Indexed OCR Text

Pages 561-580

الموطأ
التمهید
دمَها ، اعتدَّتْ به من الطَّلاقِ. وقد رُوىَ عن مالكِ فى المستحاضةِ : عدَّتُها سنةٌ
وإنْ رأَتْ دمَا تُنكرُه . وقال مالكٌ فى المرأةِ ترَى الدَّمَ دفعةً واحدةً لا ترَى غيرَها
فى ليل أو نهارٍ : إنَّ ذلك حيضٌ، تكفُّ له عن الصلاةِ ، فإن لم تكنْ غيرُ تلك
الدُّفعةِ، اغتسلَتْ وصلَّتْ، ولا تَعْتَدُّ بتلك الدُّفعةِ من طلاقٍ. والصُّفرةُ والكُدْرَةُ
عندَ مالكِ فى أيَّامِ الحيضِ وفى غيرِها حيضٌ . وقال مالكٌ فى (١) المستحاضةِ:
إِذا ميَّرَتْ بِينَ الدَّمين عمِلَتْ على التَّمييزِ فى إقبالِ الحيضةِ وإدبارِها ، ولا تلتفِتُ
إلى عددِ اللَّيَالِى والأيَّامِ ، وكفَّتْ عن الصلاةِ عندَ إقبالٍ حيضتِها ، واغتسلَتْ عندَ
إدبارِها . وقال مالكٌ فى المرأةِ يزيدُ دمُها على أيَّامِ عادتِها : إنَّها تُمسِكُ عن
الصلاةِ خمسةَ عشرَ يومًا ، فإن انقطعَ، وإلّا صنعَتْ ما تَصنعُ المستحاضةُ . ثم
رجَع فقال: تَستظهرُ بثلاثةِ أَيَّامِ بعدَ أيَّامِ حيضتِها المعتادةِ ثم تُصلِّى . وترَك قولَه :
خمسةَ عشرَ يومًا . وأخَذ بقولِه الأوَّلِ المدنيُون من أصحابِهِ ، وأخَذ بقوله الآخرِ
المصريُّون من أصحابِه .
وقولُ اللَّيثِ فى هذه المسألةِ كلِّها مثلُ قولِ مالكِ الأخيرِ ، ولمالكِ وغيرِه
من العلماءِ فى المرأةِ يَنقطِعُ دُ حيضِها فترَى دمًا يومًا أو يومين، وطُهرًا يومًا أو
يومين، مذاهبُ سنذكُرُها فى بابٍ هشامٍ بنِ عُروةً(١) إن شاءَ اللهُ.
وذكَر إسماعيلُ بنُّ إسحاقَ قال: قال محمدُ بنُ مسلمةَ : أقصَی ما تَحیضُ
النساءُ عندَ عُلماءِ أهلِ المدينةِ ؛ مالكِ وغيرِهِ، خمسةَ عشرَ يومًا ، فإذا رأَتِ المرأةُ
القبس
(١) ليس فى: الأصل، ن، م.
(٢) ينظر فى ما تقدم فى ص ٥٣٤ - ٥٣٧ .
٥٦١
(موسوعة شروح الموطأ ٣٦/٣)

الموطأ
التمهيد
الدَّمَ، أمسكَتْ عن الصلاةِ خمسةَ عشرَ يومًا، فإن انقطَع عنها عندَ انقضاء
الخمسةَ عشرَ وفيما دُونَها علِمنا أنَّه حيضٌ، واغتسلَتْ عندَ انقطاعِه وصلَّتْ،
وليسَتْ مُستحاضةً، فإِن تمادَى بها الدَّمُ أكثرَ من خمسةَ عشرَ يومًا اغتسلَتْ
عندَ انقضاءِ الخمسةَ عشرَ، وعلِمنا أنَّها مُستحاضةٌ فأمَرناها بالغُسلِ؛ لأنَّها
طاهرٌ، وتصلِّى من يومِها ذلك، ولا تُصلِّى ما كان قبلَ ذلك؛ لأنَّها تركَتِ
الصلاةَ باجتهادٍ فى أمرٍ يُختلفُ فيه ، وقد ذهَب وقتُ تلك الصلاةِ ، وقلنا : أقيمِی
طاهرةً حتى تُقبلَ الحيضةُ كما قال رسولُ اللهِ وَلِّ، وذلك أنْ تأتيَها دفعةٌ من دم
تُنكرُّه بعدَ خمسةَ عشرَ يومًا من يومٍ غُسلِها؛ لأَنَّه أقلُّ الطُّهرِ عندَنا ، فإذا رأَتِ
الدُّفعةَ بعدَ خمسَ عشرةَ من الطُّهرِ كفَّتْ عن الصلاةِ ما دامَتْ ترَى الدَّمَ إلى
خمسَ عشرةَ ، ثم اغتسلَتْ وصلَّتْ فيما تَستقبلُ، كما ذكرنا ، فإن لم یکنْ بینَ
الدُّفعةِ وبينَ الطُّهرِ قدرُ خمسةَ عشرَ يومًا فهى امرأةٌ حاضَتْ فى الشهرِ أكثرَ ممَّا
تَحيضُ النساء، فلا تَعتدُّ به ولا تَتركُ الصلاةَ لتلك الدُّفعةِ ، ولا تزالُ تُصلِّی حتى
تأتيَها (١) دُفعَةٌ بعدَ خمسةَ عشرَ أو أكثرَ من الطُّهرِ .
قال محمدُ بنُ مسلمةَ: إِنَّما أمَر رسولُ اللهِ وَّهِ المستحاضةَ أنْ تَتركَ
الصلاةَ إذا أقبلَتِ الحيضةُ ، فإذا ذهب قدرُها اغتسلَتْ وصلَّتْ، وقدژُها عندَنا
على ما جاءَ فى حديثٍ أُمّ سلمةَ: ((لتنظُرْ عددَ اللَّالِى والأيّامِ التى كانت
تَحيضُهُنَّ من الشهرِ قبلَ أنْ يُصيبَها الذى أصابَها ، فلنتركِ الصلاةَ قدر ذلك من
الشهرِ، فإن جاوزَتْ ذلك فلْتغتسِلْ ولْتَسْتَثْفِرْ بثوبٍ ولتُصلِّى)). وإنَّما تَتَرِكُ
القبس
(١) بعده فى الأصل: ((و))، وفى م: ((ولو)).
٥٦٢

