Indexed OCR Text

Pages 41-60

الموطأ
أبو صالح أيوبُ بنُ سليمانَ وأبو عبدِ اللهِ(١) محمدُ بنُّ عمرَ بن لُبابَةَ، قالا: حدَّثنا التمهيد
أبو زيدٍ عبدُ الرحمنِ بنُّ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو عبد الرحمنِ (١) عبدُ اللهِ بنُ یزیدَ
المُقرِئُ، عن عبد الرحمنِ بنِ زيادٍ بنِ أنعُمٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ أبى
عبد الرحمنِ بنِ زيادٍ الحُبْلِىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بنِ العاصى ، أن رسولَ اللهِ
وَلِّه قال: ((أمتى كالمطرٍ لا يُدرَى أولُه خيرٌ أم آخِرُه))(١). وقد رُوِى هذا الحديثُ
عن مالك، عن الزهرىِّ، عن أنس، عن النبيِّ نَّهِ، رواه عنه هشامُ بنُ
عبيدِ اللهِ ، وهشامُ بنُّ عبيدِ اللهِ الرازىُّ هذا ثقةٌ، لا يختلفون فى ذلك .
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، قال: حدَّثنا أبو نصرٍ أحمدُ بنُّ الحسنِ بنِ أحمدَ
السُّجِسْتانىُّ بمصرَ، قال: حدَّثنا أبو علىَّ الرَّفَّاءُ بِهَراةَ، وحدَّثنا خلفُ بنُ
قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدِ بنِ
إدريسَ القَزْوينىُ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُّ المغيرةِ الشّكّریُّ، قال: حدّثنا
هشامُ بنُ عبیدِ اللهِ الرازیُّ ، قال: حدّثنا مالُ بنُ أنس ، عن ابن شهاب، عن
أنسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مثلُ أمتِى مثلُ المطرِ لا يُدَى أولُه خيرٌ أم
(٤)
آخِرُه))(٤).
القبس
(١) بعده فى م: ((بن)).
(٢) بعده فى م: ((بن))، وغير واضح فى الأصل. وينظر تهذيب الكمال ٣٢٠/١٦، ٣٢١.
(٣) أخرجه الطبرانى (٦٥ - قطعة من الجزء ١٣) من طريق عبد الرحمن بن زياد الأفريقى به.
(٤) أخرجه ابن حبان فى المجروحين ٩٠/٣ من طريق جعفر بن محمد بن إدريس به ، والخطيب
١١٤/١١، وابن عساكر ١٦/٤٣ من طريق محمد بن المغيرة السكرى به.
٤١

الموطأ
التمهید
وذكر أبو الحسنِ علىُّ بنُ عمرَ الدارقطنىُّ فی مسندِ حدیثٍ مالكِ له،
فقال: حدَّثنا أبو عليّ حامدُ بنُّ يحيى الهَروىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المغيرةِ
الشُكَّرِىُّ بِهَمَذانَ، قال: حدَّثنا هشامُ بنُ عبيدِ اللهِ الرازىّ، قال: حدَّثنا مالكُ
ابنُ أنسٍ، عن الزهرىِّ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((مَثلُ أمتِى مَثلُ
المطرِ لا يُدرَى أولُه خيرٌ أم آخِرُه)) .
وروَى ابْنُّ مسعودٍ، وابنُ عباسٍ، عن النبيِّ وَِّ، أنه لما تُرِضت الأممُ
عليه، فرأى أمَّتَه سَوادًا كثيرًا فرح، فقيل له: إن لك سوى هؤلاء مِن أمتِك
سبعون ألفًا يدخلون الجنةَ لا حسابَ عليهم. فقال بعضُ أصحابِه لبعضٍ : مَن
ترَوْن هؤلاء؟ فقالوا: ما نُراهم إلا قومًا وُلِدوا فى الإسلامِ، لم يشْرِ كوا باللهِ شيئًا ،
وعَمِلوا بالإسلامِ حتى ماتوا عليه. فبلغ ذلك النبيَّ مَ لتر فقال: ((بل هم الذين لا
يَسْتَرقون، ولا يَكْتَوون، ولا يَتَطيَّرون، وعلى ربّهم يتوكَّلون)». فقال عكّاشةُ:
يا رسولَ اللهِ، ادعُ اللهَ أن يجعلنى منهم. وذكر تمامَ الخبرِ (١). وهذه الأحادیثُ
تقتضِى مع تواترٍ طرقِها وحسنها التسويةَ بينَ أولٍ هذه الأمةِ وآخرِها ، والمعنَى فى
ذلك ما قدَّمنا ذكرَه مِن الإيمانِ والعملِ الصالحِ فى الزمنِ الفاسدِ الذى يُرفَعُ فيه
العلمُ والدينُ مِن أهلِه، ويكثُرُ الفسقُ والهَرْجُ، ويَذِلَّ المؤمنُ، ويَعِزُّ الفاجرُ،
ويعودُ الدينُ غريبًا كما بدَأ، ويكونُ القائمُ فيه بدينه كالقابضٍ على الجمرِ،
فيستوى حينئذٍ أولُ هذه الأمةِ بآخرِها فى فضلِ العملِ ، إلا أهلَ بدرٍ والحديبيةِ،
واللهُ أعلمُ ، ومَن تدبَّ آثارَ هذا البابِ بان له الصوابُ، واللهُ يُؤْتِى فضلَه مَن يشاءُ.
القبس
(١) سيأتى تخريجه فى شرح الحديث (١٨٢٤، ١٨٢٥) من الموطأ.
٤٢

