Indexed OCR Text
Pages 221-240
الموطأ
التمهید
وقال منقذٌ الهلالى(١) :
والدَّهرُ ليسَ ينالُه وثر
و كذاك يفعلُ فى تصژفه
وأَما قال، واللَّهُ أعلمُ، فى هذا الحديثِ: ((فكأنَّما وُتِرَ أهلَه))(٢). ولم يقلْ:
مات أهلُه؛ لأنَّ المَزْتُورَ(١) يجتمِعُ عليه همَّانِ؛ همّ ذهابٍ أَهلِهِ ، وهمُّ الطلبِ بِثَأرِهِ
ووَثْرِهِ، فالذى تفوتُه صلاةُ العصرِ ، فمصيبتُه، لو حصَّل وفَهِم ، كمصيبةِ هذا،
واللَّهُ أعلمُ. وقد جاءَ عن النبيِّ وَّه فى الذى تفوتُه صلاةُ العصرِ حديثٌ أشدُّ مِن
هذا فى ظاهرِهِ، وليس على ظاهرِهِ، والمعنى فيه عندَ أهلِ السنةِ كالمعنى فى هذا
سواءٌ .
حدَّثنا سعيدُ بنُّ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ،
قال : حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبى شيبةَ، قال: حدَّثنا
يزيدُ بنُ هارونَ، وحدَّثنا عبدُ الوارثِ ، قال: حدَّثنا قاسم، قال: حدَّثنا بَكْرُ بنُ
حمادٍ ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، قالا جميعًا : أخبرنا هشامُ بنُ
أبى عبدِ اللَّهِ الدَّسْتُوائىُّ، قال: حدَّثنى يحيى بنُ أبى كثيرٍ، عن أبى
قلابةَ، قال: حدَّثنى أبو الملِيح، قال: كنا مع بُرَيدَةً فى سفرٍ فى يومٍ
غَيْمِ، فقال: بَكّروا بالعصرِ - وقال يحيى: بالصلاةِ - فإنَّ رسولَ اللَّهِ
وَلَّه قال: ((من ترَكَ صلاةَ العصرِ فقد حبط عملُه)). وقال يزيدُ: ((من
القبس
(١) ديوان الحماسة ٥١٨/١، والمنازل والديار ص ٤٣٨.
(٢) بعده فى الأصل: ((وماله)).
(٣) فى الأصل: ((الوتر)).
(٤) فى م: ((يزيد).
٢٢١
الموطأ
التمهيد فاتته صلاةُ العَصْرِ حَبِطَ عَمَلُه))(١).
ورَوَاه الأوزاعِىُّ، عن يَخْتِى بن أبى كَثِيرٍ، عن أبى قِلابَةً، عن أيِى الْمُهَاجِرِ،
عن بُرِيدةً، عن النبيِّ وَلِهِ .
ذكَرَه ابنُ أبى شيبةً(٢)، عن وكبعٍ وعيسى بنِ يُونُسَ جميعًا ، عن الأوزاعِىِّ .
قال أبو عمرَ: معنى قولِه فى هذا الحديثِ: ((حَبِطَ عملُه)). أى: حَبِطَ
عملُه فيها ، فلم يحصُلْ على أجرٍ من صلّاها فى وقتِها . يعنى أنَّه إذا عَمِلَها بعدَ
خروجٍ وقتها فقد حَبِط أجرُ عملِها فى وقتِها وفضلُه، واللَّهُ أعلمُ ، لا أنَّه يَحبَطُ
عملُه جملةً فى سائرِ الصلواتِ ("والإِيمانِ) وسائرٍ أعمالِ البرّ، أعوذُ باللهِ من مثل
هذا التأويلِ، فإِنَّه مذهبُ الخوارج، وإنّما يُخْبِطُ الأعمالَ الكفرُ باللهِ(٤) ، قالَ اللَّهُ
عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِلْإِيَمَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]. "وقال عزَّ
وجلّ: ﴿لَبِنَّ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . وفى هذا النصِّ دليلٌ واضحٌ
أنَّ من لم يكفر بالإيمانِ لم يَحبَطْ عملُه .
وقد اختلف فى تأويل قوله ن( فقد خبطَ عملُه)) . بما قد ذكرناه فى (( کتاب
المرتدِ))، وروايةٌ من روَى فى هذا الحديثِ: ((تَرَكَ صلاةَ العصرِ)). أولى من روايةٍ
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٣٤٣/١، ٢٣٧/٢. وأخرجه أحمد ١٥٥/٣٨ (٢٣٠٤٨)، والنسائى (٤٧٣)،
ومحمد بن نصر فى تعظيم قدر الصلاة (٩٠٢) من طريق يحيى بن سعيد القطان به، وأخرجه
الطيالسى (٨٤٨)، والبخارى (٥٥٣، ٥٩٤)، وابن خزيمة (٣٣٦) من طريق هشام به .
(٢) ابن أبى شيبة ٣٤٢/١.
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) سقط من: م، وفى ى: ((وحده)).
٢٢٢
الموطأ
٢١ - وحدثنى يحيى، عن مالك، عن يحيى بن سعيدٍ ، أنَّ عمرَ بنَ.
الخطابِ انصرَفَ مِن [٤ ظ] صلاةِ العصرِ، فَلَقِىَ رجلًا لم يَشهدِ العصرَ ، فقال
عمرُ: ما حَبَسَكَ عن صلاةِ العَصْرِ؟ فَذَكَرَ له الرجلُ عُذْرًا، فقال عمرُ: طَفَّفْتَ.
قال يحيى: قال مالكٌ: ويُقالُ: لَكُلِّ شىءٍ وَفَاءٌ وتَطْفِيفٌ .
من روى: ((فاتتْه)). وقد يكونُ المعنى: فاتته بتركِه(١) لها، فحَبِطَ عملُه فيها .
فلا يكونُ فى ذلك تناقضٌ، ولا يسمَّى النَّاسى لها، والنَّائمُ عنها، والمحبوسُ عن
القيامِ إليها ، تارِ كًا لها؛ لأنَّ الفاعلَ مَن فعَل التركَ، واختارَه بقصدٍ منه إليه وإرادةٍ
له؛ وليس كذلك مَن وصفنا حالَه من النَّاسى والنائم والمغلوب. وقد ذكرنا
أحكامَ تاركِ الصلاةِ عامدًا ، وما للعلماءِ فى ذلك من المذاهبِ ، فی بابِ زَيْدِ بنِ
اسْلَم ، والحمدُ للهِ(١) . ومَن ترك صلاة العصرِ أو غيرها جحودًا بها ، فهو كافرٌ قد
خَبِطَ عملُه عند الجميع. وباللَّهِ التوفيقُ .
