Indexed OCR Text

Pages 121-140

الموطأ
التمهيد
ولا خلافَ بينَ العلماءِ فى ذلك، إلا(١) مَن جعَل آخِرَ وقتِها إِذْرَاكَ ركعةٍ منها
قبلَ طلوعِ الشمسِ لضرورةٍ وغيرٍ ضرورةٍ . وهو قولُ داودَ وإسحاقَ . وأما سائر
العلماءِ فجَعَلوا هذا وقتًا لأصحابِ العُذْرِ والضروراتِ . وممن ذهب إلى هذا؛
مالكٌ، والشافعىُ ، والأوزاعىُ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ .
واختلفوا فى أولٍ وقتِ العصرِ وَآخِرِهِ ؛ فقال مالكٌ: أولُ وقتِ العصرِ إذا كان
الظُّلُّ قامَةٌ بعدَ القَدْرِ الذى زالتْ عنه (١) الشمسُ. ويَسْتَحِبُّ لمساجدِ الجماعاتِ أنْ
يُؤَخِّرُوا ذلك قليلاً. قال: وآخِرُ وقتها أنْ يكونَ ظِلُّ كُلِّ شىءٍ مِثْلَيْه .
هذه حكايةُ ابنِ عبدِ الحَكَمِ وابنِ القاسم عنه، وهذا عندَنا على وقتٍ
الاختيارِ؛ لأَنَّه (٢) لا خلافَ (* عندَنا فى٤) مُذْرِكِ (٥) ركعةٍ منها قبلَ الغروبِ ممن
كانتِ الصلاةُ لا تجبُ عليه لو خرَج وقتُها بحالَةٍ(١)، كالمُغْمَى عليه عندَه
والحائضِ ومَنْ كان مِثْلَهما، تجبُ عليه صلاةُ العصرِ فَرْضًا بإدراكِ مقدارِ ركعةٍ
منها قبلَ غروبِ الشمسِ، فدَلَّ ذلك على أنَّ وقتَها عندَه إلى غروبِ الشمسٍ.
وكذلك ذكَر ابنُ وهبٍ (٢) أيضًا عن مالكٍ: وقتُ الظهرِ والعصرِ إلى غروبٍ
القبس
(١) بعده فى س، م: ((أن منهم)).
(٢) فى س: ((عليه)).
(٣) بعده فى م: ((قد روى عنه أن)).
(٤ - ٤) فى س: ((عنه أن)).
(٥) بعده فى س: ((مقدار)).
(٦) فى م: ((لحالة)).
(٧) بعده فى س: ((عن مالك قال آخر وقتها غروب الشمس وقد قال ابن وهب)).
١٢١

الموطأ
التمهيد الشمس. وهذا عندَنا أيضًا على أصحابِ الضروراتِ؛ لأنَّ رسولَ اللَّهِ اَلِه.
جمَع بينَ الصلاتين فى السفرِ فى وقتٍ إحداهما لضرورةِ السفرٍ ، فكلُّ ضرورةٍ
وُذْرٍ فكذلك .
وسنذكُرُوجه الجمع بينَ الصلاتينِ فى السفرِ والمطرِ فى بابٍ أبى الزَّتَيْرِ إنْ شاءَ
اللَّهُ(١).
وقد قال الأوزاعىُّ : إن ركَع ركعةٌ من العصرِ قبلَ غروبِ الشمسِ وركعةٌ
بعدَ غروبِها فقد أدْرَكَها . والصبحُ عندَه كذلك. و(١) قال الثورىُّ: أولُ وقتٍ
العصرِ إذا كان ظِلَّك مِثْلَك، ("إلى أن يكونَ ظِلُّك مِثْلَيْك)، وإِنْ أَّوْتَها ما لم
تَصْفَوَ(٤) الشمسُ أَجْزَأَك .
وقال الشافعىُّ: أولُ وقتِها فى الصيفِ إذا جاوَزَ ظِلُّ كُلِّ شىءٍ مِثْلَه بشىءٍ ما
كان، ومَن أَخَّرَ العصرَ حتى يُجاوزَ ظِلُّ كلِّ شىءٍ مِثْلَئِهِ فى الصَّيْفِ، أو قَدْرَ ذلك
فى الشتاءِ، فقد فاته وقتُ الاختيارِ ، ولا يجوزُ أنْ يقالَ: قد فاته وقتُ العصرِ
مطلقًا. كما جاز على الذى أنََّ الظهرَ إلى أن جاوزَ ظِلُّ كلِّ شىءٍ مِثْلَه. قال:
وإنما قلتُ ذلك لحديث أبى هريرةَ، عن النبيِّ وَلِّ: ((مَن أَدْرَكَ ركعةٌ مِن العصرِ
قبلَ أنْ تَغْرُبَ الشمسُ فقد أدركَها ».
القبس
(١) سيأتى فى شرح الحديثين (٣٢٨، ٣٣٠) من الموطأ .
(٢) سقط من : ك١ .
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤) فى م: ((تغير)).
١٢٢

الموطأ
التمهيد
قال أبو عمرَ : قولُ الشافعىِّ ههنا فى وقتِ الظهرِ يَنْفِى الاشتراكَ بينها وبينَ
العصرِ فى ظاهرٍ كلامِه، وهو شىءٌ يَنْقُضُه ما بنَى عليه مذهبَه فى الحائضِ تَظْهُرُ،
والمُغَمَى عليه يُفِيقُ، والكافرِ يُسْلِمُ ، والصَّبِىِّ يَحْتَلِمُ؛ لأَنَّه يُوجِبُ على كلِّ واحِدٍ
منهم إذا أدْرَكَ ركعةً واحدةً قبلَ الغروبِ أن يُصَلِّىَ الظَّهرَ والعصرَ جميعًا. وفى
بعضٍ أقاويله : إذا أدرَكَ أحَدُ هؤلاءِ مقدارَ تكبيرةٍ واحدةٍ قبلَ الغروبِ ، لزمه الظهرُ
والعصرُ جميعًا. فكيف يَسُوُ لَمن هذا مَذْهَبُه أن يقولَ : إن الظهرَ يَفُوتُ فَوَاتًا
صحيحًا بمجاوزةٍ ظِلِّ كُلِّ شىءٍ مِثْلَه أكثرَ مِن فَواتِ العصرِ بمجاوزةِ ظِلِّ كُلِّ شىءٍ
مِثْلَيْهِ؟ وأما قولُه فى وقتِ العصرِ : إذا جاوَزَ ظِلَّ كُلِّ شىءٍ مِثْلَيْه فقد جازَ وقتَ
الاختيارِ. فهذا أيضًا فيه شىءٌ؛ لأنه هو وغيرَه مِن العلماءِ يقولون: مَن صَلَّى
العصرَ والشمسُ بيضاءُ نَقِيَّةٌ فقد صَلَّاها فى وقتِها المختارِ. لا أُعْلَمُهم يختلفون فى
ذلك. فقِفْ على ما وصَفتُ لك، تَبِنْ لك بذلك سَعةُ الوقتِ المختارِ أيضًا .
وباللَّهِ التوفيقُ .
وقال أبو ثَوْرٍ: أوَّلُ وقتِها إذا صار ظِلُّ كلِّ شىءٍ مِثْلَه بعدَ الزَّوَالِ ، وزاد على
الظُّلِّ زيادةً تتبَيَّنُ إلى أنْ تَصْفَرَّ الشمسُ. وهو قولُ داودَ .
قال أبو عمرَ: أمّا قولُ الشافعىِّ وأبى ثَوْرٍ: إنَّ وقتَ العصرِ لا يدخُلُ حتى
يَزِيدَ الظُّلُّ على القَامَةِ زيادةٌ تَظْهَرُ. فمُخالِفٌ لحديثِ إمامةٍ جبريل عليه السلامُ ؛
لأَنَّ حديثَ إمامةٍ جبريلَ(١) يَقْتَضِى أنْ يكونَ آخِرُ وقتِ الظهرِ هو أوَّلَ وقتٍ
العصرِ بلا فَصْلٍ، ولكنه مأخوذٌ مِن حديثٍ أبي قتادةَ، عن النبيِّ وَّلِ أنه قال :
القبس
(١) تقدم فى الموطأ (١) .
١٢٣

