Indexed OCR Text

Pages 101-120

الموطأ
ولا عن أصْحابِه أنَّ مِقْدارَ رَكْعَةٍ قبلَ طُلُوعِ الشمسِ عندَهم وَقْتٌ فى صَلاةِ
الصُّبح لأصْحابِ الضَّرُورَاتِ ، وأنَّ مَن أذْرَكَ منهم ذلك لَزِمَته الصلاةُ ؛ لقولِه
وَلَى: ((مَن أَدْرَكَ رَكْعَةً مِن الصُّبْحِ قبلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فقد أدْرَكَ الصُّبْحَ))(١).
التمهيد
وقيل: إنَّ هذا الحديثَ أيضًا دليلٌ على أنَّ أوَّلَ الوَقْتِ وَآخِرَه سَواءٌ. وبهذا
نزَعَ من قال أن لا فَضْلَ لأَوَّلِ الوقتِ على آخرِه؛ لقَوْلِه ◌َالرّ: ((ما بین هذيْنِ
وَقْتُ)) . قال بذلك قومٌ مِن أهلِ الظَّاهِرِ، وخالَفَهم جماعَةٌ مِن الفُقَهاءِ، ونزَعُوا
بأشياءَ، ستَذْكُرُ بعضَها فى هذا البابِ إِنْ شاءَ اللَّهُ .
والذى فى قَوْلِه: ((ما بين هذينٍ وَقْتُ)). ممّا لا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا - سَعَةُ
الوَقْتِ ، وبَقِىَ التَّفْضِيلُ بينَ أوَّلِهِ وَآخِرِهِ مَوْقُوفًا على الدَّلِيلِ.
واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فى الأَفْضَلِ فى وَقْتِ صلاةِ الصُّبْحِ؛ فذهَب العِراقِیُون ؛ أبو
حنيفةً وأصحابُه، والثورىُّ، والحسنُ بنُّ حَىٍّ، وغيرُهم ، إلى أنَّ الإِسْفَارَ بها
أَفْضَلُ مِن التَّغْليسِ فى الأزْمِنَةِ كُلُّها؛ فى الشِّتَاءِ والصَّيْفِ . واحْتَبُوا بحديثٍ
رَافِعٍ بِنِ خَدِيجٍ، وما كان مثلَه عن النبيِّ وَ لِّ فِى ذلك. وحديثُ رافِعِ يدُورُ على
عاصِمٍ بِنِ عُمَرَ بنِ قتَادَةً، وليس بالقَوِىِّ (١)، روَاه عنه محمدُ بنُّ إسحاقَ ، وابنُ
عَجْلانَ ، وغيرهما .
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (٤).
(٢) فى ص ٤: ((عمرو)). وينظر تهذيب الكمال ٥٢٨/١٣.
(٣) قال ابن حجر: عاصم بن عمر بن قتادة ... يكنى أبا عمرو، ما له فى ((البخارى)) سوى هذا
الحديث، وآخر تقدم فى باب: من بنى مسجدًا ... وهو تابعى ثقة عندهم، وأغرب عبد الحق فقال =
١٠١

الموطأ
التمهید
أخبرنا أحمدُ بنُ قاسِمِ بنِ عبدِ الرحمنِ قِراءَةً مِنِّى عليه، أنَّ قاسِمَ بنَ أصْبَغَ
حدَّثَهم، قال : نا الحارثُ بنُ أبى أَسامَةَ ، قال: نا أبو نُعَيْم ، قال: ناسُفيانُ ، عن
ابنِ عَجْلانَ، عن عاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قتادَةً، عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ ، عن رافِعٍ بنٍ
خَدِيجٍ، قال: قال رسولُ اللّهِ وَّهِ: ((أسْفِرُوا بالفجرِ، فكلَّما أسْفَرْتُمْ فهو أعظمُ
للأجرِ)) (١) . وهذا أحسَنُ أسانيدِ هذا الحديثِ.
