Indexed OCR Text

Pages 181-200

٧٢ - وحدّثنى عن مالك، عن نافعٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ بالَ الموطأ
بالسوق ، ثم توضّأ، فغسل وجهه ویدیه، ومسح برأسه، ثم دُعِىَ
لجِنازةٍ لِيُصلِّىَ عليها [١٣و] حين دخل المسجدَ، فمسح على خفَّتْهِ،
ثم صلَّى عليها(١).
٧٣- وحدّثنى عن مالك ، عن سعيد بنِ عبد الرحمنِ بنِ رُقَیْشِ ،
أنه قال : رأيتُ أنسَ بنَ مالكٍ أتى قُباءً، فبال، ثم أُتِى بوَضوءِ فتوضَّأ ،
فغسَل وجهَه ويَدَيه إِلى المِرْفَقين، ومسَح برأسِه، ومسح على
الخُفَّين، ثم جاء المسجدَ فصَلَّى(٢).
وقد رُوِىَ المسح على الخُفَّين أيضًا عن سَعْدٍ بن أبى وقَّاصٍ، عن النبيِّ وَ لِّ التمهيد
من طُرُقٍ (١) . وقد ذكرنا طُرُقَ المسح على الخُفَّين والقائِلِين به من الصَّحابةِ ومَن
بعدَهم مُسْتَوْعَبًا فى بابِ ابنِ شِهابٍ (٢) ، والحمدُ للهِ .
وأمَّا حديثُ ("ابنِ عمرَْ) فى تأخيرِهِ المسحَ على خُفَّيه حينَ بالَ فى السوقِ الاستذكار
وتَوضَّأ ، فمَحمولٌ عندَ أصحابِنا على أنه نسِى ، لا أنه تعمَّد تَبْعیض وضوئِه ، وهو
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن الشيبانى (٥٠)، ورواية أبى مصعب الزهرى (٨٩). وأخرجه
محمد بن الحسن الشيبانى فى الحجة ٣٣/١، والشافعى فى الأم ٢٢٦/٧ من طريق مالك به .
(٢) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٤٨)، ورواية أبى مصعب الزهرى (٩٠) ، وأخرجه محمد بن
الحسن الشيبانى فى الحجة ٣٤/١، والشافعى فى الأم ٢٢٦/٧ من طريق مالك به .
(٣) أخرجه أحمد ٢٤٩/١ (٨٨)، والبخارى (٢٠٢)، والنسائى (١٢١)، وغيرهم.
(٤) تقدم ص١٢٨، وما بعدها .
(٥ - ٥) فى ص، م: ((مالك)).
١٨١

الموطأ
قال يحيى: وسُئِل مالكٌ عن رجلِ توضَّأ وضوءَ الصلاةِ، ثم لَبِس
خُفَّيه، ثم بال ، ثم نزَعهما، ثمٍ رَدَّهما فى رْلَيه، أيَستَأْنِفُ الوضوءَ؟
فقال: لِيَنْزِعْ خُفَّيه، ثم لْيَتَوضأ، ولْيَغْسِلْ رِجْلَيه، وإِنما يَمْسَحُ على
الخُفَّيْن مَن أَدْخَلَ رْلَيه فى الخُفَّين وهما طاهرتان بطُهْرِ الوضوءِ ، وأمَّا
من أَدْخَلِ رْلَيه فى الخُقَّين وهما غيرُ طاهرَتَيْن بطُهرِ الوُضوءِ، فلا
يَمْسَحُ على الخُفَّين .
قال: وسُئِل مالكٌ عن رجلٍ تَوَضأ وعليه خُفَّاه، فسَها عن المسح
على الخُفَّين، حتى جَف وَضوؤه وصَلَّى، قال: لِيَمْسَح على خُقِّيه،
ولْيُعِدِ الصلاةَ ، ولا يُعِيدُ الوضوءَ .
وسُئِل مالكٌ عن رجلٍ غسَل قَدَميه، ثم لَيِس ◌ُخُفَّيه، ثم استَأَنَف
الوضوءَ، فقال: لِيَنْزِعْ خُقِّيه، ثم لْيَتَوَضأُ، ولْيَغْسِلْ رِجْلَيه .
الاستذكار
محتمِلٌ لذلك . وليس فى حديث أنسٍ موضعٌ للقولِ غيرَ المسحِ فى الحضرِ ،
والبابُ كلُّهُ يَدُلُّ عليه .
سُئل مالكٌ عن رجلٍ توضَّأ وعليه خُفَّه، وسَها عن المسحِ عليهما حتى
جفَّ وَضوؤُه وصلَّى، قال: ليمسح على خُقَّيه، ولْيُعدِ الصلاةَ، ولا يُعدِ
الوضوءَ. هذا لأَن تَبعيضَ الوُضوءِ عندَه سهوًا لا يضرُّه، ولو تعمَّد ذلك ابتدَأ
الوضوءَ. وهذا أصلٌ قد تكوّر القولُ فيه(١) .
القبس
(١) ينظر ما تقدم فى ٤١٨/٢.
١٨٢