الموطأ
التمهيد
((إَّمَا التفريطُ على مَن لم يُصَلِّ الصلاةَ حتى يَدْخُلَ وقتُ الأُخرى))(١).
وقد بيّنا اختلاف العلماءِ فى هذا المعنى ، وذكْنا عِلَلَ أقاویلھم فیه ، فی بابِ
ابنِ شهابٍ ، عن عروةَ، من هذا الكتابٍ(٢) .
وقال أحمدُ بنُ حنبل فى هذه المسألةِ مثلَ قولِ الشافعىِّ أيضًا ، قال : وإذا زاد
ظِلُّ كُلِّ شىءٍ على مِثْلِه شيئًا وجَبَتِ العصرُ، فإذا صار ظِلُّ كُلِّ شىءٍ) مِثْلَيْه
خرَج وقتُ الاختيارِ ، ومَن أَدْرَكُ منها ركعةً قبلَ أنْ تَغْرِبَ الشمسُ فقد أدْرَكَها .
قال : وهذا مع الضرورة . هذه حكايةُ الخِرَقِيِّ عنه .
وأمَّا الأَثْرَمُ فقال: سمِعتُ أبا عبدِ اللَّهِ يقولُ: آخِرُ وقتِ الظهرِ هو أولُ وقتٍ
العَصْرِ . قال لى ذلك غيرَ مَرَّةٍ، وسمِعتُه يقولُ: آخِرُ وقتِ العصرِ تَغَيُّرُ الشمسِ.
قيل له: ولا تقولُ بالمِثْلِ والمثْلَيْنِ؟ قال: لا ، هذا أكْثَرُ عندِى .
وقال أبو حنيفةً: لا يَدْخُلُ وقتُ العصرِ حتى يَصِيرَ ظِلُّ كلِّ شىءٍ مِثْلَئِه .
فخالَفَ الآثارَ وجماعةَ العلماءِ فى ذلك، وجعَل وقتَ الظهرِ إلى أنْ يصيرَ ظلُّ
كلِّ شىءٍ مِثْلَه(٤)، وجعَل ◌َيْنَهما واسطةً ليست منهما، وهذا لم يَقُلْه أُحَدٌ . هذه
روایةُ أُبی یوسفَ عنه .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص٦٨، ٦٩ .
(٢) ينظر ما تقدم ص ٦٧ - ٧٣.
(٣ - ٣) سقط من: ك١، م .
(٤) فى س: (مثليه)).
١٢٤

الموطأ
التمهید
( وللحسن١) بنِ زيادِ اللُّؤْلُؤْىِّ أنَّ الظُّلَّ إذا صارَ مِثْلَه خرَج وقتُّ الظهرِ ، وإذا
خرَج تَلَاهُ وقتُ العصرِ إلى غروبِ الشمسِ .
وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ وزُفَرُ(٢): آخِرُ وقتِ الظهرِ أن يَصِيرَ(٣) ظِلُ كلِّ شىءٍ
مِثْلَه، وهو أوَّلُ وقتِ العصرِ إلى أنْ تَغَيّرَ الشمسُ.
وقال إسحاقُ بنُ راهُويه: آخِرُ وقتِ العصرِ أن يُدْرِكَ الْمُصَلِّى منها ركعةٌ قبلَ
الغروبٍ. وهو قولُ داودَ ، لكلِّ الناسِ(٤)؛ معذورٍ وغيرِ معذورٍ، والأفضلُ
عندَهما أَوَّلُ الوقتِ .
قال أبو عمرَ : فقد بان بما ذكّرْنا من أقاويلٍ أئمةِ فقهاءِ الأُمْصارِ ، وما رَوَئِنا
من الآثارِ فى هذا البابِ ، أنَّ(٥) الوقتَ منه مختارٌ فى الحَضَرِ للسَّعَةِ وَالرَّفاهِيَّةِ،
ومنه وقتُ ضرورةٍ وعُذْرٍ ، ولا يَلْحَقُ الإِثْمُ واللَّوْمُ حتى يَخْرُجَ الوقتُ كلُّه. واللَّهُ
أعلم .
القبس
(١ - ١) فى س: ((وروى الحسن))، وفى م: ((وللحسین)). وهو الحسن بن زیاد اللؤلؤى أبو على
الأنصارى مولاهم الكوفى، صاحب أبى حنيفة، نزل بغداد وصنف وتصدر للفقه، كان أحد
الأذكياء البارعين فى الرأى، ولى القضاء بعد حفص بن غياث ثم عزل نفسه، توفى سنة أربع
ومائتين. سير أعلام النبلاء ٩/ ٥٤٣، الجواهر المضية ٥٦/٢.
(٢) زفر بن الهذيل أبو الهذيل الغبری، تفقه بأبى حنيفة، وهو أکبر تلامذته، وكان ممن جمع بين
العلم والعمل، وكان يدرى الحديث ويتقنه، توفى سنة ثمان وخمسين ومائة. سير أعلام النبلاء
٣٧/٨، والجواهر المضية ٢٠٧/٢.
(٣) فى س: ((یکون)).
(٤) زيادة من: م.
(٥) بعده فى م: ((أول)).
١٢٥

