Indexed OCR Text
Pages 501-520
الموطأ حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ ، قال : حدثنا أبو مسلمِ الكِّئُّ (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الأنصارىُّ، قال: حدّثنا هشام، عن الحسنِ، عن عبدِ اللهِ بنِ مغفِّلٍ(٢)، أن رسولَ اللهِ وَ لَه نھَى عن التَّرَجُلِ إِلا غبًّا () . التمهید وفى هذا الحديثِ دليلٌ على إباحةٍ حبسِ الشعَرِ والجُمَمُ) والوَفَراتِ (٥)، والحلقُ أيضًا مباح؛ لأن الرسولَ وَلِّ حَلَق رءوسَ بنى جعفر بن أبى طالبٍ بعدَ أن أتاه خبرُ قتلِهِ بثلاثة أيام ؛ ولو لم يَجُزِ الحلقُ ما حلَقهم، والحلقُ فى الحجّ نُشكٌ، ولو كان مُثْلةً(١) - كما قال مَن قال ذلك - ما جاز فى الحجّ ولا فی غيرِهِ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ نهَى عن المُثْلَةِ. وقد أجْمَع العلماءُ فى جميعِ الآفاقِ على إباحةٍ حبسٍ الشعَرِ وعلى إباحةِ الحِلَاقِ، وكفى بهذا حجةً، وبالله التوفيقُ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ قال: حدَّثْنا قاسمُ بنُ أَصْبَغَ، قال: حدّثنا أحمدُ بنُ زهیرٍ قال : حدَّثنا عفانُ بنُ مسلمٍ وموسی بنُ إسماعیلَ ، عن مهدئِ بنِ ميمونٍ، عن محمدٍ بنٍ أبى يعقوبَ، عن الحسنِ بنِ سعدٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ القبس (١) فى الأصل، م: ((الكشى)). وينظر سير أعلام النبلاء ٤٢٣/١٣، واللباب ٣/ ٨٥. (٢) فى م: ((معقل)). وينظر مصادر التخريج. (٣) أخرجه أحمد ٣٤٨/٢٧ (١٦٧٩٣)، وأبو داود (٤١٥٩)، والترمذى (١٧٥٦)، وفى الشمائل (٣٤)، والنسائى (٥٠٧٠) من طريق هشام بن حسان به . (٤) الجمم: جمع الجمة ، وهى ما سقط على المنكبين من شعر الرأس. ينظر النهاية ١/ ٣٠٠. (٥) الوفرة: شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن. النهاية ٢١٠/٥. (٦) بعده فى م: ((كان)). ٥٠١ الموطأ ١٣٢ - وحدَّثنى عن مالك، عن هشام بن عروةً، عن أبيه، عن فاطمةَ بنتِ المنذرِ بنِ الزبيرِ، عن أسماءَ [٢٢ ظ] بنتِ أبى بكرِ الصديقِ، أنها قالت: سألَتِ امرأةٌ رسولَ اللهِ وَلّهِ، فقالت: أرأيتَ إِحدانا إذا أصاب ثوبَها الدمُ من الخَيْضةِ، كيف تصنَعُ؟ فقال رسولُ اللهِ وَهِ: ((إذا أصاب ثوبَ إحداكن الدمُ من الحَيْضةِ فَلْتَقْرُصْه، ثم لتَنْضَخْه بالماءِ، ثم لتُصَلُ فيه)) . التمهيد جعفرٍ، أن النبيَّ وَ لِّ أَتَى آلَ جعفرٍ بعدَ ثلاث - يعنى من موتٍ جعفرٍ - فقال: ((لا تبكُوا على أخى بعدَ اليوم، ادْعُوا لى بنى أخى)). قال: فجِىء بأغيلمةٍ ثلاثةٍ (١) كأنهم أفرخٌ؛ محمدٍ وعونٍ وعبدِ اللهِ، فقال: ((ادْعُوا لى الحَلَّاقَ)). قال : فجاء الحلاقُ فحلَق رءوسَهم، ثم أخَذ بيدِ عبدِ اللهِ فأشالَها ، فقال: ((اللهم اخلُفْ جعفرًا فى أهلِه، وبارِكْ لعبدِ اللهِ فى صفقةِ يمينِهِ)). فجاءت أمُّهم فقال: ((تخافين عليهم العَيْلَةَ وأنا وليّهم فى الدنيا والآخرةِ؟))(١). مالكٌ، عن هشام بن عروةَ ، عن فاطمةَ بنتِ المنذرِ ، عن أسماء بنتِ أبی بكرٍ، أنها قالت: سأَلتِ امرأةٌ رسولَ اللهِ وَّهِ فقالت: أرأيتَ إِخْدانا إذا أصاب ثوبَها الدَّمُ من الحيضَةِ، كيف تَصنَعُ؟ فقال رسولُ اللهِ وَله: ((إذا أصاب ثوبَ القبس (١) سقط من: م. (٢) أخرجه أحمد ٢٧٨/٣ (١٧٥٠)، وأبو داود (٤١٩٢)، والنسائى (٥٢٤٢) من طريق محمد بن أبى يعقوب به، وأخرجه الطيالسى (١٠٢٩)، وابن أبى شيبة ٥١٨/١٤ من طريق مهدى عن محمد بن عبد الله بن أبى يعقوب عن الحسن بن سعد مرسلًا. ٥٠٢ الموطأ التمهيد إحداكنَّ الدُ من الحيضةِ، فَلْتَقْرُضه، ثم لتَنْضَخْه بالماءِ، ثم لتُصَلِّ فيه))(١) . وقَع فی کتابٍ یحتی ونسخته فى رواية ابنه ١١ وغيره عنه فى هذا الحديث : مالكٌ، عن هشام بن عروةَ ، عن أبيه ، عن فاطمةَ. وهذا خطأً يِّنٌّ، وغَلَطّ لاشكَّ فيه، (وهو من خطاً اليدِ وجَهلٍ يحتى بالإسنادٍ ؛ لأَنَّ عروةَ لم تَرْوِه(٤) قطّ عن فاطمةَ هذه ، وهى فاطمةُ بنتُ المنذرِ بنِ الزبيرِ زوجُ هشامِ بنِ عروةَ . وإنما الحديثُ فى (°((الموطآتِ)) كلِّها) لهشامٍ عن فاطمةَ امرأته . وكذلك رواه كلُّ مَن رواه عن هشام بن عروةَ، مالكٌ وغيرُه، وقد رمَى (١) ابنُ وضَّاحٍ من روايته : عن أبيه. قال أبو