الموطأ
وأما قولُه: ((وأنا فَرَطُكم على الحوضِ)). فالفَرَطُ ( والفارِطُ هو الماشى) التمهيد
المتقدِّمُ أمامَ القومِ إلى الماءِ. قال القُطامِئُّ (١) :
فاستَعْجَلونا وكانوا مِن صحابتِنا كما تعَجَّل قُرَّاطٌ لؤُرَّادِ
(٣)
وقال غيره(٣):
فأَثار فارُهم غَطاطًا بجثَّمًا أصواتُهُ(٤). كتَراطُنِ الفُرْسِ
وقال لبيدٌ(٥) :
وقولُه: ((وأنا فرَطُهم على الحوضِ)). يريدُ عندَ حوضِه، ينتظرُ أَمَّتَه، قالت له القبس
الصحابةُ : كيف تَغْرِفُ أَمَّتَك؟ قال: ((لكم سيماً) ليست لأحدٍ من الأمم غيرَكم؛
تَأْتُون ◌ُوَّا مُحَّلِينَ(١) من أثرِ الوُضُوءِ)). فقيل: الوضوءُ مخصوصٌ بهذه الأمةِ.
وقيل: هو لسائرِ الأممِ لكن خُصَّتْ هذه الأمةُ(١) بتبليج نورِه عليهم؛ لِيَتَمَيَُّوا لنبيِّهم
وَلُّ فِى عَرَصاتِ الموقفِ. وفى هذا الحديثِ تشبيهُ الرجلِ الكريمِ بالخيلِ، كما
(١ - ١) سقط من ص ١٧، وفى ص ١٦، م: ((والمتفارط هو الماشى)).
(٢) ديوانه ص ٩٥.
(٣) البيت فى اللسان (ف ر ط) بغير نسبة.
(٤) فى مصدر التخريج: ((أصواتها)).
(٥) شرح ديوانه ص ١٨٣.
(٦) فى د: ((سيم)). والسيما: العلامة. النهاية ٤٢٥/٢.
(٧) محجلين: أى بيض مواضع الوضوء من الأيدى والوجه والأقدام، استعار أثر الوضوء فى الوجه
واليدين والرجلين للإنسان من البياض الذى يكون فى وجه الفرس ويديه ورجليه. النهاية ٣٤٦/١.
(٨) سقط من: د.
(٩) العرصات: جمع عَوْصة وهى كل موضع واسع لا بناء فيه. النهاية ٢٠٨/٣.
٤٣

الموطأ
التمهيد فورَدْنا قبلَ فُرَّاطِ القَطا إن من وِزْدِىَ تَغْليسَ النَّهَلْ
وقال آخر (١):
ومنهلٍ ورَدْتُه التقاطَا
لم ألقَ إذ ورَدْتُه فُؤَاطًا
إلا القَطا أوابِدًا غَطاطًا
وقال ابنُ هَزْمةً(٢):
ذهَب الذين أُحِبُهم فَرَطَا وبقِيتُ كالمَغَمورِ فى خَلْفٍ()
وقال رسولُ اللهِ وَلِّ حينَ مات ابنُّه إبراهيمُ: ((لولا أنه وعدٌ صادقٌ، وأن
الماضىَ فَرَطٌ لِلباقى))(٤). وقال له أيضًا: ((الْحَقْ بِفرَطِنا عثمانَ بنِ
(٥)
مظعونٍ)) (٥) .
شُبّه(١) الرجلُ اللعيمُ بالحمارِ، وفيه أن الأغرَّ من الخيلِ أشرفُ من البَهيم .
القبس
(١) الأبيات فى الحيوان ٤٣٣/٣ بدون نسبة، ونسبها فى اللسان (ف ر ط) لنقادة الأسدى.
(٢) البيت للأحوص الأنصارى فى شعره ص١٥٩ برواية: ((كالمقمور)).
(٣) بعده فى ص ١٦، ص ١٧، م: ((الفارط السائر إلى الماء أى أغلس ومشى بليل، والنهل الشربة
الأولى)).
(٤) أخرجه ابن سعد ١٤٣/١، وابن ماجه (١٥٨٩)، والطبرانى ١٧٠/٢٤ (٤٣٢) بنحو هذا اللفظ
من حدیث أسماء بنت یزید .
(٥) أخرجه البخارى فى التاريخ الكبير ٣٧٨/٧ معلقا، والطبرانى (٨٣٧) من حديث الأسود بن سريع.
(٦) فى ج: ((يشبه)).
(٧) فى م: ((البهم))، والبهيم: المصمت الذى لا يخالط لونَه لونٌ غيره. ينظر النهاية ١٦٨/١.
٤٤

الموطأ
قال الخليلُ : الغَطاطُ طِيرٌ يُشبِهُ القَطا، والأوابدُ الطيرُ التى لا تَبْرَحُ شتاءً ولا التمهيد
صيفًا من بلدانِها، والقواطعُ التى تقطّعُ من بلدٍ إلى بلدٍ فى زمنٍ بعدَ زمنٍ .
وروَى عن النبيِّ وَلِّ، أنه قال: ((أنا فرَطُكم على الحوضِ)). جماعةٌ من
أصحابِهِ؛ منهم ابنُ مسعودٍ، وجابرُ بنُ سمُرةَ، والصُّنابِحُ بنُ الأعسرِ،
وجندٹ ، وسھلُ بنُ سعدٍ، وغيرهم، وقد ذكّرنا أحادیثَ الحوضِ فی بابٍ
خُبِيبٍ من هذا الكتاب(١) .
وأما قولُه: ((فليُذادَنَّ)). فمعناه: لَيْبِعَدنَّ وَلَيُطِرَدنَّ .
(٢)
قال زهيرٌ(١):
وقولُه: «فلا يُذادنَّ رجالٌ عن حَوْضى)). معجزةً؛ لأنه "أخبر عن٣) مَعنَينٍ(٤)؛ القبس
أحدُهما: ما وقَع من التبديلِ فى الناسِ بعدَ موتِهِ وَّر. والثانى: ما يكونُ من الحكم
فى(٥) القيامةِ مما لا يَعْلَمُهُ غيرُه.
وقولُه: ((فأقولُ: ربِّ، أصحابى)). إشارةً إلى أنه يأخذُهم بالظاهرٍ، ((فيقالُ:
قد بدَّلوا بعدَك. فأقولُ كما قال العبدُ الصالحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ فَلَمَّا
تَوَفَّيْتَنِ كُنْتَ أَنْتَ الَّقِيبَ عَيْهِمَّ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾)) [المائدة: ١١٧].
(١) ستأتى فى شرح الحديث (٤٦٥) من الموطأ .
(٢) البیت فى شرح ديوانه ص ٣٠.
(٣ - ٣) فى ج: ((خبر عن))، وفى م: ((خبر).
(٤) فى م: ((مغيبين)).
(٥) فى ج، م: (يوم)).
(٦) بعده فى ج، م: ((أحد)).
٤٥