الموطأ
التمهید
الصلاةَ عددَ اللَّيَالِى والأيَّامِ التى كانت تَحيضُهُنَّ وحيضُها مُستقيمٌ ، قلَّتْ أو
كَثُرَتْ لا تَزِيدُ عليها ، ثم تَغتسلُ وتصلِّی، وهی طاهرٌ حتى ترَى دُفعةً فتَكُفَّ
عددَ اللَّالِى والأَّامِ ، فإن رأتْ(١) دُفعةً قبلَ وقتِ حيضِها لم تَكُفَّ عن الصلاةِ؛
لأَنَّها لو كفَّتْ عن الصلاةِ لتلك الدُّفعةِ قبلَ وقتِ حيضِها كانت قد خالفَتْ قولَ
رسولِ اللهِ وَل﴿ه فقعَدت عنِ الصلاةِ أكثرَ من أيَّامِ حيضِها، والدُّفعةُ فى غيرِ أيَّامٍ
الحيضِ عِرِقٌ لن تُقِلَ معه حيضةٌ ، وإنَّما أُمِرتْ أنْ تَكُفَّ عن الصلاةِ عندَ إقبالٍ
الحيضةِ، فرأينا إقبالَها فى غيرِ موضعِها مُخالفًا للحديثِ فى عدَدِ اللَّالِى والأيَّامِ ،
فجعَلْنا ذلك استحاضةً. قال محمدُ بنُّ مسلمةَ : وكان المغيرةُ يأخذُ بالحديثِ
الذى جاء فيه عددُ اللَّالِى والأيَّامِ، وكان مالكٌ يَحتاطُ بعدَ ذلك بثلاثٍ . قال:
وقولُ المغيرةِ فى ذلك أحسنُ وأحبُّ إلىّ.
وقال أحمدُ بنُّ المُعَذَّلِ: أمّا قولُ مالكِ فى المرأةِ التى لم تَحِضْ قطَّ ، ثم
حاضَتْ فاستمرَّ بها الدَّمُ ، فإنَّها تَترُكُ الصلاةَ إلى أنْ تُتِمَّ خمسةَ عشرَ يومًا ، فإن
انقَطعَ عنها قبلَ ذلك علِمْنا أنَّه حيضٌ، واغتسلَتْ، وإن انقَطَع عنها لخمسَ
عشرةَ، فكذلك أيضًا، وهى حيضةٌ قائمةٌ تَصيرُ قُرءًا (٢) لها، وإنْ زادَ بقاءُ) الدَّمِ
على خمسةَ عشرَ ، اغتسلَتْ عندَ انقضاءِ الخمسةَ عشرَ، وتوضَّأَتْ لكلِّ صلاةٍ
وصلَّتْ، وكان ما بعدَ خمسةَ عشرَ من دمِها استحاضةً ؛ يغشاها فيه زوجها ،
القبس
(١) فى الأصل، م: ((زادت)).
(٢) فى ن : ((طهرا).
(٣) ليس فى: الأصل، م.
٥٦٣

الموطأ
التمهید
وتصلِّى فيه وتصومُ ، ولا تزالُ بمنزلةِ الطاهِرِ حتى ترَى دمًا قد أقبَل غيرَ الدَّمِ الذى
كان بها وهى تُصلِّى، فإن رأتْه بعدَ خمسٍ ليالٍ من يومَ اغتسلَتْ، فهو حيضٌ
مُقبِلٌ، تَتركُ له الصلاةَ خمسَ عشرةَ ليلةً؛ لأنَّها ليست ممَّن كان لها حيضٌ
معروفٌ تَرجِعُ إليه وتَتُكُ الصلاةَ قدرَ أيَّامِها ، إنَّما وقتُها أكثرُ الحيضِ وهى خمسَ
عشرةَ ، وإذا رأَت الدََّ المقبلَ بعدَما اغتسلَتْ بأقلَّ من خمسٍ ليالٍ ، لم تتُدْ له
الصلاةَ، وكانت استحاضةً ؛ لأنَّها لم تُتمّ من الطّهرِ أَيَّامَها، فيكونُ الذى يُقبِلُ
حيضًا مُستأنفًا. فهذا حُكُمُ التى ابتُّدِثَتْ(١) فى أوَّلِ ما حاضَتْ بالاستحاضةِ .
قال: وأمَّا التى لها حيضٌ معروفٌ مُستقيمٌ وزادَها الدَّمُ على أيَّامِها ، فإنَّها
تَنتظرُ إلى تمام خمسةَ عشرَ، فإن انقطعَ عنها الدَّمُ قبلَ ذلك اغتسلَتْ وصلَّتْ،
وكان حيضًا(١) مستقيمًا، وإن انقطعَ الدَّمُ مع تَمامِ خمسةَ عشرَ فكذلك أيضًا ،
وإنَّما هى امرأةٌ انتقَل حيضُها إلى أكثرَ منَّا كان، وكلُّ ذلك حيضٌ؛ لأنَّ حيضَ
المرأةِ يَختلفُ أحيانًا فيَقِلُّ وَيَكثُرُ ، وإنْ زادَها الدَّمُ على خمسةَ عشرَ اغتسلَتْ عندَ
تمامِھا فصلّتْ ، و کانت مُستحاضةً ، وتصلِّی وتصومُ ويأتيها زوجها حتى ترى
دمًّا قد أقبَل سوى الدَّم الذى تُصلِّى فيه، فإن رأتْه قبلَ خمسٍ ليالٍ من حینَ
اغتسلَتْ مضَتْ على حالِ الطهارةِ ، فإنَّها مُستحاضةٌ ، وإن رأته بعد خمسٍ ليالٍ
فأكثرَ، فهو دمُ حيضٍ مُستَأَنَفٌ ، تَتركُ له الصلاةَ أيَّامَها التى كانت تَحيضُها قبلَ
أنْ يَخْتِطَ عليها أمرُها، وتَزِيدُ ثلاثةَ أيَّامٍ على ما كانت تعرفُ من أيَّامِها ، إِلَّا أنْ
القبس
(١) فى ق: ((ابتدت)).
(٢) فى الأصل، ن، م: ((حيضها)).
٥٦٤