الموطأ
التمهید
وقد أفادنا قولُهُ بِهِ: ((مَن أدْرَكَ ركعةٌ من الصبحِ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ فقد
أُدْرَكَ الصبحَ، ومَن أَدْرَكَ ركعةٌ من العصرِ قبلَ أن تَغْرِبَ الشمسُ فقد أدْرَكَ
العصرَ)). معانِىَ ووُجُوهًا؛ منها أن المُدْرِكَ لركعةٍ مِن الصبحِ قبلَ أن تَطْلُعَ
الشمسُ، أو لركعةٍ من العصرِ قبلَ غُروبِها، كالمُذْرِكِ لوقتٍ الصبحِ ولوقتِ العصرِ
الوقتِ الذى لا(١) يأَثَم بالتأخير إليه، كأنه قد أدرك الوقتَ مِن أوَّلِه، وهذا لمن كان
له عُذْرٌ مِن نسيانٍ أو ضرورةٍ، على ما قَدَّمْنا ذِكْرَه .
ومنها جوازُ صلاةٍ مَن صَلَّى ذلك الوقتَ فَوْضَه ، ممن نام عن صلاةٍ أَو نَسِيَها؛
لأنه المرادُ بالخطابِ المذكورِ، والمأمورُ بالبِدَارِ إلى إدراكِ بَقِيَّةِ الوقتٍ ، وإن كان
غيرُه يدخلُ فى ذلك الخطابٍ بالمعنى ، فإن هذا هو المشارُ إليه فيه بالنَّصِّ إن شاء
اللَّهُ . واللَّهُ أعلمُ .
ومنها أنه أفادنا فى محُكّم مَن أسْلَمَ مِن الكفارِ ، أو بلَغ مِن الصِّبْيانِ، أَو طَهُرَ
من اُض ، فى ذلك الوقت ، أنه کمن أدرَكَ الوقت بكماله فى وجوب صلاةٍ
ذلك الوقتِ عليه(١) ، وتَلْزَمُه تلك الصلاةُ بكمالِها، كما لو أدرَكَ وقتَها من أوَّلِه
فقَرَّطَ فيها .
وكذلك محُكْمُ المسافِ يَقْدَمُ الحَضَرَ، ومحكْمُ الحَضَرِىِّ يَخْرُجُ مسافرًا فى بَقِيَّةِ
من الوقتِ ، أو بعدَ دخولِ الوقتِ، ومحكْمُ المُغَمَى عليه يُفِيقُ .
وهذا الحديثُ أصْلُ هذا البابِ كلِّه، فقِفْ عليه، إلا أن الفقهاءَ اختلفوا
القبس
(١) سقط من: م.
١٢٦

الموطأ
التمهيد
هلهنا؛ فذهَب مالكٌ وأصحابُه إلى ظاهرِ هذا الحديثِ ، فقالوا: مَن خرَج مسافرًا
وقد بقِى عليه من النهارِ مقدارُ ركعةٍ بعدَ أن جاوز بيوتَ مِصْرِه أو قَرْيَتِه، صلَّى
العصرَ ر کعتين، ولو خرَج وقد بقِی علیه مقدارُ ثلاثٍ رَكَعاتٍ ، ولم يكنْ صلَّی
الظهر والعصرَ ، صلَّهما جميعًا مقصورتينِ. وهذا عندَه حُكْمُ المغربِ والعشاءِ،
يُراعی منهما مقدار ر کعة من کلِّ واحدةٍ منهما ، علی أضْلِه فیمن سافر وقد بقِی
عليه مقدارُ ركعةٍ ، أنه يَقْصُرُ تلك الصلاةَ، ولو قدِم فى ذلك الوقتِ مِن سفرِهِ أَتَمَّ .
وقال أبو حنيفةً وأصْحابُه، والثورىُّ، والأوزاعىُّ: إذا خرج من مِصْرِه قبلَ
خروج الوقتِ صلّى ركعتين، وإن قدِم قبلَ خروجِ الوقتِ أَتَمَّ. وهذا قولُ مالك.
وقال زُفَرُ: إن جاوز بيوتَ القريةِ والمِصْرِ، ولم يَبْقَ من الوقتِ إلا ركعةٌ ، فإنه
مُفَرّطْ، وعليه أن يُصَلِّىَ العصرَ أربعًا، وإن قدم من سفرِهِ ودخَل مِصْرَه، ولم يَثْقَ
من الوقتِ إلا ركعةٌ، أَتَمَّ الصلاةَ، (آخُذُ له فى ذلك بالثّقَةِ).
وقال الحسنُ بنُّ حَىٍّ ، والليثُ ، والشافعىُّ: إذا خرَج بعدَ دخولِ الوقتِ أَتَّ ،
وكذلك إِن قدِم المسافرُ قبلَ خَروج الوقتِ أَتَمَّ. وستأتى زيادةٌ فى هذا المعنى عن
الشافعىِّ والليثِ ومن تابَعهما فى آخِرِ هذا البابِ .
وأما اختلافُ الفقهاءِ فى صلاةِ الحائضِ والمُغْمَى عليه ومَن جَرَى مَجْرَاهما ؛
فقال مالكٌ: إذا طَهُرَت المرأةُ قبلَ الغروبِ ، فإن كان بَقِىَ عليها من النهارِ قَدْرُ(١)
ما تُصَلِّى خَمْسَ رَكَعاتٍ ، صَلَّت الظهرَ والعصرَ ، وإن لم يكنْ بَقِىَ من النهارِ ما
القبس
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) سقط من: م.
١٢٧