التمهيد
مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، أن عمرَ بنَ الخطابِ انصرَف مِن صلاةٍ الاستذكار
العصرِ ، فلقِى رجلًا لم يَشهدْ صلاة العصرِ، فقال عمر: ما حبَسَك عن صلاةٍ
العصرِ؟ فذكّر له الرجلُ عُذْرًا، فقال عمر: طفَّفْتَ(٣). قال مالكٌ: ويقالُ: لكلِّ
القبس
(١) فى م: ((تركه)).
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (٢٩٦) من الموطأ .
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٣). وأخرجه ابن بشكوال فى غوامض الأسماء المبهمة ٢٣٣/١ من
طريق مالك به .
٢٢٣
الموطأ
الاستذكار شىءٍ وفاءٌ وتَطْفِيفٌ .
قال بعضُ أصحابِنا وبعضُ مَن تقدَّمه مَّن شرَح ((الموطأ)): إنَّ الرجلَ الذى لقِيه
عمر لم يَشْهَدِ العصر فى هذا الحدیثِ فهو عثمانُ بنُ عفان ،وهو لا يوجدُ فی أثرٍ
علِمْتُه، وإنما عثمانُ هو الذى جاء وعمرُ يَخْطُبُ ، فقال له عمر: أيةُ ساعةٍ هذه؟
وذلك يومَ الجُمُعةِ . ورُوِى ذلك أيضًا مِن طرقٍ ثابتةٍ قد ذكَوْتُها فى ((التمهيدِ))(١).
وأما الرجلُ المذكورُ فى هذا الحديثِ فهو رجلٌ مِن الأنصارِ من بنى حَديدَةً(١).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُّ سفيانَ، حدَّثنا قاسمُ بنُّ أَصَبْغَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ
ابنُ مَسْلَمَةَ القَعْتَبِىُّ، قال: حدَّثنا ابنُّ أبى ذئبٍ ، عن أبى حازمِ التَّمَّارِ، عن ابنِ حَديدةَ
الأنصارىِّ صاحبٍ النبيِّ عليه السلامُ، قال: لقِيَتى عمرُ بنُ الخطابِ بالزَّوْراءِ ) وأنا
ذاهبٌ إلى صلاةِ العصرِ، فسألنى : أين تذهبُ ؟ فقلتُ : إلى الصلاةِ . فقال :
طفَّفْتَ فأسرع. قال : فذَهَبْتُ إلى المسجدِ فصلَیْتُ ورجعتُ ، فوجدتُ جاریتی
قدِ احْتُبِسَتْ علينا من الاستقاءِ، فذهبتُ إليها برُومةَ، فجئتُ بها والشمسُ
طالعةٌ (٤) . قال: قيل للقَعْنَبِىِّ: ما رُومةُ؟ قال: بئرُ عثمانَ بنِ عفانَ(٥).
وأما قولُ عمرَ للرجل : طَفَّفْتَ . فمعناه : أنك نقَصتَ نفسَك حظّها مِن
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديث (٢٢٦) من الموطأ .
(٢) ينظر طبقات ابن سعد ٣٥٣/٤.
(٣) الزوراء: موضع عند سوق المدينة قرب المسجد. وقيل: بل الزوراء سوق المدينة نفسه. معجم
البلدان ٢ / ٩٥٥.
(٤) فى م: ((صالحة))، وطمس فى ص . والمثبت من مصدرى التخريج.
(٥) أخرجه ابن بشكوال فى غوامض الأسماء المبهمة ٢٣٤/١ من طريق المصنف به، وأخرجه
البخارى فى تاريخه ٤٢٩/٨، من طريق ابن أبى ذئب به .
٢٢٤
٦
الموطأ
الاستذكار
الأجرِ بتأخّرِك عن صلاةِ الجماعةِ. وأظُُه لم يَقْبَلْ عُذْرَه المذكور فى حديثٍ
مالكٍ؛ لأنَّ مَن حبسه عذرٌ مانعٌ عن عملٍ صالحٍ يريدُه فقد قدَّمنا من الآثارِ ما يَبِينُ
به أنه يُکتبُ له مثلُ أجرٍ عملِه .
وأما التَّطْفيفُ فى لسانِ العربِ فهو الزيادةُ على العدلِ والنُّقْصانُ منه، وذلك
ذَكِّ لفاعلِه. قال اللهُ تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَّفِّفِينَ ﴿ الَّذِينَ إِذَا أُكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ
،وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو ◌َزَنُوُهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٣]. ومَن ذمَّه اللهُ
يَسْتَوِفُونَ
تعالى اسْتَحقَّ عقوبته، كما أنَّ مَن مدَحه استَحقَّ ثوابه .
وأما قولُ مالكِ: لكلِّ شىءٍ وفاءٌ وتَطْفيفٌ . فإنه يعنى أنَّ هذه اللفظةَ تَدْخُلُ
فى كلِّ شيءٍ مذمومٍ زيادةً ونقصانًا .
وروَى أبو أحمد (١) الزُّبَيْرِىُّ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن أبى إسحاق ، عن
علىّ، قال: الصلاةُ كالكَيْلِ، فمَن وفَّى وُنِّى له.
ورؤَى ابنُّ عُيينةَ وغيرُه، عن الأعمشِ، عن مالكِ بنِ الحارثِ، عن مُغِيثٍ
ابنِ شُمَىٍّ: ﴿وَيْلُ لِلْمُطَّفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١]. قال: التطفيفُ فى الصلاةِ
والوضوءِ والمكيالِ والميزانِ .
حدَّثنا خلفُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ بنِ إسحاقَ ، قال :
جدَّثنا أحمدُ بنُّ محمدِ بنِ الحجاج، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال: حدَّثنا
سلمةُ بنُ شَبیپٍ وُبِشُ بنُ أصرمَ ومؤمَّلٌ ، قال : حدثنا عبد الرزاقِ ، عن بكّارِ
القبس
(١) فى ص: ((حميد)). وينظر تهذيب الكمال ٤٧٦/٢٥.
٢٢٥
( موسوعة شروح الموطأ ١٥/٢)
٢٢ - وحدّثنى يحيى، عن مالكِ، عن يحيى بن سعيدٍ ، أنَّه كان
الموطأ
يقولُ: إِنَّ المُصَلِّىَ لَيُصلِّى الصلاةَ وما فَاتَه وَقْتُها ، ولماَ فَاتَه مِن وقْتِها
أعْظَمُ أو أَفْضَلُ مِن أهلِه ومالِه .
ابنِ عبدِ اللهِ، عن وهبٍ بنٍ منبهٍ، قال: تَرْكُ المكافأةِ(١) من التطفيف(٢).
