Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَؤْسُوْعَة"
شُرُقْعُ المُدَّة
لِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَس
المتوفى سَنَة ١٧٩ هـ
التَّهِيْدُ وَالاسْتِذِكَارُ
لأِ عَ بُوسُفَ بَنِعْدِيهِن ◌َّ الّ
المتوفى سنة ٤٦٣ هـ
القَبَسُ
لِأبى بكرٍ محمّدِ بْنِ عَبْدِاللّهِ ابْنِ العَربِّ المالكىّ
المتوفى سنة ٥٤٣هـ
ټحقیں
الدّكتور/ عَبْد اللَّهبْن عَبْدِالمُحْسِ التركيّ
بالتّاوُك معَ
مركز مجر البحوث والدراسية العَرَبيّة والإِلامية
نَايون بن عبد العزيزآل ◌ُم
«أجْزَلَ اللَّهُ مَتُوبِنَهُ،
الجُزُ الثَّالِث

حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٦هـ - ٢٠٠٥ م

مَؤْسُوْعَةُ
شُرقِّع الموظّة

.

الموطأ
جامعُ الوضوءِ
التمهيد
جامعُ الوضوءِ
القبس
ترجم مالك رحمه اللهُ على إزالةِ النجاسةِ بالوضوءِ نفيًا ، فقال: ما لا يَجِبُّ منه
الوضوءُ. وإثباتًا ، فقال: جامعُ الوضوءِ. واختلَفَ عنه أصحابُتا فى حكمها ، فقال
أُشْهَبُ : إزالتها مستحَبَّةٌ . وقال ابنُّ القاسمِ: هى واجبةٌ مع الذِّكْرِ ساقطةٌ مع النِّسيانِ.
وقال ابنُ وهبٍ: هى فَوْضّ فى كلِّ حالٍ . وبه قال الشافعىُ ، وقال أبو حنيفةً: يلزَمُ إزالتُها
إذا كانت مجتمعةً فى موضِعِ " واحدٍ على قَدْرِ الدِّرهمِ البغْلىّ (١) . يعنى به على قَدْرِ
الدينارِ ، وإنما سمَح فى هذا المقدارِ منها قياسًا على المخرَجِ، فإن الشرْعَ سمَح فيما يبقَى مِن
أثرِ النجاسةِ عليه بعدَ الاستنجاءِ، فقاسَ هذا عليه، وقولُ النبيِّ وَله وقد سئل عن الاستطابةِ،
يعنى استعمالَ الطَّيبِ، وهو إزالةُ الأقذارِ والأنجاسِ، وقيل: هو استعمالُ الماءِ، فإنه أُطیبُ
الطِّيبٍ؛ لأن كلَّ طَيِّبٍ يعودُ قَذَرًا فى آخرِ الأمرِ وتُزالُ بالماءِ ، والماءُ طيِّبٌ أبدًا لا استحالةً فيه،
وهو من فروض الشريعة ومحاسن الملَّةِ ، وأولُ کلمةٍ سمعها نبئُ اللهِ ێےمِن رَبِّه ؛ قال
اللهُ تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَفِرْ﴾ [المدثر: ٤]. ولا يُلتَفَتُ إلى تأويلِ فيها لا تَعضُدُه لغةً، ولا
تشهَدُ له شريعةٌ ، وبذلك كانت العربُ تتمدَّيحُ؛ ولذلك قال شاعرُهم الأولُ(٣):
وأَوْجُهُهم عندَ الْمَشَاهِدِ غُرَّانُ(٤)
ثيابُ بنى عوفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ
(١) فى م: ((موقع)).
(٢) الدراهم البغلية: هى دراهم فارس. والبغلية نسبة إلى بغل وهو اسم يهودى ضرب تلك
الدراهم. وكان يعرف برأس البغل. ينظر كتاب النقود للبلاذرى ص ١٠، وكتاب النقود القديمة
الإسلامية للمقريزى ص ٢٢.
(٣) هو امرؤ القيس، والبيت فى ديوانه ص ٨٣.
(٤) غران: جمع أغر؛ وهو الأبيض من كل شىء . التاج (غ ر ر).
٥