الموطأ
التمهيد
تُصَلِّى فِيه(١) خمسَ رَكَعاتٍ، صَلَّت العصرَ، وإذا طَهُرَتْ قبلَ الفجرِ، وكان ما
يَقِىَ عليها من الليلِ قَدْرَ ما تُصَلِّى أرْيَعَ رَكَعاتٍ، ثلاثًا للمغربِ وركعةٌ من
العشاءِ، صَلَّت المغرب والعشاءَ، وإن لم يَتَقَ عليها إلا ما تُصَلِّى فيه ثلاثَ
رَكَعَاتٍ، صَلَّتِ العشاءَ. ذكَرَه أَشْهَبُ ، وابنُ عبدِ الحكم ، وابنُ القاسمِ ، وابنُ
وهپ، عن مالك .
قال أَشْهَبُ : وسئل مالكٌ عن النصرانيّ يُسْلِمُ، والمُغَمَى عليه يُفِيقُ، أهما
مثلُ الحائضِ تَظْهُرُ؟ قال: نعم، يَقْضِى كلَّ واحدٍ منهما ما لم يَفُتْ وقتُه، وما
فات وقتُه لم يَقْضِه .
وقال ابنُّ وهبٍ : سألتُ مالكًا عن المرأةِ تَنْسَى أو تَغْفُلُ عن صلاةِ الظهرِ ، فلا
تُصَلِّيها حتى تَغْشَاهَا الحَيَضَةُ قبلَ غروبِ الشمسِ ؟ فقال مالكٌ: لا أَرَى عليها
قضاءً، إلا أن تَحِيضَ بعدَ غروبِ الشمسِ، فإن حاضَتْ بعدَ غروبٍ
الشمسِ)، ولم تكنْ صَلَّتِ الظهرَ والعصرَ، رأيتُ عليها القضاءَ. وقال مالك:
إذا طَهُرَت قبلَ غروبِ الشمسِ، فاشْتَغْلَتْ بالغُسْلِ، فلم تَزَلْ مجتهدةً حتى
غرَبَتِ الشمسُ، لا أَرَى أن تُصَلِّىَ شيئًا مِن صلاةِ النهارِ. وقال فى (٢) المرأةِ الطَّاهِرِ
تَنْسَى الظهر والعصرَ حتى تَصْفَوّ الشمسُ ثم تَحِيضُ : فليس عليها قضاؤُهما ، فإِنْ
لم تَحِضْ حتى غابتِ الشمسُ فعليها القضاءُ، ناسيةً كانت أو متعمِّدةً . قال
القبس
(١) سقط من: م.
(٢ - ٢) سقط من : ك١، م .
(٣) سقط من : ك١، م .
١٢٨

الموطأ
التمهيد
مالكٌ : إذا رَأَتِ الطُّهْرَ قبلَ (١) الغروبِ، فَأَرَى أن تَغْتَسِلَ ، فإنْ فِرَغَتْ مِن غُسْلِها
قبلَ غروبِ الشمسِ ، فإن كان فيما أدْرَكَتْ قَدْرُ(٢) ما تُصَلِّى الظهرَ وركعةً من
العصرِ، فَلْتُصَلِّ الظهر والعصرَ، وإن كان الذی بَقِیَ من النهارِ ليس فيه إلا قَدْرُ
صلاةٍ واحدةٍ ، صَلَّتِ العصرَ، وإن لم يَكُنْ بَقِىَ من النهارِ إلا قَدْرُركعةٍ واحدةٍ ،
فَلْتُصَلِّ تلك الركعةَ، ثم تَقْضِى ما بَقِىَ من تلك الصلاةِ. وقال مالكٌ: مَن أُعْمِىَ
عليه فى وقتٍ صلاةٍ فلم يُفِقْ حتى ذهَب وقتُها ، ظهرًا كانت أو عصرًا - قال :
والظهرُ والعصرُ وقتُهما فى هذا إلى مَغِيبِ الشمسِ، فلا إعادةً عليه. قال :
وكذلك المغربُ والعشاءُ، وقتُهما الليلُ كلُّه.
وقولُ الليثِ فى الحائضِ والمُغْمَى عليه كقولٍ مالكِ هذا سواءً.
وقال الأوزاعىُّ وقد سئل عن الحائضِ تُصَلِّى ركعتين ثم تَحِيضُ ، وكيف وإن
كانت أخّرَتِ الصلاةَ؟ فقال: إن أدركها المحيضُ فى صلاةٍ انصرَفتْ عنها ، ولا
شىءَ عليها، وإن كانت أخّرَتِ الصلاةَ ( حتى جاز الوقتُ ثم حاضتْ فعليها
قضاؤها، وإن كانت أَخّرت الصلاةَ) ولم يَذْهَبِ الوقتُ فلا شىءَ عليها . قال :
وإذا طَهُرَتِ المرأةُ بعدَ العصرِ فأخَذَتْ فى غُسْلِها، فلم تَفْرُغْ منه حتى غابَتِ
الشمسُ، فلا شىءَ عليها. ذكّره الوليدُ بنُ يزيدَ، عن الأوزاعيّ .
وقال الشافعىُّ: إذا طَهُرَتِ المرأةُ قبلَ مغيبِ الشمسِ بركعةٍ ، أَعادَتِ الظهرَ
القبس
(١) فى ك ١، م: ((عند)).
(٢) سقط من : ك١، م.
(٣ - ٣) سقط من : ١٥، م.
١٢٩
( موسوعة شروح الموطأ ٩/٢ )

الموطأ
التمهيد
والعصرَ، وكذلك إن طَهُرَتْ قبلَ الفجر بركعةٍ، أَعادَتِ المغربّ والعشاءَ.
واحْتَجّ بقولِ النبىِّ وَّهِ: ((مَن أدْرَكَ ركعةً من الصبح قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ
فقد أدرَكَ الصبحَ، و ١)مَن أدْرَكَ ركعةً من العصرِ قبلَ أن تَغْرُبَ الشمسُ فقد أدْرَكَ
العصرَ)). وبجَمْعِه وَلَّ بينَ الصلاتينِ فى أَسْفَارِهِ وبِعَرَفَةً وبالمزدلفةِ فى وقتٍ
إِحدَاهُما. يَعْنِى صلاتَيِ الليلِ وصلاتَي النهارِ؛ الظهرَ والعصرَ، والمغربَ
والعشاءَ .
وهذا القولُ للشافعيّ فى هذه المسألةِ أشهرُ أقاويلِه عندَ أصحابِه فيها وأصَحُها
عندَهم، وهو الذى لم يَذْكُرِ البُوَيْطِئُ (٢) غيرَه، وللشافعيّ فى هذه المسألةِ
قولانٍ آخَرانٍ ؛ أحدُهما، مثلُ قولٍ مالكٍ سواءً؛ فى مراعاةٍ قَدْرٍ خَمْسٍ
رَكَعاتٍ للظهرِ والعصرِ، وما دونَ ذلكُ ) إلى ركعةٍ للعصرِ، ومقدارِ أربعٍ
ركَعاتٍ للمغربِ والعِشَاءِ، وما دونَ ذلك للعِشاءِ، وآخرُ الوقتِ عندَه فى هذا
القولِ لآخرِ الصلاتينِ. والقولُ الآخرُ، قاله فى الكتابِ المِصِرىِّ؛ قال فى
المُغَمَى عليه : إِنَّه إذا أفاق وقد بَقِىَ عليه مِن النهارِ قدرُ ما يُكبِّرُ فيه تكبيرةً
الإحرامِ، أعاد الظهر والعصرَ، ولم يُعِدْ ما قبلَهما؛ لا صبحًا ولا مغربًا ولا
..
القبس
(١ - ١) سقط من : ك١، م.
(٢) يوسف بن يحيى أبو يعقوب المصرى البويطى ، صاحب الشافعى، لازمه مدة وتخرج به، و کان
الشافعى يعتمده فى الفتيا ويحيل عليه، له ((المختصر)) المشهور اختصره من كلام الشافعى، وقد
جلس مكان الشافعى ، مات فى قيده مسجونا بالعراق سنة إحدى وثلاثين ومائتين. سير أعلام النبلاء
٥٨/١٢، وطبقات الشافعية الكبرى ١٦٢/٢.
(٣) سقط من : ك١، م.
١٣٠