الموطأ
العملُ فى المسحِ على الخُفَّين
٧٤ - [١٣ ] حدَّثنى يحيى، عن مالك، عن هشام بنِ عُروةَ، أنه
رأى أباه يَمسَحُ على الخُفَّين .
قال: وكان لا يَزِيدُ إِذا مسح على الخُفَّين على أن يَمسَحَ
ظهورَهما ، ولا يَمسَحُ بطونَهما .
٧٥- وحدَّثنى عن مالكِ، أنه سأل ابنَ شهابٍ عن المسح على
الخُفَّين كيف هو؟ فأدخَل ابنُ شهابٍ إحدَى يديه تحتَ الخُفِّ،
والأُخرى فوقَه، ثم أَمَّهما .
الاستذكار
بابُ العملِ فى المسحِ على الخُفَّينِ
مالكٌ ، عن هشام بن عروةَ ، أنه رأَى أباه يَمسح على الخُفَّين. قال: وكان
لا يزيدُ إذا مسح على الخُفَّين، أن يَمسحَ ظهورَهما، ولا يَمسحُ بطونَهما (١).
مالكٌ ، أنه سأل ابنَ شهابٍ عن المسح على الخُفَّين كيف هو ؟ فأدخل ابنُ
شهابٍ إِحدَى يدَيه تحتَ الخُفِّ والأخرى فوقَه، ثم أمَرَّهما. قال مالكٌ: وقولُ
ابنِ شهابٍ أحبُّ ما سمعتُ إِلىَّ فى ذلك(٢).
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٥١)، ورواية أبى مصعب الزهرى (٩٣).
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب الزهرى (٩٤)، وأخرجه البيهقى ٢٩١/١ من طريق مالك به.
١٨٣

الموطأ
قال يحيى : قال مالكٌ: وقولُ ابنِ شهابٍ أُحَبُّ ما سَمِعتُ إِلىّ فى ذلك.
الاستذ کار
ولم يختلفْ قولُ مالكٍ أن المسح على الخُفَّين على حسَبٍ ما وصَف ابنُ
شهاب، و(١) أنه لا يَرَى الإعادةَ على مَن اقتصر على مسحٍ ظهورِ الخُفَّين إلا فى
الوقتِ ، فَمَن فعَل ذلك وذكّر فى الوقتِ ، مسَح أعلاهما وأسفلَهما، ثم أعاد
تلك الصلاةَ فى الوقتِ . وهو قولُ ابنِ القاسمِ وجمهورٍ أصحابٍ مالك ، إلا ابنَ
نافع ؛ فإنه رأى الإعادةَ على مَن فَعَل ذلك فى الوقتِ وبعدَه، وكلُّهم يقولُ: مَن
مسَح بُطونَهما دونَ ظهورِهما - يعنون أسفلَهما دونَ أعلاهما - أعاد أبدًا . إلا
أشهب ؛ فإنه لم ترَ الإعادةَ مِن ذلك أيضًا إلا فى الوقت . وقد ژُوی عن بعضٍ
أصحابِ الشافعيّ أنه أجازَ المَسحَ على باطنِ الخفِّ دونَ ظهرِهِ قياسًا على
ظهرِه " . وأما الشافعىُ، فقد نصَّ أنه لا يُجزِئُهُ(٣) المسح على أسفلِ الخفّ،
ويجزُّه على ظهره فقط .
ويُستحبُّ أَلَّا يُقصِرَ أحدٌ عن مسح (٤) ظهورِ الخُفَّين وبطونِهما معًا؛ لقولٍ(٥)
مالكِ ، وابنٍ شهابٍ، وهو قولُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ. ذكّر عبدُ الرزاق(٦) ، عن ابنٍ
جريجٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنه كان يَمسحُ ظهورَ خُفَّيه وبطونَهما . ورواه
القبس
(١) فى ص، م: ((إلا)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، م. وهذا القول هو قول أبى إسحاق المروزى. ينظر المجموع ٥٤٨/١.
(٣) فى ص، م: ((يجوز)).
(٤) سقط من: ص، م.
(٥) فى ص، م: (( كقول)).
(٦) تقدم تخريجه ص ١٦٠ .
١٨٤

الموطأ
الثورىُّ عن ابنِ جريجٍ، ورواه ابنُ وهبٍ، عن أسامةً بنِ زيدٍ، الاستذكار
عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنه كان يمسحُ أعلاهما وأسفلَهما(١). وذكّر
الزُّبيدىُّ، عن الزهرىِّ، قال: "إنما هما" بمنزلةٍ رجلَيك ما لم
تخلفهما .
والحُجّةُ لمالكِ والشافعيِّ فى مسح ظهورِ الخُفَّين وبطونِهما معًا حديثُ
المغيرة بن شعبةً، عن النبىِّ وَلِّ، أَنَّه كان يمسحُ أعلى الخُفِّ وأسفله . رواه ثورُ
(٣)
ابنُّ يزيدَ، عن رجاءِ بنِ خَيْرةَ، عن كاتبِ المغيرةٍ، عن المغيرةٍ ، ولم يَسمَعْه
ثورٌ مِن رجاءٍ. وقد بيَّنَا علَّتَه فى ((التمهيدِ))(١).
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه، والثورىُّ: يمسحُ ظُهورَ(٤) الخُفين دونَ
بطونهما . وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ، وداودُ، وهو قولُ علىٍّ بن أبى طالبٍ،
وقيسٍ بنِ سعدِ بنِ عُبادةَ ، والحسنِ البصرىِّ، وعروةَ بنِ الزبيرِ ، وعطاءِ بنِ أبى
رباحٍ، وجماعةٍ .
والمحجّةُ لهم ما ذكره أبو داودَ ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُّ العلاءِ، قال: حدَّثَنَا
القبس
(١) تقدم ص١٦٢ .
(٢ - ٢) فى الأصل: ((إنهما)).
(٣) فى ص، م: ((زيد)). وينظر تهذيب الكمال ٤١٨/٤.
(٤) فى ص، م: ((ظاهر)).
(٥) بعده فى الأصل: ((وسعد)) ..
١٨٥