٥٦- وحدّثنى يحيى، عن مالك، عن هشام بن عروةً، عن أبيه ،
الموطأ
أن رسولَ اللهِ وَّلَه سُئِل عن الاستطابةِ فقال: ((أَوَ لا يَجِدُ أحدُ كم ثلاثةَ
أحجارٍ؟)).
التمهيد
مالكٌ، عن هشام بن عروةَ، عن أبيه، أن رسولَ اللهِ وَلّه سُئِل عن
الاستطابةِ فقال: ((أولا يجِدُ أحدُكم ثلاثةَ أحجارٍ؟)) (١).
هكذا روَى هذا الحديثَ عن مالكِ جماعةُ الرواةِ مرسلًا، إلا ما ذكره
سحنونٌ فی رواية بعض الشیوخ عنه ، عن ابن القاسم ، عن مالك ، عن هشام بنِ
عروةَ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ. وقد روَى(١) ابنُ بُكيرٍ أيضًا فى ((الموطأ) هكذا:
القبس
وهى واجبةٌ مِن طريقٍ الأَوْلَى ، فإن الله تعالى إذا أوْ جَب الوضوءَ فى الأعضاءِ لدَرْءِ
الدَّرَنِ الظاهرِ فأوْلَى وأخْرَى أن يُوجِبَ إزالةَ النَّجَسِ، وقد أمَر النبىُّ وَّهِ بِغْلِ الدَّمِ
بالماءِ فى الصحيحِ، فقال: ((حُتِيه ثم اقْرُصِيه ثم اغْسِليه بالماءِ)). وقال: ((تتَزَّهُوا
مِن البؤْلِ فإنَّ عامَّةً عذابٍ القبرِ منه)). وقال فى ((الصحيح))، وقد سمع عذابَ
رجلٍ فى قبره: ((كان هذا لا يَسْتَِرُ مِن بَوْلِهِ)) (٥). وكانت موظّفَةً(٦) على مَن تقدَّمَنا مِن
الأمم، حتى كان إذا أصابَ ثوبَ أحدِهم البولُ قَرَضَه بالمِقراضِ، وسمَح الله تعالى
لنا أيتُها الأُمةُ فأعطانا الطهارةَ بالماءِ، لكن خَفَّف اللهُ تعالى فى الاستنجاءِ بإزالةِ النجْوِ
بالجِمارِ ولا يضُرّ أثرُه، وهذا مع عدمِ الماءِ اتفاقًا، فإن ؤُجِد الماءُ ؛ فقال ابنُ حبيبٍ :
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٧١). وأخرجه البيهقى فى المعرفة (١٣٧)، وفى الخلافيات (٣٦٤)
من طريق مالك به .
(٢) بعده فى م: ((عن).
(٣) البخارى (٣٠٧)، ومسلم (٢٩١).
(٤) الدارقطنى ١٢٧/١.
(٥) مسلم (٢٩٢).
(٦) أى ملزمة . ينظر اللسان (وظ ف).
٦

الموطأ
عن مالكِ، عن هشامٍ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ. وهذا غلطّ فاحشّ، التمهيد
ولم يَروِه أحدٌ كذلك ، لا من أصحابٍ هشام ، ولا من أصحاب مالكٍ ، ولا رواه
أحدٌ عن عروةَ، عن أبى هريرةَ ، وإنما رواه بعضُ أصحابٍ عروةَ، عن عروةَ ، عن
عائشةَ. وهو مسلمُ بنُ قُرطٍ (١) . وأما هشام بنُ عروةَ، فاختُلِف عليه فيه ؛ فطائفةٌ
ترویه عنه ، عن أبيه مرسلا کما رواه مالكٌ ، وطائفةٌ تَرویه عنه ، عن عمرو بنِ
خُزيمةَ المُزَنىِّ ١ ، عن عُمارةَ بنِ خزيمةَ بنِ ثابتٍ ، عن خزيمةً بنِ ثابتٍ . وطائفةٌ
تَرويه عنه، عن أبى وَجْزَةَ، عن عُمارةَ بنِ خُزيمةً، عن أبيه خزيمةَ بنِ ثابتٍ .
حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الرحمنٍ ومحمدُ بنُّ إبراهيمَ، قالا : حدَّثنا أحمدُ بنُ
مطرّفٍ، حدَّثنا سعيدُ بنُّ عثمانَ، حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ صالح، حدَّثنا حسينُ
ابنُّ علىَّ الجُعفىُّ، حدَّثنا زائدةُ، عن هشام بن عروةً، عن عمرو بنِ خُزيمةً ، عن
عمارةَ بنِ خُزيمةَ بنِ ثابتِ الأنصارىِّ، عن أبيه، أن رسولَ اللهِ وَلِّ قال: ((ثلاثةُ
أحجارٍ ليس فيهن رجيعٌ)). يعنى الاستطابةَ، وفى إسنادٍ هذا الحديثِ اضطرابٌ
کثیرٌ .
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصَرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ
وضاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُّ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا عبدةُ بنُ سليمانَ ، عن
لا يجوزُ الاستنجاءُ، وهى زَلَّةٌ؛ فإنه إنما شُرِع والماءُ موجودٌ. واستحبَّتِ الشريعةُ القبس
الجمعَ بينَ الأحجارِ والماءِ، ومدَح اللهُ به أهلَ قُباءٍ فقال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحُّونَ أَن
[التوبة: ١٠٨].
يَعَهَّرُواْ﴾
(١) سيأتى تخريجه ص١١ .
(٢) فى م: ((المدنى)). وينظر تهذيب الكمال ٦٠٨/٢١.
(٣) فى ج: ((الإجماع))، وفى م: ((الاجتماع)).
٧