الموطأ
تَكونَ أيامُها والثلاثةُ التى تَحتاطُ بها أكثرَ من خمسَ عشرةَ ، فإن كان كذلك لم التمهيد
تُجاوِزْ خمسَ عشرةَ، واغتسلَتْ عندَ تمامِها وصلَّتْ . فهذا فرقٌ بينَ المُبتدَأةِ
بالاستحاضةِ وبينَ التى كان لها وقْتُ معلومٌ .
وقال أحمدُ بنُ المُعَذَّلِ: الذى كان عليه الجملةُ (١) من العلماءِ فى القديم أنَّ
الحيضَ يكونُ خمسَ عشْرةَ ليلةً، لا يُجاوِزُ ذلك، وما جاوزَه فهو استحاضةٌ .
قال : وعلى هذا کان قولُ أهلِ المدينةِ القدیمُ وأهلِ الكوفةِ حتی رجع عنه أبو
حنيفةً لحديثٍ بلَغه عن الجَلْدِ بنِ أيوبَ ، عن مُعاويةً بنِ قُوّةً ، عن أنسٍ بنِ مالك،
أنَّه قال فى المُستحاضةِ: تنتظرُ عشْرًا لا تُجاوِزُ(١) . فقال أبو حنيفةً: لم أزلْ أَرَى
أنْ يكونَ أقلُّ الطُّهرِ أكثرَ من أكثرِ الحيضِ، وكنتُ أكرَهُ خلافَهم - يعنى فقهاءَ
الكوفةِ - حتى سمِعْتُ هذا الحديثَ عن أنسٍ ، فأنا آخُذُ به .
قال أحمدُ بنُ المُعَذَّلِ: واختلف قولُ أصحابِهِ فى عللٍ () الحيضِ وانقطاعِه
وعودته اختلافًا يَدُلَّكَ على أنَّهم لم يَأْخُذُوه عن أثرٍ قوىٍّ ولا إجماعٍ. قال:
واختلَف أيضًا قولُ مالكِ وأصحابِه فى عللِ (٤) الحيضِ، وجمع فيها من قول
إلى قولٍ، وثبت هو وأهلُ بلدِه على أصلٍ قولِهم فى الحيضِ أنَّه خمسَ عشرةَ.
القبس
(١) فى م: ((الجلة)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١١٥٠)، والدارمى (٨٦٢، ٨٦٤، ٨٦٧)، والبيهقى فى الخلافيات
(١٠٢٥) من طريق الجلد به .
(٣) فى م: (عدد)).
(٤) فى ن: ((علل من علل))، وفى م: ((عدد).
(٥ - ٥) فى الأصل، ن، م: (رجع)).
٥٦٥

الموطأ
التمهید
قال: وإنَّما ذكرتُ لك اختلافَ أمرِ الحيضِ واختلاطَه على العلماءِ؛ لتعلمَ أنَّه
أمرٌ أُخِذَ أكثرُه بالاجتهادِ ، فلا يكونَ عندَك سُنَّةً قولُ أُحدٍ من المختلِفِين ، فيَضِيقَ
على الناسِ خلافُهم .
قال أبو عمر : قد احتجّ الطّحاویُّ لمذهب الکوفیین فی تحدیدِ الثلاثِ
والعشرٍ فى أقلِّ الحيضِ وأكثرِه بحديثٍ أُمّ سلمةَ إِذْ سألَتْ رسولَ اللهِ وَلَ عن
المرأةِ التى كانت تُهَرَاقُ الدِّماءَ، فقال: ((لتنظر عددَ اللَّيَالِى والأيّام التى كانت
تَحيضُهُنَّ من الشهرِ، فلترْ قدرَ ذلك من الشهرِ، ثم تَغْتسلُ وتصلِّى)). قال:
فأجابَها بذكرِ عددِ الأيَّامِ واللَّيالِى من غيرِ مسألةٍ لها على مقدارِ حيضِها قبلَ
ذلك. قال: وأكثرُ ما يَتناولُه أيَّامٌ عشَرةٌ، وأقلُّه ثلاثةٌ .
قال أبو عمرَ : ليس هذا عندى حُجَّةٌ تَمنعُ من (١) أنْ يكونَ الحيضُ أقلّ من
ثلاثٍ؛ لأنَّه كلام خرَج فى امرأةٍ قد عُلمَ أنَّ حيضَها أيَّام ، فخرَج جوابُه(١) على
ذلك، وجائزٌ أنْ يَكونَ الحيضُ أقلَّ من ثلاثٍ ؛ لأنَّ ذلك موجودٌ فى النساءِ غيرُ
مدفوع، وأمَّ الجَلْدُ بنُ أيوبَ ، فإنَّ الحميدىَّ ذكَر عن ابنِ عُيينةَ أَنَّه كان يُضعِّفُه
ويقولُ: منْ جَلْدٌ؟ ومَن كان جَلْدٌ؟ وقال ابنُ المباركِ: الجَلْدُ بنُ أيوبَ يُضعِّفُه
أهلُ البصرة ویقولون : لیس بصاحبٍ حدیث . یعنی روايته فی قصةِ الحیضِ عن
أنسٍ .
القبس
•
(١) سقط من: ق .
(٢) سقط من: ق. وفى م: ((جوابه)).
٥٦٦

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ: للجَلْدِ بنِ أيوبَ أيضًا حديثٌ آخرُ عن مُعاويةً بنِ قُوَّةً ، عن
عائذٍ بن عمرو، أنَّه قال لامرأته : إذا نُفِسْتِ لا تَغُِینی عن دینی حتی تمضِىَ
أربعون ليلةً(٢).
وروَى عن الجلدِ بنِ أيوبَ، هشامُ بنُ حسَّانَ، وعمرُ بنُ المُغيرةِ،
وعبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الصمدِ ، وغيرُهم . وله سماعٌ من الحسنِ ونظرائِه، ولكنَّهم
يُضعِّفونه فى حديثه فى الحیضِ .
وأمَّا الاستظهارُ فقد قال مالكٌ باستظهارِ ثلاثةِ أَيَّامِ، وقال غيرُه: تَستَظْهِرُ
يومينٍ .
وحكَى عبدُ الرَّزَّاقِ(١) ، عن معمرٍ قال: تَستَظْهِرُ يومًا واحدًا على حيضتِها،
ثم هی مُستحاضةً . وذكر عن ابنٍ مجريج ، عن عطاءٍ وعمرو بن دينارٍ : تَستظهرُ
یومٍ واحدٍ(٤).
قال أبو عمرَ : احتجَّ بعضُ أصحابِنا فى الاستظهارِ بحديثٍ رواه حَرامُ بنُ
عثمان ، عن ابنی جابرٍ ، عن جابرٍ ، عن النبىِ ێچ". وهو حديثٌ لا يَصِحُ،
القبس
(١) فى الأصل، ن، م: ((عائد)). وينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٩٨.
(٢) أخرجه الدارقطنى ٢٢١/١ من طريق الجلد به .
(٣) عبد الرزاق (١١٥٤).
(٤) عبد الرزاق (١١٥٦).
(٥) فى الأصل، ن، م: ((أبى)).
(٦) أخرجه أبو نعيم فى معرفة الصحابة (٧٥٥٧)، والبيهقى ٣٣٠/١ من طريق حرام بن عثمان
به .
٥٦٧