الموطأ
الاستذكار حفصُ بنُ غِيَاتٍ، عن الأعمشِ، عن أبى إسحاقَ، عن عبدِ خيرٍ، عن علىِّ
قال: لو كان الدينُ بالرأي لكان أسفلُ الخفِّ أولَى بالمسح مِن أعلاه، وقد
رأيتُ رسولَ اللهِ وَلَه يمسحُ على ظاهرٍ خُفَّيه(١).
وروّى ابنُّ أبى الزنادٍ ، عن أبيه، عن عروةَ بنِ الزبيرِ ، عن المغيرةِ بنِ شعبةً،
قال: رأيتُ رسولَ اللهِ نَّهِ يمسحُ ظهْرَي الخُفَّينَ(١).
وهذان الحديثان يَدُلَّان على بُطلانٍ قولٍ أشهبَ ومَن تابعَه "فى أنَّه)
يَجوزُ الاقتصارُ فى المسحِ على باطنِ الخُفِّ. ومِن جهةِ النظرِ ظاهرُ
الخُفِّ فى حكم الخُفِّ، وباطتُه فى حكم النعلِ، ولا يجوزُ المسح على
النعلَين، وأيضًا، فإن المُحرِمَ لا فديةً عليه فى النعلَين يلبسُهما، ولا فيما
له أسفلُ ولا ظهرَ له مِن الخُفِّ، ولو كان لخفِّ المُحرِمِ ظهرُ قدمٍ ولم
يكنْ له أسفلُ لزِمته الفِذْيةُ، فدلَّ على أن المُراعَى فى الخُفِّ ما
يَسترُ ظهرَ القَدم، وهو المُراعَى فى المسحِ، واللهُ أعلمُ.
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٦٥ .
(٢ - ٢) فى ص: ((لأنه))، وفى م: ((أنه)).
(٣ - ٣) فى ص، م: ((ظهور القدمين)).
١٨٦

الموطأ
ما جاء فى الژعافٍ
٧٦ - حدَّثنى يحيى ، عن مالكِ، عن نافعٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ
كان إذا رعَف ، انصرَف فتوضَّأَ، ثم رجَع فبنى، ولم يتكلَّمْ .
الاستذكار
ما جاء فى الزعافِ(١)
مالكٌ، عن نافع، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان إذا رَعَف انصرَف فتوضَّأ، ثم
رجَع فبنَى ولم يتكلّمْ(٢).
القبس
باب ما جاء فى الُّعَافِ
قال مالكٌ رحِمه اللهُ بالبناءٍ (١) فى الُعَافِ . وهى مسألةٌ معضِلةٌ ليس فى المذهبِ
أشكلُ منها، وردّها عامةُ الفقهاءِ إلا أبا حنيفةً فإنه قال: يَنِى فيها وفى الحدّثِ
كلّه (4) ، ووقَع مثلُ مذهبٍ أبى حنيفةَ لأُشهبَ ، فأما البناءُ فى الحدثِ كلِّه فإنما يُتْنَى
على أصلٍ؛ وهو القولُ بتبعيضٍ الصلاةِ فى الصحةِ، وقد قال الشافعىُّ: إذا رأى
المصلِّى حريقًا أو غريقًا، أُطفَاه واسْتَنْقَذه وبنى على صلاتِه. وخالَفه مالكٌ
(١) الرعاف: الدم الخارج من الأنف. التاج (رع ف).
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب الزهرى (٩٥). وأخرجه الشافعى ١٠٥/١ (٩٤)، وابن المنذر فى
الأوسط (٦١)، والبيهقى ٢٥٦/٢ من طريق مالك به .
(٣) فى م: ((البناء)).
(٤) ينظر تفضيل مذهب الأحناف فى الحجة على أهل المدينة للشيبانى ٦٦/١ - ٧١.
١٨٧

٧٧ - وحدَّثنى عن مالكِ، أنه بلغه أن عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ كان
الموطأ
يَرعُفُ، فيَخرُجُ فيغْسِلُ الدمَ عنه، ثم يرجِعُ فيَبنى على ما قد صلَّى.
٧٨ - وحدَّثنى عن مالك، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ قُسَيْطِ اللّيثيّ،
أنه رأى سعيدَ بنَ المسئَّبِ رعَف وهو يُصَلَّى، فأَتَى حجرةً أُمِّ سلمةً زوج
مالكٌ ، أنه بلغه أن عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ كان يَرْعُفُ ، فيَخرُجُ فيَغْسِلُ الدمَ عنه،
الاستذكار
ثم يَرجِعُ فيثنى على ما قد صلَّى (١).
مالكٌ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ قُسَيطِ الليثىِّ ، أنه رأى سعيدَ بنَ المسئَّبِ
رعَف وهو يصلِّى، فَأَتَى حجرةَ أمّ سلمةً زوج النبيِّ وَلِّ، فَأَتِى بِوَضُوءٍ فتوضَّأ ،
ثم رجَع فبنَى على ما قد صلَّى(٢) .
القبس
وأبو حنيفةَ، والأصولُ كما ترَى متعارضةٌ. والصحيحُ أن الصلاةَ تَبْطُلُ بِطَرَيانٍ(٢)
الحدث ، وبالاشتغال مع الحریقِ والغريقِ وما أشبهه، وليس لعلمائنا(٤) متعلَّق قوی فی
البناءِ فى الُّعَافِ إلا حديثُ ابنِ عمرَ، وابن عباسٍ، ويَتبنى على أصلٍ من أصولٍ
الفقهِ؛ وهو : أن الصاحبَ إذا أفتى بخلاف القياسِ هل يكونُ أصلًا يُرْجَعُ إليه أم
لا؟ والصحيح أنه لا يُوْجَعُ إليه. ولضعفِ المسألةِ اسْتَحَبَّ مالكٌ رحِمه اللهُ
للرَّاعِفِ أن يتكلمَ ولا يَتَنِىَ، وعلى ضعفِها فقد أكثَرتِ المالكيةُ التفريعَ فيها ، وليست
عندِى من المسائلِ التى يُعَوَّلُ عليها، فإنه ليس فيها نصٌّ ولا لها نظيرٌ.
(١) الموطأ برواية أبى مصعب الزهرى (٩٦). وأخرجه البيهقى ٢٥٧/٢ من طريق مالك به.
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب الزهرى (٩٧). وأخرجه البيهقى ٢٥٧/٢ من طريق مالك به .
(٣) فى م: ((بطرقان)).
(٤) فى ج، م: ((للعلماء بناء)).
(٥ - ٥) فى م: ((ولا يصح)).
١٨٨