الاستذكار
وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم بنِ شعبانَ، قال: حدثنا محمدُ بنُ محمدِ بنِ
يزيدَ، قال: حدَّثنا الصلتُ بنُ مسعودٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ ،
قال: حدَّثنا ابنُ شُبْرُمَةً، عن سالم بنِ أبى الجَعْدِ، عن سلمانَ ، قال: الصلاةُ
كَيْلٌ ووزنٌ، فمَن وفَّى وُفِّى له، ومَن نقَصَ نُقِص له. وثَلا: ﴿وَيْلٌ
لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (١) . ورواه سفيان الثورىُّ، عن شيخ كوفىٌّ يُكْنَى أبا نَصْرٍ، عن سالم
ابنِ أبى الجَغْدِ، عن سلمانَ، قال: الصلاةُ مكيالٌ، فمَن وفّی ؤُنِّی له، ومَن
طفَّف فقد علِمتُم ما قيل فى المطفِّفين، ويَغْفِرُ اللهُ لمن يشاءُ ويُعذِّبُ مَن يشاءٍ(٤) .
التمهید
مالكُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، أنه قال : إنَّ الرجلَ ليصلِّى الصلاةَ وما فاته
وقتُها، ولمّاً فاتَه مِن وقتِها أعظمُ أو أفضلُ مِن أهلِه ومالِه(٥) .
وهذا موقوفٌ فی ((الموط)) ، ويستحيل أن یکون مثلُه رأيًا ، فكيف وقد ژُوی
القبس
(١) طمس فى ص، وفى م بياض. والمثبت من مصدرى التخريج.
(٢) أخرجه ابن أبى الدنيا فى مكارم الأخلاق (٣٦٥)، وأبو نعيم فى الحلية ٤/ ٥٨، وأبو الشيخ فى
طبقات المحدثين ٣٨٣/٤ من طريق عبد الرزاق به .
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٢٩٠/١ من طريق سالم بن أبى الجعد به .
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٣٧٥٠) عن الثورى به إلى قوله: فى المطففين .
(٥) الموطأ برواية أبى مصعب (٢٤) .
٢٢٦
الموطأ
قال يحيى : قال مالك: مَن أدركَ الوقتَ وهو فى سَفَرٍ ، فَأَخَّرَ
الصلاةَ سَاهِيًّا أو نَاسِيًّا ، حتى قَدِم على أهْلِه ، أنه إن كان قدِم على أهلِه
وهو فى الوَقْتِ فَلْيُصَلِّ صلاةَ المُقِيمِ ، وإنْ كان قد قَدِمَ وقد ذهَبَ الوَقْتُ
فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ المُسَافِرِ؛ لأَنَّه إنَّما يَقْضِى مثلَ الذى كان عليه . قال
مالكٌ: وهذا الأمرُ هو الذى أدْرَكْتُ عليه النَّاسَ وأهلَ العلمِ يَتَلَدِنا .
وقال مالكٌ : الشَّفَقُ الحُمْرَةُ التى فى المَغْرِبِ ، فإذا ذَهَبَتِ
التمھید
مرفوعًا بإسنادٍ ليس بالقوىِّ .
حدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بن عیسى المقرئُ، قال : حدثنا عبيدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ
حبَّابةً ببغدادَ ، قال: حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ العزيزِ البغوىُّ، قال :
حدَّثْنى جدِّى ، قال : حدثنا يعقوبُ بنُّ الوليدِ ، عن ابنٍ أبى ذِئبٍ ، عن المَقْبُرىِّ،
عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللّهِ وَهِ: ((إِنَّ أحدكم ليُصلِّى الصلاةَ وما فاته
مِن وقتِها أشدُّ عليه مِن أهلِه ومالِهِ))(١) .
وهذا يدلُّ على أنَّ أولَ الوقتِ أفضلُ . وكان مالكٌ فيما حكَى ابنُّ القاسم
عنه لا يُعِئُه قولُ يَحيى بنِ سعيدٍ هذا .
قال أبو عمرَ: أظنُّ ذلك واللَّهُ أعلمُ مِن أجلٍ قولِه ◌َالتر: ((ما بين هذين
وقتّ))(٢). فجعَل أولَ الوقتِ وآخرَه وقتًا، ولم يقُلْ: إِنَّ أولَه أفضلُ. والذى
يصڅ عندی مِن تركِ مالك الإعجاب بهذا الحديث ؛ لأن فيه: (( وما فاتَه مِن
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ١٠٥ .
(٢) تقدم فى الموطأ (٢).
٢٢٧
الموطأ الحُمْرَةُ، فقد وجَبَتْ صَلَاةُ العِشَاءِ، وخَرَجْتَ مِن وَقْتِ المَغْرِبِ .
التمهيد
وقتِها أفضلُ مِن أهلِه ومالِهِ)). أو: ((أشدُّ عليه مِن ذَهابِ أهلِه ومالِه)). وهذا
اللفظُ قد ثبت عن النبيِّ وَ﴿ أنه قال فيمن فاتته صلاةُ العصرِ فَوتًا عندَ أهلِ العلمِ
كليًّا حتى يَخرِجَ وقتُها كلُّه، ولا يُدرِكَ منها ركعةً قبلَ الغروبِ، وهذا المَعَنَّى
يُعارضُ ظاهرَ قولِه فى هذا الحديثِ: ((وما فاتَتْه، ولما فاتَه مِن وقتِها)). لأن قولَه :
((فاتَّه وقتُها ». غيرُ قولِه: ((فاتَه مِن وقتِها )). فكان مالكٌ رحِمه اللَّهُ لم يَرَ أنَّ بينَ
أولٍ الوقتِ ووَسَطِه وآخرِهِ مِن الفضلِ ما يُشبهُ مُصيبةَ مَن فاتَّه ذلك بمصيبةٍ مَن
ذهَب أهلُه ومالُه ؛ لأنّ ذلك إنما ورَد فى ذَهابِ الوقتِ كلِّه . هذا عندى معنى قولٍ
مالكٍ، واللَّهُ أعلمُ ؛ لأن فى هذا الحديثِ أنَّ فواتَ بعضِ الوقتِ كفواتِ الوقتِ
كلِّه، وهذا لا يقولُه أحدٌ مِن العلماءِ، لا مَن فضَّلَ أولَ الوقتِ على آخِرِه ولا مَن
سَوِّى بينهما ؛ لأَن فَوْتَ بعضِ الوقتِ مباح، وفوتَ الوقتِ كلِّه لا يجوزُ، وفاعلُه
عاصٍ للَّهِ إِذا تعمَّد ذلك، وليس كذلك مَن صلّى فى وسطِ الوقتِ وآخِرِه، وإن
كان مَن صلّى فى أولِ الوقتِ أفضلَ منه، وتَدَّْ هذا تجدْه كذلك إن شاء اللَّهُ .