الموطأ
التمهید
وحرامُ بنُّ عثمانَ ضعيفٌ متروك الحديثِ (١). واحتجوا فيه من جهةِ النَّظرِ
بالقياسِ على المُصْرَّةِ فى اختلاطِ اللَّبْنَين، فجعَلوا كذلك اختلاطَ الدَّمين؛ دمِ
الاستحاضةِ ودم الحيضِ . وفى الشُّنَّةِ من حديثٍ ابنٍ سيرينَ وغيرِه، عن أبى
هُريرةَ، أنَّ المُصرَّاةَ تُستبرأُ ثلاثةَ أَيَّامٍ ؛ ليُعلَمَ بذلك مقدارُ لبنِ التَّصرِيةِ من لبنِ
العادةِ(٢). فجعَلوا كذلك التى(٢) تَزِيدُ دمُها على عادتِها؛ ليتَعْلموا(٤) بذلك
أحيضٌ هو أم استحاضةٌ؟ استبراءً واستظهارًا. وفى هذا المعنَى نظرً؛ لأنَّ
الاحتیاطَ إنّما يَجِبُ أنْ يكونَ فی عملِ الصلاةِ لا فی تر کھا ، وسیأتی هذا المعنى
بأوضحَ من هذا، فى بابٍ هشامٍ بنِ عُروةً إن شاء الله .
أمَّا الشافعىُّ فإنَّه قال : الحيضُ أقلُّ ما يكونُ يوم وليلةٌ، وأكثرُه خمسةَ عشرَ
يومًا، فإن تَمادَى بالمُبتدَأةِ الدَّمُ أكثرَ من خمسةَ عشرَ يومًا اغتسلَتْ وقضَتِ
الصلاةَ أربعةَ عشرَ يومًا؛ لأنَّها مُستحاضةٌ بيقينٍ، إذا زادَتْ على خمسةَ عشرَ
يومًا يُجْعَلُ(١) حيضُها أقلَّ الحيضِ احتياطًا للصلاةِ ، وإن انقطع دمُّها لخمسةً
عشرَ يومًا أو دُونَها ، فهو كلُّه حيضٌ .
وقال الشافعىُّ : إذا زادَتِ المرأةُ على أيَّامِ حيضِها نظرَتْ؛ فإن كان الدَّمُ
ثخينًا محتدِمًا ، فتلك الحيضةُ تدعُ لها الصلاةَ، فإذا جاءَها الدَّمُ الأحمرُ فذلك
القبس
(١) سقط من: ق، ن .
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (١٤٢١) من الموطأ .
(٣) فى الأصل، م: ((الذى)).
(٤) فى الأصل: ((لتعلم)، وفى م: ((ليعلم).
(٥) تقدم ص ٥٣١ - ٥٣٧ .
(٦) فى الأصل، م: ((فإن)).
٥٦٨

الموطأ
الاستحاضةُ، تَغْتسلُ وتصلِّى، ولا تَسْتَظهِرُ بثلاثة أيامٍ ولا بشَىءٍ. قال: فإن لم التمهيد
يكنِ الدمُ بالوصفِ الذى وصَفنا، تركتِ الصلاةَ أيامَ أقرائِها، ثم تغتسلُ
وتصلِّى، تعمَلُ عندَه على التَّمِيزِ، فإن لم تُميّزْ فعلى الأيَّامِ، فإن لم تَعرِفْ
رجَعتْ إلى العُرْفِ والعادةِ واليقينِ. وقولُ أبى ثورٍ فى هذا كلِّه مثلُ قولِ الشافعىِّ
سواءً .
قال أبو عمرَ: الدَّمُ المُحتَدِمُ هو الذى ليس برقيقٍ ولا مُشرِقٍ، وهو إلى
الكُذْرَةِ ، والدَُّ الأحمرُ المُشرِقُ تقولُ له العربُ: دمٌ عَبِيطٌ . والعَبِيطُ هو الطَّرِئُّ
غيرُ المتغيّرِ، تقولُ العربُ: اعتَبَطَ ناقتَه وبعيرَه. إذا نحَرهما من غيرِ علَّةٍ . ومِن
هذا قولُهم(١):
* مَن لم يمُتْ عَبْطَةً يَمُتْ هَرَمًا »
أىْ: مَن لم يَمُتْ فى شبابِهِ وصحَّتِهِ ماتَ هَرَمًا. يقولون: اعتُبطَ الرّجلُ . إذا
ماتَ شابًا صحيحًا .
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه، والثورىُّ، فى التى يَزيدُ دمُّها على أيَّامٍ عادتِها :
إنَّها تُرَدُّ إلى أيَّامِها المعروفةِ ، فإن زادَتْ فإلى أقصَى مُدَّةِ الحيضِ - وذلك عندهم
عشَرَةُ أَيَّامِ - تَتَرُكُ الصلاةَ فيها ، فإنِ انقطعَ وإلَّ فهى مُستحاضةٌ. والعملُ عندَهم
على الأيَّامِ لا على التَّعِيزِ، تَجلِسُ عندَهم أيَّامَ أقرائِها إلى آخرِ مُدَّةِ الحيضِ .
القبس
(١) هو أمية بن أبى الصلت، والبيت فى ديوانه ص ٥٠، ٥١ وعجزه:
* للموت - وفى رواية: الموت - كأس والمرء ذائقها .
٥٦٩

الموطأ
التمهید
وذكَر بشرُ بنُ الوليدِ، عن أبى يُوسفَ، عن أبى حنيفةَ، فى المُبتدَأةِ (١) ترَى
الدَّمَ ويَستمؤُ بها ، أنَّ حيضَها عشْرٌ، وطُهْرَها عشرونَ. وأكثرُ الحيضِ عندَه
عِشَرةُ أَيَّامٍ وأقُّه ثلاثةٌ. وقال أبو يُوسفَ: نَأْخُذُ فى الصلاةِ بالثلاثةِ ؛ أقلّ
الحيضِ، وفى الأزواج بالعشرِ، ولا تقضِى صومًا عليها إلّا بعدَ العشرةِ، وتصومُ
العشرَ(١) من رمضانَ وتقضِى سبعًا.
وقال الأوزاعىُّ، وسُئل فيمنْ تَستظهرُ بيومٍ أو يومين بعدَ أيَّامِ حيضِها إذا
تَطاولَ بها الدَّمُ ، فقال: يَجوزُ. ولم يُوقّتْ للاستظهارِ وقتًا .
وقال أحمدُ بنُ حنبل : أقلَّ الحيضِ يوم وليلةٌ ، وأكثرُه خمسةَ عشرَ يومًا؛
فمَن(٢) طبَّقَ بها الدَّمُ، وكانت ممَّن تُميّزُ، وعلِمَتْ إقبالَه بأنَّه أسودُ ثَخِينٌ، أو
أحمرُ يَضرِبُ إلى السّوادِ ، وفى إدبارِه يَصيرُ إلى الرِّقَّةِ والصُّفْرَةِ، تركَتِ الصلاةَ
فى إقبالِه ، فإذا أدبرَ اغتسلَتْ وصلَّتْ وتوضَّأَتْ لكلِّ صلاةٍ، فإن لم يكنْ دمُها
مُنفصلًا، وكانت لها أيَّام من الشهرِ تَعرِفُها، أمسكَتْ عن الصلاةِ فيها
واغتسلَتْ إِذا جاوزتها ، وإن كانت لا تَعرِفُ أيَّامَها ، بأنْ تكونَ أُنسيتها و کان
دمُّها مُشكلًا لا يَنفصِلُ، قعدَتْ سنَّةَ أَيَّامٍ أو سبعةً فى كُلِّ شهرٍ، على حديثٍ
حَمْنَةً بنت جحشٍ .
وأمَّا المُبتدأةُ بالدَّمِ، فإِنَّها تَحتاطُ ؛ فَتَجلِسُ يومًا وليلةً، وتغتسلُ وتَتَوضَّأُ
القبس
(١) فى ق: ((المبدية)).
(٢) فى الأصل، م: ((العشرين)). وينظر أحكام القرآن للجصاص ٣٣/٢.
(٣) فى م: ((فلو)).
٥٧٠