الموطأ
التمهید
عشاءً. قال: وإذا أفاق وقد بَقِىَ عليه من الليلِ قبلَ أن يَطْلُعَ الفجرُ قدرُ تكبيرةٍ
واحدةٍ، قضَى المغربَ والعشاءَ، وإذا أفاق قبلَ طلوع الشمسِ بقدرٍ تكبيرةٍ
قضَى الصبحَ وإذا طلَعَتِ الشمسُ قبلَ أن يُفيقَ لم يقضِها. قال: وكذلك
الحائضُ والرَّجُلُ يُسلِمُ . وقال فيمن بجنَّ بأمرٍ لا يكونُ به عاصيًا فذَهب عقلُه،
لا قضاءً عليه، ومن كان زوالُ عقلِه بما يكونُ به عاصيًا، قضَى كلَّ صلاةٍ
فاتتْه فى حالٍ زوالٍ عقلِه، وذلك مِثلُ السكرانِ وشاربِ السَّمِّ والسكرانِ
عامدًا لإذهابِ عقلِه .
قال أبو عمرَ: قولُهُ وَّله: ((مَن أَدْرَكَ ركعةً من الصبح)). أو: ((من
العصرِ)). على ما فى هذا الحديثِ، يقتضِى فسادَ قولٍ مَن قال: مَن أدرك
تكبيرةً ؛ لأن دليلَ الخطابِ فى ذلك أنه مَن لم يُدرِكْ من الوقت مقدارَ ركعةٍ فقد
فاتَه ، ومَن فاتَه الوقتُ بعذرٍ يَشْقُطُ عنه فيه الصلاةُ ، كالحائضِ وشبهها ، فلا شىءَ
علیه . واللهُ أعلمُ .
وما احتَجَّ به بعضُ أصحابِ الشافعىِّ بهذه القَولَةِ ، حيثُ قالوا: إنما أراد
رسولُ اللهِ وَ لهبذِكرِ الركعةِ البعضَ من الصلاةِ؛ لأنَّه قد رُوى عنه: «مَن أدرَكَ
رْعتين من العصرِ)) (١) . فأشار إلى بعضِ الصلاةِ مرَّةً بركعةٍ ومرَّةً بركعتين،
والتكبيرُ فى محكم الركعةِ؛ لأَنَّهُ(١) بعضُ الصلاةِ، فمَن أدرَ كها فكأنه أدرَك ركعةً
القبس
(١) أخرجه أحمد ١٤/١٦، ١٥ (٩٩١٨)، والنسائى (٥١٣)، وأبو عوانة (١١٠١)، والطحاوى فى
شرح المعانى ١/ ١٥٠، والطبرانى فى الأوسط (٨١٢٥) من حديث أبى هريرة مرفوعًا .
(٢) فى ك ١: ((لأنها)).
١٣١

الموطأ
التمهید
من الصلاةِ - فليس بشىءٍ ؛ لأنه يَنتَقضُ عليه أصلُه فى الجمعةِ ، ولم يَخْتَلِفْ قولُه
فيها أنه مَن لم يُدركْ منها ركعةً تامةً فلم يُدرِكُها، وهو ظاهرُ الخَرِ ؛ لأنَّ قولَه فى
جماعةٍ أصحابِهِ : من لم يُدرِكْ من صلاةِ الجمعةِ ركعةً بسجدتَيها أتَّها ظُهرًا .
هذا يقضِى عليه، على سائرٍ أقوالِه، وهو أصَحُّها. واللهُ أعلمُ .
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه، وهو قولُ ابنِ عُليَّةً (١): من طهُرَ من الحُضِ، أو
بَلَغَ من الصِّبيانِ ، أَو أسلم من الكفارِ ، لم يكنْ عليه أن يُصلّىَ شيئًا مما فات وقتُه،
وإنما يَقضِى ما أدرك وقتَه بمقدارٍ ركعةٍ فما زاد. وهم لا يقولون بالاشتراكِ فى
الأوقاتِ ؛ لا فى صلاتَي الليلِ ، ولا فى صلاتَي النهارِ ، ولا يَرونَ لأُحدِ الجمعَ بِينَ
الصلاتين، لا لمسافرٍ، ولا لمريضٍ، ولا لعذرٍ من الأعذارِ، فى وقتٍ إحداهما ،
ولا يجوزُ ذلك عندَهم فى غيرِ عَرَفةً والمزدلفةِ .
وسيأتى ذِكرُ مذاهبٍ العلماءِ فى الجمعِ بينَ الصلاتين فى بابٍ أبى الزُّبِيرِ(٢) إن
شاء الله تعالى .
وقولُ حمادٍ بنِ أبي سليمانَ(١) فى هذه المسألةِ كقولٍ أبى حنيفةً. ذكَر (4)
القبس
(١) إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم أبو بشر الأسدى مولاهم البصرى الكوفى الأصل، العلامة الحافظ الثبت ، قال
شعبة : ابن علية ريحانة الفقهاء. توفى فى ذى القعدة سنة ثلاث وتسعين ومائة . سير أعلام النبلاء ٩/ ١٠٧.
(٢) سيأتى فى شرح الحديثين (٣٢٨، ٣٣٠) من الموطأ .
(٣) فى ك ١: « سلمة)) . وهو حماد بن أبى سليمان أبوإسماعيل الکوفی ، أصله من أصبهان ، روی عن أنس بن
مالك، وتفقه بإبراهيم النخعى ، وهو أنبل أصحابه وأفقههم وأقيسهم وأُبصرهم بالمناظرة والرأى ، روى عنه
تلميذه أبو حنيفة ، مات سنة عشرين ومائة ، وقيل: سنة تسع عشرة ومائة . سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٣١.
(٤) فى ك ١، م: ((ذكره)).
١٣٢