الموطأ
يُهَدَّمْ ومَن لا يَظلِمِ الناسَ يُظلَمِ
ومَن لا يَذُد عن حوضه بسلاحه
التمهید
وقال الراجز :
يا أُخَوىَّ نَهنِها وذُودا
إنى أُرَى حوضَكما مَوْرودا
وأما روايةُ يحيى: ((فلا يُذادَلَّ)). على النهى ، فقيل: إنه قد تابعه على ذلك
ابنُّ نافعٍ ومُطرّفٌ . وقد خرَّج بعضُ شيوخِنا معنًى لرواية یحیی ومَن تابعه : أى لا
یفعلْ أُحدٌ فعلاً يُطرَدُ به عن حوضِی . ومما يُشبِهُ روايةً یحیی هذه ويشهدُ لها ما
حدَّثنا سعيدُ بنُّ نَصَرٍ، حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ ، حدَّثنا ابنُ وضَّاحِ، حدّثنا أبو بكرٍ
ابنُ أبى شيبةَ، حدَّثنا هاشمُ بنُّ القاسمِ، حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ
دينارٍ، عن أبى حازمٍ، عن سهلٍ بنِ سعدٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَالتِ: (أنا فرَطُكم
على الحوضِ، مَن وَرَد علىَّ شرِب، ومَن شرِب لم يَظْمأُ أبدًا، أَبْصِروا، لا
يَرِدَن١َّ) علىَّ أقوامٌ أعرِفُهم ويعرِفونى(١)، ثم يُحالُ بينى وبينَهم)) . وهذا فى
معنَى روايةٍ يحيى .
وقد ذكَر البخارىُّ(٤) وغيرُه حديثَ سهلٍ بنِ سعدٍ هذا فقال: ((وليَرِدنَّ علىَّ
الحوضَ قومٌ أعرِفُهم ويعرِفونى ، ثم يُحالُ بينى وبينَهم)).
القبس
(١ - ١) فى ص ١٦: ((انظروا لا يردن)). وفى م: ((ألا ليردن)). وفى مسند الإمام أحمد:
(أبصرتُ أن لا يرد)).
(٢) فى الأصل، م: ((يعرفوننى)).
(٣) ابن أبى شيبة ٤٤١/١١، ٤٤٢، وأخرجه أحمد ٥١٤/٣٧ (٢٢٨٧٣) عن هاشم بن القاسم به .
(٤) البخارى (٧٠٥٠، ٧٠٥١) .
٤٦

الموطأ
أخبرنى أحمدُ بنُ قاسمٍ بنِ عبدِ الرحمنِ ويونسُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مُغِيثٍ ، التمهيد
قالا : حدَّثنا محمدُ بنُّ معاويةً بنِ عبدِ الرحمنِ ، قال : حدَّثنا جعفرُ بنُّ محمدٍ
الفريابيُّ، قال: حدَّثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: أخبرنا مالك، عن العلاءِ بنِ عبدِ
الرحمن، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَلَهُ خرَج إلى المقبرةِ فقال:
(السلامُ عليكم دار قوم مؤمنين، وإنًّا إن شاء الله بكم لاحقون ، ودِدتُ أنی قد
رأَيتُ إِخوانَنا)). قالوا: يا رسولَ اللهِ، ألسنا بإخوانِك؟! قال: ((بل أنتم
أصحابى، وإخواتُنا الذين لم يأتوا بعدُ، وأنا فرَطُهم على الحوضِ)). قالوا : يا
رسولَ اللهِ، كيف تعرِفُ مَن يأتى بعدَك مِن أمتِك؟ قال: ((أرأيتَ لو كانت
لرجلٍ خيلٌ غُرِّ محجَّلةٌ فى خيلٍ دُهمٍ بُهم ، ألا يعرِفُ خيلَه؟)) قالوا : بلى يا رسولَ
اللهِ . قال: ((فإنهم يأتون يومَ القيامةِ غرًّا محجّلين مِن الوضوءِ، وأنا فرَطُهم على
الحوضِ، فَلَيُذادَتَّ رجالٌ عن حوضى كما يُذادُ البعيرُ الضالَّ، أناديهم: ألا
هلمّ ، ألا هلمَّ. فيقالُ: إنهم قد بدَّلوا بعدَك. فأقولُ: فشُحقًا، فشُحقًا)).
وأما قولُه : ((فإنهم يأتون يومَ القيامةِ غرًّا محجّلين مِن الوضوءِ». ففيه دليلٌ
على أن الأممَ أتباعَ الأنبياءِ لا يتوضَّئون مثلَ وضوئِنا على الوجه واليدين
والرجلين ؛ لأن الغرةَ فى الوجهِ ، والتحجيلَ فى اليدين والرجلين ، هذا ما لا مَدفعَ
فيه على هذا الحديثِ ، إلا أن يتأوَّلَ متأوّلٌ هذا الحديثَ أن وضوءَ سائرِ الأُمم لا
یکسُها غرّةً ولا تحجيلا ، وأن هذه الأمةَ بُورك لها فى وضوئها بما أُعطِیت مِن
ذلك؛ شرّفًا لها) ولنبيِّها وَ له كسائرِ فضائلها على سائرِ الأُمم، كما فُضِّل
القبس
(١) فى م: ((دائما)).
٤٧