الموطأ
التمهيد
لكلِّ صلاةٍ وتصلِّى ، فإن انقطَع عنها الدَّمُ فى خمسةَ عشرَ يومًا(١) اغتسلَتْ عندَ
انقطاعِه، وتفعلُ مثلَ ذلك ثانيةً وثالثةً، فإن كان بمعنَّى واحدٍ عمِلَتْ عليه
وأعادَتِ الصَّومَ إن كانت صامَتْ ، وإن استمرّ بها الدَّمُ ولم تُميِّزْ قعدَتْ فى كلِّ
شهرٍ ستًّا أو سبعًا؛ لأنَّ الغالِبَ من النساءِ أنَّهُنَّ هكذا يَحِضنَ .
وقولُ إسحاق بن راهويه، وأیی ◌ُبيدٍ ، فى هذا الباب نحوُ قولِ (١) أحمدَ بنِ
حنبلٍ فى استعمالِه الثلاثةَ أحادیثَ ؛ حديث فاطمة بنتٍ أبی مُبيشٍ فى تمييزٍ
إقبالٍ حيضيتِها وإدبارِها، وحديثِ أُمّ سلمةَ فى عددِ اللَّالِى والأيَّامِ المعروفةِ لها
إذا كانَتْ لا تُميُّّ انفصالَ دمِھا ، وحدیثٍ حَمْنَةً بنتِ جَحْشٍ فیمن لا تَعرفُ
أيَّامَها ولا تُمَيُّ دمَها .
وقال الطبرىُّ: أقلُّ الحيضِ يوم وليلةٌ، وأكثرُه خمسةَ عشرَ يومًا ، فإنْ
تَمادَی بها الدَّمُ أكثرَ من خمسةَ عشَرَ يومًا قضَتْ صلاةَ أربعةَ عشرَ يومًا وخمسَ
عشْرةَ ليلةً ، إلَّا أنْ يكونَ لها عادةً فتقضِىَ ما زادَ على عادتِها .
واختلفوا فى الحاملِ تَرَى الدَّمَ ، هل ذلك استحاضةٌ لا يَمنعُها من الصلاةِ ،
أم هو حيضٌ تَكْفُّ معه عن الصلاةِ؟ فقال مالكٌ، والشافعىُ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ،
والطبرىُّ: هو حيضٌ وَتَدَعُ الصلاةَ . هذا هو المشهورُ من مذهب الشافعىِّ ، وقد
رُويَ عنه أَنَّه ليس بحيضٍ . والمشهورُ من مذهبٍ مالكِ أيضًا أنَّه حيضٌ يَمنَعُها
من الصلاةِ، إلّ ابنَ خُوَازٍ بندادَ قال: إِنَّ هذا فى مذهبٍ مالكِ إذا رأَتِ الدَّمَ فى
القبس
(١) ليس فى: الأصل، ن، م.
(٢) فى ق: ((قيل)).
٥٧١

الموطأ
التمهيد أيَّام عادتِها ، فحينئذٍ يكونُ حيضًا .
واختلف قولُ مالكِ وأصحابِهِ فى محكم الحاملِ إذا رأْتِ الدَّمَ؛ فرُوِىَ عنه
الفَرْقُ بِينَ أوَّلِ الحَمْلِ وَآخرِهِ، ورُوِىَ عنه وعن أصحابِهِ فى ذلك رواياتٌ لم أُرّ
الذِكرِها وجْهًا. وأصحُ ما فى ذلك على مذهبِه روايةٌ) أشهبَ عنه، أنَّ الحاملَ
فى رُؤيتِها الدَّمَ كغيرِ الحاملِ سواءً. وقال الثورىُّ، وأبو حنيفةً، وأصحابُه،
والحسنُ بنُّ حَىٍّ، وعبيدُ اللهِ بنُ الحسنِ، والأوزاعُ: ليس بحيضٍ، وإنَّما هو
استحاضةٌ لا تَكُفُّ به عن الصلاةِ. وهو قولُ ابنٍ عُلِيَّةً، وداودَ . وحجَّةُ هؤلاء
ومن قال بقولِهم أنَّ الأمَّةَ مُجمِعَةٌ على أنَّ الحاملَ تُطلَّقُ للشنَّةِ إذا استبان حملُها
من أوَّلِه إلى آخرِه، وأنَّ الحملَ كلَّه كالطُّهرِ الذى لم يُجامَعْ فيه. ومن محُجَّتِهم
أيضًا قولُه ◌َلِّ: ((لا تُوطَأُ حاملٌ حتى تَضْعَ، ولا حائلٌ حتى تَحيضَ))(١).
قالوا : فهذا دليلٌ على أنَّ الحملَ يَنْفِى الحيضَ . ومن حُجةٍ مالكٍ ومَن ذهَب
مذهبه فى أنَّ الحاملَ تَحيضُ، ما يُحيطُ به العلمُ أنَّ الحائضَ قد تَحمِلُ ، فكذلك
جائزٌ أَنْ تَحيضَ كما جائزٌ أنْ تَحمِلَ . والأصلُ فى الدَّمِ الظاهرِ من الأرحامِ أنْ
يَكونَ حَيضًا حتى تَتجاوزَ المقدارَ الذى لا يكونُ مثلُه حيضًا ، فیکونُ حينئذٍ
استحاضةً؛ لأنَّ النبيَّ وَّهِ إِنَّما حكَم بالاستحاضةِ فى دمٍ زائدٍ على مقدارٍ
الحيضِ، وليس فى قولِه عليه السلامُ: ((لا تُوطأَ حاملٌ حتى تضعَ، ولا حائلٌ
حتى تَحيضَ)). ما يَنْفِى أنْ يكونَ حَيضٌ على حملٍ ؛ لأنَّ الحدیثَ إِنَّما ورد فى
القبس
(١ - ١) فى م: (مذهب رواته)).
(٢) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٢٩٣) من الموطأ.
٥٧٢