عمرَ: وُروَى: ((فَلْتَقْرُصِه)). بفتح التاءِ وضمِّ الراءِ وكسرِها أيضًا، ويُروَى على التكثيرِ: ((فلتُقَّضه)). بضم التاء و کسر الراءِ وتشديدِها . قال أبو عُبيدٍ (٧): ((فلتُقَرّصه)). يقولُ: فلتُقَطِّئْه بالماءِ، وكلُّ مُقطَّع فهو مُقرَّصٌ، يقالُ منه : المرأةُ قد قرَّصتِ العجينَ . إِذا قطّعَتْه. قال أبو عمرَ : قولُ أبى عُبيدٍ عندى فى هذا بعيدٌ، وخيرٌ منه قولُ الأخفشِ، القبس (١) الموطأ برواية أبى مصعب الزهرى (١٦٦)، وأخرجه البخارى (٣٠٧)، ومسلم (٢٩١)، وأبو داود (٣٦١) ، وابن خزيمة (٢٧٥) من طريق مالك به . (٢) فى م: ((أبيه)). (٣ - ٣) ليس فى: الأصل. (٤) فى م: ((يرو). (٥ - ٥) فى م: ((الموطأ)). (٦) فى م: ((روی)). (٧) غريب الحديث ٣٩/٢. ٥٠٣ الموطأ التمهيد سُئل عن هذه الكلمةِ، فأراهم كيف ذلك القَرْصُ، فضمَّ إصبَعيْه؛ الإبهامَ والسبَّابةَ، وأخَذ بهما شيئًا من ثوبِه، فقال: هكذا يُفعَلُ بالماءِ فى موضعٍ الدمٍ، ثم كما يَقرُصُ الرجلُ جاريتَه، هو كذلك القَرْصُ . قال: وأما القَرْسُ بالسِّينِ فهو قَرسُ البردِ . قال أبو عمرَ : هؤلاء إنما فشّروا اللَّفظةَ فى اللغةِ ، وأمَّا المعنَى المقصودُ إليه بهذا الحديثِ فى الشَّريعةِ ، فهو غَسلُ دم الحيضِ من الثوبٍ إذا أصابَه ، والخبرُ بأنه يَجبُ غَسْلُه لنجاستِه، وحكمُ كلِّ دمٍ كدمِ الحيضِ، إلّا أن قليلَ الدم مُتجاوزٌ عنه ؛ لشرطِ اللهِ عزَّ وجلَّ فی نجاسة الدم أن یکون مسفرحًا ، فحينئذٍ هو رجسٌ . والرّجسُ النجاسةُ، وهذا إجمائعٌ من المسلمين أن الدمَ المَسفوع رجس نجِسٌ ، إلّا أن المسفوعَ وإن كان أصلُه الجارىَ فى اللغةِ ، فإِنَّ المعنی فیه فى الشريعةِ الكثيرُ، إذ القليلُ لا يكونُ جاريًا مسفوحًا، فإذا سقطت من الدمِ الجارى نقطةٌ فی ٹوپ أو بدن ، لم یکنْ حکمُها حکمَ المسفوح الكثيرِ ، و کان حکمُها محكمَ القليلِ، ولم يُلتَفَتْ إلى أصلِها فى اللغةِ . ذكر نُعيمُ بنُ حمَّادٍ، عن ابنِ المباركِ، "عن مباركٍ() بنِ فَضالةَ، عن الحسنِ، أن النبيُّ وَلِ كان يَقتُلُ القملَ فى الصلاةِ، أو قتَل القملَ فى الصلاةِ. قال نُعيمٌ : هذا أولُ حديثٍ سمعتُه من ابنِ المباركِ . ومعلومٌ أن فى قتلِ القملِ سَيْلَ يسيرٍ من الدمِ . القبس (١ - ١) ليس فى: الأصل. (٢) فى الأصل: ((نيل)). ٥٠٤ الموطأ التمهيد حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُّ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا عبدُ الحمیدِ بنُ أحمدَ ابنِ عيسى، قال: حدَّثنا الخضرُ بنُ داودَ ، قال: أخبرنا أبو بكر الأثرم، قال : حدَّثنا عقبةُ بنُ مُكرّم ، قال : أخبرنا يونسُ بنُ بُکیرٍ ، قال : أخبرنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عبدٍ (١) اللهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ معمرٍ الأنصارىِّ قال: أُدرَكتُ فقهاءَنا يقولون: ما أذهبَه الحَكَّ من الدم فلا يضرُ، وما أذهبَه الفَتْلُ(١) مما(١) يَخرجُ من الأنفِ فلا يَضُرُّ . قال : وحدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن عمرانَ ابنِ مسلمٍ، عن مجاهدٍ، عن أبى هريرةَ ، أنه لم يكنْ يرَى بالقَطْرَةِ والقَطرتينِ من الدمٍ فى الصلاةِ بأسًا(٤). قال أبو بكر الأثرم: وقيل لأبى عبدِ اللهِ - يعنى أحمدَ بنَ حنبلٍ : إلى أىِّ مذهبٍ(٥) تذهبُ فى الدم؟ فقال: إذا كان فاحشًا. قيل له: فى الثوبٍ ؟ فقال : فى الثوبٍ، وإذا خرج من الجرح. قيل له : السائلُ أو القاطرُ؟ فقال : إذا فخُش، أذهَبُ إلى الفاحشِ على حديثِ ابنِ عباسٍ. قال: وقال أبو عبدِ اللهِ : عِدَّةٌ من القبس (١) فى الأصل: ((عبيد)). وينظر تهذيب الكمال ٢١٧/١٥. (٢) فتل الشىء: لواه، والفتيل: ما فتلته بين أصابعك من الوسخ. ينظر التاج (ف ت ل). (٣) فى م: ((فيما)). (٤) ابن أبى شيبة ١٣٧/١، ٠١٣٨ (٥) فى م: (شیء). ٥٠٥ الموطأ التمهيد أصحابِ النبىِّ وَّهِ تكلَّموا فيه؛ أبو هريرةَ كان يُدخلُ أصابعَه فى أنفِه (١) ، وابنُ عمرَ عصَر بَثْرَةً ، وابنُ أبى أوفَى تَنَخَّم دمًا، وجابرٌ أُدخَل أصابعَه فى انفِه ، وابنُ عباسٍ قال: إذا كان فاحشًا(١). قال أبو بكرٍ الأثرم: أخبرنا معاويةُ بنُ عمرٍو، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، أنه رأى عبدَ اللهِ بنَ أبى أوفَى يتنخَّمُ دمًّا عبيطًا(٢) وهو يُصلِّى(٢). قال: وحدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدّثنا حمَّادٌ، قال : أخبرنا محُميدٌ، عن بكرِ بنِ عبدِ اللهِ المزنيّ ، أن ابنَ عمرَ عصَر بَثرةً فى وجهِه، فخرج منها شىءٌ من دمٍ وقَيحِ، فمسحه بيدِه وصلَّى ولم يتوضّأُ(٤). قال أبو بكرٍ : سمِعتُ أبا عبدِ اللهِ يقولُ : البولُ والغائطُ غيرُ الدم ؛ لأنَّ البولَ والغائطَ تُعادُ منهما الصلاةُ ويُغْسَلُ قليلُهما وكثيرُهما. قال: والدمُ إذا فحُش تُعادُ منه الصلاةُ فى الوقتِ وغيرِه، كما يُعادُ من قليلِ البولِ والعَذِرةِ . قال أبو عمرَ : قد أجمَع العلماءُ على التجاوزِ والعفو عن دمٍ البراغيثِ ما لم يتفاحَشْ، وهذا أصلٌ فى هذا البابِ ، وهذا الحديثُ أصلٌ فى غَسلِ النجاساتِ القبس (١) ينظر مصنف عبد الرزاق (٥٥٦)، وابن أبى شيبة ١٣٨/١، وابن المنذر (٦٤، ٦٦)، وسنن البيهقى ٤٠٥/٢. (٢) الدم العبيط: الدم الطرى. اللسان (ع ب ط). (٣) أخرجه عبد الرزاق (٥٧١)، وابن المنذر (٦٣) من طريق الثورى به. (٤) أخرجه ابن المنذر (٦٥) من طريق حماد به. ٥٠٦ الموطأ التمهيد من الثِّيابِ، ولا أعلمُ عن النبيِّ وَ لِّ فِى غَسلِ النجاساتِ أبينَ من هذا الحديثِ ، وعليه اعتمَد الفقهاءُ فى غَسلِ النجاساتِ وجعَلوه أصلَ هذا البابِ ، إلَّ أنهم اختلفوا فى وجوبٍ غَسْلِ النجاساتِ كالدِّماءِ والعَذِرَاتِ والأبوالِ وسائرٍ النجاساتِ المعروفاتِ من الثيابِ والأبدانِ ؛ فقال منهم قائلون : غَسلُها فَرِضٌ واجبٌ ولا تُجْزِئُ صلاةُ مَن صلَّی بثوپ نچِس ، عالمًا کان بذلك أو سامیًا عنه . واحتجُوا بقولِ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]. وظاهرُه تطهيرُ الثيابِ المعروفةِ عندَ العربِ التى نزَل القرآنُ بذكرِها فى قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَ جُنَاعُ أَنْ يَضَعْنَ ثِبَابَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠]. ﴿وَأَسْتَغْشَوْ ثِيَابَهُمْ﴾ [ نوح: ٧]. وهذا کثیر فی القرآن وفی أشعار العربِ و کلامِها ، وإن كانت قد تگنِی عن القلبٍ وطهارته وطهارةِ الجَيبِ بطهارةِ الثَّوبِ ، فهذه استعارةٌ، والأصلُ فى الثَّوبِ ما قُلنا . وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍٍ، والحسنِ، وابنٍ سيرينَ، فى قوله: ﴿ وَثَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. قالوا: اغسِلْها بالماءِ، وأنقِها من الدَّرنِ ومن القَذَرِ (١). واحتجوا بأن النبىَّ وَلَّهِ أَمَر بغَسلِ النجاساتِ من الثيابِ والأرضِ والبدنِ ؛ فمِن ذلك حديثُ أسماءً هذا فی غسل الثّوبِ من دم الحيضِ ، ليس فيه خصوصُ مقدارٍ درهم ولا غيرِهِ، فهذا الأصلُ فى تطهيرِ الثيابِ بالماءِ من النجاساتِ ، ومنها حديثُ الصَّبِّ القبس (١) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى فتح البارى ٦٧٩/٨ - عن ابن عباس، وأخرجه ابن جرير فى تفسیره ٤٠٩/٢٣ عن ابن سیرین. ٥٠٧ الموطأ التمهید على بولِ الأعرابىّ(١)، وهو الأصلُ فى تطهيرِ الأرضِ، ومنها الصَّبُّ والنَّضحُ على الثَّوبِ الذى بال عليه الصبىُ (١) . وقد قلنا: إن النَّضْحَ المرادُ به الغَسلُ. وقد قال ◌َله: ((أكثرُ عذابِ القبرِ فى البولِ))(١). قال ذلك(٤) فى الذى كان لا يَتَرَّهُ ولا يَسْتَتِرُ من بولِه، والآثارُ فى مثلِ هذا كلِّه كثيرةٌ جدًّا . وقال بعضُ مَن يرَى غَسْلَ النجاسةِ فرضًا: لمّا أجمعوا على أن الكثيرَ من النجاسة واجبٌ غسله من الثوپ والبدن ، وجب أن يكون القليلُ منها فی حکم الكثيرِ، كالحَدَثِ قياسًا ، ونظرًا لإجماعِهم على أن قليلَ الحَدَثِ مثلُ کثیرِه فى نقضٍ الطهارةٍ وإيجابِ الوضوءِ فيما عدا النومَ ، وكذلك دمُ البُرْغُوثِ ومثلِه، خارجٌ عن الدماءِ بشرطِ اللهِ فى الدمٍ أن يكونَ مسفوحًا، وهو الكثيرُ الذى يجرِى، وهذا كلَّه أصلٌ وإجماع. قالوا: فلهذا قلنا: إن من صلَّى وفى ثوبه ، أو موضعٍ سجودِه وركوعِه، أو فى بدَنِهِ نجاسةٌ ، بطَلت صلاته؛ لأنَّ القليلَ والكثيرَ فى ذلك سواءٌ، قياسًا على الحَدَثِ. قالوا: ولمَّا أجمَعوا، إلا مَن شذَّ معَن لا