النبىّ ◌َِّ، فَأَتِىَ بوَضوءِ فتوضَّأ، ثم رَجَع فبنَى على ما قد صلَّى.
الموطأ
فى هذا البابٍ وجوةٌ مِن الفقهِ اختلف العلماءُ فيها قديمًا وحديثًا؛ منها الاستذكار
الزعافُ ، هل هو حَدَثٌ يوجبُ الوضوءَ للصلاةِ أم لا؟ ومنها بناءُ الراعفِ على ما
قد صلَّى. ومنها بناءُ المُحدِثِ أىَّ حَدَثٍ كان إذا نزَل بالمصلِّ بعدَ أن صلَّى
بعض صلاته فانصرف فتوضَّأ ؛ هل یینی علی ما صلَّی أم لا ؟ ونحن نوردُ ذلك فى
هذا البابِ مختصرًا كافيًا بعونِ اللهِ إن شاء. فأولُ ذلك قولُه عن ابنِ عمرَ: إنه لما
رعَف انصرف فتوضَّأ . حمَله أصحابنا على أنه غسل الدمَ ولم يتكلم ، وبنى على
ما صلَّى، قالوا: وغسلُ الدمِ يُسمَّى وُضوءًا؛ لأنه مشتقٌّ مِن الوَضاءةِ وهى
النظافةُ. قالوا: فإذا احتَمل ذلك لم يكنْ لمَن ادَّعى على ابنِ عمرَ أنه توضَّأ
للصلاةِ فى دَعْواه ذلك حُجّةٌ؛ لاحتمالِهِ الوجهين. وكذلك تأؤَّلوا حديثَ
سعيد بن المسيّب ؛ لأنه قد ذكر الشافعىُّ وغيره عنه أنه رعَف فمسحه بصوفةٍ ،
ثم صلَّى ولم يتوضأ. قالوا: ويوضحُ ذلك فعلُ ابنٍ عباسٍ ؛ أنه غسَل الدمَ
عنه وصلَّى. وحملُ أفعالِهم على الاتفاقِ منهم أولَى.
وخالفَهم أهلُ العراقِ فى هذا التأويلِ ، فقالوا : إن الوُضوءَ إِذا أُطلق ولم يُقِيَّدْ
بغسلٍ دمٍ أو غيرِه، فهو الؤُضُوءُ المعلومُ للصلاةِ ، وهو الظاهرُ مِن إطلاقِ اللفظِ ،
مع أنه معروفٌ مِن مذهبٍ ابنِ عمرَ ومذهبٍ أبيه عمرَ رضِىَ اللهُ عنهما إِیجابُ
الوُضوءِ مِن الرعافِ، وأنه كان عندَهما حدثًا مِن الأحداثِ الناقضةِ للوضوءِ ، إذا
كان الإِعافُ ظاهرًا سائلًا، وكذلك كلُّ دم سالَ مِن الجسدِ وظهَر .
ذكر ابنُ أبى شيبةً(٢) قال: حدثنا هشیم، قال : أخبرنا ابنُ أبی لیلی، عن
القبس
(١) ابن أبى شيبة ١٩٤/٢، ١٩٥.
١٨٩

الموطأ
الاستذكار نافع، عن ابن عمرَ، قال: مَن رعَف فى صلاته فلينصرِفْ فليتوضأ، فإن لم
يتكلّمْ بنَى على صلاتِه، وإن تكلّم استأَنَف الصلاةَ .
وذكَر عبدُ الرزاقِ(١) ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ،
قال : إذا رعَف الرجلُ فى الصلاةِ، أو ذرَعه القَىْءُ، أو وجَد مَذْیًا ، فإنه ينصرفُ
فیتوضَّأُ .
وقال الزهرىُّ: الرّعافُ والقَىءُ سواءٌ، يتوضأُ منهما ، ويَبنى ما لم يتكلَّمْ(٢).
وذکر عبد الرزاق () ، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبيرٍ ، أنه سمِع
سعيدَ بنَ المسيبِ يقولُ : إن رعَفتَ فى الصلاةِ ، فاشدُدْ مَنْخِرَيك، وصلٌ كما
أنت ، فإن خرَج مِن الدمٍ شىءٌ فتوضأُ، وأتِمَّ على ما مضَى، ما لم تتكلّمْ .
قال أبو عمرَ : ذِكْوابنٍ عمرَ للمَذْىِ المُجتمَعِ على أن فيه الوُضوءَ مع القَّىءِ
والُعافِ ، يُوضح لك مذهبه فیما ذكرنا. وژُوِی مثلُ ذلك عن على بنِ أبی
طالبٍ ، وابنٍ مسعودٍ ، وعلقمةً، والأُسودِ ، وعامرٍ الشعبىِّ، وعروةَ بنِ الزييرِ ،
وإبراهيمَ النَّخَعَىِّ، " وقتادةً، والحكم بنِ عُتَيبةَ، وحمادِ بنِ أبى سليمانَ ،
كلُّهم يَرى الرُّعافَ وكلَّ دمِ سائلٍ مِن الجسدِ حَدَثًا يُوجبُ الوضوءَ للصلاةِ ،
وبذلك قال أبو حنيفةً وأصحابُه، والثورىُّ، والحسنُ بنُّ حىٍّ، وُبيدُ اللهِ بنُ
القبس
(١) عبد الرزاق (٣٦٠٩).
(٢) عبد الرزاق (٣٦١١).
(٣) عبد الرزاق (٣٦١٤).
(٤ - ٤) سقط من: ص، م.
١٩٠