الموطأ
التمهيد
سَبِي أوطاسٍٍ حينَ أرادُوا وطأَّهُنَّ، فأخيِرُوا أنَّ الحاملَ لا براءةَ لرَحِمِها بغيرِ
الوضع، والحائلَ لا بَراءةً لرحمِها بغيرِ الحَيْضِ، لا أنَّ" الحاملَ لا تَحيضُ،
واللهُ أعلمُ. وممَّن قال : إنَّ الحاملَ إذا رأَتِ الدَّمَ كفَّتْ عن الصلاةِ كالحائضِ
سواءً . ابنُّ شهابٍ الزهرىُّ، وقتادةُ(٢) ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ، وإسحاقُ بنُ راهُويَه،
وابنُّ مهدىٍّ، وجماعةٌ . واختُلِفَ فيه عن عائشةَ ، فروىَ عنها مثلُ قولٍ مالكٍ،
والزهرىِّ(١) . ورُويَ عنها أنَّها لا تَدَعُ الصلاةَ على حالٍ. روَاه سُليمانُ بنُ
مُوسَى ، عن عطاءٍ، عن عائشةً(٤) . وهو قولُ مجمهورِ التابعين بالحجازِ والعراقٍ.
وبه قال أحمدُ بن حنبلٍ ، وأبو ثورٍ ، وأبو ◌ُبیدٍ .
وأمَّا غُسلُ المستحاضةِ ووُضوؤُها، فأُجْمَعوا أنَّ عليها إذا كانت ممَّن تُميِّزُ
دمَ حيضِها من دمِ استحاضتِها أنْ تَغتسِلَ عندَ إِدبارٍ حيضتها ، وكذلك إذا لم
تَعرِفْ ذلك وقعَدتْ ما أُمِرَتْ به من عددِ اللَّالِى والأیَام التى كانت تَحیضُهُنَّ من
الشهرِ ، اغتسَلتْ عندَ انقضاءِ ذلك، على حسَبٍ ما جاءَ منصوصًا فى حديثٍ أُمّ
سلمةً وغيرِهِ على مذاهبِ العلماءِ فى ذلك ممَّا قد ذكرناه فى هذا البابٍ ،
والحمدُ للهِ .
ثم اختلفوا فيما عليها بعدَ ذلك من غُسلِ أو وُضوءٍ ؛ فذهبَتْ طائفةٌ من أهلِ
القبس
(١ - ١) فى ق: (إلا أن))، وفى ن: ((لان)).
(٢) ينظر ما تقدم فى الموطأ (١٣٠) ، ص ٤٩٥ .
(٣) تقدم فى الموطأ (١٢٩).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (١٢١٤)، والدارمى (٩٨٥)، وابن المنذر فى الأوسط (٨٢١)، من طريق
سلیمان به .
٥٧٣

الموطأ
التمهید
العلم إلى أنَّ المستحاضةَ تَغْتسلُ لكلِّ صلاةٍ ؛ لحديثِ ابنِ شهابٍ ، عن عُروةَ
وعَمْرَةَ، جميعًا ، عن عائشةَ ، أَنَّ أُمّ حبيبةً بنت جحشٍ - وبعضُ أصحابِ ابنِ
شهاب یقولُ عنه فیه: خمنً بنت جحشٍ . ولا یصُ عنه . وقال معمرٌ ، وابنُ
عُيينةَ، وإبراهيمُ بنُ سعدٍ ، ويونسُ بنُ يزيدَ، وغيرهم : أم حبيبةً بنتُ جحشٍ (١)
استُحِيضَتْ فاستفتَتْ رسولَ اللهِ وَلِهِ، فقال لها: ((إِنَّما ذلكِ عِرْقٌ، فاغتسلِى
ثم صلِّى)). فكانت تَغْتسِلُ لكلِّ صلاةٍ(١) . قالوا: فهى أعلمُ بما أَمِرَتْ به وقد
فهِمَتْ ما مجووِبَتْ عنه. قالوا: وقد قال محمدُ بنُ إسحاقَ فى هذا الحديثِ:
عن ابن شهابٍ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، أنَّ أُمَّ حبيبةَ ابنةَ جحشٍ استُحيضَتْ
فى عهدِ رسولِ اللهِ وَلِّ فَأَمَرِها رسولُ اللهِ وَهِ بالغُسْلِ لكلِّ صلاةٍ . وساق
(٣)
الحديثَ(٢).
واحتجُّوا أيضًا بما حدَّثْناهُ عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ
أَصْبَغَ، حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا مُسلمٌ، قال: حدَّثنا أبانٌ
وهشامٌ الدَّسْتُوائِىُّ، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ أبى كثيرٍ، عن أبى سلمةَ ، قال أبانٌ :
عن أُمّ حبيبةَ. وقال هشام: إِنَّ أُمَّ حبيبةَ سألَتْ رسولَ اللهِ وَ لِقالت: إِنِّى أُهَراقُ
الدِّماءَ . فَأُمِرَها أنْ تَغْتسِلَ عندَ كلِّ صلاةٍ وتُصلِّىَ (٤) .
القبس
(١) بعده فى الأصل، ن، م: ((وهو الصواب)).
(٢) تقدم تخريجه ص ٥٢٧ .
(٣) أخرجه أحمد ١٤٠/٤٣ (٢٦٠٠٥)، والدارمى (٨١٠)، وأبو داود (٢٩٢) من طريق
محمد بن إسحاق به .
(٤) أخرجه البيهقى ٣٥١/١ من طريق مسلم بن إبراهيم به، بدون ذكر أبان، وأخرجه الدارمى
(٩٣٥) من طريق هشام الدستوائى به .
٥٧٤

الموطأ
التمهيد
وحدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدثنا محمدُ بنُ بکرٍ ، قال : حدّثنا أبو
داودَ ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثُنا
أحمدُ بنُ محمد البِرْتِىُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا أبو معمرٍ - قال أبو داود : عبدُ اللهِ
ابنُ عمرو بنِ أبى الحجّاج أبو معمرٍ - قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ ، عن محُسين
المعلِّم، عن يحيى بنٍ أبى كثيرٍ، عن أبى سلمةً ، قال : أخبرتنى زينبُ بنتُ أَمّ
سلمةَ أنَّ امرأةً كانت تُهرَاقُ الدِّماءَ على عهدِ رسولِ اللهِ وَلِّ، وكانت تحتَ
عبد الرحمنِ بنِ عوفٍ، أنَّ رسولَ اللهِ وَّلِ أَمَرِها أنْ تَغْتسلَ عندَ كلِّ صلاةٍ . قال
أبو داودَ: وفى حديثٍ ابنِ عَقيل فى قصةٍ حَمْنَةَ الأمرانِ(١) جميعًا، قال: ((إِنْ
ء
قَوِيتٍ فاغتسلى لكلِّ صلاةٍ ، وإلّا فاجمعِى بينَ الصلاتينِ بِغُسلِ واحدٍ )) . قال :
وكذلك روَى سعيدُ بنُ مجبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ وعلىٍّ، أَنَّها تَغتسلُ لكلِّ صلاةٍ(٢)
قال أبو عمرَ : هذا الحديثُ روَاه همَّام، عن قتادةَ ، عن أبى حسَّانَ ، عن
سعيدِ بنِ جُبيرٍ ، أنَّ امرأةٌ أتَتِ ابنَ عباسٍ بكتابٍ بعدما ذهَب بصرُه فدفَعه إلى
ابنِه، " فتبَّأَ منه٢، فدفعه إلىَّ فقرأتُه، فقال لابنه: أَلَا هَذْرَمَتَه(٤) كما
هَذْرَمَه الغلامُ المُضَرِىُّ(١) ، فإذا فيه: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم، من
امرأةٍ من المسلمين أنَّها استُحِيضَتْ، فاستفتَتْ عليًّا فأمَرِها أنْ تَغتسلَ
القبس
(١) فى النسخ: ((الأمرين)). وأثبتها محقق المطبوعة كما فى سنن أبى داود.
(٢) أخرجه البيهقى ٣٥١/١ من طريق محمد بن بكر به ، وهو فى سنن أبى داود (٢٩٣).
(٣ - ٣) عند ابن سعد: ((فلبس فيه))، وعند الطحاوى: ((فتترتر فيه)).
(٤) الهذرمة : سرعة الكلام والقراءة . القاموس المحيط (هـ ذر م).
(٥) فى الأصل، ق، م، وعند الطحاوى: ((المصرى)). والمثبت من: ن، وطبقات ابن سَعَد.
٥٧٥