الموطأ
التمهید
غُندرٌ، عن شعبةً ، قال: سألتُ حمادًا عن المرأةِ تَطُرُ فى وقتِ العصرِ ، قال :
تُصَلِّى العصرَ فقط .
وقال أبو حنيفةً وأصحابُه فيمن أُغمِىَ عليه خمسَ صَلَواتٍ فأقلَّ منها ثم
أفاقَ ، أَنَّه يقضِيها ، ومن أَغمِىَ عليه أكثرَ من ذلك ثم أفاق لم يَقضِه . وهذا قولُ
الثورىِّ، إلا أنه قال: أحبُّ إِلَّ أَن يَقضِىّ.
وقال الحسنُ بنُّ حَىٍّ: إذا أُغْمِىَ عليه خمسٌ صَلَواتٍ فما دونَها ، قضَى ذلك
كلَّه إذا أفاق، وإن أُغْمِىَ عليه أيامًا، قضَى خمسَ صَلَواتٍ فقط، ينظُرُ حِينَ (١)
◌ُفیقُ فیقضِی ما يَلِیه .
وقال زُفرُ فى المُغَمَى عليه يُفيقُ، والحائضِ تطهُرُ، والنصرانيّ يُسلِمُ،
والصَّبی یَحتَلِمُ : إنه لا یجبُ علی واحدٍ منهم قضاءُ صلاةٍ إلا بأن يُدر كوا من
وقتِها مقدارَ الصلاةِ كلِّها بكمالِها، كما لا يجبُ عليه من الصيامِ إلا ما أدرَك
وقته بکمالِه .
قال أبو عمرَ: قولُهُ وَله: ((مَن أَدرَك ركعةً)). على ما فى حديثٍ هذا
البابِ يرُدُّ قولَ زُفَرَ هذا. واللهُ المستعانُ.
وقال أبو ثَورٍ فى المُغْمَى عليه : لا يقضِى إلا صلاةَ وقتِه ، مثلَ أن يُفیقَ نهارًا
قبلَ غروبِ الشمسِ، فيقضىَ الظهر والعصرَ، ولا يُصلِّىَ الفجرَ، وإن أفاقَ قبلَ
الفجرِ صلَّى المغرب والعشاءَ لا غيرُ، وإن أفاق بعدَ طلوع الفجرِ، لم يجِبْ عليه
القبس
(١) فى م: ((حتى).
١٣٣

الموطأ
التمهيد من صلاةٍ الليلِ شىءٌ، فإن أفاق بعدَ طلوعِ الشمسِ، فليس عليه صلاةُ الصبح .
وقال أحمدُ بنُّ حنبلٍ : إذا طُرتِ الحائضُ، أو أسلَم الكافرُ، أو بلَغ الصبىُّ،
قبلَ أن تَغْرُبَ الشمسُ، صلَّوًا الظهر والعصرَ، وإن كان ذلك قبلَ أن يَطْلُعَ الفجرُ
صَلَّؤًا المغربَ والعشاءَ .
( وأما قولُ أحمدَ بن حنبلٍ(١) فى المُغْمَى عليه، فإنَّه يجبُ عليه عندَه أن
يقضِىَ الصلواتِ كلَّها التى كانت فى إغمائِه. وهو قولُ عُبيدِ اللهِ بنِ الحسنِ
العَنبَرِىِّ(٢) قاضى البصرة، لا فَرِقَ عندَهما بينَ النائم وبينَ المُغْمَى عليه فى أن كلَّ
واحدٍ منهما يقضِى جميعَ ما فاته وقتُه وإن كثُرَ. وهو قولُ عطاءِ بنِ أبى رباحٍ .
وروِى ذلك عن عمار بن ياسرٍ وعمرانَ بنِ مخصينٍ(١) .
وروَى ابنُّ رُستَمَ، عن محمدِ بنِ الحسنِ أن النائمَ إذا نام أكثرَ من يومٍ وليلةٍ فلا
قضاءً عليه .
قال أبو عمرَ : لا أعلمُ أحدًا قال هذا القولَ فى النائمِ غيرَ محمدٍ بن الحسنِ ،
فإن صحَّ هذا عنه فهو خلافُ السنةِ؛ لأنه قد ثبت عن النبيِّ وَ ل أنه قال: ((مَن
نام عن صلاةٍ أَو نَسيّها فلْيُصَلِّها إذا ذكرها))(٤). وأجمعوا أنه من نام عن خمسٍ
القبس
.
(١ - ١) فى ك ١، م: ((وقال أحمد بن حنبل أيضا)).
(٢) عبيد الله بن الحسن بن حصين بن أبى الحر العنبرى البصرى القاضى، من سادات أهل البصرة
فقها وعلما، ولى قضاء البصرة بعد سوار بن عبد الله، وكان ثقة محمودًا عاقلا من الرجال، توفى
فى ذى القعدة سنة ثمان وستين ومائة. تهذيب الكمال ٢٣/١٩.
(٣) سيأتى تخريجه ص ٢٣٢.
(٤) سيأتى فى الموطأ (٢٤، ٢٥).
١٣٤

الموطأ
التمهيد
صلواتٍ قضاها، فكذلك فى القياسِ ما زاد عليها . وأما قولُ مَن قال : یقضِی
المُغْمَى عليه إذا أُغمى عليه خمسَ صلواتٍ فدُونَ، ولا يقضِى أكثرَ. فقولٌ
ضعيفٌ لا وْهَ له فى النَّظَرِ؛ لأنه تحكّم لا يجبُ امتثالُه ، إلا لو كان قولُ من
يجبُ التسليمُ له . وأصحُ ما فى هذا البابِ فى المُغْمَى عليه يُفيقُ ، أنه لا قضاءً عليه
لِما فاتَّه وقتُه . وبه قال ابنُ شهابٍ ، والحسنُ، وابنُ سيرينَ، وربيعةُ، ومالكٌ،
والشافعىُ، وأبو ثورٍ. وهو مذهَبُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ (١)؛ أغمىَ عليه فلم يَقضٍ
شيئًا ممافات وقتُه . وهذا هو القياسُ عندى واللهُ أعلمُ ؛ لأن الصلاةَ تجبُ للوقتِ ،
فإِذا فات الوقتُ لم تَجَبْ إلا بدليلٍ لا تنازُعَ فيه ، ومن لم يُدركْ من الوقتِ مقدارَ
ركعةٍ، وفاتَه ذلك بقَدَرٍ من اللهِ ، فلا قضاءَ عليه . والأصولُ مختلفةٌ فى قضاءِما
يجبُ من الأعمال فى أوقاتٍ معينةٍ إذا فاتت أوقاتُها ؛ فمنها أن صومَ رمضانَ فى
وقتٍ بعينه، فإذا منَع المسلمَ من صيامِه عِلَّةٌ، كان عليه أن يأتىَ بعدَّتِه من أيام
أُخرَ. ومنها أنَّ أعمالَ الحجّ أوقات معينةٌ ، فإذا فات وقتها لم تُعملْ فى غيرِها ؛
كالوقوف بعرفةً وبمزدلفةً، وغيرِ ذلك من أعمالِ الحجّ، وكرمي الجمارِ فى
أيامِها ، وكالضحايا فى أيامِها، لا يُعملُ شىءٌ من ذلك فى غيرِها ، قام دليلُ
الإجماع على ذلك ، وقام الدليلُ من القرآنِ على ما ذكرنا فى قضاءِ الصيامِ ، فلما
احتمَلتِ الصلاةُ الوجهينِ جميعًا طلَبنا الدليلَ على ذلك، فوجَدْنا رسولَ اللهِ
وَّ قد بيَّنَ مرادَ اللهِ منها فيمن نام أو نسِى أنه يَقضِى، ورأينا العاجزَ عن القيامِ
فى الصلاةِ أنه يَسقُطُ عنه، وكذلك إن عجز عن الجلوسِ " ونحوه حتى يُومئَ
القبس
(١) بعده فى س: ((فيمن)). وسيأتى الأثر فى الموطأ (٢٣).
(٢ - ٢) فى م: ((وغيره)).
١٣٥