الموطأ
التمهيد نبيُّها ◌َِّ بالمقام المحمودِ وغيرِهِ على سائرِ الأنبياءِ، واللهُ أعلمُ.
وقد يجوزُ أن يكونَ الأنبياءُ يتوضَّئون فيكسَبون(١) بذلك الغرّةَ والتحجيلَ،
ولا يتوضَّأُ أتباعُهم ذلك الوضوءَ، كما خُصَّ نبيُنَا وَلِّ بأشياءَ دونَ أُمَّتِه؛ منها
نكاح ما فوقَ الأربع، والموهوبةِ بغيرِ صداقٍ ، والوِصالُ، وغيرُ ذلك، فيكونَ
ذلك مِن فضائلِ هذه الأمةِ أن تُشبِهَ كلُّها الأنبياءَ، كما جاء عن موسى عليه
السلامُ أنه قال: أجدُ أمَّةً(١) كلُّهم كالأنبياءِ، فاجعلْها أمتى. قال: تلك أمةُ
أحمدَ . فى حديثٍ فيه طولٌ(٣) .
وحدَّثنا خلفُ بنُ قاسم، حدَّثنا محمدُ بنُّ القاسمِ بنِ شعبانَ ، حدَّثنا محمدُ
ابنُّ العباسِ بنِ أسلم ، حدَّثنا ابنُ أبى ناجيةً ، حدَّثنى زيادُ بنُ يونسَ ، عن مسلمةً
ابنِ عُلَىِّ، عن إسماعيلَ بنِ ) رافعٍ، عن سالمٍ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، سمِعه
يُحدِّثُ عن كعبٍ ، أنه سمع رجلًا يُحدِّثُ ، أنه رأى فى المنامِ أن الناسَ مجمِعوا
للحساب ، ثم دُعِی الأنبياءُ ، مع كلِّ نبئ أمّتُه ، وأنه رأی لکلِّ نبئ نورین یمشی
بينَهما، ولِمَن اتَّبَعه مِن أَمَّتِه نورًا واحدًا يمشى به، حتى دُعِى محمدٌ وَلِّ، فإذا
شعَرُ رأسِه ووجهُه نورٌ كلُّه، يراه كلُّ مَن نظَر إليه، وإذا لِمَن اتَّبَعه مِن أُمَّتِه نوران
كنورِ الأنبياءِ. فقال كعبٌ وهو لا يشعر أنها رؤيا : مَن خبرك بهذا الحديث ، وما
القبس
(١) فى ص ١٦: ((فيكتسبون)).
(٢) فى م: ((أمته)).
(٣) أخرجه ابن عساكر ١١٩/٦١ من حديث أبى هريرة مرفوعا مطولًا .
(٤) فى ص ١٦، م: ((عن)) .
٤٨

الموطأ
علمُك(١) به؟ فأخيَره أنها رؤيا، فناشَده كعبّ اللهَ(١) الذى لا إله إلا هو: لقد التمهيد
رأيتَ ما تقولُ (" فى منامِك)؟ فقال: نعم واللهِ لقد رأيتُ ذلك. فقال كعبٌ:
والذى نفسى بيدِه - أو قال: والذى بعَث محمدًا بالحقِّ - إن هذه لصِفةٌ أحمدَ
وأمَّتِهِ وصِفةُ الأنبياءِ فى كتابِ اللهِ، لكأنما ما قرَأَتَه مِن التوراةِ() .
وقد قيل: إن سائرَ الأُمم كانوا يتوضَّئون . واللهُ أعلمُ. وهذا لا أُعرِفُه مِن
وجهٍ صحيحٍ .
وأما قولُهُ نَّهِ إِذ توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا فقال: ((هذا وُضوئى ووُضوءُ الأنبياءِ
قبلی)) . فحدیثٌ ضعيفٌ ، لا یجیءُمِن وجه صحیح، ولا يُحتجُّ بمثله ، فکیف
أن يُعَارَضَ به مثلُ هذا الحديثِ الذى قد رُوِى مِن وجوهٍ صحاحٍ ثابتةٍ مِن
أحاديثِ الأئمةِ؟! وحديثُ («هذا وضوئى ووُضوءُ الأنبياءِ قبلى )) فإنما يدورُ على
زید بن الحوارئِ العَمِّئ والدِ عبدِ الرحیم بن زيد ، هو انفرد به، وهو ضعيفٌ لیس
بثقةٍ ، ولا ممن يُحتجُ به، وقد اختُلِف عليه فيه أيضًا، فرواه عبدُ اللهِ بنُ عَرَادةَ(٥)،
عن زيد بن الحوارىِّ العمِئِ ، عن معاویةَ بنِ قرةً ، عن عبیدِ بنِ عمیرٍ ، عن أبيّ بنِ
كعبٍ، عن النبيِّ وَل﴿. ورواه عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الوهابِ الحَجَبىُّ، عن
القبس
(١) فى م: ((أعلمك)).
(٢) فى م: ((بالله)).
(٣ - ٣) فى م: ((مناما)).
(٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٠٧/٦ عن سالم بن عبد الله به.
(٥) فى النسخ: ((عرابة)). وينظر التاريخ الكبير ١٦٦/٥، وتهذيب الكمال ٢٩٤/١٥.
٤٩
( موسوعة شروح الموطأ ٤/٣ )

الموطأ
التمهيد عبد الرحيم بنِ زيدٍ ، عن أبيه، عن معاويةَ بنِ قرةً، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ
وَلَّه١ وهو حديثٌ لا أصلَ له، وعبدُ الرحيمِ وأبوه زيدٌ مترو كان .
والحديثُ حدَّثناه محمدُ بنُ خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسینِ،
قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبى داودَ ، قال: حدَّثنا أبو الطاهرِ أحمدُ بنُ عمرو بنٍ
الشَّرْحِ، ومحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو الغَزّىُّ، قالا: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ مسلمةً
ابنِ قَعنبٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ عَرَادةَ ، عن زيدِ بنِ حوارئٍّ، عن معاويةً بنِ
قرةَ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ، عن أبيّ بنِ كعبٍ، أن رسولَ اللهِ وَلَهدعا بوَضوء
فتوضَّأُ مرةً مرةً ، ثم قال: ((هذا وظيفةُ الوضوءِ الذى لا يقبلُ اللهُ صلاةً إلا به)). ثم
توضَّأ مرتين مرتين، فقال: (((هذا وضوءٌ مَن توضَّأه أعطاه اللهُ كِفلَين مِن
الأجْرِ)). ثم توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: ((هذا وُضوئى ووضوءُ
الأنبياءِ مِن قبلى))(١).
وحدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُّ يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ(٤) بُکیرٌ
الحدادُ ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ الكَشِّئُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ
عبد الوهابٍ ، قال : حدَّثنى عبدُ الرحيم بنُّ زيدِ العَمِّىُّ، عن أبيه، عن معاويةً بن
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢ - ٢) ليس فى : الأصل، م.
(٣) أخرجه ابن ماجه (٤٢٠)، والعقيلى ٢٨٨/٢، وابن المنذر (٤١٣)، والدارقطنى ١/ ٨١، والمزى
فى تهذيبه ٢٩٥/١٥ من طريق إسماعيل بن مسلمة به .
(٤) بعده فى ص ١٦، ص ١٧: ((بن)). وينظر تاريخ بغداد ٣٦٤/٤.
٥٠