قال أبو عمرَ: مَن فضَّلَ أول الوقتِ فله دلائلُ وحجج قد ذكرناها فى
مواضعَ مِن هذا الكتابِ، والحمدُ للَّهِ ، وهذا الحديثُ مِن أحسنِها، والوجهُ فيه أنه
غيرُ معارِضٍ لحديثِ ابنِ عمرَ (١)؛ لأنَّ الإشارةَ فى حديثِ هذا البابِ إلى تفضيلٍ
أول الوقتٍ وتعظيمٍ عملِ الصلاةِ والبِدارِ إليها فيه، والتحقيرِ للدنيا ، يقولُ : إِنَّ
مَن تَرَك الصلاةَ إلى آخِرٍ وقتها وهو قادرٌ على فعلها ، فقد ترَك مِن الفضلِ وعظيمٍ
الأجرِ ما هو أعظمُ وأفضلُ مِن أهلِه ومالِه ؛ لأنَّ قليلَ الثوابٍ فى الآخرةِ فوقَ ما
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (٢٠).
٢٢٨
الموطأ
التمهید
یُؤْتَی المرءُ فى الدنيا مِن الأهلِ والمال، ولموضغُ سوط فى الجنةِ خیرٌ مِن الدنيا وما
فيها. ويدلُّك على ما ذكّرنا حديثُ العلاءِ، عن أنس مرفوعًا: ((تلك صلاةٌ
المنافقين)) (١). يعيبُ تاركَ العصرِ إلى اصفرارِ الشمسِ مِن غيرِ عذرٍ. وحكمُ
صلاةِ الصبحِ وصلاةٍ العشاءِ كحكم صلاةِ العصرِ عندَ العلماءِ؛ لأنها لا تَشتركُ
مع غيرِها بعدَها ، فحديثُ هذا البابِ ورَد فى تفضيلِ الصلاةِ لأُولٍ وقتِها ، على
ما ذكرنا، لا أنَّ فاعلَ ذلك كمَن وُيِّرَ أهلَه ومالَه . واللَّهُ أعلمُ .
وقد مضَى القولُ فى معنى قولِه عليه السلام: ((مَن فاتته صلاةُ العصرِ فكأنَّما
وُتِر أهلَه ومالَه )). فى بابِ نافعٍ مِن كتابنا هذا (١) . والحمدُ للَّهِ.
قرَأْتُ على عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ ، أنَّ قاسمَ بنَ أصبغَ حدَّثهم ، قال: حدّثنا
محمدُ بنُ عبدِ السلامِ الخُشَنِىُّ، قال: حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا
عثمانُ بنُ عمرَ ، قال: حدَّثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن الوليدِ بنِ العَيْزارِ، عن أبى
عمرٍ و الشيبانيّ، عن عبدِ اللهِ، قال: سألتُ رسولَ اللَّهِ إِلّهِ: أَىُّ العملِ أفضلُ؟
قال: ((الصلاةُ فى أولٍ وقتها)(٣) .
قال: وحدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا المسعودىُّ، عن عبدِ الملكِ بنِ
عُمَيرٍ، عن أبى حَثْمَةً(٤)، عن الشِّفاءِ، أن رسولَ اللَّهِ وَهِ قال: ((أفضلُ العملِ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٥١٦).
(٢) ينظر ما تقدم ص ٢١٧ - ٢٢٣.
(٣) أخرجه ابن خزيمة (٣٢٧)، وابن حبان (١٤٧٥، ١٤٧٩)، والطبرانى (٩٨٠٨)، والحاكم ١٨٨/١
من طريق ابن بشار به، وأخرجه الحاكم ١٨٨/١، والبيهقى ٤٣٤/١، والبغوى فى شرح السنة ١٧٧/٢ من
طريق عثمان بن عمر به، وأخرجه البخارى (٢٧٨٢) من طريق ابن مغول به .
(٤) فى الأصل: ((خيثمة)).
٢٢٩
٢٣ - وحدّثنى يحيى، عن مالِكِ، عن نافع، أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ
الموطأ
أُعْمِىَ عليه، فَذَهَبَ عَقْلُه، فلم يَقْضِ الصلاةَ .
التمهيد الصلاةُ على أولٍ وقتِها))(١).
قال: وحدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، عن القاسمِ
ابنِ غنامٍ، عن بعضٍ أمهاتِه، عن أمّ فَرْرةَ، أنها سأَلت رسولَ اللَّهِ وَ لِهِ: أَىّ العملِ
أفضلُ؟ فقال: ((الصلاةُ فى أولٍ وقتها))(٢).
وروَى الليثُ بنُ سعدٍ ، عن عُبيدِ اللَّهِ بن عمرَ، عن القاسمِ بنِ غَنّامٍ، عن
جَدّتِهِ الدُّنيا، عن جَدِهِ القُصوَى أمِّ فَرْوةَ، وكانت مِن المُبَايِعاتِ، أن النبيَّ وَهل
سُئِل: أىُّ الأعمالِ أفضلُ؟ فقال: ((الصلاةُ لأولٍ وقيتِها))(١).
وهذه الآثارُ قد عارضَها مِن صحيح الآثارِ ما هو مذكورٌ فى موضِعِه مِن هذا
الكتاب إن شاء اللَّهُ .
مالكٌ ، عن نافعٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ أَغْمِى عليه، فذهَب عقلُه، فلم يقضِ الصلاةَ().
الاستذكار
القبس
(١) أخرجه أحمد ٤٥/٤٥، ٤٨ (٢٧٠٩٤، ٢٧٠٩٦)، وعبد بن حميد (١٥٨٩ - منتخب)،
والطيرانى ٣١٥/٢٤ (٧٩٤) من طريق المسعودى، عن عبد الملك بن عمير، عن رجل من آل أبى حثمة به،
وليس فيه ذكر الصلاة، وعند عبد بن حميد: عبد الملك بن أبى حثمة .
(٢) ذكره الدارقطنى فى العلل (٢٢٦ق٥ - مخطوط) فيمن رواه عن عبد اللَّه المكبر.
(٣) أخرجه ابن المنذر فى الأوسط (١٠٠٠)، والعقيلى ٤٧٥/٣، والحاكم ١٩٠/١ من طريق
الليث، عن عبيد اللَّه به. وينظر ص ١٠٤، ١٠٧.