الموطأ
التمهيد هشامٍ بنٍ عروةً، عن عمرو بنٍ خُزيمةً، عن عُمارةً بنٍ خُزيمةَ بنِ ثابتٍ ، عن
◌ُزیمةً بن ثابت ، قال : قال رسولُ اللهِ ہے فى الاستطابةِ : «ثلاثةُ أحجارٍ لیس
فیھا رجیچ))().
وكذلك رواه أبو معاويةً(٢)، وابنُ ثُمَيرٍ(٣)، وأبو أسامةً(٤)، عن هشامٍ بنِ
عروةً بمثل هذا الإسناد .
ورواه عبدُ الرزاقِ ، عن ابنٍ عُيينةً، عن هشام بن عروةً ، عن أبى وَجْزَةً ، عن
خُزيمةَ بنِ ثابتٍ، عن النبيِّ وَلِّ، مثلَه.
ورَواه إبراهيمُ بنُّ المنذرِ الحِزَامىُّ، عن ابنِ عُيينةَ، عن هشامٍ بنٍ عروةَ،
عن أبى وَجْزَةَ، عن عمارةَ بنِ خزيمةَ بنِ ثابتٍ، عن أبيه، عن النبيِّ وَلَّهِ،
(٥)
مثلَهُ(٥).
القبس
(١) الرجيع: العذرة والروث، سمى رجيعا لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعاما أو علفا .
النهاية ٢٠٣/٢.
والحديث عند ابن أبى شيبة ١٥٤/١، ١٥٦، وأخرجه الطبرانى (٣٧٢٥) من طريق عبدة به .
(٢) أخرجه أبو داود (٤١) - ومن طريقه البيهقى ١٠٣/١، وفى الخلافيات (٣٦٢) - من طريق
أُبی معاوية به .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ١٥٦/١، وأحمد ١٩٧/٣٦ (٢١٨٧٢)، والطبرانى (٣٧٢٦) من طريق
ابن نمير به .
(٤) ذكره أبو داود عقب الحديث (٤١).
(٥) أخرجه الشافعى فى الأم ١/ ٢٢، والحميدى (٤٣٢)، والطبرانى (٣٧٢٤)، والبيهقى فى المعرفة
(١٣٨) من طريق ابن عيينة به .
٨

الموطأ
ورواه الحمیدیُّ (١) ، عن ابنِ عُيينةَ، عن هشامٍ بنِ عروةَ ، عن أبيه ، عن النبىّ التمهيد
ګال﴾ مرسلا مثلَ روايةِ مالكٍ.
وكذلك رواه ابنُ جريج، عن هشامٍ، عن أبيه مرسلاً مثلَ روايةٍ مالكٍ.
ورواه معمرٌ، عن هشامٍ بن عروةً، عن رجلٍ من مُزَينةً ، عن أبيه ، عن النبىّ
وَّه قال فى الاستطابةِ: ((ثلاثةُ أحجارٍ عندَ الخلاءِ ليس منهن رجيعٌ)). والرّجيُ
الذى يُنْتِنْ .
ورواه المفضَّلُ(١) بنُ فَضالةً، عنهشام بنعروةً ،عن عمروبن جاهد ٣» ،عن
عُمارةَ بنِ خُزيمةً . أخبرنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ سعيدٍ ،
قال: حدَّثنا محمدُ بنُ زَبَّانَ، قال: حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بنٍ صالحٍ، قال :
حدَّثْنَا المُفضَّلُ بنُ فَضالةً، عن هشامٍ بنِ عروةً، أن عمرَو بنَ جَزْهدٍ ()
المُزَنىَّ أُخبره، أن عمارةَ بنَ خُزيمةَ الأنصارىَّ أخبره، عن أبيه خزيمةَ بنِ ثابتٍ ،
عن رسولِ اللهِ وَلِ﴿ أنه قال: ((ثلاثةُ أحجارٍ ليس فيها رَجيعٌ)). يعنى فى
الاستطابةِ .
وروَى ابنُّ المباركِ عن هشامِ بنِ عروةَ الحديثين جميعًا ، فدلَّ على أنهما
حديثان ، وبان به ذلك ، والحمدُ للهِ .
قرَأْتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ ، أن قاسم بن أصبغَ حدَّثھم ، قال : حدّثنا
القبس
(١) الحميدى (٤٣٢).
(٢) فى م: ((الفضل)).
(٣) فى م: ((خزيمة)) .
٩

الموطأ
التمهيد محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذىُّ، قال: حدَّثنا نعيمُ بنُ حمادٍ ، قال: حدَّثنا ابنُ
المباركِ، قال: أخبرنا هشامُ بنُ عروةَ، عمَّن حدَّثه، عن عمارةَ بنِ خزيمةَ بنِ
ثابتٍ، عن أبيه قال: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((الاستطابةُ بثلاثةِ أحجارٍ ليس فيها
رجيعٌ)). قال هشامُ بنُ عروة١َ : يعنى الحجرَ مرتين. قال ابنُّ المباركِ : وأخبرنا
هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((أَوَلا يجِدُ أحدُكم ثلاثةَ
أحجارٍ؟)) .
قال أبو عمر : جوّد ابنُ المباركِ هذا الحدیث بالإسنادین ، وما زال مجوِّدًا
رضِى اللهُ عنه . وقد ذكَر عبدُ الرزاقِ عن ابنٍ عيينةَ الحدیثین جميعًا ، عن هشامٍ،
عن أبيه مرسلًا. وعن هشامٍ، عن أبى وجزةً، عن خُزيمةً، عن النبيِّ وَلِ .
قال أبو عمرَ: قولُهُ وَّهِ: ((ليس فيها رجيعٌ)). يردُّ قولَ الطبرىِّ، حيثُ
قال : كلُّ طاهرٍ و کلُّ نجس أزال النجو اجزاً . ویردُّه أيضًا حدیثُ ابن مسعودٍ عن
النبيِّ بَّهِ إِذ رمَى بالرّوثةِ وقال: ((هى رجس - أو - ركسٌ))). والذى عليه
جمهورُ الفقهاءِ أنه لا يجوزُ الاستنجاءُ بغيرِ الطاهرِ من الأحجارِ وما قام مقامَها .
وقد مضَى فى بابِ ابنِ شهابٍ ما للعلماءِ فى هذا البابِ كلّه من التنازعِ واختلافٍ
المذاهب ، والحمدُ للهِ .
وأما روايةُ مسلم بنٍ قُرطٍ عن عروةَ فى هذا الحديثِ ، فأخبرنا عبدُ اللهِ بنُ
القبس
(١ - ١) ليس فى: الأصل، م.
(٢) أخرجه أحمد ٧٦/٧، ١٤٦ (٣٩٦٦، ٤٠٥٦)، والبخارى (١٥٦)، والنسائى (٤٢)،
وابن ماجه (٣١٤).
(٣) ينظر ما تقدم فى ٣٩٦/٢، وما بعدها .
١٠

