، وتَعَبَّدَ فيه بعبادةٍ غيرِ عبادةِ الحيضِ، وجَب ألَّا يُحكمَ له بشىءٍ من
محكمٍ الحيضِ إلَّا فيما أجمَعوا عليه من غَسلِهِ كسائرِ الدِّماءِ.
وأمَّا اختلافُ العلماءِ فى أكثرِ الحيضِ وفى أقلِّه ، وفى أقلِّ الطّهرِ ، فواجبٌ
الوقوفُ عليه هلهنا؛ لأنَّ الأصلَ فى الاستحاضةِ زيادةُ الدَّمِ على مقدارِ أمدٍ
الحيضِ ، أو نُقصانُ مُدَّةِ الطُّهرِ عن أقلِّه، فبهذا تُعرفُ الاستحاضةُ .
فأمَّا اختلافُهم فى أكثرِ الحيضِ وأقلِّه ؛ فإنَّ فقهاءَ أهلِ المدينةِ يقولون : إِنَّ
القبس
وژُوی عن ابن نافعٍ ، وابنِ الماچِشُونِ ، أن أكثر الخَيْضِ سبعةً عشَرَ يومًا ، وهی
روايةٌ ضعيفةٌ لا أصل لها ، والدليلُ على صحةِ ذلك أن اللَّهَ تبارك وتعالى جعَل عِدَّةَ
(١) عبد الرزاق (١١٨٧).
(٢) فى الأصل، م: ((يصيبه)).
(٣) سقط من: م. وفى الأصل: ((أم)).
(٤) فى م: ((الاستحاضة)).
٥٥٥

الموطأ
التمهيد الحيضَ لا يكونُ أكثرَ من خمسةَ عشرَ يومًا. وجائزٌ عندَهم أنْ يكونَ خمسةً
عشرَ يومًا فمادُونَ ، وأمَّا ما زادَ على خمسةَ عشرَ يومًا فلا يكونُ حيضًا ، وإنَّما هو
استحاضةٌ . وهذا مذهبُ مالكٍ وأصحابِهِ فى الجملةِ ، وقد رُوىَ عن مالكِ أنَّه
قال: لا وقتَ لقليلِ الحيضِ ولا لكثيرِه. والدُّفعةُ عندَه (١) من الدَّمِ وإنْ قلَّتْ تَمنعُ
من الصلاةِ ، وأكثرُ الحيضِ عندَه خمسةَ عشرَ يومًا، إلّا أنْ يُوجدَ فى النساءِ أكثرُ
من ذلك، فكأنَّه ترَك قولَه: خمسةَ عشرَ يومًا. وردَّه إلى عُرفِ النساءِ فى
الأكثرِ. وأمَّا الأقلُّ: فقليلُ الدَّمِ عندَه حيضٌ بلا توقِيتٍ، يَمنعُ من الصلاةِ وإنْ لم
تكن المطلّقةُ تَعدُّه قُرءًا . هذه مجملةُ روايةِ ابنِ القاسم وأكثرِ المِصريين عنه،
ورؤى الأندلسيُّون عن مالكِ : أقلُّ الطُّهرِ عشرٌ، وأقلُّ الحيضِ خمسٌ . وقال ابنُ .
الماجشونِ ، عن مالكٍ : أقلُّ الطّهرِ خمسةُ أَامٍ ، وأقلُّ الحيضِ خمسةُ أَيَّامٍ . وهو
القبس
الحائضِ ثلاثةَ أَقْرَاءٍ، وجعَل ◌ِدَّةَ اليائسِ (١) ثلاثةَ أشهرٍ، فقابل كلَّ قُزْءٍ بشهرٍ، ولا
يَخْلو أن يقابِلَه بأكثرٍ() الخَيْضِ وَ(٩) أكثرِ الظُّهْرِ، وذلك مُحالٌّ؛ لأن أكثرَ الظُّهْرِ لا حَدَّ
له ، أو بأقلّهما، وذلك أيضًا مُحالٌ؛ لأن أقلَّ الخَيْضِ لا حَدَّ له، فلم يَبقَ إلا أنه قابله
بأقلِّ الطُّهْرِ وأكثرِ الخَيْضِ وذلك خمسةَ عشَرَ يومًا ، وعلى هذه الأُصولِ التى بَيْنَّا تتفرَّعُ
جميعُ مسائلِ الحيضِ إن شاء اللَّهُ .
(١) فى ق: ((عندهم)) .
(٢) فى م: ((اليائسة)).
(٣) بعده فى م: ((من).
(٤) فى د : (( أو )).
٥٥٦