(٤) الموطأ برواية محمد بن الحسن (٢٧٨)، وبرواية أبى مصعب (٢٨). وأخرجه عبد الله بن وهب
فى موطئه (٤٥٢)، والبيهقى ٣٨٧/١ من طريق مالك به .
٢٣٠
الموطأ
قال مالكٌ: وذلك فيما نُرَى، واللَّهُ أَعْلَمُ، أنَّ الوقتَ قد ذَهَبَ ، فأمَّا
مَنْ أَفَاقَ فِى الوَقْتِ فِإِنَّهُ يُصَلِّى .
قال مالكٌ: وذلك فيما نُرَى، واللهُ أعلمُ ، أن الوقتَ ذهَب ، فأمّا من أفاق الاستذكار
فى الوقتِ فإنه يُصلِّى .
قال أبو عمرَ: ذهَب مالكٌ والشافعىُّ وأصحابُهما مذهبَ ابنِ عمرَ فى
الإغماءِ؛ أنه لا يقضِى ما فاته فى إغمائِه من الصلواتِ التى أَغْمِى عليه فيها إِن
خرج وقتها . وقد خالَف ابن عمر فى ذلك عمَّارٌ وعمرانُ بنُ حصین، ونذكُوُ
ذلك ومن ذهَب إليه من الفقهاءِ أئمةِ الأمصارِ بعدُ إن شاءَ اللهُ ، وباللهِ التوفيقُ.
وحجةُ مالكٍ ومن ذهَب مذهبه ومذهبَ ابنِ عمرَ فى ذلك ، أن القلم مرفوعٌ
عن المُغْمَى عليه قياسًا على المجنونِ المتفَقِ عليه؛ لأنه لا يُشْبِه(١) المُغْمَى عليه إلا
أصلان؛ أحدُهما ، المجنونُ الذاهبُ العقلِ، والآخرُ، النائمُ. ومعلومٌ أن النومَ
لذةٌ ، والإغماءَ مرضٌ، فهى بحالِ المجنونِ أشبهُ، والأخرى أن المُغَمَى عليه لا ينتبِهُ
بالإِنباهِ بخلافٍ النائم. ولما كان العاجزُ عن القيامِ فى الصلاةِ يُصلِّى جالسًا،
ويسقُطُ عنه القيامُ ، ثم إن عجَز عن الجلوسِ سقَط عنه ، حتى يبلُغَ حالُه مضطجعًا
إلى الإيماءِ، فلا يقدِرُ على الإيماءِ، فيسقُطُ عنه ما سوى الإيماءِ، فكذلك إن عجز
عن الإيماءِ بما لحِقِه من الإغماءِيسقُطُ عنه، فلا يلزمُه إلا مايُراجعُه عقلُه وذهتُهفى وقتِه
لا ما انقضى وقتُه . هذا ما يوجِبُه النظرُ؛ لأنها مسألةٌ ليس فيها حديثٌ مستَدٌ .
القبس
(١) طمس فى الأصل. والمثبت ما يقتضيه السياق.
٢٣١
الموطأ
الاستذكار
وفيها عن ابنِ عمرَ وعمارِ بنِ ياسرٍ اختلافٌ؛ فابنُ عمرَ لم يقضٍ ما خرَج
وقتُه، وعمارٌ أَغْمِى عليه يومًا وليلةً فقضَى. وقد رُوى عن عِمرانَ بنِ محُصَينٍ
مثلُ ذلك .
ذكَر ابنُ أبى شيبةً (١) : حدثنا وكيع، حدثنا سفيانُ ، عن السّدئِّ، عن رجلٍ
يقالُ له: يزيدُ. عن عمارِ بنِ ياسرٍ، أنه أَغْمِى عليه الظهرَ والعصرَ والمغربَ
والعشاءَ، فأفاق فى بعضٍ الليلِ فقضاهن .
قال(٢): وحدَّثنا حفصُ بنُ غِياتٍ ، عن التيمىِّ، عن أبى مِجْلَزٍ، عن عِمرانَ
ابنِ محُصينٍ، قال: يقضى المُغْمَى عليه الصلواتِ كلَّها .
فذهَب مالكٌ والشافعىُّ وأصحابُه إلى مذهبٍ ابنِ عمرَ، وهو قولُ
طاوسٍ، والحسنٍ، وابنٍ سيرينَ، والزُّهْرىِّ، وربيعةً، والأوزاعىِّ، ويحيى بنٍ
سعيد الأنصارىِّ، وبه قال أبو ثورٍ. وكلُّ هؤلاء يجعَلُ وقتَ الظهرِ والعصرِ
النهارَ كلَّه إلى المغربِ، ووقتَ المغربِ والعشاءِ الليلَ كلَّه، على ما تقدَّم من
أصولهم فى ذلك .
قال أبو حنيفةً وأصحابُه: إن أُغْمِى عليه يومًا وليلةً قضَى ، وإن أُغْمِى عليه
أكثرَ لم يقضِ. وجعَلوا مَن أَغْمِى عليه يومًا وليلةً فى حكم النائمِ، ومَن أُغْمِى
عليه أكثرَ فى حكم المجنونِ الذى رُفِع عنه القلمُ . قالوا : وإنما قضَى عمارٌ؛ لأنه
القبس
(١) ابن أبى شيبة ٢٦٨/٢، ٢٦٩.
(٢) ابن أبى شيبة ٢٦٩/٢.
٢٣٢
الموطأ
أُغْمِى عليه يومًا وليلةً. وهو قولُ إبراهيمَ النَّخَعيِّ، وقتادةً، والحكم، وحمادٍ، الاستذكار
وإسحاقَ بنِ راهُويَه .
وقال الحسنُ بنُ حىٍّ: من أَغْمِى عليه خمسَ صلواتٍ فما دونَهن قضَى ذلك
گلّه، وإن أُغْمِی علیه أیامًا قضی خمسَ صلواتٍ ، ینظُرُ حین یُفیق فیقضی ما
يليه .
وقال عبيدُ اللهِ بنُ الحسنِ: المغمى عليه كالنائم، يقضى كلّ صلاةٍ فى أيامٍ
إغمائِه . وبه قال أحمدُ بنُ حنبلٍ، وهو قولُ عطاءٍ بنٍ أبى رباحٍ .
وروايةُ محمدِ بنِ رُستمَ، عن محمدِ بنِ الحسنِ، أن النائمَ إِذا كان
نومُه أكثرَ من يومٍ وليلةٍ لم يقضٍ - منكّرةٌ شادَّةٌ خارجةٌ عن الأصولِ؛
لأن رسولَ اللهِ وَ لّهِ أَمَر النائمَ بقضاءِ ما نام عنه من الصلواتِ ولم يُدَّ
فى ذلك حدًّا، ولو كان من شرعِه فى ذلك حدٍّ بعددٍ أو وقتٍ لذكره.