وقد روَاه بَقِيَّةُ بنُ الوَليدِ، عن شُعْبَةً، عن داودَ البصرىِّ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ ،
عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ، عن رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ، عن النبيِّ ◌َّ ◌َمَعْنَاهُ(١). وهذا إِسْنَادٌ
ضعيفٌ ؛ لأَنَّ بَقِيَّةَ بنَ الوليدِ ضعيفٌ ، وزيدُ بنُ أسْلَمَ لم يَسْمَعْ مِن محمودِ بنِ لَبِيدٍ .
واخْتَجُوا أيضًا بأنَّ علىَّ بنَ أبى طالِبٍ وعبدَ اللَّهِ بنَ مَسْعُودٍ كانَا يُشْفِرَانِ
بصلاةِ الصُّبْحِ().
القبس
= فى ((الأحكام)»: وثقه ابن معين وأبو زرعة، وضعفه غيرهما. وردًّ ذلك أبو الحسن بن
القطان، فقال: لا أعرف أحدًا ضعفه ولا ذكره فى الضعفاء. وهو كما قال. فتح البارى
١٠ / ١٤٠.
(١) فى ص ٤: ((عمرو)).
(٢) الفضل بن دكين فى كتاب الصلاة (٣١٤) - ومن طريقه الدارمى (١٢٥٥)، والطحاوى فى
شرح المعانى ١٧٨/١، والطيرانى (٤٢٨٣) - وأخرجه الحميدى (٤٠٩)، وأحمد ٤٩٦/٢٨
(١٧٢٥٧)، وأبو داود (٤٢٤)، وابن ماجه (٦٧٢) من طريق سفيان به .
(٣) أخرجه ابن أبى عاصم (٢٠٩٠)، والطبرانى (٤٢٩٣)، والخطيب ١٣/ ٤٥، ٤٦، وفى موضح
أوهام الجمع والتفريق ٧٩/٢، وابن عساكر ١٤٢/١٧ من طريق بقية به .
(٤) سيأتى تخريجه ص ١٠٩.
١٠٢

الموطأ
التمهيد
وكان مالِكٌ، واللَّيْثُ بنُ سعدٍ، والأَوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، يذْهَبُون إلى أنَّ
التَّغْلِیسَ بصلاةِ الصُّنْح أفضلُ. وهو قولُ أحمد بن حنبل ، وداود بنٍ علىٍّ ، وأُبی
جعفرِ الطَّيْرِئِّ.
والحُجَّةُ لهم فى ذلك أنَّ رسولَ اللَّهِ بِهِ كان يُصَلِّى الصُّبْحَ، فِيَنْصَرِفُ
النِّسَاءُ مُتَلَفِّفاتٍ (١) بُوطِهِنَّ، ما يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ(٢). وأَنَّه ◌ِلّهِ لِم ◌َزَلْ يُغَلِّسُ
بالصُّبْحِ إِلى أن تُؤُفِّىَ صَلَواتُ اللَّهِ عليه .
حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ ، نا عبدُ الحمیدِ بنُ أحمد ، نا اخضِرُ بنُ داودَ ، نا
أبو بَكْرِ الأَثْرَمُ، قال: قلتُ لأحمدَ بنِ حنبلٍ: ما معنى قوله: ((أَسْفِرُوا بالفجرِ؟))
فقال : إِذا بان الفجر فقد أسْفَرَ . قلتُ : كان أبو (١) نعيم يقولُ فى حديث رافِعٍ بِنِ
خَدِيج: ((أَسْفِرُوا بِالفجرِ، فكلَّمَا أسْفَرْتُمْ بها فهو أَعْظَمُ للأجْرِ )). فقال : نعم،
كلُّه سواءٌ، إنَّما هو إذا تَبَّنَ الفَجْرُ فقد أسْفَرَ. قال أبو بَكْرٍ : يقالُ فى المرأةِ إذا
كانت مُتَتَقِبَةً فكشَفَتْ عن وَجْهِها: قد أسْفَرَتْ عن وَجْهِها ، فإنَّما هو أن يَنْكِشِفَ
الفجرُ، وهكذا بلَغنى عن أبى عبدِ اللَّهِ . يَغْنِى أحمدَ بنَ حنبلٍ رَحِمَه اللَّهُ .