الموطأ
التمهيد
قولُ عبدِ الملكِ بنِ الماجشونِ .
وقال الشافعىُ : أقلُّ الحيضِ يوم وليلةٌ . ورُوِى عنه يومٌ بلا ليلةٍ . وأكثرُه عندَه
خمسةَ عشرَ يومًا . وللشافعيِّ قولٌ آخرُ كقولٍ مالكٍ فى عُرْفِ النساءِ، وقال
محمدُ بنُ مسلمةَ: أكثرُ الحيضِ خمسةَ عشرَ(١)، وأقلَّه ثلاثةُ أيام. وقال
الأوزاعىُّ : أقلَّ الحيضِ يومٌ. قال: وعندنا امرأةٌ تَحيضُ غُدوةً وتَطهُرُ عشيئَّةً .
وقال الثورىّ، وأبو حنيفةً وأصحابُه: أقلُّ الحيضِ ثلاثةُ أَيَّامٍ ، وأكثرُه عشَرةُ أَيَامٍ .
فما نقَص عندَ هؤلاء من ثلاثةِ أَيَّامٍ فهو استحاضةٌ ، وما زادَ على عشَرةٍ أيَّامٍ فهو
استحاضةٌ. وكذلك ما كان أقلّ من يومٍ (١) وليلةٍ عندَ الشافعيّ فهو استحاضةٌ ،
وما زادَ على خمسةَ عشرَ يومًا فمثلُ ذلك، وكذلك ما نقَص عن أقلِّ الطُّهرِ ، فهو
استحاضةٌ عندَ أكثرهم .
وأمَّا اختلافُهم فى أقلِّ الطُّهرِ، فإنَّ مالگًا وأصحابه اضطربُوا فى ذلك؛
فرُوِىَ عن ابنِ القاسمِ عِشَرةُ أَيَّامٍ . ورُوىَ عنه ثمانيةُ أيَّامٍ. وهو قولُ سُحنونٍ .
وقال عبدُ الملكِ بنُ الماجشونِ : أقلُّ الطّهرِ خمسةُ أَيَّامٍ . ورواه عن مالكٍ . وقال
محمدُ بنُ مسلمةَ : أقلُّ الطُّهرِ خمسةَ عشرَ يومًا. وهو قولُ أبى حنيفةً،
والثورىٌّ، والشافعيِّ ، قال الشافعىُّ. إلَّا أنْ يُعلَمَ طُهرُ امرأةٍ أقلّ من خمسةَ عشرَ
فيكونَ القولُ قولَها. وحكى ابنُ أبي عمرانَ، عن يحيى بنِ أكثمَ ، أنَّ أقلَّ الطُّھرِ
تسعةَ عشرَ. واحتجّ بأنَّ اللهَ جعَل عَدْلَ كلِّ حيضةٍ وطُهْرٍ شهرًا ، والحيضُ فى
القبس
(١) سقط من: م.
(٢) بعده فى ن: «أو يوم)).
٥٥٧

الموطأ
التمهید
العادةِ أقلُّ من الطُّهرِ، فلم يَجُزْ أنْ يكونَ الحيضُ خمسةَ عشرَ يومًا ، ووجَب أنْ
يكونَ عشَرةٌ حيضًا ، وباقى الشهرِ طُهْرًا ، وهو تسعةَ عشرَ ؛ لأنَّ الشهرَ قد يكونُ
تسعًا وعشرين.
وقولُ أحمدَ بنِ حنبلٍ ، وإسحاقَ ، وأبى ثورٍ ، وأبى ◌ُبيدٍ ، والطبرىِّ ، فى
أقلِّ الحيضِ وأكثرٍه كقول الشافعىِّ .
وأمَّا أقلُّ الطُّهرِ؛ فقال أحمدُ ، وإسحاقُ: لا تحديدَ فى ذلك. وأُنكرًا على
مَن وقَّتَ فى ذلك خمسةَ عشرَ يومًا ، وقالا: باطلٌ . وقال الثورىُّ: أقلُّ ما بينَ
الحیضتین من الطُّهرِ خمسة عشر يومًا . وذكّر أبو ثورٍ أُنَّ ذلك لا يختلفون فیه ،
وحكاه عن الشافعىِّ، وأبى حنيفةً .
وأمَّا اختلافُ الفقهاءِ فى أقلِّ النّفاسِ وأكثرِه، فلا أعلمُهم يختلفون - أعنى
فُقهاءَ الحجازِ والعراقِ - أنَّ النُّفساءَ إِذا رأتِ الطَّهرَ ولو بعدَ ساعةٍ أَنَّها تَغْتسلُ،
واختلفوا فى أكثرٍ مُدَّتِه ؛ فقال مالكٌ وعبيدُ اللهِ بنُ الحسنِ، والشافعىُّ: أكثرُه
ستون يومًا . ثم رجع مالكٌ فقال: يُسألُ النساءُ عن ذلك وأهلُ المعرفةِ . فذكر
اللَّيثُ أنَّ من الناسِ مَن يقولُ: سبعينَ(١) يومًا. وقال الثورىُّ، وأبو حنيفةً،
والأوزاعىُّ : أكثرُه أربعونَ يومًا .
قال أبو عمرَ: ما زادَ عندَهم على أكثرٍ مُدَّةِ الحيضِ، وأكثرٍ مُدَّةِ النِّفاسِ،
فهو استحاضةٌ ، لا يَختلِفون فى ذلك. فقفْ على أصولِهم فى هذا البابٍ لِتعرِفَ
القبس
(١) فى ن: ((تسعين)).
٥٥٨