الموطأ
محمدِ بنِ يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسةً، قال: حدَّثنا أبو داودَ ، التمهيد
قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ منصورٍ وقُتيبةُ بنُ سعيدٍ، قالا: حدَّثنا يعقوبُ بنُّ
عبدِ الرحمنِ، عن أبى حازمٍ، عن مسلم بنِ قُرطٍ، عن عروةَ، عن عائشةً ، أن
رسولَ اللهِ پے قال: «إذا ذهب أحدُ كم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثةِ أحجارٍ
یستطیب بها ، فإنها تُجزئُ عنه))(١).
وحدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنى قُتيبةُ بنُ سعيدٍ ، قال: حدَّثنا يعقوبُ بنُ
عبد الرحمنِ وعبدُ العزيزِ بنُ أبى حازمٍ ، عن أبى حازمٍ، عن مسلم بنِ قُرطٍ ، عن
عروةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ وَ لِّ مثلَهُ(١) .
قال أبو عمرَ : روَى فى هذا البابِ جماعةٌ مِن الصحابةِ ؛ فيهم (١) أبو أيوبَ،
وسلمانُ، وأبو هريرةَ، وأثبتُها حديثُ أبى هريرةَ وسلمانَ، وكلُّها حِسانٌ .
قال الأخفشُ(٤): الاستطابةُ الاستنجاءُ بالأحجارِ، يقالُ منه : استطاب
الرجلُ وأطاب. إذا استنجَى، ويقالُ: رجلٌ مُطِيبٌ . إذا فعَل ذلك، قال
القبس
(١) أخرجه البيهقى فى الخلافيات (٣٥٩) من طريق ابن داسة به ، وهو فى سنن أبى داود (٤٠) ،
وأخرجه أحمد ٤٧٠/٤١ (٢٥٠١٢)، والدارمى (٦٩٧)، والبيهقى ١٠٣/١ من طريق سعيد بن
منصور به .
(٢) النسائى (٤٤)، وفى الكبرى (٤٢) بدون ذكر يعقوب بن عبد الرحمن، وأخرجه المزى فى
تهذيب الكمال ٥٢٩/٢٥ من طريق قتيبة به ، وأخرجه أحمد ٢٨٨/٤١ (٢٤٧٧١) من طريق
عبد العزيز بن أبى حازم به .
(٣) فى ف: ((منهم)) .
(٤) سعيد بن مسعدة أبو الحسن البلخى الأخفش، أخذ عن الخليل، ولزم سيبويه حتى برع، له =
١١
!
أ

الموطأ
التمهيد الشاعرُ، وهو الأعشَى (١):
يا رَخَمًا قاظ على مَطْلوبٍ(٢)
يُعْجِلُ كفَّ الخارِىِّ المُطِيبٍ(٣)
وأما قولُه: قاظ . فإنه أراد : قام عليه فى القَيظِ فى اليومِ الصائفِ .
قال أبو عمرَ: الاستطابةُ والاستنجاءُ والاستجمارُ، معنَى هذه الثلاثةِ
الألفاظِ واحدٌ ، وقد فشَّرنا معنَى الاستجمارِ فى اللغةِ والفقهِ وما للعلماءِ فى
الاستنجاء من المذاهب فی أُصولِ مسائلِه وفروعها مبسوطًا مُمھَّدًا فی بابِ ابنِ
شهابٍ ، عن أبى إدريسَ الخولانيٌ، فلا وجه لتكريرِ ذلك هلهنا(١) .
حدّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدّثنا أبو الفوارسِ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ
السُّندىِّ، قال: حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ بكرٍ ، قال :
حدثنا الأوزاعىُّ ، قال : حدَّثنی عثمانُ بنُ أبی سودةً، قال : حدّثنی أبو شعیبٍ
الحضرميُّ، قال: سمِعتُ أبا أيوبَ الأنصارىَّ الذى نزَل عليه رسولُ اللهِ وَهِ
يقولُ: قال رسولُ اللهِ وَّهِ: ((إذا تغوَّط أحدُكم فَلْيَستنجِ بثلاثةِ أحجارٍ، فإن
ذلك طَهورُه»(٤).
القبس
= (الأوساط)) فى النحو، و((معانى القرآن)) وغيرهما، مات سنة نيف عشرة ومائتين، وقيل: سنة
عشر. سير أعلام النبلاء ١٠/ ٢٠٦، وبغية الوعاة ١/ ٥٩٠.
(١) ديوانه ص ٢٦٥. وروايته: على ينخوب .
(٢) رَخَمًا، الرَّحَمَةُ: طائر أبقع على شكل النسر خِلقة، إلا أنه مُتَقَّعَ بسوادٍ وبياضٍ يقال له:
الأَنُوقُ . والجمع رَخَمٌ ورُخْمٌ. ومَطْلوب: اسم موضع. ينظر اللسان (ط ل ب، رخ م) والرجز فيه .
(٣) ينظر ما تقدم فى ٣٩١/٢ وما بعدها .
(٤) أخرجه الطبرانى (٤٠٥٥)، وفى الأوسط (٣١٤٦) من طريق الأوزاعى به .
١٢