قال أبو عمرَ: صَحَّ عن رسولِ اللّهِ بِهِ، وأبِى بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، أَنَّهم
كانُوا يُغْلِّسون(٤)، ومحالٌ أنْ يَتْرُكوا الأَفْضَلَ ويَأْتُّوا الدُّونَ، وهم النِّهَايَةُ فِى إِنْتَانِ
الفَضائلِ. ولا مَعْنَى لقولٍ مَن احْتَجَّ بأنَّه ◌ِ لّهِ لم يُخَّرْ بِينَ أَمْرَيْنِ قَطَّ إلَّا اخْتَارَ
القبس
(١) سقط من: ص ٤.
(٢) سيأتى فى الموطأ (٣).
(٣) فى ص ٤: ((ابن).
(٤) ينظر سنن ابن ماجه (٦٧١)، والأوسط لابن المنذر (١٠٦٥)، وشرح المعانى للطحاوى ١٧٦/١،
وسنن البيهقى ١/ ٤٥٦.
١٠٣

الموطأ
التمهيد
أَيْسَرَهما ما لم يكنْ إِثْمًا(١)؛ لأَنَّه معلوم أنَّ الإِسْفَارَ أَيْسَرُ على الناسِ مِنِ التَّغْلِيسِ،
وقد اخْتَارَ التَّغْلِيسَ لفَضْلِه، وجاءَ عنه نَّهِ أَنَّه قال: ((أوَّلُ الوَقْتِ رِضْوانُ اللَّهِ ،
وآخِرُهُ عَفْؤُ اللَّهِ))(٢). فكانَ العَفْؤُ إِباحَةً، والفَضْلُ كلُّه فى رِضْوانِ اللَّهِ. وسُئِلَ
عليه السّلامُ عن أفْضَلِ الأعْمالِ وأحَبُّها إِلى اللَّهِ؟ فقال: ((الصَّلاةُ فِى أَوَّلٍ
(٣)
وَقْتِهَا))(١).
وحدَّثَنا سعيدُ بنُّ نصرٍ، قال: نا قاسِمُ بنُّ أَصْبَغَ، قال: نا إسماعيلُ بنُ
إسحاقَ القاضِى ، قال : نا عبدُ الواحِدِ بنُ غياثٍ ، قال: ناقَزَعَةُ بنُ سُوَئِدٍ ، قال :
نا عبيدُ(٤) اللَّهِ بنُ عُمَرَ، عن القاسِمِ بنِ غَنَّامِ، عن بعضٍ أُمَّهاتِه، عن أُمَّ فَزْوَةً ،
قالت: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ،وَ لَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ أحَبَّ الأعْمَالِ إلى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
الصلاةُ لِأُوَّلِ وَقْتِها))(٥) . وهذا أحسَنُ أسانِيدِ هذا الحديثِ.
وقد رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، عن النبيِّ وَلّهِ مَعْنَاه. ولا يَصِحُ إِسْنادُه (١).
وأصَحُ دليلٍ على تَفْضِيلٍ أوَّلِ الوَقْتِ مَمَّا قد نزَعَ به ابنُ خُوَازِبَنْدادَ
وغيرُه - قولُه عزَّ وجلّ: ﴿فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]. فوَجَبتٍ
القبس
(١) سيأتى فى الموطأ (١٧٣٦).
(٢) أخرجه الترمذى (١٧٢) من حديث ابن عمر، وروى عن جماعة من الصحابة. ينظر نصب
الراية ٢٤٣/١، والإرواء (٢٥٩).
(٣) سيأتى تخريجه ص ٢٢٩، ٢٣٠.
(٤) فى م: ((عبد)). وقد رواه عبيد اللَّه وعبد اللَّه كلاهما. ينظر تحفة الأشراف ١٣/ ٩٥.