الموطأ
قرةَ، عن ابنِ عمرَ، قال: توضَّأُ رسولُ اللهِ وَّةِ مرةً مرةً، وقال: ((هذا وظيفةُ التمهيد
الوضوءِ الذى لا يقبلُ اللهُ صلاةٌ إلا به)). ثم توضَّأ مرتين مرتين ، وقال: ((هذا
الفضلُ مِن الوضوءِ ويُضعِفُ اللهُ الأجرَ لصاحبِه مرتين)). ثم توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا ، ثم
قال : ((هذا وضوئى ووضوءُ خليلِ اللهِ إبراهيمَ، ووضوءُ الأنبياءِ مِن قبلى، ومَن
قال بعدَ فراغِه: أَشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ، وله
الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ. فتَح اللهُ له من الجنةِ ثمانيةً أبوابٍ)) . هذا
کلُّه منکر فی الإسنادٍ والمتنِ .
وقد ثبت عن النبيِّ وَلِّ أنه كان يتوضأُ مرةً مرةً ، رواه ابنُ عباسٍ(٢) وغيرُه(٣)
من حديثِ الثقاتٍ، وأجمعت الأمةُ أن مَن توضَّأُ مرةً واحدةً سابغةً أجزأه،
وكيف كان رسولُ اللهِ وَله يتوضأُ مرةً مرةً فيرغبُ بنفسِه عن الفضلِ الذى قد
ندب غیرہ إلیه ؟! أو کیف کان یتوضاً مرةً او مرتین، ویقصژعن ثلاث إذا کانت
الثلاثُ وضوءَ إِبراهيمَ بَّهِ، وقد أُمِرِ أن يَتَبعَ ملةَ إِبراهيمَ حنيفًا؟! وليس يشتغِلُ
أهلُ العلمِ بالنقلِ بمثلٍ حديثٍ عبد الرحيمِ بنِ زيدِ العَمِّىٌّ وأبيه ، وقد أجمعوا على
تركهما .
القبس
(١) أخرجه العقيلى ٢٨٨/٢ من طريق عبد الله بن عبد الوهاب به، وأخرجه ابن ماجه (٤١٩)،
وأبو يعلى (٥٥٩٨)، وابن حبان فى المجروحين ١٦١/٢ من طريق عبد الرحيم به.
(٢) أخرجه أحمد ٤٩٩/٣ (٢٠٧٢)، والبخارى (١٤٠، ١٥٧)، وأبو داود (١٣٨).
(٣) أخرجه أحمد ٢٩٣/١، ٢٩٤ (١٤٩، ١٥١)، وابن ماجه (٤١٢) من حديث عمر ، وأخرجه
ابن ماجه (٤١٠) من حديث جابر بن عبد الله .
٥١

الموطأ
التمهيد
وأما قولُه فى هذا الحديثِ: ((مَن قال بعدَ فَراغِه - يعنِى مِن
وضوئِه(١) -: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ)). إلى آخرِ الحديثِ، فرُوِى
بأسانيدَ صالحةٍ، وإن كانت معلولةً، من حديثٍ عمرَ، وحديثٍ عقبةً بنِ
عامٍ، وهكذا يصنعُ الضعفاءُ يخلِطون ما يُعرَفُ بما لا يُعرَفُ. واللهُ
المستعانُ .
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نَصرٍ، حدَّثنا قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
وضاحٍ، حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبى شيبةَ، قال : حدّثنا يحيى بنُّ زكريا بن أبى زائدةً،
عن أبى مالكِ الأشجعيِّ، عن أبى حازمٍ، عن أبى هريرةَ، قال: قال
رسولُ اللهِ وَالَ: ((تَرِدون علىَّ غرًّا محجّلين من الوضوءِ، سيما أمتى
لیس لأحدٍ غيرِها))().
روَى الوليدُ بنُّ مسلمٍ، عن صفوانَ بنِ عمرو، قال: أخبرنى يزيدُ بنُّ
خُمَيرٍ (١)، عن عبدِ اللهِ بنِ بُشرٍ، عن النبيِّ وَّه قال: ((أمتى يومَ القيامةِ غرّ من
السجودِ، محمّلون من الوضوء)) (1).
القبس
(١) فى ص ٢٧: ((وضوء).
(٢) ابن أبى شيبة ٦/١ - ومن طريقه ابن ماجه (٤٢٨٢)، وابن حبان (١٠٤٨، ٧٢٤٣) -
وأخرجه مسلم (٢٤٧) - من طريق أبى مالك الأشجعى به.
(٣) فى ص ١٦: ((جبير)، وفى ص ٢٧: ((حمير))، وفى م: ((حضير)). وينظر تهذيب الكمال
١١٦/٣٢.
(٤) أخرجه الترمذى (٦٠٧) من طريق الوليد به.
٥٢

الموطأ
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم وأحمدُ بنُ محمدٍ وسعيدُ بنُ نَصَرٍ ، قالوا: حدَّثنا التمهيد
قاسمُ بنُّ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذىُّ، قال: حدَّثنا نُعيمُ
ابنُّ حمادٍ ، قال: حدَّثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبرنا ابنُ لَهيعةً، قال: حدَّثنی
يزيدُ بنُ أبى حبيبٍ ، عن عبد الرحمنِ بنِ مجبيٍ، سمِع أبا ذرٍّ وأبا الدرداءِ،
قالا: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((أنا أوَّلُ مَن يُؤْذِنُ له فى السجودِ يومَ القيامةِ،
وأوَّلُ مَن يُؤْذِنُ له برفع رأسِه، فأنظُرُ بينَ يدَىَّ فأعرِفُ أمتى من بين الأمم،
وأنظُرُ عن يَمينى فأعرِفُ أمتِى من بينِ الأممِ، وأنظرُ عن شمالى فأعرِفُ أمتى
من بينِ الأُمم، وأنظُرُ مِن خَلْفى فأعرِفُ أمتِى)). فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ،
وكيف تعرِفُ أمتَك من بينِ الأممِ ما بينَ نوح إلى أمتِك؟ قال: ((غرّ
محجّلون من آثارِ الوضوءِ، ولا يكونُ من الأممِ كذلك أحدٌ غيرُهم»()
وذكر تمامَ الحدیثِ .
قال ابنُ المباركِ : وأخبرنا يحيى بنُ أيوبَ البَجَلُّ ، قال: سمِعتُ رجلًا
يُحدِّثُ عن أبى زُرعةَ بنِ عمرو بنِ جريرٍ ، سمِع أبا هريرةَ يقولُ : الحِليةُ تبلُغُ
حيثُ انتهَى الوضوءُ(١) .
حدّثنا إبراهیمُ بنُ شاکر رحمه اللهُ، قال: حدّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ
عثمانَ ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ الأَعْناقىُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ
القبس
(١) أخرجه أحمد ٦٦/٣٦ (٢١٧٣٩) من طريق ابن المبارك به .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٥/١ من طريق يحيى بن أيوب به مرفوعًا بدون ذكر الرجل المبهم.
٥٣