الموطأ
وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا بُكيرُ بنُ الحسنِ الرازىُّ ، قال: التمهيد
حدَّثنا بكارُ بنُ قُتيبةَ القاضِى، قال: حدَّثنا صفوانُ بنُ عيسَى، قال: حدّثنا
محمدُ بنُّ عجلانَ ، عن القعقاع بن حكيمٍ ، عن أبى صالحٍ ، عن أبى هريرةَ قال :
قال رسولُ اللهِ نَّهِ: ((إنما أنا لكم مثلُ الوالدِ أعلِّمُكم، فإذا أتَى أحدُكم الغائطَ
فلا یستقبل القبلةً ولا يستدیزها ، وإذا استطاب فلا يستطِب بيمينه)» . و كان يأمرُ
بثلاثةِ أحجارٍ ، وينهَى عن الرَّوْثِ والرَّمَّةِ(١) .
وقرَأْتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ، أن قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم،
قال: حدَّثنا علىُ بنُ عبدِ العزيزِ، قال: حدَّثنا هُذْبةُ بنُ خالدٍ، قال:
حدَّثنا حمادُ بنُ الجعدِ، حدَّثنا قتادةُ، حدَّثنى خلَّادُ(١) بنُ السائبِ
الجُهَنىُّ، عن أبيه السائبِ، أن نبيَّ اللهِ وَّرِ قال: ((إذا دخَل أحدُكم
الخلاءَ فَلْيَتمسَّخ بثلاثةِ أحجارٍ ))(٣).
القبس
(١) أخرجه القزوينى فى التدوين ٢٦٦/١ من طريق بكير بن الحسن به، وأخرجه ابن المنذر
فى الأوسط (٢٩٥، ٣١٧)، والطحاوى فى شرح المعانى ١٢٣/١، ٢٣٣/٤ عن بكار بن
قتيبة به، وأخرجه أبو عوانة (٥٠٩) من طريق صفوان به، وأخرجه أحمد ٣٢٦/١٢، ٣٢٧
(٧٣٦٨، ٧٤٠٩)، وأبو داود (٨)، وابن ماجه (٣١٢)، والنسائى (٤٠) من طريق ابن
عجلان به .
(٢) فى م: ((خالد)). وينظر تهذيب الكمال ٣٥٤/٨.
(٣) أخرجه الطبرانى (٦٦٢٣) عن على بن عبد العزيز به، وأخرجه البخارى فى التاريخ الكبير ٤/ ١٥١،
وابن أبى عاصم فى الآحاد والمثانى (٢٥٨٩)، والطبرانى (٦٦٢٣)، وابن عدى ٦٦٢/٢ من طريق هدبة بن
خالد به .
١٣

الموطأ
قال أبو عمرَ: هذه الآثارُ كلُّها ، المرسلُ منها والمسندُ ، وهى صحاحٌ
التمهيد
كلُّها، تُوجِبُ الاقتصارَ على ثلاثةِ أحجارٍ فى الاستنجاءِ دونَ تقصيرٍ عن هذا
العددِ، وهذا موضعٌ اختلف فيه العلماءُ؛ فذهَب مالكٌ، وأبو حنيفةً،
وأصحابُهما ، إلى أنه جائزٌ الاستنجاءُ بأقلَّ مِن ثلاثةِ أحجارٍ إذا ذهَب(١) النَّجُوُ.
هذا هو المشهورُ من مذهبٍ مالكِ؛ لقولِه وَله: ((من استجمَر فَلْيُوتِرْ)) (١).
والوَترُ قد يكونُ واحدًا ، وثلاثةً، وخمسةً، وأكثرَ من ذلك .
وقال الشافعىُّ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وجماعةٌ : لا يجوزُ أن يُقتصَرَ على أقلَّ
من ثلاثةِ أحجارٍ فى الاستنجاءِ. وذكر أبو الفرج أنه مذهبُ مالكِ ، واحتجَّ له
بحديثٍ أبى هريرةَ المذكورِ فى هذا البابِ وحديثٍ سلمانَ .
حدَّثنا محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا
أحمدُ بنُ شعيبٍ ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ ، قال: أخبرنا أبو معاويةً ، عن
القبس
واختُلِف فى ذكرٍ هذه الثلاثةِ الأحجارِ ؛ فقال الشافعىُّ: هى الأصلُ، لا يجوزُ
أقلّ منها. وقال مالكٌ وأبو حنيفةً: إذا أنقَى بحجَرٍ واحدٍ أجزأه، وقد قال النبيُّ وَليهِ :
((مَن استَجمَرَ فَلْيُوتِرْ، ومَن فعَل فقد أحسنَ، ومَن لا فلا حرَجَ)). وفائدةُ تخصيصِه
للثلاثةِ الأحجارِ بالذكْرِ أنها كافيةٌ فى الأُغلَبِ؛ حجرانٍ للصفحتين وحجرٌ
(٣)
للمَسْرَيَّةُ".
(١) فى الأصل: ((أُذهب)).
(٢) تقدم فى الموطأ (٣٣).
(٣) فى ج، م: ((المشربة)). والمسربة: يريد بها أعلى الحلقة، وهو بفتح الراء وضمها: مجرى
الحدث من الدبر، وكأنها من السرب: المسلك. التاج (س ر ب).
١٤