(٥) أخرجه الطبرانى ٨٢/٢٥ (٢٠٩)، وفى الأوسط (٣٣٠٤) من طريق عبد الواحد به، وأخرجه الطبرانى
فى الأوسط (٨٦٠، ٨٥٥٧)، والدارقطنى ٢٤٨/١ من طريق قزعة به، وسيأتى ص ١٠٧، ٢٣٠.
(٦) أخرجه الدارقطنى ٢٤٧/١، والحاكم ١٨٩/١.
١٠٤

الموطأ
التمهید
المُسابقَةُ إليها وتَعْجِيلُها وُجُوبَ نَذْبٍ وفَضْلٍ، للدَّلائلِ القائمة على جوازٍ.
تأخيرها .
. وممّا يدُلُّ على أنَّ أوَّلَ الوقتِ أَفْضَلُ أيضًا ما حدَّثَنَاه أحمدُ بنُ قاسِمِ بنِ
عيسى ، قال : نا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ محمدِ بنِ حَبَابَةَ الْبَغْدَادِىُّ بِبَغْدَادَ ، قال: نا عبدُ اللَّهِ
ابنُ محمدِ بنِ عبدِ العَزيزِ الْبَغَوِىُّ، قال: حدَّثَنِى جَدِّى، قال: نا يَعْقُوبُ بنُ
الوَليدِ، عن ابن أبى ذِئْبٍ، عن المَقْبُرىِّ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ
وَلِّه: ((إِنَّ أَحدَكم لَيُصَلِّى الصلاةَ، وما فاتَه مِن وقتِها أشدُّ عليه١) مِن أهلِه
(٢)
وماله)»(٢) .
وقولُه فى هذا الحديثِ: ((وَمَا (١) فَاتَه مِن وَقْتِهَا)) . دليلٌ على أنَّه لم يَفُتْه وَقْتُها
كلُّه، واللَّهُ أعلمُ، لأنَّ ((مِن)) حقُّها التَّبْعِيضُ.
ولا خِلافَ بينَ علماءِ المسلمينَ أنَّ مَن صلَّى صَلاتَه فى شىءٍ مِن وَقْتِها ، أنَّه
غيرُ حَرِجٍ إذا أُدْرَكَ وَقْتَها . ففى هذا ما يُغْنِى عن الإِكْثَارِ، ولكِنَّهم اخْتَلفُوا فى
الأَفْضَلِ مِن ذلك على ما ذكّرْنَا، ومعلومٌ أنَّ مَن بَدَرَ إلى أداءِ فَرْضِه فى أوَّلِ وَقْتِهِ ،
كان قد سَلِمَ ممّا يَلْحَقُ الْتُوَانِى مِن العَوارِضِ، ولم تَلْحَقْه مَلامَةٌ ، وشُكِرَ له بِدَارُه
إلى طاعَةٍ رَبُّه .
وقد أجْمَعَ المسلمون على تَفْضِيلٍ تَعْجِيلِ المغربِ؛ مَن قال: إِنَّ وَقْتَها تَمْدُودٌ
القبس
(١ - ١) فى م: ((وقتها، ولما فاته من وقتها أعظم أو أفضل)).
(٢) البغوى فى الجعديات (٢٨٥٤).
(٣) فى م: ((لما)).
١٠٥

٣ - حدّثنى يحيى، عن مالك ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عمْرَةَ
الموطأ
بِئْتِ عبدِ الرحمنِ، عن عائشةَ زوج النبيِّ وَجَّ أنَّها قالت : إن كان
رسولُ اللَّهِ وَ لَيَصَلَّى الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّفَاتٍ بُرُوِهِنَّ،
ما يُعْرَفْنَ مِن الغَلَسِ .
التمهید
إِلى مَغِيبِ الشَّفَقِ. ومَن قال: إِنَّ ليس لها إِلَّ وَقْتٌ واحِدٌ. كلُّهم يَرَى تَعْجِيلَها أفضَلَ.
وأمَّا الصُّبْحُ، فكان أبو بكرِ الصِّدِّيقُ، وعمرُ الفاروقُ، يُغَلِّسَانِ بها(١) . فأينَ
المَذْهَبُ عنهما؟ وبذلك كتَبَ عمرُ إلى عُمَّالِهِ: أَنْ صلُّوا الصُّبْحَ والنُّجومُ بادِيَةٌ
مُشْتَبِكَةٌ(٢).