واللهُ أعلمُ .
واخْتُلِف عن الثورىِّ فى المغمَى عليه؛ فقال مرةً كقول أبى حنيفةً،
وقال الفِريابيُّ عنه: إنه كان يُعجِبُه أن يقضىَ صلاةَ يومٍ وليلةٍ، كقولٍ
الحسن بنٍ حىٍّ.
ورُوِى عن قبيصةَ ، عن سفيانَ ، فیمن أُعْمِی علیه یومین وليلتين ثم أفاق بعدَ
طلوع الشمسِ لم يكنْ عليه قضاءُ الفجرِ، وإذا أَغْمِى عليه قبلَ الفجرِ ثم أفاق بعدَ
ما طلعت الشمسُ فأحبُّ إلىَّ أن يقضىّ .
.
القبس
٢٣٣
۔
الموطأ
[١٥] النومُ عن الصلاةِ
٢٤ - حدّثنی یحیی ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بنِ
المسيِّبِ، أنَّ رسولَ اللّهِ وَلِّ حِينَ قَفَلَ مِن خَيْبَرَ أُسرَى حتى إذا كان مِن
آخِرِ الليلِ عَرَّسَ، وقال لبلالٍ: ((اْلْ لَنَا الصُّبْعَ)). ونام رسولُ اللَّهِ وَه
وأصحابُه، وكّلاً بلالٌ ما قُدِّرَ له، ثم اسْتَنَدَ إلى رَاحِلَتِهِ وهو مُقَابِلُ
الفَجْرِ ، فَغَلَبَتْه عَيْناه، فلم يَسْتَئِقِظْ رسولُ اللَّهِ وَلِهِ، ولا بِلالٌ، ولا أحدٌ
التمهيد
مالكٌ، عن ابنٍ شهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أن رسولَ اللهِ وَالِ حِينَ
قفَل من خيبرَ أُسرَى حتى إذا كان من آخرِ الليلِ عِرَّس، وقال لبلالٍ: ((اكلَّ لنا
الصُّبْعَ)). ونام رسولُ اللهِ وَّله وأصحابُه، وكلاً بلالٌ ما قُدِّر له، ثم استند إلى
راحلتِه وهو مُقابلُ الفجرِ، فعلَبته عيناه، فلم يستيقِظْ رسولُ اللهِ وَلِ، ولا
بلالٌ، ولا أحدٌ من الرَّكْبٍ، حتى ضرَبتهم الشمسُ، ففزِعِ رسولُ اللهِ وَلآتِ،
القبس
بابُ النَّوْمِ عن الصلاةِ
ذكَر مالكٌ حديثَ النومِ عندَ القفولِ مِن خيبرَ، وقد ثبت عن النبيِّ وَّ أنه نامَ
عن الصلاة ثلاثَ مراتٍ ؛
الأولى: كان رسولُ اللهِ وَّلِ أُولَهم استيقاظًا .
الثانيةُ: استيقظ قبلَه أبو بكرٍ وعمرُ، وكبّر عمرُ حتى استيقظ رسولُ اللهِ وَتِ . .
الثالثةُ: لم يحضُزْها أبو بكرٍ ولا عمرُ، وإنما كان فى رَكْبٍ ثمانيةٍ أو نحوِها .
وكلُّ ذلك ثابتٌ بنقْلِ العَدْلِ عن العَدْلِ .
٢٣٤
مِن الرَّكْبٍ، حتى ضَرَبَتْهم الشمسُ، فَفَزِعَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ، فقال الموطأ
بلالٌ: يا رسولَ اللَّهِ، أَخَذَ بِنَفْسِى الذى أُخَذَ بنفسِك. فقال رسولُ اللَّهِ
وَالَ: ((اقْتَادُوا)). فبَعَثُوا رَواحِلَهم واقْتَادُوا شيئًا، ثم أَمَرَ رسولُ اللَّهِ وَه
بلالاً فأقامَ الصلاةَ، فصَلَّى بهم رسولُ اللَّهِ وَِّ الصُّبْحَ، ثم قال حينَ
قضَى الصلاةَ: ((مَن نَسِيَ الصلاةَ فلْيُصَلُّهَا إِذا ذكَرَهَا، فإِنَّ اللَّهَ تبارك
وتعالى يقولُ: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾ [طه: ١٤]).
التمهيد
فقال بلالٌ: يا رسولَ اللهِ، أخَذ بنفسى الذى أخَذ بنفسِك. فقال رسولُ اللهِ وَيتِ:
(اقتادُوا)). فبعثوا رواحِلَهم واقتادُوا شيئًا، ثم أمَر رسولُ اللهِ ◌ِّهِ بلالاً فأقام الصلاةَ،
فصلَّى بهم الصبحَ، ثم قال حينَ قضَى الصلاةَ: ((مَن نَسِىّ الصلاةَ فلْيُصلِّها إذا
ذكّرها، فإِنَّ الله تبارك وتعالى يقولُ: ﴿أَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ﴾))(١).
هكذا روَى هذا الحديثَ عن مالكِ مرسلًا جماعةُ رواةٍ ((الموطأ)) عنه، لا
خلافَ بينَهم فى ذلك، وكذلك رواه سفيانُ بنُ عيينةً(١)، ومعمر٢ٌ) فى روايةٍ
حقيقةٌ : خلَق اللهُ العبدَ حيًّا دَرَّاكًا مفكِّرًا قادرًا، فى أحسنٍ تقويم ، ثم رَدَّه أسفلَ
السافلين، ثم سلَّط عليه السهو والغفلةً؛ لیتبیّنَ قُصور هذه الفضائل التی فیه حتى لا
يقول: أنا وأنا. وسلّط عليه النوم ، وهى آفةً تُدرِكُ الحواسَّ ، ور کودٌ یقومُ بالجوارحِ، لا
يلحقُ(٤) القلْبَ ولا الرُّوحَ ولا النّفْسَ منها شىءٌ؛ ولذلك قال علماؤنا رحمةُ اللهِ
القبس
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٨٤)، وبرواية أبى مصعب (٢٩). وأخرجه عبد الله بن وهب
فى موطئه (٤٦١)، والشافعى ١٤٨/١، وابن جرير فى تفسيره ٣٢/١٦، والبيهقى فى المعرفة
(٩٧٧، ٩٧٨، ١٣٠٠)، والبغوى فى شرح السنة (٤٣٧) من طريق مالك به.
(٢) ذكره الدارقطنى فى العلل ٢٧٩/٧ .
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٢٢٣٧) .
(٤) فى د: ((يفلق))، وفى حاشتيها: ((يلحق)).