الموطأ
التمهيد
وتصلِّىَ. فقال ابنُ عباسٍ: اللَّهِمَّ لا أعلمُ القولَ إلَّا ما قالَ علىّ. ثلاثَ
(١)
مرّاتٍ(١).
قال قتادةُ : وأخبرنى عَزْرَةُ، عن سعيدٍ أَنَّه قيلَ له: إنَّ الكوفةَ أرضٌ باردةٌ،
وإِنَّه يَشُقُّ عليها الغُسلُ لكلِّ صلاةٍ. فقال: لو شاءَ اللهُ لابتلَاهَا بما هو أشدُّ
(٢)
منه (٢)
.
وقال يزيدُ بنُّ إبراهيمَ ، عن أبى الزبيرِ ، عن سعيدِ بنِ مجبيرٍ ، أنَّ امرأةً من أهلٍ
الكوفةِ استُحيضَتْ فكتبَتْ إلى عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وعبدِ اللهِ بنِ عباسٍ ، وعبدِ اللهِ
ابن الزبيرِ، تُناشدُهمُ اللهَ، وتقولُ: إِنِّى امرأةٌ مُسلمةٌ أصابنِى بلاءٌ، وإنَّها
استحيضَتْ منذُ سنينَ ، فما تَرون فى ذلك؟ فكان أوَّلَ مَن وقَع الكتابُ فى يدِه
ابنُّ الزبيرِ، فقال: ما أعلمُ لها إلّا أنْ تَدَعَ قُرْءَها وتَغتسلَ عندَ كلِّ صلاةٍ وتصلِّىَ .
فتتابعوا على ذلك(١) .
فهذا كلُّه محجةُ مَن جعَل على المستحاضةِ الغسلَ لكلِّ صلاةٍ .
وقال آخرون : يَجبُ عليها أنْ تَغْتسلَ للظهرِ والعصرِ غُسلًا واحدًا تُصلِّى به
الظهرَ فى آخرِ وقتها ، والعصرَ فى أوَّلٍ وقتِها، وتغتسلَ للمغربِ والعشاءِ غُسلًا
القبس
(١) أخرجه ابن سعد فى الطبقات ٢٥٩/٦، والطحاوى فى شرح المعانى ٩٩/١، ١٠٠ من طريق
همام به .
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٠٠/١ من طريق همام به .
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٠٠/١ من طريق يزيد بن إبراهيم به.
٥٧٦

الموطأ
واحدًا؛ تُقَدِّمُ الأُولَى وتؤخّرُ الآخرةَ(١)، وتغتسلَ للصبحِ غُسلًا.
التمهید
واحتجُوا بما رواه محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسم، عن
أيِه ، عن عائشةَ قالت: إِنَّما هى سَهْلَةُ بنتُ سُهيلٍ بن عمرٍو، استُحِيضَتْ ، وإِنَّ
رسولَ اللهِ وَّةِ كان يَأْمرُها بالغُسلِ عندَ كلِّ صلاةٍ ، فلمَّا جِهَدَها ذلك أمرها أنْ
تَجمعَ الظُّهرَ والعصرَ فى غُسلِ واحدٍ ، والمغربَ والعشاءَ فى غُسلٍ واحدٍ ،
وتَغْتَسِلَ للصبحِ(٢) .
ورواه شُعبةُ، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسم، عن أبيه، عن عائشةً
قالت: استُحِيضَتِ امرأةٌ على عهدِ رسولِ اللهِ وَّهِ فَأَمْرَتْ أنْ تُعجّلَ العصرَ
وتؤخِّرَ الظهرَ، وتَغْتسِلَ لهما غُسلًا واحدًا، وتؤخِّرَ المغربَ وتُعجّلَ
العشاءَ، وَتَغْتسِلَ لهما غُسلًا واحدًا (٢) ، وتغتسلَ لصلاةِ الصُّبح غُسلًا. قال
شُعبةُ: قلتُ لعبدِ الرحمنِ: أعن النبيِّ وَلِّ؟ قال: لا أُحدِّثُكَ عن النبىّ
(٤)
﴿َ﴾ بشىء ).
وروَاهُ الثورىُّ، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسم، عن أبيه، عن زينبَ ابنةٍ
القبس
(١) فى ق: ((الثانية)).
(٢) أخرجه أحمد ٤١/ ٣٧١، ٣٧٢ (٢٤٨٧٩)، والدارمى (٨٠٣)، وأبو داود (٢٩٥) من طريق
ابن إسحاق به .
(٣) بعده فى ق: ((جميعا)).
(٤) أخرجه أحمد ٢٤١/٤٢ (٢٥٣٩١)، والدرامى (٨٠٤)، وأبو داود (٢٩٤) من طريق شعبة
به .
(٥) فی ق : ((روی)).
٥٧٧
( موسوعة شروح الموطأ ٣٧/٣ )