الموطأ
الحسنِ، والأوزاعىُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وإسحاقُ بنُ راهُويه فى الرُّعافِ، الاستذكار
والفِصَادةِ، والحجامةِ، وكلُّ نَجِسٍ خارج مِن الجسدِ، يَرَونه حَدَثًا يَنقُضُ
الطهارةَ ويوجِبُها على مَن أراد الصلاةَ(١) . فإن كان الدمُ يسيرًا غيرَ خارجٍ
ولا سائلٍ، فإنه لا يَنقُضُ الوُضوءَ عندَ جميعِهم، ولا أعلمُ أحدًا أو جَبَ
الوُضوءَ مِن يسيرِ الدمٍ إلا مجاهدًا وحدَه، واللهُ أعلمُ. وقد احتجَّ أحمدُ بنُ
حنبل فى ذلك بأن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ عصَر بثْرةً، فخرج منها دمٌ ففتَله بیدِه،
ثم صلَّى ولم يتوضأ .
(" قال ابنُ عباسٍ: إذا فحُش(٣) . وقال أحمدُ : وعبدُ اللهِ بنُّ أبى أوفَى بصَق
دمًا ثم صلَّى ولم يتوضَّأ) .
قال أبو عمرَ: قد ذكّرنا الخبرَ عنِ ابنِ عمرَ ، وعن ابنِ أبی أوفَی بالإسنادِ
عنهما فى ((التمهيدِ)) (٤)، وفى ((الموطأً))(٥) عن سعيدِ بنِ المسيبِ ، وسالمٍ بنٍ
عبدِ اللهِ فى الدمِ اليسيرِ الخارجِ مِن الأنفِ، إذا غلَبه بالفَتْلِ حتى لا يقطرَ ولا
يسيلَ - نحوُ ذلك. ومعلومٌ مِن مذهبٍ سالم أنه كمذهبٍ أبيه فى الرُّعافِ .
وذكر ابنُ أبى شيبةً(١) قال: حدَّثَنَا مُعتَمِرُ بنُ سليمانَ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ
القبس
(١) ينظر مصنف عبد الرزاق ٣٣٨/٢ - ٣٤٢، ومصنف ابن أبى شيبة ١٩٤/٢ - ١٩٦، والأوسط
لابن المنذر ١٦٩/١.
(٢ - ٢) سقط من: ص، م.
(٣) أخرجه ابن المنذر فى الأوسط (٦٤).
(٤) سيأتى ص٥٠٦ .
(٥) الموطأ (٧٩، ٨٠) .
(٦) ابن أبى شيبة ١٩٥/٢.
١٩١

الموطأ
الاستذكار عمرَ، قال: رأيتُ سالمَ بنَ عبدِ اللهِ صلَّى ركعةً مِن صلاة الغداةِ ، ثم رغَف ،
فخرَج فتوضَّأ، ثم جاء فبنَى على ما صلَّى .
واحتجّ مَن رأَى الدمَ السائلَ مِن الجسدِ ينقضُ الوضوءَ بحديثٍ مرفوعٍ مِن
حديثٍ عائشةً لا يُثبتُه أهلُ الحديثِ ، ولا له إسنادٌ تجبُ به حُجَّةٌ، واحتجُوا أيضًا
بقول النبيِّ وَ﴿ للمستحاضةِ: ((إنما ذلكِ عِرْقٌ وليس بالحيضةِ، فإذا أقبلَت
الحيضةُ فاترُكى الصلاةَ، فإذا ذهبَت فاغتسِلى وصلِّى وتوضَّئِى لكلِّ صلاةٍ))(١).
قالوا: فأوجَب رسولُ اللهِ وَّله الوضوءَ على المستحاضةِ مِن دمِ العِرقِ
السائلِ، فكذلك كلُّ دمٍ يَسيلُ مِن الجسدِ .
قال أبو عمرَ: قولُه فى المستحاضةِ: ((وتوضَّئى لكلِّ صلاةٍ)). لفظّ قد
اختلف فيه نقَلةُ ذلك الحديثِ ، وسنذكره فى بابِ المستحاضةِ ، إن شاء اللهُ .
وأمَّا مذهب أهل المدينة ، فقال مالك : الأمرُ عندنا أنه لا يُوضاًمِن رُعافٍ ، ولا
قَئء، ولا قَئِحِ ، ولا دميَسيلُ مِن الجسدِ ، ولا يُوضاً إلا مِن حدثٍ يخرجُ مِن ذکرٍ
أو دُبُرٍ ، أو نومٍ . وهذا قولُهفى ((موطئه))(٢)، وعليه جماعةُ أصحابه ، و کذلك الدم
عندَه يخرجُ مِن الدُّبُرِ لا وضوءَ فيه، ولا وضوءَ عندَه إلا فى المُعتادَاتِ مِن الخارجِ
مِن المخرجَين، على ما تقدَّم عنه فى بابِهِ مِن هذا الكتابِ (١) . وإليه ذهَب داودُ .
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٣٣).
(٢) تقدم فى ٤٦٥/٢ .
(٣) تقدم فى ٤٧٦/٢ - ٤٧٨ .
١٩٢