٢٣٥
الموطأ
عبدِ الرزاقِ عنه ، عن الزهرى١ِّ) مرسلًا، كما رواه مالكٌ.
التمهيد
وقد وصَله أبانٌ العطارُ، عن معمرٍ(١)، ووصَله الأوزاعىُّ أيضًا(١) ويونس(٤)،
القبس عليهم: إن الرُّؤيا إدراكٌ حقيقةً وعِلْمٌ صَحيحٌ، والمَرْءُ فى يقَظَتِهِ ومَنامِه لا ينفَكُ
عن حالِه التى هو عليها؛ إن كان فى اليقظةِ فى تخليطٍ وتلاغُبٍ مع البطَّالينَ
انتقل إلى مثلٍ ذلك فى المنامِ، وإن كان فى يَقَظَّتِه فى العلمِ والتحقيقِ انتقل إلى
مثلٍ ذلك فى المنامٍ. فأضافه(٥) ملَكُ الرؤيا إلى نَفْسِه، وأُلقَى إليه(١) مثلَ ما كان
فيه مِن التحقيقِ .
لكن الرؤيا أكثرُ حقًّا؛ لأنها أقربُ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، ولأنها تأتى بوساطةِ الملَكِ
وليس عندَه إلا الحقُّ؛ فلذلك كانت جزءًا مِن النبوّةِ، لأن الملَكَ يُلقيها إلى كلِّ
عبدٍ ، ولذلك(٧) كانت بُشْرَى؛ لأنها خبرٌ مِن الملَكِ عن اللهِ. ونظيرُها فى اليقَظَّةِ
الفَأْلُ، فقد كان النبى،وَّهِ يُّصغِى إليه ويعوّلُ عليه، لكن الفألَ أدنى منزلةً ، إذیکونُ مِن طفلٍ
وامرأةٍ ومؤمنٍ وكافرٍ فى دارِ الشُّغوبِ، وهى اليقظةُ، والرؤيا تكونُ مِن الملَكِ مُخلِصةً ( فى
(١ - ١) سقط من: ص ٤.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٣٦) ، وأبو عوانة (٢٠٩٧) من طريق أبان به .
(٣) أخرجه أبو داود - كما فى تحفة الأشراف ٦٤/١٠ (١٣٣٢٦) - من طريق الأوزاعى به .
(٤) سيأتى تخريجه ص ٢٣٩.
(٥) فى ج، م: ((فلقفه)).
(٦) فى ج، م: ((عليه)).
(٧) فى ج، م: (لأجل ذلك)).
(٨) فى م: ((محصلة)).
٢٣٦
الموطأ
عن الزهرىِّ، عن سعيدٍ، عن أبى هريرةَ . وعبدُ الرزاقِ أثبتُ فى معمرٍ من أبانٍ التمهيد
العطارِ .
وقد وصَله محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن الزهرىِّ، فيما حدَّثْنا به أحمدُ بنُ
محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، حدَّثنا الحسنُ بنُ علىّ الرافقىُ(١) ، حدَّثنا
أبو شعيبٍ صالحُ بنُ زيادٍ السوسىُّ بالرَّقَّةِ ، حدَّثنا يعلى ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ،
حالةِ الخصوصِ ، لكن لغلبةِ الشهواتِ للآدَميين ، واستيلاءِ الغفلاتِ على العبادِ، القبس
والإقبال على شهوةٍ البطنِ والفرجِ، قد يقَعُ العبدُ مِن النومِ فى غَْرةٍ ) فلا يرَى شيئًا؛
حَقيقةً ولا خيالاً ، تكونُ نسبةُ تلك الغمرةِ فى المنامِ نسبةَ السّكْرِ أو الوَلَّهِ فى اليقَظَّةِ ،
وهذه الصبابةُ تكفِى من بحرِ الرُّؤيا. إذا ثبت هذا. فالنبىُّ وَّ فِى حُكْمِ الآدميَّةِ وجِيلةٍ
البشرِيةِ(١) مطهّرٌ عن ذلك كلُّه، وعن أسبابِه فى ابتدائِه وفى مآلِه، وكيفما اختلف حالُه
مِن نومٍ أو يقَّةٍ، فى حقٌّ وفى تحقيقٍ، ومع الملائكةِ فى كلِّ طريقٍ، إِن نَسِى فَبِّكَدَ مِن
المنسِىِّ اشتَغل، وإن نامَ فبقلبِهِ وبنفسِه على اللَّهِ عزَّ وجلَّ أقبَل. وهذا القدْرُ الذى
ألقيناه (١) إليكم قد علِمَتْه (١) الصحابةُ رِضوانُ اللهِ عليهم، فإنها قالت فى الصحيحِ:
(١) فى ص ٤: ((الوافقى)).
(٢) فى ج، م: ((الخلوص)).
(٣) فى م: ((بالآدميين)).
(٤) فى د: ((غفلة)). والمثبت موافق لما فى حاشيتها .
(٥) فى م، د: ((الغفلة)). والمثبت موافق لما فى حاشية د.
(٦) فى م: ((البشر)).
(٧ - ٧) فى ج، م: ((فقلبه ونفسه)).
(٨) فى ج، م: ((ألقينا)).
(٩) فى ج: (فهمته)).
٢٣٧
الموطأ
التمهيد
عن الزهرىِّ، عن سعيد بن المسيَّبِ، عن أبى هريرةَ، قال: أقبَل رسولُ اللهِ وَيه
من خيبرَ، حتى إذا كان ببعضِ الطريقِ أراد التعريسَ من آخرِ الليلِ،
فاضطجَع رسولُ اللهِ وَلّهِ، وأسنَد بلالٌ ظهرَه إلى بعيرِهِ، واستقبلَ الشرقَ،
وكان رسولُ اللهِ وَِّ إذا نام لا نُوقظُه حتى يستيقظً؛ لأنَّا لا نَدرِى ما هو فيه .
القبس
فنومُه پّٹے عن الصلاة أو نسیاتُه لشیءٍ منها ، لم یکُنْ عن آفةٍ وإنما كان بالتصرفِ مِن
حالةٍ إلى حالةٍ مثلِها؛ لتكونَ لنا) سُنَّةً، قال رسولُ اللهِ وَِّهِ: (( إَما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُم
أنْسَى كما تَنْسَوْن، فإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونى)). فبيّن الاشتراكَ فى البشرية والنسيان ،
وظهر الفرقُ فی سببٍ ذلك بينَه وبينَ كلِّ إنسانٍ .