يُعدُّ خلافًا على الجميع لخروجه عنهم على أن مَن تعمَّد الصلاةَ بالقّوبِ النَّجِسِ، تَفسُدُ صلاُه ويصلِّيها أبدًا متى ما ذكّرها، كان من سَها عن غَسلِ النجاسةِ ونِيَها فى محكم مَن تعمَّدها؛ لأن الفرائضَ لا تَسقُطُ بالنِّسيانِ فى الوُضوءِ والصلاةِ . قالوا : أَلَا تَرَى أن مَن نسِى مسحَ رأسِه، أو غَسْلَ وجهِه وصلَّى، فى القبس (١) سيأتى فى الموطأ (١٤٠). (٢) سيأتى فى الموطأ (١٣٨، ١٣٩). (٣) أخرجه أحمد ١٢/١٥ (٩٠٣٣)، وابن ماجه (٣٤٨) من حديث أبى هريرة. (٤) سقط من: م. ٥٠٨ الموطأ التمهيد حكم من تعمّد تركَ ذلك فى إعادة الصلاة سواءً، و كذلك من نسِی سجدً أو ر کمةً ، فی حکم من تعمّد تر گها سواءً، و کذلك من نسی الماء فی رخلِه ولم يَطلُبُه، ونسِى الثَّوبَ وهو معَه وصلَّى عُريانًا، ونظائرُ هذا كثيرةٌ جدًّا، إلَّا أن الناسىَ غيرُ آثم ، والمتعمّدَ آثمّ ، فهذا الفرقُ بينَهما من جهةِ الإثم ، وأمَّا من جهةٍ الحکم فلا . قالوا : ولئًّا كان من تعمّد ترك سنةٍ من الشُّننِ لم تَجِبْ علیه بذلك إعادةُ صلاتِه؛ كمَن ترَكُ رفعَ اليدينِ ، أو قراءةَ سورةٍ معَ أمّ القرآنِ ، أو التسبيح ، أو الذكرَ فى الركوع والسجودِ ، ونحوَ ذلك من سننِ الصلاةِ وسننِ الوضوءِ، علِمنا أن مَن ترَك غَسْلَ النجاساتِ ، فقد ترك فرضًا؛ لإجماعِهم على أن مَن ترك ذلك عامدًا، وصلَّى بثوبٍ نجسٍ، أن صلاتَه فاسدةٌ. قالوا: وبانَ بهذا كلِّه أن غَسلَ الثيابِ فرضٌ لا سُنّةٌ ، واللهُ أعلمُ. فإن قيل : لمَ اذَعَیتَ الإجماعَ فیمَن صلَّی بثوپٍ نجسٍ عامدًا أنه ◌ُعیدُ فى الوقتِ وغيرِ الوقتِ ، وأشهبُ يقولُ: لا يُعيدُ العامدُ وغيرُ العامدِ إِلَّ فى الوقتِ . ومنهم مَن يَروِيه عنه عن مالكٍ ؟ قيل له : ليس أشهبُ ولا روايتُه الشاذَّةُ عن مالكِ مما يُعدُّ خلافًا، فالصحابةُ وسائرُ العلماءِ يَمنعُ من ادِّعاءِ إِجماعِهم؛ لأن مَن شدَّ عنھم مأمور باتباعهم وهو محُوچ بهم . وقال المغيرةُ ، وابنُّ دينارٍ ، وابنُ القاسم، وعبدُ الملكِ: يُعيدُ العامدُ فى الوقتِ وغيرِ الوقتِ . وهو الصحيحُ عن مالكٍ. قالوا : وقد قال اللهُ عزَّ وجلّ : ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِرْ﴾ [المدثر: ٤]. فجمعت الآيةُ تطهيرَ القِّيابِ وما قاله أهلُ التفسيرِ من القبس ٥٠٩ الموطأ التمهید تطهيرِ القلبِ، وأفادتِ المعْنَيَين جميعًا. قالوا: ومَن حمَل الآيةَ على أكملٍ الفوائدِ كان أوْلَى، على أن القرآنَ ليس فيه آيةٌ تَنْصُّ أن الثيابَ القلوبُ، وقد سمَّى اللهُ عزَّ وجلَّ فى كتابِهِ الثيابَ ثيابًا ، ولم يُسَمَّ القلوبَ ثيابًا . فهذه جملةٌ ما احتجّ به مَن ذهَب إلى إيجابٍ غَسْلِ النجاساتِ وإزالتها من الثوب والأرض والبدن فرضًا . وهو قولُ الشافعىِّ، وأحمدَ ، وأبی ثورٍ . وإليه مال أبو الفرجِ المالكىُّ، ولا يلتَفِتُ الشافعىُّ إلى تفسيرِ يُخالفُ الظاهرَ إلا أن يُجمِعوا علیه . وقال آخرون : غَسْلُ النجاساتِ سنةٌ مسنونةٌ من الثيابِ والأبدانِ والأرضِ؛ سنَّ ذلك رسولُ اللهِ وَّهِ. وذكروا قولَ سعيدِ بنِ جبيرٍ، أنه قال لِمَن خالَفه فى ذلك : اقرأْ على آيةً تأمرُ بغَسلِ الثيابِ. قالوا: وأمَّا قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَثَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. فهذه كناية عن الكفر وتطهيرِ القلبِ منه ، ألا ترى أنه عطَف على ذلك قولَه عزَّ وجلّ: ﴿وَالُّجْزَ فَأَهْجُزْ﴾ [المدثر: ٦]. يعنى الأوثانَ ، فكيف يأمُه بتطهير الثيابٍ قبلَ تركِ عبادة الأوثانِ ؟ قالوا : والعربُ تقولُ : فلانٌ نَقِئُ الثوبٍ، وطاهرُ الجيبٍ . إذا كان مسلمًا عفيفًا؛ يَكثُون بذلك عن سلامتِه، ولا(١) يُريدُون بذلك غَسْلَ ثوبِه من النجاسةِ. قالوا: ويَبْعُدُ أن يكونَ اللهُ عزَّ وجلَّ يَعطِفُ النهىَ عن عبادة الأوثانِ على تطهيرِ الثيابٍ من النجاساتِ . قالوا : ودليلُ ذلك أن هذه السورةَ نزَلت قبلَ نزولِ الشرائعِ؛ من وضوءٍ وصلاةٍ وغيرِ ذلك، وإنما أُرِيدَ بها القبس (١) سقط من: م. ٥١٠ الموطأ التمهيد الطهارةُ من أوثانِ الجاهليةِ وشِرْكِها، ومن الأعمالِ الخبيثةِ . حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا أحمدُ بنُ دُحيم، حدَّثنا إبراهيمُ، حدَّثنا إسماعيلُ، حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةً وعلىُّ بنُ عبدِ اللهِ ومحمودُ بنُ خِداشٍ، قالوا : حدَّثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ ، عن منصورٍ ، عن أبى رَزِينٍ فى قولِه : ﴿وَثِيَكَ فَطَفِرْ﴾. قال: عملَك أصلِحْه. قال: كان الرجلُ إذا كان حَسَنَ العملِ ، قيل : فلانٌ طاهرُ الثيابٍ(١) . قال: وحدَّثنا مُسدَّدٌ، حدَّثنا يحتِى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ مجريج قال: حدَّثنا عطاءٌ، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَثَابَكَ فَطَفِرْ﴾. قال: فى كلامِ العربِ : فلانٌ نَقِىُّ (٢) الثياب(١) . ورواه بندار ، عن یحتی القطان ، عن ابن جريج ، عن عطاءٍ ، عن ابنِ عباسٍ فى قوله: ﴿وَثِيَابَ فَطَهِرْ﴾ . قال: فى كلام العرب : أنقِها . وهذا خلافُ حديثٍ مُسدَّدٍ . حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدثنا موسى بنُ معاویةً، قال : حدثنا و کیت، عن سفيانَ، عن مغيرةً، عن إبراهيمَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِرْ﴾. قال: من الإثم". القبس (١) ابن أبی شیبة ٤١٧/١٣، وأخرجه ابن جریر فی تفسيره ٤٠٩/٢٣ من طریق جریر به. (٢) أخرجه ابن جرير ٤٠٦/٢٣، وابن المنذر (٦٨٥)، والحاكم ٥٠٦/٢ من طريق ابن جريج به . (٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤٠٨/٢٣ من طریق و کیع به . ٥١١ الموطأ التمهيد قال: وأخبرنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن الأجلح، عن عكرمةَ : لا تَلْبَشْها على معصيةٍ(١). وذكّر معمر، عن قتادةً فى قوله: ﴿وَثِيَبَكَ فَطَهِّرْ﴾. قال: كلمةٌ تقولُها العربُّ : طَهِّرْ ثيابَك. أى: من الذنبٍ(٢). وذكّر حبّاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَّهِرْ﴾ . قال: لستَ بساحرٍ ولا كاهنٍ، فأعرِضْ عما قالوا(٣). قال ابنُ بجريجٍ: وأخبرنى عطاءً، عن ابنِ عباسٍ، أنه سمِعه يقولُ فى : ﴿وَثِيَكَ فَطَفِرْ﴾. قال: من الإثم. يقولُ: هى(٢) فى كلامِ العربِ(٥) . وذكّر إسماعيلُ قال: حدَّثنا نصرُ بنُّ علىّ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن الأجلح ، قال : سمِعتُ عكرمةَ سُئلَ عن قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ . قال: أُمِرِ ألا يَلَسَ ثوبَه على غَدْرَةٍ ، أما سمِعتَ قولَ غَيْلَانَ بنِ سلمةَ الثقفىِّ: وإنّى بحمدِ اللهِ لا ثَوبَ فاجرٍ لبِستُ ولا من غَدْرةٍ أَنَقبَّهُ(٦) القبس (١) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤٠٨/٢٣ من طريق وكيع به . (٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٢٧/٢، وابن جرير فى تفسيره ٤٠٧/٢٣ من طريق معمر به. (٣) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤٠٩/٢٣ من طريق ابن أبى نجيح، عن مجاهد. (٤) سقط من: م. (٥) أخرجه ابن جرير فى تفسيره ٤٠٦/٢٣، ٤٠٧، وابن المنذر فى الأوسط (٦٨٥) من طريق ابن جریج . (٦) أخرجه ابن جرير ٤٠٥/٢٣ من طريق الأجلح به. ٥١٢ الموطأ قال أبو عمرَ : معروفٌ عندَ العربِ أنها تَكْنِى بطهارةِ الثوبِ عن العَفَافِ ، وبفضلةِ الثوبٍ وسَعَتِه عن العطاءِ . التمهيد أخبرَنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ إبراهيمَ الكِندىُّ، قال : حدَّثنا موسى بنُ عُبيدِ اللهِ بنِ خاقَانَ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أَبی سعدٍ (١) الورّاقُ، قال: حدَّثنِى أحمدُ بنُ معاويةَ، قال: سمِعتُ الأصمعىَّ، قال : سمِعتُ طلحةَ بنَ محمدِ بنِ سعيدِ بنِ المسيَّبِ يُحدِّثُ عن أعرابيّ قال : بنو سيَّارٍ؛ فلانٌّ فارسُهم، وفلانٌ لسانُهم، وفلانٌ أوسَعُهم عليهم ثوبًا . يعنى : أكثرُهم عليهم فضلًا، وهو قولُ رُؤبةً لأبيه (٢): وهْوَ عليكَ واسعُ العِطافِ وقال عنترةُ : نفَى الدَّمُّ(٣) عن أثوابِهِ مثلَ ما نفَى أذى درَنًا عن جلدِهِ الماءَ غاسلُ أراد نفَى الماءُ ( أَذَى غاسلِ" درنًا. قالوا: وأما ما احتجّ به من خالَفنا من إجماعِهم على أن مَن تعمَّد الصلاةَ ثوپ نجس فیه نجاسةٌ كثيرة أنه علیه إِعادتُها القبس (١) فى م: ((سعيد))، وينظر تاريخ بغداد ٧٧/١، ٢٥٣، ١٩/٧، ٤٣٦، ٤٥/٨، ٩٠، ٣٧٣/١١، وتهذيب الكمال ١٨٩/٨، ٣٢٨، ١٩٨/١٥، ٠٧/٢٣ (٢) فى النسخ: ((لابنه)). والمثبت هو الصواب، فهذا البيت من قصيدة لرؤية: يخاطب فيها أباه العجاج ويعاتبه، ينظر ديوان رؤبة (مجموع أشعار العرب) ص٩٩، ومقدمة ديوان العجاج ص ٥. (٣) فى م: ((الدم)). (٤ - ٤) فى م: ((إذا غسل). ٥١٣ ( موسوعة شروح الموطأ ٣٣/٣ ) الموطأ التمهید فى ثوبٍ طاهرٍ ، فإنما ذلك لأنه استخفَّ وعائَد. قالوا : وقد وجَدْنا من السُّنَنِ ما تفشُدُ الصلاةُ بتركِها عمدًا؛ من ذلك الجِلسةُ الوُسطى، هى عندَنا سُنَّةٌ وعند کم، ومن تعمّد تزگها فسدت صلاته، فغیر نکیر أن يكونَ مثلَ ذلك من تعمَّد الصلاةَ فى الثوبِ النچِسِ . قال أبو عمرَ : الفرقُ بينَ غَسلِ النجاسةِ عندَنا وبينَ الجِلسةِ الوسطَى ، أن الصلاةَ تفشُدُ بالسَّهوِ عن الجِلسةِ الوسطَى ، إذا لم يذكر ذلك إلا بعد خروج الوقتِ ، ولا تفشُدُ صلاةُ مَن سهَا فصلَّى بثوبٍ نجِسٍ إذا خرَج الوقتُ ؛ فلهذا لا يَصِحُ الانفصالُ بما ذكر هذا القائلُ على مذهبٍ مالكٍ . قال أبو عمرَ : أمَّا حكايةُ أقوالِ الفقهاءِ فى هذا جملةً ؛ فجملةُ مذهبٍ مالكٍ وأصحابِهِ إلا أبا الفرج، أن إزالةَ النجاسةِ من الثيابِ والأُبدانِ واجبٌ بالسّنّةِ وجوب سُنّةٍ ولیس بفرض . قالوا : ومَن صلَّی بثوپ نجس أعاد فی الوقت ، فإن خرَج الوقتُ فلا شىءَ عليه . وقال مالكٌ فى يسيرِ الدم : لا تُعادُ منه الصلاةُ فى وقتٍ ولا بعده، وتعادُ من يسير البول والغائطِ . ونحۇُ هذا كلّه من مذهب مالك قولُ الليثِ بنِ سعدٍ. ومن محَّتِهم على استحبابِ الإعادةِ فى الوقتِ ؛ لأنَّ فاعلَ ذلك مع بقاءِ الوقتِ مستدرِكٌ فضلَ الشُّنةِ فى الوقتِ، ألا ترَى أن مَن صلَّى وحده ثم أدرَك الجماعةَ يُصلِّى تلك الصلاةَ فى وقتِها، يُندَبُ إلى إعادةِ تلك الصلاةِ معهم إذا كانت ظُهرًا أو عِشاءً بإجماع، وفى غيرِهما اختلافٌ، ولو وجَدهم يجمعون تلك الصلاة بعد خروج الوقتِ لم یأمره أحدٌ بالدخولِ معهم ، وفى هذا دليلٌ على أن اسْتِدراكَ فضلِ السُّنةِ فى مثلٍ هذا إنما ينبغِى أن يكونَ فى الوقتِ لا القبس ٥١٤ الموطأ التمهيد فى بعدِه . ومما استدلَّ به مَن لم يُطِلْ صلاةً مَن صلَّى وفى ثوبِه نجاسةٌ ، وجعَلُ غَسْلَ النجاسةِ ( بسُنَّةٍ لا بفَرضٍ() ما رواه حمَّادُ بنُّ سلمةً، عن أبى نَعامةً قیسٍ بنِ عَبَايَةً(٢)، عن أبى نضرةَ، عن أبى سعيد الخدرىِّ، أن النبيَّ وَ لِّ دخَل الصلاةَ ونعلاه فى رجلَيْه، ثم خلَعهما، فخلَع الناسُ نِعالَهم، فلما انصرف قال لهم: ((لِمَ خَلَعْتُم ◌ِعالَكم؟)). قالوا: لمَّا رأيناك خلَعتَ خلَعْنا. فقال: ((إنما خلَعتُهما لأَنَّ جبريلَ أخبَرِنِى أن فيهما قَذَرًا))(٢). ففى هذا الحديثِ ما يدلُّ على أن غَسلَ القَذَرِ ليس بواجبٍ فرضًا، ولا كونُه فى الثوبِ يُفسدُ الصلاةَ؛ لأنه لم یذُوْ إعادةً . وقال الشافعىُّ: قليلُ الدَّم والبولِ والعَذِرَةِ و کثیرُ ذلك كلَّه سواءٌ، تُعادُ منه الصلاةُ أبدًا ، إلا ما كان نحوَ دم البراغيثِ وما يَتعافاه الناسُ ، فإنَّه لا يُفسِدُ الثوبَ ولا تُعادُ منه الصلاةُ. ونحوَ قولِ الشافعىِّ فى هذا كلِّه قال أبو ثورٍ ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، إلا أنهما لا يُوجبانِ غَسْلَ الدمِ حتى يتفاحَشَ. وهو قولُ الطبرىِّ، إلا أنَّ الطبرئَّ قال: إن كانتِ النجاسةُ قدرَ الدِّرهم أعادَ الصلاةَ أبدًا. ولم يَحُدَّ أولئك شيئًا، وكلُّهم يرَى غَسْلَ النجاسةِ فرضًا . وقولُ أبى حنيفةً وأبى يوسفَ فى هذا البابِ كقولِ الطبرىِّ فى مراعاةٍ قَدرِ الدرهم من النجاسةِ. وقال محمدُ بنُّ الحسنِ : إن كانتٍ النجاسةُ رُبُعَ الثوبٍ فما دونَ، جازتٍ الصلاةُ . القبس (١ - ١) فى م: ((سنة لا فرط)). (٢) فى م: ((عبابة)). وينظر تهذيب الكمال ٢٤/ ٧٠. (٣) سيأتى تخريجه فى ص ٥١٨، ٥١٩. ٥١٥ الموطأ التمهید وأما قولُهم مفسَّرًا فى هذا البابِ ؛ فقال مالكٌ فى الدمِ اليسيرِ : إن رآه فى ثوبه وهو فى الصلاةِ مضَى فيها، وفى الكثيرِ يَنْزِعُه ويستأنفُ الصلاةَ، وإن رآه بعدَ فراغِه أعاد ما دام فى الوقتِ . وقال فى البولِ والرَّجيعِ والمنىٌّ والمذْىِ وخَرْوِ الطيرِ التى