الموطأ
وقولُ الشافعيّ فى الرُّعافِ، والحجامةِ، والفَصْدِ، وسائرِ الدماءِ الخارجةِ الاستذكار
مِن الجسدِ كقولٍ مالكٍ سواءً، إلا ما يَخرجُ مِن المخرجَين ؛ القُبُلِ والدبرِ، فإنه
عندَه حَدَثٌ يَنقضُ الوضوءَ، وسواء كان الخارجُ مِن المخرجين دمًا()، أو
حصاةً ، أو دُودًا ، أو بولًا ، أو رجيعًا، على ما تقدَّم أيضًا مِن مذهبه فى موضعهفى
هذا الكتاب (١) . ومِن حُجّتِه فى ذلك ، أن دمَ العرقِ فى المستحاضة إنما وجَب
فيه الوضوءُ؛ لأنه خرَج مِن المخرجِ، وكلُّ ما خرَّج مِن سبيلِ الغائطِ والبولِ ففيه
الوُضوءُ. قال: ولا يَجوزُ قياسُ سائرِ الجسدِ على المخرجَين؛ لأنهما
مخصوصان فى الاستنجاءِ بالأحجارِ، وبأنهما ( سُبُلُ الأحادِثِ المجتمع
عليها، وليس سائر الجسدِ (٢ يُشْبِهُها، ولا له علتُها" .
وممن كان لا يرى فى الدماء الخارجة من غيرِ المخرجين وُضوءًا طاوسٌ،
ویحیی بنُ سعیدِ الأنصاریُّ ، وربیعةُ بنُ أبی عبد الرحمنِ، وأبو الزنادِ ، وبه قال
أبو ثورٍ. " وقال يحيى بن سعيدٍ: ما أعلمُ على الراعفِ وُضوءًا. قال: وهذا الذى
عليه الناسُ . والحُبَّةُ لأُهلِ المدينةِ ومن قال بقولهم؛ أن الوضوءَ
المجتمَعَ عليه لا يجبُ أن يُحكَمَ بنقضِه إلا بحَُّةٍ مِن كتابٍ، أو سُنَّةٍ لا
القبس
(١) فى ص، م: ((ماء)).
(٢) ينظر ما تقدم فى ٤٧٧/٢ .
(٣ - ٣) فى ص، م: ((سبيلا الأحداث)).
(٤ - ٤) فى م: ((يشبههما)).
(٥ - ٥) سقط من: ص.
١٩٣
( موسوعة شروح الموطأ ١٣/٣)

الموطأ
معارضَ "لها مِن مثلها)، أو بإجماع مِن الأمةِ. وذلك معدوم فيما وصَفنا،
الاستذکار
واللهُ أعلمُ .
وأما بناءُ الراعفِ علی ما صلَّی ما لم يتكلم، فقد ثبت ذلك عن عمرَ،
وعلىٍّ، وابنٍ عمرَ، ورُوِى عن أبى بكرٍ أيضًا، ولا مخالفَ لهم فى ذلك مِن
الصحابة إلا المسورَ بنَ مَخْرمةً وحدَهُ(١) . ورُوِى أيضًا البناءُ للراعفِ على ما
صلَّى ما لم يتكلم عن جماعةِ التابعين بالحجازِ والعراقِ والشامِ، ولا أعلم
بينَهم فى ذلك اختلافًا إلا الحسن البصرىَّ، فإنه ذهَب فى ذلك مذهبَ
المسورِ بنِ مخرمةً (١) ؛ أنه لا يبنى مَن استدبَر القبلةَ فى الرعافِ ولا فى
غيرِهِ، وهو أحدُ قولَى الشافعىِّ، واستحبَّ ذلك إبراهيمُ النخعىُّ وابنُ
سیرینَ .
وذكر ابنُ أبى شيبةً(٤) قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا الربيعُ، عن
الحسنِ، قال: إذا استدبر القبلةَ استقبَل، وإن التفتَ عن يمينِه أو شمالِه مضى فى
صلاتِه .
قال وكيع: وحدَّثَنَا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قال : أحبُّ إلىّ فى
الرعافِ إِذا استدبَر القبلةَ أن يستقبِلَ(٤) .
القبس
(١ - ١) فى ص، م: ((لمثلها)).
(٢) ينظر مصنف ابن أبى شيبة ١٩٤/٢.
(٣) بعده فى ص، م: ((إلا)).
(٤) ابن أبى شيبة ١٩٦/٢.
١٩٤

الموطأ
قال ابنُ أبى شيبةً(١) : حدَّثنا هشيمٌ، قال: أنا منصورٌ، عن ابنٍ سيرينَ، الاستذكار
قال: أجمعوا على أنه إذا تَكلَّم استأنَف. قال: وأنا أحبُّ أن يتكلّمَ ويستأنفَ(٢).
وقال مالكٌ: مَن رعَف فى صلاتِهِ قبلَ أن يَعقِدَ منها ركعةً تامةً بسجدتَيها ،
فإنه يَنصرِفُ فيَغْسِلُ الدمَ عنه، ويَرجعُ فيَبتدئُ الإقامةَ والتكبيرَ والقراءةَ، ومَن
أصابَه الرعافُ فى وسَطِ صلاتِه، أو بعدَ أن يَركعَ منها ركعةٌ بسجدتَيها،
انصرَف فغسَل الدمَ عنه، وبنَى على ما صلَّى حيثُ شاء، إلا الجمعةَ، فإنه لا
يُِّمُّها إلا فى الجامع. قال مالكٌ: ولولا خلافُ مَن مضَى، لكان أحبُّ إلىَّ
للراعفِ أن يتكلمَ ويَبتدئَّ الصلاةَ مِن أولِها. قال مالكٌ: ولا يَبنِى أحدٌ فى القَىءِ
ولا فى شىءٍ مِن الأحداثِ، ولا بنى إلا الراعفُ(٣) وحده .
وعلى ذلك جمهورُ أصحاب مالكِ ، ومنهم مَن يَرى أن يَبنىَ الراعفُ على ما
صلَّى، قليلًا كان أو كثيرًا. وعن الشافعىِّ فى الرَّاعفِ روايتان ؛ إحداهما:
بنى. والأُخرى: لا يبنى. وأما البناءُ فى سائرِ الأحداثِ فقال أبو حنيفةً
وأصحابُه: كلُّ حدثٍ سبق المصلِّيَ فى صلاتِه؛ بولا كان، أو غائطًا، أو
رُعاقًا، أو رِيحًا ، فإنه ينصرفُ ويتوضأُ، ويبنى على ما قد صلَّى. وهو قولُ ابنٍ
أبى ليلى ، وبه قال داودُ : يبنى فى كلِّ حدثٍ بعدَ أن يتوضأَ . وليس الرعافُ ولا
القبس
(١) ابن أبى شيبة ١٩٦/٢.
(٢) فى الأصل: ((الرعاف)).
(٣) فى ص، م: ((مضى)).
١٩٥