الموطأ
التمهید
جحشِ، أنَّ النبيَّ وَِّ أَمَرِها بذلك(١).
ورواه ابنُّ عُيينةَ، عن عبد الرحمنِ بنِ القاسم ، عن أبيه مُرسلًاً(٢) .
وروَى سُهيلُ بنُ أبى صالح، عن الزهرىِّ، عن عُروةَ، عن أسماءَ بنتٍ
عُمِيسٍ، أنَّ النبيَّ بِّهِ أَمَر بمثلٍ ذلك فاطمةَ ابنةً أبى محبيشٍ (١).
قالوا : فقد بانَ فى حديثِ ابنِ إسحاقَ وغيرِه ، عن عبد الرحمنِ بن القاسمِ،
فى هذا الحديثِ أنَّ(٤) الناسخَ من الحكمِ(٥) فى ذلك جمعُ الصلاتينِ بغسلٍ
واحدٍ ؛ صلاتي اللَّيلِ، وصلاتَي النهارِ ، وتغتسلُ للصُّبحِ غُسلًا واحدًا، فصارَ
القولُ بهذا أولَى من القولِ بإيجابِ الغُسلِ لكلِّ صلاةٍ ؛ لقوله: فلمَّا جهدها
أمَرها أنْ تَجمعَ الظهر والعصرَ فى غُسلٍ واحدٍ ، والمغرب والعشاءَ بغسلٍ واحدٍ ،
وتغتسلَ للصُّبحِ .
قالوا : وقد رُوىَ عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ مثلُ ذلك خلافُ الروايةِ الأولَى
عنهم .
فذكَروا ما حدَّثنا به عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ،
قال: حدَّثنا أحمدُ بنُّ محمد البِرْتُ، قال: حدَّثنا أبو معمرٍ، قال: حدَّثنا
القبس
(١) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٠٠/١ من طريق الثورى به.
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٠٠/١ من طريق ابن عيينة به.
(٣) تقدم تخريجه ص ٥٢٨.
(٤) سقط من: م.
(٥) فى م: ((المحكم)).
٥٧٨

الموطأ
عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مجحادةَ، عن إسماعيلَ بنِ رجاءٍ، عن التمهيد
سعيدِ بنِ لجبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: جاءته امرأةٌ مُستحاضةٌ تسألُه فلم يُفتِها ،
وقال لها : سلِى. قال: فأَتَتِ ابنَ عمرَ فسألته، فقال لها: لا تُصلِّ ما رأيْتِ
الدَّمَ . فرجَعتْ إلى ابنِ عباسٍ فأخبرتْه، فقال : رحِمه اللهُ إِنْ كاد لَيْكَفِّرُكِ . قال:
ثم سألَتْ علىَّ بنَ أبى طالبٍ فقال: تلكَ وَكزةٌ(١) من الشيطانِ أو قُرحةٌ فى
الرحمِ، اغتسلِى عندَ كلِّ صلاتينِ مرةً وصلِى. قال: فلقيَتِ ابنَ عباسٍ بعدُ
فسألته، فقال: ما أجدُ لكِ إِلَّ ما قال علىّ(١).
وروَی حمَّادُ بنُ سلمةً، عن قیسٍ بنِ سعدٍ، عن مُجاهدٍ قال : قيلَ لابنِ
عباسٍ : إنَّ أرضَها باردةٌ. قال: تُؤْخِّرُ الظهرَ وتُعَجّلُ العصرَ، وتَغْتسِلُ لهما
غُسلًا، وتؤخِّرُ المغربَ وتعجّلُ العشاءَ، وتَغتسلُ لهما غُسلًا، وتَغتسلُ للفجرِ
(٣)
غُسلّاً(٣) .
وروَى إبراهيمُ النّخعىُّ، عن ابنِ عباسٍ مثلَهُ(٤). وهو قولُ إبراهيمَ
النخعيِّ، وعبدِ اللهِ بنِ شدَّادٍ (١) ، وفرقةٍ.
القبس
(١) فى الأصل، ن، م، ومصدر التخريج: ((ركزة)). والوكز: الدفع والطعن. التاج (وك ز).
(٢) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٠١/١ من طريق أبى معمر به.
(٣) أخرجه الطحاوى فى شرح المعانى ١٠١/١، ١٠٢ من طريق حماد به.
(٤) أخرجه البغوى فى الجعديات (١١٨) من طريق إبراهيم النخعى به .
(٥) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٧٢)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٢٧/١، وسنن الدارمى (٨٣٠).
(٦) عبد الله بن شداد بن الهاد الليثى، أبو الوليد المدنى الكوفى، الفقيه، عدَّه خليفة من تابعى أهل
الكوفة، وعده ابن سعد من تابعى أهل المدينة، وقال ابن سعد: وكان ثقة، قليل الحديث ، شيعيًّا .
قتل سنة اثنتين وثمانين. سير أعلام النبلاء ٤٨٨/٣. وينظر قوله هذا فى سنن الدارمى (٨٣٤).
٥٧٩

الموطأ
التمهید
وقال آخرون: تَغتسلُ كلَّ يومٍ مَّةً، فى أىِّ وَقْتٍ شاءَتْ. رواه معقِلٌ
الخَتْعَمِىُّ، عن علىٍّ قال: المستحاضةُ إذا انقضَى حيضُها اغتسلَتْ كلّ يومٍ،
واتَّخذَتْ صُوفةً فيها سمنٌ أو زيتٌ(١).
وقال آخرون: تَغتسلُ من ظُهرٍ(٢) إلى ظُهرٍ(٢)، وتَوضَّأُ لكلِّ صلاةٍ. روَاه
مالكٌ، عن شُعَيٍّ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ (١ . وهو قولُ سالم، وعطاءٍ،
والحسنِ. ورُويَ مثلُ ذلك عن ابنِ عمرَ، وأنسٍ بنِ مالك. وهی روايةٌ عن
عائشةً(٤).
وقال آخرون: لا تَغْتسِلُ إلَّ من (°طُهْرٍ إلى طُهْرٍْ). رُويَ ذلك عن
طائفةٍ من أهلِ المدينةِ .
وقال آخرون: لا تتوضَّأُ إِلَّا عندَ الحَدَثِ. وهو قولُ عكرمةً، ومالكِ بنِ
أنسٍ ، إلّا أنَّ مالكًا يَستحبُّ لها الوضوءَ عندَ كلِّ صلاةٍ .
وقال آخرون : تَدَعُ المُستحاضةُ الصلاةَ أَيَّامَ أقرائِها، ثم تَغْتسلُ وتَتَوضَّأُ
لكلِّ صلاةٍ وتصلِّی . واحتجوا بحديثٍ شریك ، عن أبى اليقظان ، عن عدىِّ بنِ
القبس
(١) أخرجه أبو داود (٣٠٢) من طريق معقل به .
(٢) فى النسخ عدا ((م)): ((طهر)) بالطاء المهملة، وينظر عون المعبود ١٢١/١، وفيه الروايات
المذكورة بالظاء المعجمة ، وينظر ما سيأتى فى الموطأ (١٣٦).
(٣) سيأتى فى الموطأ (١٣٦) .
(٤) ينظر مصنف عبد الرزاق (١١٦٧، ١١٦٨)، ومصنف ابن أبى شيبة ١٢٨/١، ١٢٩، وسنن
الدارمى (٨٣٨ - ٨٤٢).
(٥ - ٥) فى ن، م: ((ظهر إلى ظهر)).
٥٨٠