الموطأ
الحكمَ فى المستحاضةِ، وتَعرفَ مَن قاد (١) أصلَه منهم ومَن خالفَه إن شاءَ اللهُ.
التمهید
فأمَّا أقاويلُ الصحابةِ والتابعين فى صلاةِ المستحاضةِ ، فإنَّ ابن سيرينَ روَى
عن ابن عباسٍ فى المستحاضةِ قال : إذا رأَتِ الدَّمَ البحرانيَّ(٢) فلا تُصلِّى، وإذا
رأت الطُّهرَ ولو ساعةٌ ، فلْتغتسلْ ولتصلِّى(٣) .
وقال مكحولٌ: إِنَّ النساءَ لا تَخفَى عليهنَّ الحيضةُ، إِنَّ دمَها أسودُ
غليظٌ، فإذا ذهَب ذلك وصارَتْ صُفرةً رقيقةً فإنَّها مستحاضةٌ (٤) ، فلْتغتسلْ
ولتُصلّى(٥).
وروَى حمَّادُ بنُ زيدٍ ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن القعقاع بن حكيم، عن
سعيدِ بنِ المسيّبِ فى المستحاضةِ : إذا أقبلَتِ الحيضةُ ترَكتِ الصلاةَ، وإذا
أدبرَتْ اغتسلَتْ وصلَّتْ(٦).
وقد رُوِىَ عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ فى المستحاضةِ : تَجلِسُ أيَّامَ أقرائِها . رواه
القبس
(١) فى م: ((قلد)).
(٢) الدم البحرانى: أى شديد الحمرة، كأنه نسب إلى البحر، وهو اسم قعر الرحم، وزادوه فى
النسب ألفا ونونا للمبالغة، يريد الدم الغليظ الواسع. وقيل: نسب إلى البحر لكثرته وسعته . النهاية
١/ ٩٩.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٢٨/١، والدارمى (٨٢٧، ٨٢٨) من طريق أنس بن سيرين، عن ابن
عباس .
(٤) فى م: ((الاستحاضة)).
(٥) ذكره أبو داود عقب الحديث (٢٨٦).
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ١٢٦/١، والدارمى (٨١٤) من طريق يحيى بن سعيد به.
٥٥٩

الموطأ
التمهيد حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن يحيِی بنِ سعيدٍ عنه .
وروَى يُونسُ، عنِ الحسنِ قال: الحائضُ إذا مرّ(١) بها الدَّمُ تُمسِكُ بعدَ
حيضتِها يومًا أو يومين، وهى مُستحاضةٌ .
وقال التَّيْمِىُّ، عن قتادةَ: إذا زادَتْ على أيَّامِ حيضيّها خمسةَ أيَّامٍ فَلْتُصلِّى.
قال التّمئُ : فجعلتُ أنقُصُ حتى إذا بلغْتُ یومینٍ ، قال : إذا کان یومین فهو من
حيضِها . وسألتُ(٢) ابنَ سيرينَ فقال: النساءُ أعلمُ بذلك(٣).
قال أبو عمرَ : فهذه أقاويلُ فُقهاءِ التابعين فى هذا البابِ ، وأمَّا أقاويلُ مَن
بعدَهم من أثْمَّةِ الفتوَى بالأمصارِ ؛ فقال مالكٌ فى المرأةِ إذا ابتدأَها حيضُها
فاستمرّ بها الدَّمُ، أو كانت ممَّن قد حاضَتْ فاستمرَّ الدمُ بها ؛ قال فى المبتدأةِ :
تَقعُّدُ ما يَقعُدُ نحوُها من النساءِ من أسنانِها وأترابِها ولِدَاتِها(٤) ، ثم هى مُستحاضةٌ
بعدَ ذلك . روَاه علىُّ بنُ زيادٍ ، عن مالكِ . وقال ابنُ القاسم: ما رأتِ المرأةُ بعدَ
بلوغها من الدَّمِ فهو حيضٌ تَنُكُ له الصلاةَ، فإن تمادَى بها قعدَتْ عن الصلاةِ
خمسةَ عشرَ يومًا، ثم اغتسلَتْ وكانت مُستحاضةٌ، تُصلِّى وتصومُ وتوطأُ ، إِلَّا
أنْ ترَى دمًا لا تَشكُ أنَّه دمُ حيضٍ، فَتَدَعُ له الصَّلاةَ. قال: والنساء يعرفن ذلك
بريحِه ولونِه . وقال : إذا عرفَتِ المستحاضةُ إقبالَ الحيضةِ وإدبارَها وميَّزَتْ
القبس
(١) فى م: ((مد). ومر الدم بها. أى: استمر بها. ينظر اللسان (م ر ر).
(٢) فى النسخ: ((سئل)). والمثبت من مصدرى التخريج.
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٣٨/٢، والدارمى (٨٢٢) من طريق التيمى به.
(٤) اللدات جمع اللذة: هو من ولد معك فى وقت واحد. الوسيط (ل د ى).
٥٦٠