الموطأ
الاستذكار
القَىُ عندَه حَدَثًا. وهو قولُ الشافعىِّ فى القديم، ثم رجَع عنه فى الكتاب
المصرىِّ. وقال أبو حنيفةً وأصحابُه : مَن أحدث فی ر کوعه أو سجودِه يُعيدُ ما
أُحدَث فيه ولا يَعتدُّ به. قال مالكٌ فى الرُّعافِ: إذا رعَف قبلَ تمامِ الركعةِ
بسجدتیھا ، لم يعتدَّ بها ولم يتنِ عليها . وقال الثوریُّ : إذا كان حَدَثُه مِن رُعافٍ
أو قَىءٍ، توضَّأ وبنَى ، وإن كان حَدَثُه مِن بولٍ أو ريح أو ضحكٍ فى الصلاةِ ، أَعادَ
الوضوء والصلاةَ . وهو قولُ إبراهيم فى روايةٍ . وقال الزهرىُّ : یینی فی الُعافِ
والقَىءٍ خاصةً بعدَ أن يَتوضَّأَ، ولا يبنى فى سائرِ الأحداثِ . وليس الضحكُ فى
الصلاةِ حَدَثًا عندَ الحجازتِّين. وقال الأوزاعىُّ: إن كان حدثُه مِن قَىءٍ أو ريح
توضَّأ و(١)استقبلَ، وإن كان مِن رُعافٍ تَوضَّأُ وبنَى، وكذلك الدمُ كلُّه عندَه مثلُ
الرعافِ . وقال ابنُ شُجْرُمةَ(٢): مَن أحدث انتقَض وضوؤُه، فإن كان إمامًا ، قدَّم
رجلاً فصلَّى بقيةَ صلاتِه، فإن لم يَفعلْ وصلَّى كلُّ رجلٍ منهم(٣) ما عليه أجزأه،
والإمامُ يَتوضأُ ويستقِلُ.
قال أبو عمرَ: قد أجمع العلماءُ على أن الراعفَ إذا تكلّم لم يَيْنِ ، فقضَى
إجماعُهم بذلك على أن المُحدِثَ أحرَى ألَّ يَينِيَ؛ لأن الحَدَثَ إن لم يكنْ
كالكلامِ فى مُباينتِه للصلاةِ، كان أشدّ من الكلام، وهذا واضحٌ إن شاء اللهُ
القبس
(١) فى م: ((أو)).
(٢) عبد الله بن شبرمة بن الطفيل أبو شبرمة، فقيه أهل الكوفة ، عداده فى التابعين، مات سنة أربع
وأربعين ومائة. تهذيب الكمال ٧٦/١٥، والسير ٣٤٧/٦.
(٣) سقط من: ص، م.
(٤) فى م: ((منه)).
١٩٦

العملُ فى الزُّعافِ
الموطأ
٧٩ - حدَّثنى يحيى عن مالك، عن عبد الرحمنِ بنِ حَرْمَلَةً
لمَن أراد هُداه .
الاستذكار
قال أبو عمرَ: رَوَى الكوفيُّون عن علىٍّ، وعن سلمانَ الفارسيِّ رضى اللهُ
عنهما ، فيمَن أَحدَث فى صلاتِه؛ مِن بولٍ، أو ريح، أو قَىءٍ، أو رُعافٍ، أو غائطٍ ،
أنه يتوضأُ ويبنى، إلا أن أكثرَ الأحاديثِ عن علىِّ ليس فيها إلا ذِكرُ القَىءٍ والزعافٍ لا
غيرُ، ولا يَصِحُ عنه البناءُ إلا فى القىءِ والرُّعافِ . وهو قولُ ابنٍ شهابٍ.
قال أبو عمرَ: واحتجَّ بعضُ أصحابنا وأصحابِ الشافعيّ فى هذا البابِ
بحديثٍ شعبةً، عن قتادةَ، عن أبى المُلَيح، عن أبيه، عن النبيِّ وَلِّ، قال: ((لا
يَقبلُ اللهُ صدقةً مِن غُلُولٍ ، ولا صلاةً بغيرِ طُهورٍ )) (١). وبحديثٍ مَعمرٍ ، عن همامِ
ابنِ مُنَّهِ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّةِ: (( لا يقبلُ اللهُ صلاةَ أُحدِ كم
إذا أُحدَث حتى يتوضأ)) (١). وقد نُوزعوا فى تأويلِ ذلك، وباللهِ التوفيقُ.
بابُ(*) العملِ فى الزُّعافِ
مالكٌ، عن عبد الرحمن بنٍ حَرملةَ الأسلمىِّ ، أنه قال : رأيتُ سعيدَ بنَ
المسیپ یرُفُ ، فيخرج منه الدم ، حتى تختضِبَ أصابعُه مِن الدم الذى يخرج
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص ٤٣٣.
(٢) سیأتی تخريجه ص ٣٦٤.
(*) من هنا يبدأ الجزء الثانى من مخطوطة الخزانة العامة بالرباط ، المشار إليها بالرمز (ط) .
١٩٧