الموطأ
الأعمشِ، عن إبراهيمَ ، عن عبد الرحمنِ بنِ يزيدَ، عن سلمانَ ، قال له رجلٌ: التمهيد
إن صاحبكم ليعلُّمُكم حتى الخِراءةَ ! قال : أجل ، نهانا أن نستقبِلَ القبلةَ بغائطٍ
أو بولٍ، أو نستنجِىَ بأَيْمانِنا، أو نكتفِىَ بأقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ (١).
قال أبو عمرَ : تحصيلُ مذهبٍ مالكِ عندَ أصحابِهِ أن الاستنجاءَ بثلاثةِ
أحجارٍ حسنٌ، والوَتْرَ فيها حسنٌ؛ لما رُوِى عن النبيِّ بَلِّ أنه قال: ((من أُوتَر
- يعنى فى ذلك - فقد أحسَن، ومَن لا فلا حرجَ)) (١). وجائزٌ عندَهم
الاقتصارُ على أقلَّ مِن ثلاثةِ أحجارٍ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ وَلَّ أَتِى بحجرین
ورَوْثةٍ، فأخَذ الحجرين ورمَى الرَّوْثةَ، ولم يَدُْ بالبدلِ منها . ومذهبُ أبی
حنيفةً فى الاستنجاءِ نحۇُ مذهب مالك سواءً، قال أصحابه : يستنجی بثلاثةِ
أحجارٍ ، فإن لم يُنْقِ زاد حتى يُنْقِىَ، وإن أنقَى حجرٌ واحدٌ أُجْزَأ، وكذلك
غسلُه بالماءِ، إن أنقَى بغسلةٍ واحدةٍ أجزأه فى المَخرَجِ، وما عدا المُخرَجَ،
فإنما يُغْسَلُ بالماءِ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِهما، فيما عدا
المَخرجَ مِن النَّجْوِ أنه لا يطهِّرُه إلا الماءُ.
وقد ذكرنا أحكام الاستنجاءِ و کثیرًا من مسائله مستوعبةً مجوّدةً فى بابٍ
ابنِ شهابٍ، عن أبى إدريسَ، من هذا الكتاب) ، والحمدُ للهِ .
القبس
(١) النسائى (٤١)، وفى الكبرى (٤٠). وأخرجه أحمد ١٢٤/٣٩ (٢٣٧١٩)، ومسلم (٢٦٢)،
وأبو داود (٧)، والترمذى (١٦) من طريق أبى معاوية به .
(٢) تقدم تخريجه فى ٣٩٧/٢.
(٣) ينظر ما تقدم فى ٣٩٤/٢ وما بعدها.
١٥

الموطأ
٥٧- وحدّثنى عن مالكِ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ ، عن أبيه ،
عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَله خرَج إلى المقبرةٍ فقال: ((السلامُ
عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، وإنا إن شاء اللهُ بكم لاحقُون ، وَدِدْتُ أنى قد
رأيتُ إِخوانَنا)). فقالوا: يا رسولَ اللهِ ، ألسنا بإخوانِك؟ قال: ((بل أنتم
التمهيد
مالكٌ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ
وَلَّهُ خرَج إلى المقبرة، فقال: ((السلامُ عليكم دارَ قوم مؤمنين، وإنا إن شاء اللهُ
بكم لاحقون، ودِدْتُ أنى قد رأيتُ إخوانَنا)). قالوا: يا رسولَ اللهِ ، ألسنا
بإخوانِك؟! قال: ((بل أنتُم أصحابى، وإخواتُنا الذين لم يأتوا بعدُ، وأنا فرَطُهم
على الحوضِ)). قالوا: يا رسولَ اللهِ، كيف تعرِفُ مَن يأتى بعدَك مِن أَمتِك؟
قال: (أرأيتَ لو كانت لرجلٍ خيلٌ غُرٌّ مُحبّلةٌ فى خيلٍ دُهْمٍ (١) يُهْمٍ(٢)، ألا يَعرِفُ
خيلَه؟)) قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: ((فإنهم يأتون يومَ القيامةِ غرَّا مُحُّلین من
الوضوءِ، وأنا فرَطُهم على الحوضِ ، فلا يُذادَنَّ رجالٌ(٣) عن خَوْضى كما يُذادُ
البعيرُ الضالُّ، أنادِيهم: ألا هلُمَّ، ألا هلمّ. فيقالُ: إنهم قد بدَّلوا بعدَك. فأقولُ:
القبس
حديثٌ: قولُه: إن النبيَّ وَله خرَج إِلى المقبرة. إلى آخرِه. أما خُروجُه ◌ِل
فيحتمِلُ أن يكونَ اتفاقًا، ويحتمِلُ أن يكونَ اعتبارًا، ويحتمِلُ أن يكونَ بوخي
للترَمحم.
(١) الدهم، جمع الأدهم، وهو الأسود، يكون فى الخيل والإبل وغيرهما ، يقال: فرس أدهم وبعير
أدهم. اللسان (د هـ م).
(٢) البهم: جمع بهيم، وهو فى الأصل الذى لا يخالط لونه لون سواه. النهاية ١٦٧/١.
(٣) فى م: (رجل).
١٦