تأكُلُ الجِيَفَ : إن ذكَره وهو فى الصلاةِ فى ثوبِه قطّعها واستقبلها ، وإن صلَّى أعاد ما دام فى الوقتِ ، فإذا ذهَب الوقتُ لم يُعِدْ. قال ابنُ القاسمِ: والقَىءُ عند مالكِ لیس بنجس ، إلا أن یکون القىءُ قد تغيّر فی جوفه ، فإن كان كذلك فهو نجس. وقال الشافعىُّ فی الدَّمِ والقَئِحِ: إذا کان قليلا کدم البراغيثِ وما يَتعافاه الناسُ لم يُعِدْ، ويعيدُ فى الكثيرِ من ذلك. قال: وأما البولُ والعَذِرَةُ والخمرُ، فإنه يُعيدُ فى القليلِ من ذلك والكثيرِ. والإعادةُ عندَه واجبةٌ لا يُسقِطُها خروج الوقتِ . وقال أبو حنيفةً، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ ، فى الدَّمِ والعَذِرَةِ والبولِ ونحوه : إن صلَّى وفى ثوبه من ذلك مقدارُ الدرهم جازَت صلاتُه . و كذلك قال أبو حنيفةً فى الرَّوْثِ: حتى يكونَ كثيرًا فاحشًا. وقال أبو حنيفةَ ، وأبو يوسفَ ، فى بولٍ ما يُؤْكَّلُ لحمُه : حتى يكونَ كثيرًا فاحشًا . وذهَب محمدُ بنُّ الحسنِ إلى أن بولَ كلِّ ما يُؤْ كلُ لحمُه طاهرٌ كقولٍ مالكٍ . وقال الشافعىُّ: بولُ ما يُؤْكَلُ لحمُه نَجِس . قال أبو عمرَ : اختلافُ العلماءِ فى أبوالٍ ما يُؤْكلُ لحمُه وما لا يُؤْكلُ من البهائمٍ ليس هذا موضِعَ ذکرِه، ولا موضِعَ اختلافِ الحَّةِ فیه . وقال زُفَرُ فى البول: قليله وكثيرُه يُفسِدُ الصلاةَ . وفى الدم: حتى يَكونَ أكثرَ من قدرِ الدِّرهم . وقال الحسنُ بنُّ حَىٌّ فى الدمٍ فى الثوبِ: يُعيدُ إذا كان القبس ٥١٦ الموطأ التمهيد مقدارَ الدرهم ، وإن كان أقلّ من ذلك لم يُعِدْ . وكان يقولُ : إن كان فى الجسد أعاد، وإن كان أقلّ من قدرِ الدرهم . وقال فى البول والغائطِ: يُفسِدُ الصلاةَ فى القليلِ والكثيرِ إن كان فى الثوبٍ. وقال الثورىُّ: يَغْسِلُ الرَّوْثَ والدمَ. ولم يَغْرِفْ قدرَ الدرهم . وقال الأوزاعىُ فى البولِ فى الثوبٍ: إذا لم يَجِدِ الماءَ تيمَّم وصلَّى، ولا إعادةَ عليه إن وجَد الماءَ. ورُوِى عن الأوزاعيّ أنه إن وجد الماء فى الوقت أعاد . وقال فى القىءٍ يُصيبُ الثوبَ ولا يَعلَمُ به حتى يُصلِّىَ: مضَت صلاتُه . وقال : إنما جاءت الإعادةُ فى الرّجيعِ . قال : و كذلك فى دم الحيضِ لا يُعيدُ . وقال فى البولِ: يُعيدُ فى الوقتِ، فإذا مضَى الوقتُ فلا إعادةَ عليه . قال أبو عمرَ : أقاويلُ الأوزاعيِّ فى هذا البابِ مضطربةٌ لا يَضبِطُها أصلٌ . وقال اللَّيثُ فى البولِ والرّؤْثِ والدمِ وبولِ الدائَّةِ ودمِ الحيضِ والمنىِّ: ◌ُعیدُ ، فات الوقتُ أو لم يفُتْ . وقال فی یسیر الدم فى الثوبٍ : لا يُعيدُ فى الوقتِ ولا بعده. قال: وسمِعتُ الناسَ لا يَرَون فی یسیرِ الدمِ يُصلِّی به وهو فى الثوب بأسًا ، ويَرَون أن تُعادَ الصلاةُ فى الوقتِ من الدمِ الكثيرِ. قال: والقَتْحُ مثلُ الدم. قال أبو عمر : هذا أصحے عن اللیث مما قدَّمناعنه ، وقد أوردنا فى هذا البابِ أقاويلَ الفقهاءِ وأهلِ الفُتْيا مجملةً ومُفسّرةً بعدَ إيرادِ الأُصلِ الذى منه تفرَّعت أقوالُهم من الكتاب والسُّنَّةِ والإجماع، والذى أقولُ به: إن الاحتياطَ للصلاةِ واجبٌّ ، وليس المرءُ على يقينٍ من أدائِها إلا فى ثوبٍ طاهرٍ وبَدَنٍ طاهرٍ من النجاسةِ، وموضعٍ طاهرٍ، على حدودِها، فلينظُرِ المؤمنُ لنفسِه ويجتهِدْ. وأما الفتوى بالإعادةِ لمَن صلّی وحده وجاءمُستفتِیًا فلا ، إذا كان ساهیًا ناسيًا ؛ لأُن القبس ٥١٧ الموطأ التمهید إِیجاب الإعادةِ فرضًا یحتاج إلی دلیل لا تنازُعَ فیه، ولیس ذلك موجودًا فى هذه المسألةِ. وقد رُوِى عن ابنِ عمرَ، وسعيدِ بنِ المسيَّبِ، وسالم، وعطاء، وطاوسٍ، ومجاهدٍ، والشعبیٍ ، والزهرئ، ویحتی بن سعيد الأنصارئِّ، فی الذى يُصلِّى بالثوبِ النَّجِسِ وهو لا يَعلَمُ، ثم علِمٍ بعدَ الصلاةِ، أنه لا إعادةَ عليه(١) . وبهذا قال إسحاقُ ، واحتجَّ بحديثٍ أبى سعيد المذكورِ فى هذا البابِ . قال أبو عمرَ: والحديثُ حدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ ، حدَّثنا أبو داودَ ، حدَّثنا موسى بنُّ إسماعيلَ، حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلَمةً ، عن أبى نَعَامةَ السعدىِّ، عن أبى نَضْرَةَ، عن أبى سعيد الخدرىِّ قال: بينما