الموطأ الأُسْلَمِيِّ، أنه قال: رأيتُ سعيدَ بنَ المسيَّبِ يَرغُفُ فيخرجُ منه الدمُ ،
حتى تَخْتَضِبَ أصابعُه من الدَّمِ الذى يخرجُ من أنفِه، ثم يصَلِّى ولا
يتوضأُ .
٨٠ - وحدَّثنى عن مالك ، عن عبد الرحمن بن المُجبِّ ، أنه رأى
سالِمَ بنَ عبدِ اللهِ يخرجُ من أنفِه الدمُ، حتى تختضِبَ أصابعُه، ثم
يفتِلُه، ثم يصَلَّى ولا يتوضأ .
مِن أنفِه ، ثم يصلِّى ولا يتوضأ .
الاستذكار
مالكٌ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ المُجَبَّرِ ، أنه رأَى سالم بن عبدِ اللهِ يخرُجُ مِن
أنفِه الدمُ، حتى تختضِبَ أصابعُه، ثم يَفِتِلُه، ثم يصلِّى ولا يتوضأُ(٢) .
وقد مضَى فى البابٍ قبلَ هذا ما يغنى عن تَكرارِه فيه، ولا أعلمُ أحدًا
مِن العلماءِ أوجَب الوضوءَ للصلاةِ مِن قليلِ الدمِ الذى يخرجُ مِن الجسدِ ؛
رُعافًا كان أو غيرَه، إلا ما قدَّمتُ لك عن مجاهدٍ، والذين يوجبون الوضوءَ
منه كلُّهم يراعِى فيه أن يغلِبَه فلا يقدرَ على فَتْلِه؛ لسَيَلانِه وظهوره، على ما
تقدَّم .
وقد مضَى مذهبُ مالكِ وغيرِهِ فى هذا البابِ، واللهُ الموفقُ
للصواب .
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب الزهرى (٩٨). وأخرجه البيهقى فى المعرفة (٢١٤) من طريق مالك به.
(٢) الموطأ برواية أبى مصعب الزهرى (٩٩). وأخرجه البيهقى فى المعرفة (٢١٣) من طريق مالك به .
١٩٨

الموطأ
العملُ فيمن غلَبِه الدمُ من مجرحٍ أو رُعافٍ
٨١ - حدَّثنى يحيى، عن مالك، عن هشامِ بنِ عروةً، عن أبيه،
[١٤] أن المِسْورَ بنَ مَخْرَمةً ، أخبره أنه دخل على عمر بن الخطابِ من
والأصلُ عندى فيه أن (١) الوضوءَ المُجتمَعَ عليه لا ينتقضُ بما فيه تنازعٌ الاستذكار
واختلافٌ ، إلا أن تصِعَّ سُنَّةٌ بذلك يجبُ التسليمُ لها . ووجهُ تبويبٍ مالك لهذا
البابِ بعدَ الذى قبلَه ، أنه أعلَم الخلافَ فى البابِ الأولِ، وجعَل هذا البابَ يُبَيِّنُ
لك ما عليه العملُ عندَهم فى الدمِ الخارج مِن الجسد (١) أنه لا وضوءً فيه ، وأنه لو
كان حدثًا لاسْتَوى قليلُه وكثيرُه كسائرِ الأحداثِ، وهذا هو الحقُّ، وباللهِ
التوفيقُ .
بابُ العملِ فيمَن غلَبه الدمُ مِن جُزْحٍ أو رُعافٍ
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، أن المِسوَرَ بنَّ مَخرَمةَ أخبره(*)، أنه
دَخَّل على عمرَ بنِ الخطابٍ مِن الليلةِ التى طُعِن فيها، فأيقَظ عمرَ لصلاةٍ
الصبح، فقال عمر: نعم، ولاحظَّ فى الإسلامِ لِمَن تَك الصلاةَ. فصلَّى عمرُ(٣)
وجرحه يثعَبُ دمًا (*).
القبس
(١) فى م: ((أنه)).
(٢) بعده فى ص، م: ((إلا)).
(٥) من هنا خرم فى المخطوطة (ط) ينتهى فى ص ٤٩٦.
(٣) ليس فى: الأصل.
(٤) الموطأ برواية أبى مصعب الزهرى (١٠١) . وأخرجه البيهقى ٣٥٧/١ من طريق مالك به .
١٩٩

الموطأ الليلةِ التى طُعِن فيها، فأيقَظ عمرَ لصلاةِ الصبح، فقال عمرُ: نَعَم،
ولاحظَّ فى الإسلام لمن ترك الصلاةَ . فصلّى عمر وجرحُه يَتعَبُ دمًا .
الاستذكار
ومعنى يثعَبُ : ينفجِرُ، وانثعَب: انفجَر، وقد ثعَب الماءَ: فَجَّره. قاله
صاحبُ ((العَينِ)).
وحديثُ عمرَ هذا هو أصلُ هذا البابِ عندَ العلماءِ، فيمَن لا يرقَأُ مجرمُه(١)
ولا ينقطعُ رُعاقُه، أنه لابدَّ له مِن الصلاةِ فى وقتِها، إذا أيقَن أنه لا ينقطعُ قبلَ
خروجِ الوقتِ . وليس حالُ مَن وصَفنا حالَه بأكثَرَ مِن سَلَس البولِ والمذي؛ لأن
البولَ والمذىَ متَّفقٌ على أن خروجهما بما وصَفتُ لك فى الصحةِ حَدَثٌ .
وكذلك اختلفوا فى البولِ والمذي الخارِجين لعلةٍ مرضٍ أو فسادٍ، هل
یوجبُ خروجهما الوضوء کخروجهما فى الصحة ؟ وسنذ گژ ذلك فی باپه بعدُ
فى هذا الكتاب إن شاء اللهُ .
وفائدةٌ حديثٍ عمرَ عندَ أصحابِنا أنه صلَّى وجرحُه لا تَرقَاً، ولم يذكُرْ
وضوءًا، وقد نُوزِعوا(١) فيما نزَعوا فيه مِن ذلك، وأجمعوا أنه لا يمنَعُ ذلك من
أداءٍ » الصلاةِ على كلِّ حالٍ .
وذكر عبدُ الرزاقِ(٤)، عن معمرٍ، عن هشام بن عروةً قال: كانت لی
دماملُ ، فسألتُ أبى عنها ، فقال : إذا كانت تَرقَاً فاغِلْها وتوضَّأ، وإن كانت لا
القبس
(١) فى ص، م: (دمه)).
(٢) فى ص، م: ((نزعوا)).
(٣) فى ص، م: ((أراد)).
(٤) عبد الرزاق (٥٧٨) .
٢٠٠