الموطأ
.
التمهيد ابنٍ صالح، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ ، عن حمادِ بنِ سلمةَ ، عن عاصم، عن
زِرِّ، عن عبدِ اللهِ، أنهم قالوا: يا رسولَ اللهِ، كيف تعرِفُ مَن لم ترَمِن أمتِك؟
قال: ((غرّ محجّلون بُلْقٌ من آثارِ الوضوءِ)(١) . فهذه الآثارُ كلُّها تشهَدُ لما قلنا،
وباللهِ توفيقُنا .
وأما قولُه فى حديثنا فى هذا البابِ: ((فَسُحقًا)). فمعناه: بُعْدًا. والسُّحْقُ
والبعدُ والإسحاقُ والإبعادُ سواءٌ بمعنَى واحدٍ، وكذلك التَّأْىُ والبعدُ لفظتان
بمعنَّى واحدٍ ، إلا أن ((سُحقًا)) و((بُعدًا)) هكذا إنما تجىءُ بمعنى الدعاءِ على
الإنسانٍ، كما يقولُ(١): أبعده اللهُ، وقاتَله اللهُ، وسحَقه اللهُ ومحَقه، وأسحقه
أيضًا. ومِن هذا قولُ اللهِ عزَّ وجلّ: ﴿فِ مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]. يعنى بعيدٍ.
وكلُّ مَن أُحدَث فى الدينِ ما لا يرضاه اللهُ ، ولم يأذن به اللهُ فهو من المطرودين
وقال: ((فأقولُ: فشُحْقًا فشُحْقًا)). فإن قيل: فكيف يكونُ لهم آثارُ الوضوءِ
القبس
ثم(4) يُقالُ لهم: فسحقًا ؟! قيل: فيه وجهان:
أحدُهما : أنهم يُتعَدون فى حالٍ ، ويُقرّبون بعدَ المغفرة فى آخر، هذا إن كان
التبديلُ فى الأعمالِ ولم يكنْ فى العقائدِ. وقيل: هم المنافقون؛ كانوا يُظْهِرون
(١) أخرجه ابن أبى شيبة فى مسنده (٢٨٢)، وفى المصنف ٦/١، وأحمد ٣٤٠/٧ (٤٣١٧)،
وأبو يعلى (٥٣٠٠) من طريق يزيد بن هارون به، وأخرجه الطيالسى (٣٥٩)، وأحمد ٣٧١/٦،
٣٥٠/٧ (٣٨٢٠، ٤٣٢٩)، وابن ماجه (٢٨٤) من طريق حماد بن سلمة به.
(٢) فى ص ١٦: ((تقول))، وفى م: ((يقال)).
(٣ - ٣) فى ج: ((عليهم نور)).
(٤) فى ج: ((و)).
٥٤

الموطأ
عن الحوضِ المبعَدِين عنه، واللهُ أعلمُ، وأشدُّهم طردًا مَن خالَف جماعةً التمهيد
المسلمين وفارَق سبيلَهم ١؛ مثلَ الخوارج على اختلافٍ فرقِها ، والروافضِ على
تباينٍ ضلالِها، والمعتزلة على أصنافِ أهوائِها، فهؤلاء كلُّهم مُبَدِّلون(٢)،
وكذلك الظلَمةُ المسرفون فى الجَورِ والظلم وتَطميسِ الحقِّ وقتلِ أهلِه
وإذلالِهم(٣) ، والمعلِنون بالكبائرِ المستخِفُون بالمعاصِى، وجميعُ(٤) أهلِ الزَّیغِ
والأهواءِ والبدع، كلُّ هؤلاء يُخافُ عليهم أن يكونوا عُنُوا بهذا
الخبرِ، ولا يُخلَّدُ فى النارِ إلا كافرٌ جاحدٌ، ليس فى قلبِهِ مثقالُ
حبة خردلٍ من إيمانٍ، "واللهُ المستعانُ)، وقد قال ابنُّ القاسم رحِمه
اللهُ: قد يكونُ من غيرِ أهلِ الأهواءِ مَن هو شرٌّ مِن أهلِ الأهواءِ، وكان يُقالُ(١):
تمامُ الإخلاصِ تجنُّبُ المعاصى .
القبس
الإيمانَ ويُسِرُون الكفرَ، فيؤتَی كلُّ واحدٍ منهم نورًا حتى يَظُنّ (١) أنه علی شیءٍ، ثم
ينكشِفُ(٨) له الغطاء.
(١) فى ص ١٧: ((سنتهم)).
(٢) فى ص ١٧، ص ٢٧، م: ((يبدلون)).
(٣) فى ص ١٧: ((أولادهم))، وفى ص ٢٧: ((إذلاله)).
(٤) فى ص ١٧: ( كذلك)).
(٥ - ٥) ليس فى: الأصل، م، وبعده فى ص ١٧: ((وحده لا شريك له).
(٦) فى ص ١٦، ص ٢٧: ((يقول)).
(٧) فى د: ((يظنون)).
(٨) فى ج، م: ((يكشف)).
٥٥