الموطأ
التمهید
إيماءً، فإذا لم يقدِرْ على الإيماءِ فهو المُغَمَى (١) عليه، ووجَب سقوطُ ذلك عنه
بخروجِ الوقتِ .
ودليلٌ آخرُ من الإجماع، وذلك أنهم أجمعوا على أن المجنونَ المُطْبَقَ لا شىءَ
عليه(١) من صلاةٍ ولا صيام، إذا أَفَاقَ من جنونِه وإطباقِهِ، فكان المُغْمَى عليه أشبة
به منه بالنائم ، إذ لا يجتَذِبُه غیرُ هذینِ الأصلین، ووجدناه لا يَنتَبِهُ إِذا نُبُّه ، فكان
ذلك فرقًا بينَه وبينَ النائم . وفرقٌ آخرُ، أن النومَ لذةٌ ونعمةٌ، والإغماءَ عِلَّةٌ
ومرضّ من الأمراضِ، فَحالُه(٣) بحالٍ مَن يُجَنَّ أشبَهُ منه بحالٍ النائم .
ولقولِ أحمدَ بنِ حنبلٍ وعُبيدِ اللهِ بنِ الحسنِ وجوةٌ فى القياسِ أيضًا، مع
الاحتياطِ واتِباعِ رجلين من الصحابةِ .
وأما قولُ مَن قال : يقضِى خمسَ صلواتٍ ولا يقضِى ما زاد . فقولٌ لا بُرهانَ
له به ، ولا وجة(٤) یجبُ التسلیمُ له .
وقالت طائفةٌ من العلماءِ، منهم ابنُ عُليَّةً ، وهو أحدُ أقوالِ الشافعىِّ ، وهو
المشهورُ عنه فى ((البُويطىِّ)) وغيرِهِ : إذا طهُرت الحائضُ فى وقتٍ صلاةٍ وأخَذتْ
فى غُسلِها، فلم تَفْرُعْ حتى خرَج وقتُ تلك الصلاةِ ، وجَب عليها قضاء تلك
الصلاة ؛ لأنها فى وقتها غیرُ حائضٍ ، وليس فوتُ الوقتِ عن الرجلِ مُمُسقِط عنه
القبس
(١) فى س: ((كالمغمى)).
(٢) بعده فى م: ((بخروج الوقت)).
(٣) فى س: ((فكان حاله)).
(٤) فى س: ((حجة)).
١٣٦

الموطأ
التمهید
الصلاةَ إن اشتغل بؤُضوئِه أو غُسلِه حتى فاته الوقتُ، وكذلك الحائضُ إذا
طَهُرت ، لا تسقُطُ عنها الصلاةُ من أجلِ غُسلها ؛ لأن شُغلَها بالاغتسالِ لا يُضِيعُ
عنها ما لزِمَها من فرضِ الصلاةِ، وإنما تسقُطُ الصلاةُ عن الحائضِ ما
دامَت حائضًا، فإِذا طهُرت فهى كالجُنْبِ، ولزِمَها صلاةُ وقتِها التى
طهرت فيه .
٠
قال الشافعىُّ: وكذلك المُغمى عليه يُفيقُ ، والنصرانىُّ يُسلمُ ، قبلَ غروبٍ
الشمسِ، أو قبلَ طلوع الفجرِ، أو قبلَ طلوعِ الشمسِ، بركعةٍ، ثم اشتغَل
بالوضوءِ حتى خرَج الوقتُ . قال : ولا يقضِى أحدٌ من هؤلاء شيئًا من الصلواتِ
التى فاتَ وقتُها .
وقال الشافعىُ وابنُ عُليَّةَ: لو أنَّ امرأةً حاضَت فى أولٍ وقتِ الظهرِ بمقدارِ ما
يُمكنُها فيه صلاةُ الظهرِ ، ولم تكنْ صلَّت، لَزِمها قضاءُ صلاةِ الظهرِ ؛ لأن الصلاةَ
تجبُّ بأول الوقتِ ، وليس تَشْقُطُ عنها، لما كان لها من تأخيرِ الصلاةِ إلى آخرٍ
وقتِها، ما وجَب عليها من الصلاةِ بأولِه . قالوا : والدليلُ على أن الصلاةَ تجبُ
بأول الوقتِ أن مسافرًا لو صلَّى فى أولِ الوقتِ قبلَ أن يدخُلَ المصرَ، ثم دخَل
المِصِرَ فى وقتِهِ أجزأَه . فإن حاضت وقد مضَى من الوقتِ قَدْرُ ما لا يُمكنُها فيه
الصلاةُ بتمامِها ، لم يجِبْ قضاؤها ؛ لأنه لم يأتِ عليها من الوقتِ ما يُمكنُها فيه
الصلاةُ، كما لو حاضَت وهى فى الصلاةِ فى أولِ وقِتِها ، لم تكنْ عليها إِعادتُها ؛
لأن الله منَعها أن تصلِّىَ وهى حائضٌ .
القبس
(١) فى س: ((الذى)).
١٣٧