رسولُ اللهِ وَّهِ يُصَلِّى بأصحابِهِ إِذ خلَعِ نعلَيْه فوضَعهما عن يسارِهِ، فلما رأَى ذلك القومُ القَوْا فِعالَهم، فلما قضَى رسولُ اللهِ وَّه صلاتَه قال: ((ما حمَلكم على إلقاءِ نعالِكم؟)). قالوا: رأيناك ألقَيْتَ نعلَيْك فألقَيْنا نِعِالَنا. فقال رسولُ اللهِ وَ لَه: ((إن جبريلَ أَتانِى فأخبرنى أنَّ فيهما قَذَرًا)). وقال: ((إذا جاء أحدُكم المسجدَ فلينظرْ؛ فإن رأى فى نعليْه قَذَرًا أو أذى فلْيَمسح ولْيُصلِّ فيهما))(١). وهكذا رواه أبو الوليدِ الطيالسىُّ، ويزيدُ بنُ هارونَ، وعفانُ بنُ مسلمٍ، عن حمادِ بنِ سلمةً بإسنادِهِ مثلَه(٣) . القبس (١) ينظر مصنف عبد الرزاق (١٤٥٣، ١٤٦٥، ١٤٦٩)، ومصنف ابن أبى شيبة ٣٩٢/١، ٣٩٣، الأوسط لابن المنذر (٧٣١). (٢) أخرجه البيهقى ٤٣١/٢ من طريق محمد بن بكر به، وهو فى سنن أبى داود (٦٥٠)، وأخرجه البيهقى ٤٣١/٢ من طريق موسى بن إسماعيل به . (٣) أخرجه ابن خزيمة (١٠١٧)، وابن المنذر (٧٣٢)، وابن حبان (٢١٨٥) من طريق أبى الوليد = ٥١٨ الموطأ التمهيد ورواه حمّادُ بنُ زیدٍ ، عن أيوب ، عن أبی نَضْرَةَ مرسلاً ) . ورواه أبان ، عن قتادة، عن بكرِ المزنيّ، عن النبيِّ وَلِ مثلَهُ(١). ففى هذا الحديثِ ما يَدُلُّ على جوازِ صلاةٍ مَن صلَّى وفى ثوبِه نجاسةٌ ، إذا كان ساهيًا عنها غيرَ عالم بها، على ما ذهب إليه هؤلاء من التابعين وغيرِهم، وفى ذلك دليلٌ على أن غَسْلَ النجاساتِ ليسَ بِفَرضٍ، واللهُ أعلمُ . وقد احتځّ بعضُ أصحابنا بحديث ابن مسعودٍ ، أن رسولَ اللهِ ێ لما وضَع ◌ُقبةُ بنُّ أَبِى مُعَيِطِ سَلَى(٢) الجَزُورِ على ظهرِهِ وهو يُصلِّى، فلم يَقطَع لذلك صلاتَهُ(٤) . كان ذلك دليلاً على أن النجاسةَ ليس بفرضٍ غَسْلُها، ولو سَلِم له ظاهرُ هذا الحديثِ بأن يكونَ السَّلَى من جزورٍ غيرِ مُذكَّى، لَمَا كان غَسْلُ النجاساتِ سنَّةً ولا فرضًا، وقد أجمعوا أن من شرطِ الصلاةِ طهارةَ الثيابِ والماءِ والبدنِ (°والموضع"، فدلَّ على نشخ هذا الخبرِ، وفى هذا الحديث ٥) نظرٌ . القبس = به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٤١٧/٢، وأحمد ٢٤٢/١٧ (١١١٥٣)، وابن خزيمة (١٠١٧) من طريق يزيد بن هارون به، وأخرجه ابن أبى شيبة ٤١٨/٢ من طريق عفان به. (١) ذكره ابن أبى حاتم فى العلل ١٢١/١ عن حماد به. (٢) أخرجه أبو داود (٦٥١)، والبيهقى ٤٣١/٢ من طريق أبان به. (٣) السلى: الجلد الرقيق الذى يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفا فيه ، وهو فى الماشية : سَلى، وفى الناس : مَشيمة. النهاية ٣٩٦/٢. (٤) أخرجه الطيالسى (٣٢٣)، والبخارى (٢٤٠، ٣١٨٥، ٣٨٥٤)، ومسلم (١٧٩٤). (٥ - ٥) سقط من: م. ٥١٩ الموطأ التمهيد وقد رُوىَ عن ابنِ مسعودٍ فى ذلك نحوُ حديثٍ أبى سعيد الخدرىِّ. حدَّثنا سعيدُ بنُ نَصَرٍ ، حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، حدَّثنا أبو بكرٍ ابنُّ أبى شيبةَ، حدَّثنا أبو غشَانَ مالكُ (١) بن إسماعيلَ النَّهدئُّ() ، عن زُهیرِ بنِ معاويةً، قال: أخبرنا أبو حمزةَ(١) ، عن إبراهيم بن يزيدَ، عن علقمةً، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: خلَع النبىُّ وَلِّ نعلَيْه وهو يُصلِّى، فخلَع مَن خلفَه، فقال: ((ما حمَلكم على خَلعِ نِعالِكم؟)). قالوا: يا رسولَ اللهِ ، رأيناك خلَعتَ فخلَعْنا. قال: ((إِن جبريلَ أخبرنى أن فى إحداهما قَذَرًا، فإنما خلَعتُهما لذلك، فلا تخلَُّوا نِعالكم))(٤). وأما قولُ مَن قال بالإعادةِ فى الوقتِ لمَن صلَّى بثوبٍ نجسٍ ، فإنما ذلك استحبابٌ واستحسانٌ لِيُذْرِكَ فضلَ الشُّنةِ والكمالَ فى الوقتِ، على ما تقدَّم ذ کژنا له . وروَى حمادُ بنُ زيدٍ، عن هشامٍ بنِ حسَّانَ والأشعثِ الحُمرانِيٌّ، أن الحسنَ كان يقولُ : إذا رأی فی ثوبه دمًا بعدما صلَّى أنه يُعيدُ ما كان فى الوقتِ ، القبس (١) فى النسخ: ((خالد)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تهذيب الكمال ٨٦/٢٧. (٢) فى م: ((النمرى)). (٣) فى م: ((ضمرة)). وينظر تهذيب الكمال ٢٣٧/٢٩. (٤) ابن أبى شيبة فى مسنده (٣٣٤)، وأخرجه البزار (١٥٧٠)، والطحاوى فى شرح المعانى ١/ ٥١١، والطبرانى (٩٩٧٢) من طريق أبى غسان به. ٥٢٠