الموطأ
٥٨- وحدّثنی عن مالك، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، عن
حُمْرانَ مولى عثمانَ بنِ عفانَ، أن عثمانَ بنَ عفانَ جلَس على
المقاعدِ ، فجاءه المُؤَذِّنُ فَاذَتَه بصلاةِ العصرِ، فدعا بماءٍ فَتَوضَّأَ ، ثم
قال : واللهِ لأُحَدِّثَنَّكم حديثًا ، لولا آيةٌ فى كتابِ اللهِ ما حدَّثْتُكموه. ثم
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيهِ، عن محمرانَ مولى عثمانَ بنِ عفانَ(١)،
التمهيد
أنَّ عثمانَ بنَ عفانَ جلَس على المقاعدِ ، فجاء المؤذنُ ، فَآذَنَه بصلاةِ العصرِ ، فدعا
بماءٍ فتوَضَّأ، ثم قال: واللهِ، لأَحَدِّثَنَّكم حديثًا لولا أنه فى كتابِ اللهِ ما
القبس
حديثُ عثمانَ: رُوِى أنه قال (١) : لولا أنه . بالنونٍ، ورُوِى: لولا آيةٌ . بالياءِ،
وهو الصحيح، وروَى مسلمٌ عن عروةَ أنه قال: لولا آيَةٌ فى كتابٍ اللَّهِ ما
حدَّ ثْتُكموه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَّآ أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ وَالْمُدَى﴾ الآيةِ [البقرة: ١٥٩].
(١) قال أبو عمر: ((ومحمران مولى عثمان هو حمران بن أعين بن خالد بن عبد عمرو بن عقيل بن
كعب بن سعد بن جندلة بن مسلم بن أوس بن زيد مناة بن النمر بن قاسط، وهو ابن عم صهيب بن
سنان ، يلتقى هو وصهيب فى خالد بن عبد عمرو ، وكان حمران من سبى عين التمر، وهو أول سبى
دخل المدينة فى خلافة أبى بكر الصديق، سباه خالد بن الوليد، فرآه غلامًا أحمر مختونًا كيسا،
فوجّه به إلى عثمان رضى الله عنه فأعتقه، ودار حمران بالبصرة مشرفة على رحبة المسجد الجامع،
وكان عثمان أقطعه إياها، وأقطعه أيضًا أرضًا على فراسخ من الأيلة فيما يلى البحر، ذكر ذلك أهل
السير والعلم بالخبر، قالوا: وكان حمران أحد العلماء الجلّة أهل الوجاهة والرأى والشرف بولائه
ونسبه ، وهو أحد الشاهدين على الوليد بن عقبة بشرب الخمر، فجلده بشهادته علىّ، جعل ذلك إليه
عثمان، وتولى ضرب الوليد بيده عبد الله بن جعفر بأمر علىّ له بذلك، وكان جلده له أربعين
جلدة)). وينظر تهذيب الكمال ٣٠١/٧ واختلف فيه اسم أبى حمران عما هنا.
(٢) بعده فى ج، م: ((فيه)).
(٣) مسلم (٦/٢٢٧).
٥٦

الموطأ
قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلِّ يقولُ: ((مَا من امْرِئْ يَتَوضَّأُ، فيُحسِنُ
وُضوءَه، ثم يُصَلَّى الصلاةَ، إلَّا غُفِرِ له ما بينَه وبينَ الصلاةِ الأخرى ،
حتى يصَلِّيْها)) .
قال يحيى: قال مالك: أُرَاهُ يُريدُ هذه الآيَةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ
طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ
ذِكْرَى لِلذَّكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤].
حدَّ ثْتُكموه. ثم قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَلِّ يقولُ: ((ما من امرىَّ يتوَضَّأُ التمهيد
فيُحسِنُ وضوءَه، ثم يصلِّى الصلاةَ، إلا غُفِر له ما بينَه وبينَ الصلاةِ الأخرى
حتى يصلّيْها). قال مالك: أُراه يريدُ هذه الآيةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَ
التَّهَارِ وَزُلَغَا مِنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيْئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى
لِلذَّكِينَ﴾ [هود: ١١٤].
وهكذا رَوى هذا الحديثَ عن مالكِ جماعةُ رُواةٍ ((الموطأُ)) وغيرِهِ،
وليس فيه صفةُ الوضوءِ ثلاثًا ولا اثنتين، وقد رواه جماعةٌ عن هشام بن عروةَ
بإسنادِه، عن عروةَ، عن حُمْرانَ، عن عثمانَ، فذكروا فيه صفةً الوضوءِ؛
المضمضةُ، والاستنشاقُ، وغسلُ الوجهِ واليدينِ، ثلاثًا ثلاثًا ، واختلفوا فى
القبس
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٧٣)، وأخرجه النسائى (١٤٦)، وأبو عوانة (٦٠٩)، وابن حبان
(١٠٤١)، والبغوى فى شرح السنة (١٥٣) من طريق مالك به.
٥٧

الموطأ
التمهيد ألفاظِه؛ منهم شعبةُ(١)، وأبو أسامةَ(٢)، وابنُ عيينةً، وجماعةٌ(٣)، ورواه عن
عروةَ جماعةٌ أيضًا؛ منهم أبو الزنادٍ(٤)، وأبو الأسودِ (٥)، وعبدُ اللهِ بنُ أبی
بكرٍ(٢)، وفى حديثهم أنَّ النبيَّ ◌َِّ توضَّأ ثلاثًا ثلاثًا .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصَرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصْبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ
ابنُ إسماعيلَ الترمذىُّ، قال: حدَّثنا الحميدىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ ، قال :
حدَّثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، عن حُفرانَ قال: توضَّأ عثمانُ بنُ عفانَ
على المقاعدِ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: هكذا رأيتُ رسولَ اللهِ وَهِ يتوضَّأُ. ثم
قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ وَ له يقولُ: ((ما مِن رجلِ يتوضَّأَ، فيُحسِنُ
الوضوءَ، ثم يصلِّى، إلَّا غُفِر له ما بينَه وبينَ الصلاةِ الأُخرى حتى
یصلِّيها))(٧).
القبس
(١) أخرجه ابن الأعرابى فى معجمه (١٤٦١) من طريق شعبة به .
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٧)، وأبو عوانة (٦٠٨)، والبزار (٤٢٣)، وابن خزيمة (٢) من طريق أبى
أسامة به. وذكر صفة الوضوء عند البزار وحده .
(٣) أخرجه أحمد ٤٦٢/١ (٤٠٠)، ومسلم (٥/٢٢٧)، وابن خزيمة (٢) من طريق وكيع
ویحیی بن سعید عن هشام به .
(٤) أخرجه البزار (٤٢٥) من طريق أبى الزناد به، وقد وقع فيه: عن أبى الزناد، عن أبيه،
والصواب: ابن أبى الزناد، عن أبيه. ينظر تهذيب الكمال ١٤/ ٤٧٦، ٩٥/١٧.
(٥) ذكره البزار عقب الأثر (٤٢٥) من طريق أبى الأسود به .
(٦) أخرجه البزار (٤٢٦) من طريق عبد الله بن أبى بكر به.
(٧) الحميدى (٣٥). وأخرجه أحمد ٥٢٧/١ (٤٩٣)، ومسلم (٢٢٧)، وابن خزيمة (٢) من
طريق سفيان به .
٥٨