الموطأ
التمهيد
وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ: لم يجُزْ أن يُجعَلَ أولُ الوقتِ هلهنا كآخرِهِ،
فيلزمَها بإدراك ركعةٍ الصلاةُ كلُّها أو الصلاتان ؛ لأن البناءَ فى آخرِ الوقتِ يَتَهِيَّأَ
على الركعةِ ، ولا يتَهيَّأُ البناءُ فى أولِ الوقتِ ؛ لأن تقديمَ ذلك قبلَ دخول الوقتِ لا
يجوزُ .
وروى ابنُ وهبٍ عن الليثِ ، فى الرجلِ تزُولُ عليه الشمسُ وهو يُريدُ سفرًا
فلا يصلِّى حتى يخرجَ، قال: يصلِّى صلاةَ المقيم؛ لأن الوقتَ دخَل عليه قبلَ
الخروجِ، ولو شاء أن يُصلِّىَ صلَّى.
والکلامُ فی تعلیل هذه المسائل یطول، وقد ذكرنا منه() أُصولَ معانیه ، وما
مدارُه علیه . والحمدُ لله .
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةً، والأوزاعىُّ، وأصحابُهم: لا شىءَ على المرأةِ إذا
حاضَتْ فى بقيةٍ من الوقتِ . على ما قدَّمنا عنهم أن الحائضَ لا صلاةً عليها ، وقد
كانت مُوسَّعًا لها فى الوقتِ .
ومسائلُ هذا البابِ تكثُوُ جدًّا، وهذه أُصولُها التى تُضبَطُ بها . وأصلُ هذا
البابِ كلِّه الحديثُ المذكورُ فى أولِهِ ، وباللهِ العونُ والتوفيقُ لا شريكَ له .
وأما الوجهُ الثالثُ من معانى حديثٍ هذا البابِ، وهو جوازُ صلاةٍ (١) مَن
صلّى صلاة الصبح عند طلوع الشمس ، أو العصرِ عند غروب الشمس ، ممَّن
القبس
(١) فى م: ((منها)).
(٢) سقط من : ك١، م.
١٣٨

الموطأ
التمھید
نام أو نسِيَ، فإِنَّ العلماءَ اختلفوا فى ذلك؛ فقال الكوفيون؛ أبو حنيفةً
وأصحابُه : لا يقضِى أحدٌ صلاةً عندَ طلوع الشمسٍ، ولا عندَ قيامٍ قائمِ الظهيرةِ،
ولا عندَ غروبِ الشمسِ، غيرَ عصرٍ يومِه خاصةً ، فإنه لا بأسَ أن يُصليَها عندَ
غروبِ الشمسِ من يومِه؛ لأنه يخرجُ إلى وقتٍ تجوزُ فيه الصلاةُ . قالوا : ولو
دخَل فى صلاةِ الفجرِ فلم يُكمِلْها حتى طلعت عليه الشمسُ، بطَلت عليه،
واستقبَلها بعد ارتفاع الشمس. ولو دخَل فى صلاةِ العصرِ فاصفرَّتِ الشمسُ،
أتَّها إذا كانت عصرَ يومِه خاصةً .
واحتجوا لما ذهبوا إليه فى هذا الباب بحديثِ الصُّنابحىّ ، وحديثٍ عمرو
ابنِ عَبَسَةً (١)، وحديثِ عقبةً بنٍ عامٍ ١، عن النبيِّ بَّرِ فِى النهي عن الصلاةِ
عندَ طلوع الشمسٍ، وعندَ غروبِها، وعندَ استوائِها . وجعَلوا نهيه عن الصلاةِ
فى هذه الأوقاتِ نهىَ عمومٍ، كنهيه عن صيامٍ يومِ الفطرِ ويومِ النَّحرِ؛ لأنه (٣) لا
يجوزُ لأحدٍ أن يقضِىَ فيها فرضًا من صيامٍ، ولا تطو١ٌّ بصيامِها، وهذا
إجماعٌ. قالوا: فكذلك نهيُه عن الصلاةِ عندَ طلوع الشمسِ وعندَ غروبِها
واستوائها، يقتضِى صلاة النافلةِ والفريضةِ. ومنهم مَن زعَم أن حديثَ هذا
البابِ منسوخٌ بأحاديثِ النهي عن الصلاةِ فى تلك الأوقاتِ. واحتجُوا أيضًا بأنَّ
رسولَ اللهِ وَ لَه إِذْ نام عن الصلاةِ واستيقَظ فى حينِ طلوع الشمسِ، أَخَّرَ الصلاةَ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٥١٤).
(٢) سيأتى فى شرح الحديث (٥١٤) من الموطأ .
(٣) زيادة من: م.
(٤) فى م: ((يتطوع)).
١٣٩

الموطأ
التمهید
حتى ارتفعَت (١) . قالوا: وبهذا يتبيَّنُ(٢) أن نهيَه عن الصلاةِ فى تلك الأوقاتِ
ناسخٌ لحديثِ هذا البابِ . فذكروا حديثَ الثورىِّ ، عن ("سعيدِ بنِ" إسحاقَ بنِ
كعبِ بنِ عُجْرةَ، عن رجلٍ من ولدِ كعبٍ بنِ عُجْرةَ ، أنه نام عن الفجرِ حتى
طَلَعتِ الشمسُ. قال: فقُمتُ أُصلِّى، فدعانى فأجلَسنى - أعنى كعبَ بنَ
عُجْرةَ - حتى ارتفعتِ الشمسُ وابِيَضَّت ، ثم قال: قُمْ فصلٌ() . وحديثَ معمرٍ
والثورىٌّ، عن أيوبَ ، عن ابن سيرينَ ، أن أبا بكرًأتاهم فی بستانٍ لهم ، فنام عن
العصرِ. قال: فرَأينا(٥) أنه صلَّى، ولم يكنْ صلَّى، فقام فتوضّأ، ولم يُصلِّ حتى
غابت الشمس(٦).
قال أبو عمرَ: أما الخبرُ عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، فلا تقومُ به حجةٌ؛ لأنه عن
رجلٍ مجهولٍ من ولدِه . وأما حديثُ أبى بكرةَ ، فهم يخالفونه فى عصرِ يومِه ،
ويرونَ جوازَ ذلك. وقد أجمعوا أن السنةَ لا ينسَخُها إلا سنةٌ مثلُها ، ولا تُنسَخُ
سنةُ رسولِ اللهِ وَلَه بقولِ غيرِه؛ لأنه مأمورٌ باتِّباعِه، ومحظورٌ(١) من مخالفتِه.
وقال مالكٌ، والشافعى، وأصحابُهما، والثورىُّ، والأوزاعى، وداودُ ،
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٢٤، ٢٥).
(٢) فى ك ١، م: ((تبين)).
(٣ - ٣) فى مصدر التخريج: ((سعد بن))، وفى نسخة منه: ((سعيد بن أبى)). وينظر ما سيأتى فى
الموطأ (١٢٨٣).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٢٢٥٠) عن الثورى به .
(٥) فى ك ١، م: ((فرأيناه)).
(٦) أخرجه عبد الرزاق (٢٢٤٩) عن معمر والثورى به.
(٧) فى ك ١: ((يحذر))، وفى س: ((حظر)).
١٤٠