فِقةً: أَخَّر النبيُّ وَّهِ الصلاةَ عندَ الهبوبِ مِن النومِ حتى اقتادوا لأُحَدٍ خمسةٍ
أوجهٍ أو مجموعها :
أحدُها(١): انتظارُ الأُمرِ مِن اللهِ عزَّ وجلَّ، كيف يكونُ العملُ فى ذلك . الثانى:
تحوُزْ مِن العدوِّ واستشرافٌ له . الثالثُ : كراهيةُ البقعةِ التى وقَعت فيها الآفةُ . الرابعُ :
ليعُمَّ الاستيقاظُ والنشاطُ جميعَهم إذا رحَلوا . الخامسُ: قال أصحابُ أبى حنيفةً:
حتى يزولَ وقتُ النَّهي عن الصلاةِ، وفى الحديثِ: حتى إذا ارتفعتِ الشمسُ
وابيضَّتْ نادَى رسولُ اللهِ وَلَّهِ بالصلاةِ. وفى تَتْبُع هذه الأوجهِ كلامٌ طويلٌ لا يليقُ
بهذا (« القبس)).
(١ - ١) فى ج، م: ((ليكون لها)).
(٢) فى م: ((أحدهما)).
٢٣٨
الموطأ
فعلَبته عينُه فنام، فلم يُوقظْه إلَّ الشمسُ، فكان أوَّلَهم رفَع رأسَه رسولُ اللهِ وَلَّه، التمهيد
قال: ((ماذا صنَعتَ بنا يا بلالُ؟)) قال: أَخَذ بنفسى يا رسولَ اللهِ الذى أخذ
بنفسِكَ؟ فقال: ((صدَقتَ)). فاقْتَادَ غيرَ كبيرٍ، فتوضَّأ وتوضّأ الناسُ، ثم صلَّى
الصبحَ ، ثم أقبَل عليهم ، فقال : ((إذا نسِيتُم الصلاةَ، فصلُّوها إذا ذكَرُموها ؛ فإِنَّ
اللهَ تعالى يقولُ: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾)).
وأمَّا حديثُ يونسَ بنِ يزيدَ ، عن ابنٍ شهابٍ ، عن سعيدِ بنِ المسئَّبِ ، عن
أبى هريرةَ، أن رسولَ اللهِ وَ لَه حينَ قفَل من خيبرَ، سار ليلَه حتى إذا أدركَه
الكَرَى عَرَّس وقال لبلالٍ: ((اكلَأْ لنا الصبح)). وساقَ الحديثَ بتمامِه إلى آخرِهِ.
قال يونسُ: وسمِعتُ ابنَ شهابٍ يقرؤُها: (الذِّكرى)(٢).
القبس
تفريغ: لم يختَلِفْ أحدٌ مِن رواةِ الحديثِ() فى نوعِ النبيِّ وَلتر، فى ((الصحيحِ))
أنه نَّ لما استيقَظَ أَذَّن للصلاةِ) وأقامَ لها. وفى ذلك خلافٌ بينَ العلماءِ، وخلافٌ
مَذْهَبٌّ أيضًا، وفى بعضِ الطرقِ: أَذَّن وأقامَ ، أو : أذَّن أو أقامَ .
واليقينُ فى الأحاديثِ الصِّحاحِ أَوْلَى أن يُتَبعَ مِن الشَّكُّ.
كما أنه لا بُدَّمِن صلاةٍ ركعتَى الفجْرِ، فإن النبيَّ وَالإِصَلَّاهما فى ((الصحيح))
قبلَ صلاةِ الصُّبح، فلا تلتَفِتوا لروايةٍ تَوْكِهما .
(١) أخرجه النسائى (٦١٧) من طريق يعلى به .
(٢) أخرجه مسلم (٦٨٠)، وأبو داود (٤٣٥)، وابن ماجه (٦٩٧) من طريق يونس به .
وقراءة ابن شهاب شاذة . ينظر مختصر الشواذ لابن خالويه ص ٩٠.
(٣) فى ج، م: ((الأحاديث)).
(٤) فى ج، م: ((بالصلاة)).
(٥) فى ج، م: ((لأن)).
٢٣٩
الموطأ
التمهید
ووصل من هذا الحدیثِ ابنُ عیینةً ومعمرٌ ، عن الزهرىِّ ، عن سعیدٍ ، عن أبی
هريرةَ، عن النبيِّ وَ لّهِ قولَه: ((من نسِى صلاةً فليصلِّها إذا ذكرها؛ فإن اللهَ
يقولُ: ﴿وَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىّ﴾)).
وقد رُوِى عن النبيِّ وَّهِ فى نومِه عن الصلاةِ فى السفرِ آثارٌ كثيرةٌ من
وجوهِ شتَّى، رَواها عنه جماعةٌ من أصحابِهِ؛ منهم ابنُ مسعودٍ، وأبو
مسعودٍ، وأبو قتادةَ، وذو مِخْتَرِ الحبشىُّ(١) ، وعمرانُ بنُ حصينٍ، وأبو
هريرةَ. وقد ذكرناها فى بابٍ زيدٍ بنٍ أسلم، وبعضُهم ذكَر أنَّه أَذَّن وأقام ،
ولم يذكُرْ ذلك بعضُهم. وبعضُهم ذكَر أنه ركع ركعتي الفجرِ ، وبعضُهم
لم یذگز ذلك. والحجةُ فی قول من ذكر، لا فی قول من قصَّر. وقد ذكرنا
ذلك كلَّه وما للعلماءِ فيه فى بابٍ مرسلٍ زيدِ بنِ أسلمَ ١ ، فلا معنى لإعادةِ
شىءٍ من ذلك ههُنا .
وقولُ ابنٍ شهابٍ فى هذا الحديثِ : عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ ، أن رسولَ اللهِ
ێے حین قفل من خییرَ . اُصحُ من قول من قال : إن ذلك کان مرجعه من حنين .
لأن ابنَ شهابٍ أعلمُ الناسِ بالسيرِ والمغازى، وكذلك سعيدُ بنُّ المسئَّبِ ، ولا
يقاسُ بهما المخالفُ لهما فى ذلك. وكذلك ذكَر ابنُ إسحاقَ (٢) وأهلُ السِّيرِ، أن
القبس
(١) ذو مِخْتَر، ويقال: ذو مِخْمر الحبشى، ابن أخى النجاشى، وفد على النبى وَ لر وخدمه، ثم
نزل الشام، له أحاديث أخرج منها أحمد وأبو داود وابن ماجه؛ روى عنه جبير بن نفير وغيره .
تهذيب الكمال ٨/ ٥٣١، الإصابة ٤١٧/٢.
(٢) ينظر ما سيأتى ص٢٨٧ - ٢٩٢، ٢٩٩ - ٣٠٨.
(٣) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٤٠.
٢٤٠