الموطأ
ففى هذا الحديثِ، والحمدُ للهِ، أنَّ الصلاةَ تكفِّرُ الذنوبَ، وهو التمهيد
تأويلُ قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيْئَاتِ﴾. على حسَبٍ
ما نزَع به مالكٌ رحِمه اللهُ، والقولُ فى هذا عندى كالقول فى حديثه
وَلِّر: ((الجمعةُ إلى الجمعةِ كفارةٌ لِما بينَهما)) (١)، ((والعمرةُ إلى العمرةِ
كفارةٌ لِما بينَهما)) ) . فسبحان المتفضلِ المنعمِ المحسنِ، هو اللهُ وحده
لا شريك له .
وقد رَوى هذا الحديثَ ، أعنى حديثَ الوضوءِ، عن حُمْرانَ جماعةٌ كثيرةٌ
مِن الجِلَّةِ ومَن دونَهم ؛ منهم عروةُ، وعطاءُ بنُّ يزيدَ الليثىُّ (١) ، وجامعُ بنُ شدادٍ
أبو صخرةً(٤)، ومَعْبَدٌ الجهنىُّ، وشقيقُ بنُ سلمةَ أبو وائل ،
القبس
(١) سيأتى تخريجه ص٧٩ .
(٢) سيأتى فى الموطأ (٧٨٠).
(٣) أخرجه أحمد ٤٧٧/١، ٤٧٨، ٤٨٠ (٤١٨، ٤١٩، ٤٢١)، والبخارى (١٥٩، ١٦٤،
١٩٣٤)، ومسلم (٣/٢٢٦، ٤)، والنسائى (٨٤، ٨٥، ١١٦)، وأبو داود (١٠٦) من طريق
عطاء بن یزید به .
(٤) أخرجه أحمد ٤٦٧/١، ٥١٤، ٥٣١ (٤٠٦، ٤٧٣، ٥٠٣) وعبد بن حميد (٥٨ -.
منتخب)، ومسلم (٢٣١/ ١٠، ١١)، وابن ماجه (٤٥٩)، والنسائى (١٤٥) من طريق جامع بن
شداد به .
(٥) أخرجه أحمد ٤٨٦/١ (٤٣٠)، وعبد بن حميد (٥٩ - منتخب)، والبزار (٤٣٥) من طريق
معبد الجهنی به .
(٦) أخرجه أحمد ٥١٧/١ (٤٧٨)، وابن ماجه (٢٨٥)، والنسائى فى الكبرى (١٧٦)، وابن
حبان (٣٦٠) من طريق شقيق به .
٥٩

الموطأ
التمهيد وأبو سلمةً بنُ عبد الرحمنٍ(١)، ومسلمُ بنُ يسارٍ(٢)، ومحمدُ بنُ كعبٍ
القرظى١، وموسى بنُ طلحةَ()، وزيدُ بنُ أسلمَ ، ومحمدُ بنُ
المنكدرِ (١)، ومجاهدُ بنُ جبرٍ()، ومعاذُ بنُ عبدِ الرحمنِ()،
وعبدُ الملكِ بنُ عميرٍ (٤)، وغيرُهم (١٠) ، كلُّهم عن حُمْرانَ، عن عثمانَ، عن
القبس
(١) أخرجه أبو داود (١٠٧)، والبزار (٤١٨) من طريق أبى سلمة به.
(٢) أخرجه أحمد ٤٧٤/١ (٤١٥)، وعبد الله بن أحمد فى زوائد المسند ٥٥٧/١ (٥٥٣)، والبزار
(٤١٩، ٤٢٠) من طريق مسلم بن يسار به.
(٣) أخرجه البزار (٤٢٢) من طريق محمد بن كعب به.
(٤) أخرجه الطيالسى (٧٧)، وأحمد ٥٢٠/١ (٤٨٤)، والبزار (٤٢٧، ٤٢٨) من طريق موسى
ابن طلحة به .
(٥) أخرجه مسلم (٨/٢٢٩)، وأبو عوانة (٦٠٢)، والبزار (٤٣٢)، وابن جرير ٢١٨/٨ من طريق
زيد بن أسلم به .
(٦) أخرجه أحمد ٥١٦/١ (٤٧٦)، ومسلم (٣٣/٢٤٥)، والبزار (٤٣٣، ٤٣٤) من طريق ابن
المنكدر به .
(٧) أخرجه البزار (٤٣٨) من طريق مجاهد به .
(٨) أخرجه أحمد ٥٠٥/١، ٥٢٠، ٥٢٤، ٥٣٩ (٤٥٩، ٤٨٣، ٤٨٩، ٥١٦)، والبخارى
(٦٤٣٣)، ومسلم (١٣/٢٣٢)، والنسائى (٨٥٥) من طريق معاذ به.
(٩) أخرجه البزار (٤٢٧) من طريق عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن حمران به.
والذى يروى عن حمران دون واسطة؛ هو عبد الملك بن عبيد، روى له البزار حديثا عن حمران،
ينظر البزار (٤٣٩، ٤٤٠).
(١٠) أخرجه مسلم (١٢/٢٣٢)، وعبد بن حميد (٦١ - منتخب)، والبزار (٤٤١، ٤٤٢)،
والطحاوى فى شرح المعانى ٣٦/١ من طريق بكير بن عبد الله الأشج، وعثمان بن وهب، =
٦٠