أصحابى، وإِخواتُنا الذين لم يأتُّوا بعدُ، وأنا فرَطُهم على الحوضِ)). الموطأ
فقالوا : يا رسولَ اللهِ، كيف تَعرِفُ مَن يأتِى بعدَك مِن أَمَّتِك؟ قال :
((أرأيتَ لو كان لرجلٍ خيلٌ غُرِّ مُحَجَلَةٌ فى خيلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ ، ألا يَعرِفُ
خيلَه؟)). قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: ((فإنهم يأْتُون يومَ القيامةِ غُرًّا
مُحَجَّلين من الوضوءِ، وأنا فَرَطُهم على الحَوضِ ، فَيُذادَنَّ رجالٌ عن
حوضِى كما يُذَادُ البعيرُ الضالُّ، أُناديهم: ألا هَلُمَّ، أَلَا هَلُمَّ، ألا هَلُمَّ .
فيُقالُ: إنهم قد بَدَّلوا بعدَك. فأقولُ [١٠]: فشُحْقًا، فشُحْقًا، فشُحْقًا)).
التمهید
فشُحقًا ، فشُحقًا، فشُحقًا))(١).
قال أبو عمرَ : فى هذا الحديثِ من الفقهِ إباحةُ الخروج إلى المقابرِ وزيارةٍ
القبورِ ، وهذا مجتمَعٌ عليه للرجالِ ، ومختلَفٌ فيه للنساءٍ، وقد ثبت عن النبيِّ
وَلِلِّ، أنه قال: ((كنتُ نهيتكم عن زيارة القبورِ فزورُوها ولا تقولوا هُجْرًا )؛
وقولُه: ((السلامُ عليكم)). قال قومٌ: يقالُ دعاءً(٣) لهم بالسلامةِ. وقيل: أُمِر القبس
بذلك فيهم فأحياهم اللهُ حتى سمِعوه . وقيل : بل هى السنَّةُ فى كلِّ مارٌّ بمَقبَرةٍ .
وقد رُوِى عن النبيِّ وَهِ أن رجلًا دخَل فقال: عليكم السلام. فقال
(١) الموطأ برواية أبى مصعب (٧٢)، وأخرجه أحمد ٤٦٣/١٤ (٨٨٧٨)، ومسلم (٢٤٩)،
وأبو داود (٣٢٣٧)، والنسائى (١٥٠)، وابن خزيمة (٦) من طريق مالك به.
(٢) هُجْرا: أى فحشا، يقال: أهجر فى منطقه يُهجر إهجارًا، إذا أفحش، وكذلك إذا أكثر الكلام
فيما لا ينبغى. النهاية ٢٤٥/٥.
(٣) سقط من : ج، م .
١٧
( موسوعة شروح الموطأ ٢/٣)

الموطأ
التمهيد فإنها تُذكِّرُ الآخرةَ)). وقد مضى القولُ فى هذا المعنى عندَ ذكرِ هذا الحديثِ فى
بابٍ ربيعةً، ومضَى القولُ فى زيارةِ النساءِ للمقابرِ، وما للعلماءِ فى ذلك، وما
رُوِى فيه مِن الأثرِ فى غيرِ موضع مِن كتابِنا هذا ، فلا وجه لتكرارِ ذلك هلهنا .
وأما قولُه فى المقبرةِ: ((السلامُ عليكم دارَ قوم مؤمنينَ)) . فقد رُوِى مِن وجوه
حسانٍ ، وحديثُ العلاءِ هذا مِن أحسنها إسنادًا .
رسولُ اللهِ وَهِ: (( قُلْ: سلام عليك. فإِن عليك " السلامُ تَحِيَّةُ المِيَّتِ)) . فقيل:
القبس
أشار به إلى التأيين(٤). كقوله (٥):
يَدُ اللهِ فى ذاكَ الأُديمِ المُمَزَّقِ
عليكَ السلامُ مِن أميرٍ وبارَكَتْ
(٦)
وكقوله(٦):
ورحمتُه ما شاءَ أن يترَخَّمَا
عليك سَلامُ اللهِ قیسَ بنَ عاصم
وقيل : هو منسوتٌ بهذا الحديث . وهذا أصحُ منه .
وقولُه : ((دارَ قومٍ مؤمنين)). كنَى بالدارِ عن العَمَرةِ لها ، وذلك كثيرٌ فى نَصاحَةٍ
العربِ، تُعبّرُ بالمنزلِ عن أهلِه .
وقولُه: (مؤمنین)) . فحگم لهم بالإيمان ؛ إما لما علِم مِن حالهم و گُشِف لهمِن
(١) سيأتى فى شرح الحديث (١٠٥٨) من الموطأ .
(٢) سقط من: م.
(٣) أبو داود (٤٠٨٤، ٥٢٠٩)، والترمذى (٢٧٢١، ٢٧٢٢)، والنسائى فى الكبرى (١٠١٥٠).
(٤) التأبين: مدح الرجل بعد موته، وقيل: هو الثناء على الرجل بعد الموت وفى الحياة . ينظر اللسان (أب ن).
(٥) البيان والتبيين ٣/ ٣٦٤، والاستيعاب ١١٥٨/٣، وهو مختلف فى نسبته.
(٦) البيت لعبدة بن الطبيب وهو فى الاستيعاب ١٢٩٦/٣، والإصابة ١١٣/٥.
١٨

الموطأ
وقد روَى شعبةُ وسفيانُ، عن علقمةَ بنِ مرثدٍ ، عن سليمانَ بنِ بُريدةً، التمهيد
عن أبيه، أن النبيَّ وَ لّه كان إذا مرَّ على القبورِ قال: ((السلامُ عليكم دار قومٍ
مؤمنين، وإِنَّا إن شاء اللهُ بكم لاحقون، غفَر اللهُ العظيمُ لنا ولكم، ورحِمنا
(١)
وإياكم)) ().
وقد حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم ويَعيشُ بنُ سعیدٍ ومحمدُ بنُ حكمٍ ، قالوا :
حدَّثنا محمدُ بنُ معاويةً، قال: حدَّثنا أبو خليفةَ الفضلُ بنُ الحُبابِ ، قال:
حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ مسلمةَ القعنبيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ
الدراوردىُّ، قال: حدَّثنا شريكُ بنُ أبى نمرٍ ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ ، عن عائشةً،
أنها قالت: كان النبيُّ وَلَهِ يخرج من(١) الليلِ إلى المقبرةِ، فيقولُ: ((السلامُ
عليكم دارَ قومٍ مؤمنين ، أتانا وإياكم ما تُوعدون ، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون ،
اللهمَّ اغفر لأُهلِ بَقيعِ الغَرْقَدِ))(١).
غَيِيِهم، وإما بظاهرِ الحالِ التى فارَقُوه عليها، والحكمُ بظاهرِ الحالِ فى الإيمانِ القبس
واجبٌ ؛ مِن موتٍ فى شهادةٍ أو تكلّم بكلمة التوحيدِ عندَ المنيّة؛ ولذلك قال النبيُّ
وَه: («أنا شهيدٌ على هؤلاءِ)).
(١) أخرجه أحمد ٨٩/٣٨، ١٤٧ (٢٢٩٨٥، ٢٣٠٣٩)، ومسلم (٩٧٥) ، وابن ماجه
(١٥٤٧) من طريق سفيان به، وأخرجه النسائى (٢٠٣٩) من طريق شعبة به .
(٢) فى ص ١٦، ص ٢٧: ((فى)).
(٣) أخرجه أبو داود فى الجنائز برواية أبى الحسن بن العبد - كما فى تحفة الأشراف (١٧٣٩٦) عن
القعنبى وقتيبة به ، وأخرجه اللالكائی (١٧٦١) من طريق الدراوردى به، وأخرجه أحمد ٢٩٧/٤٢،
٢٩٨ (٢٥٤٧١)، ومسلم (٩٧٤)، والنسائى (٢٠٣٨) من طريق شريك به .
١٩

الموطأ
التمهيد
وقد احتجُّ(١) مَن ذهَب إلى أن أرواحَ الموتَى على أفنيةِ القبورِ ، واللهُ أعلمُ بما
أراد رسولُهُ وَِّ ﴿ بسلامِه عليهم، وقد نادَى أهلَ القليبِ ببدرٍ، وقال: ((ما أنتُم
بأسمعَ منهم إلا أنهم لا يستطيعون أن يُجِيبوا))(٢) . قيل: إن هذا خصوصٌ.
وقيل: إنهم لم يكونوا مقبورِين؛ لقوله: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُسْيِعٍ مَّن فِى
اُلْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]. وما أدِى ما هذا!
وقد روَى قتادةُ عن أنسٍ فى الميتِ حينَ يُقْبَرُ: إنه لِيَسْمَعُ خَفْقَ نِعالِهم إذا
ولَّوا عنه مدبرین(٣).
وهذه أمورٌ لا يُستطائعُ(٤) على تكييفِها، وإنما فيها الاتِّبائُ والتسليمُ .
قال أبو عمرَ: ينبغى لمَن دخَل المقبرةً أن يُسلِّمَ ويقولَ ما رُوِى عن
النبيِّ وَلِّ أنه قال، فإن لم يفعلْ فلا حرجَ ولا بأسَ عليه، ويمكِنُ أن يكونَ قولُه
ذلك وَ لّ على وجهِ الاعتبارِ والفكرةِ فى حالِ الأمواتِ.
حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مطرّفٍ،
وحدَّثنا إبراهيمُ بنُ شاكرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ بن عثمانَ ، قالا :
القبس
(١) بعده فى ص ٢٧، م: ((به)).
(٢) أخرجه أحمد ٣١٤/١ (١٨٢)، ومسلم (٢٨٧٣) من حديث عمر، وأخرجه البخارى
(١٣٧٠) من حديث ابن عمر، ومسلم (٩٣٢) من حديث عائشة .
(٣) أخرجه البخارى (١٣٣٨، ١٣٧٤)، ومسلم (٢٨٧٠) من طريق قتادة به.
(٤) فى ص ١٦، ص ١٧، ص ٢٧: ((أستطيع)).
٢٠