وعلى تَفْضِيلٍ أوائلِ الأَوْقاتِ جمهورُ العُلماءِ، وَأْتَرْ أَئِمَّةِ الفَتْوَى . وسيَأْتِى
شىءٌ مِن هذا المَغْنَى فى البابِ الذى بعدَ هذا إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. وباللَّهِ التوفيقُ .
مالكٌ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةً أنها قالت : إن كان
رسولُ اللَّهِ وَلِهِ ليُصلِّى الصبحَ، فينصرفُ النساءُ مُتلفِّفاتٍ بُروطِهِنَّ، ما يُعْرِفْنَ
من الغَلَسِ().
القبس
وأمّا حديثُ عائشةَ رَضِوانُ اللهِ عليها، فدَلَّ به مالكٌ على مواظبةِ النبيِّ وَ لِّ على
صلاةٍ الصبحِ مع الفجرِ، ولو كانت نَفْلًا كما قاله أهلُ العراقِ ما اختارَ حياتَه كلّها
لنفسِه النفْلَ وترَك الفرضَ.
(١) تقدم تخريجه ص ١٠٣ .
(٢) سيأتى فى الموطأ (٥، ٦).
(٣) الموطأ برواية أبى مصعب (٤). وأخرجه أحمد ٢٨٥/٤٢ (٢٥٤٥٤)، والبخارى (٨٦٧)، =
١٠٦

الموطأ
التمهيد
فى هذا الحديثِ التغْليسُ بصلاةٍ الصبح، وهو الأفضلُ عندَنا ؛ لأنها كانت
صلاةَ رسولِ اللَّهِ وَهِ، وأبى بكرٍ، وعمرَ(١)، ألا تَرى إلى كتابٍ عمرَ إلى عمَّالِه
أن صلُّوا الصبحَ والنجومُ باديةٌ مُشتبِكةٌ(٢) . وإلى هذا ذهب مالك، والشافعى،
وأحمدُ بنُّ حنبلٍ، وعامةُ فقهاءِ الحجازِ، وإليه ذهب داودُ بنُّ علىٍّ . وقد رُوِّينا أن
رسولَ اللَّهِ وَلِهِ، وأبا بكرٍ، وعمرَ، كانوا يُغَلِّسونَ بالصبح، فلما قُتِل عمرُ أُسفرَ بها
عثمانُ .
ومِن مُحُجَّةٍ مَن ذهَب إلى أن التغليسَ أفضلُ مِن الإسفارِ بصلاةِ الصبحِ
حديثُ أُمٌّ فَرْوةً .
ذكَر عبدُ الرزاقِ(٣)، عن "عبدِ اللَّهِ بنٍ" عمرَ العُمَرِىِّ، عن القاسمِ ابنٍ
غَنَّامِ، عن بعضِ أُمهاتِه أو جَداتِه، عن أُمِّ فَروةَ، وكانت قد بايعتِ النبىَّ وََّ،
قالت: سُئلَ رسولُ اللّهِ وَهِ: أَىُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: ((الصلاةُ لأُوَّلٍ وقتِها)).
وذكره أبو داود(٥) ، عن القغنبىّ ومحمد بن عبد الله الخُراعى جميعًا ، عن
العُمَرِىِّ، عن القاسم بنِ غنامٍ، عن بعضٍ أمهاتِه، عن أمّ فَروةَ، قالت : سُئلَ
رسولُ اللَّهِ وَله: أىّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: ((الصلاةُ فى أوَّلٍ وقتِها)).
القبس
= ومسلم (٢٣٢/٦٤٥)، وأبو داود (٤٢٣) والترمذى (١٥٣) والنسائى (٥٤٤) من طريق مالك به.
(١) تقدم تخريجه ص ١٠٣ .
(٢) سيأتى فى الموطأ (٥، ٦).
(٣) عبد الرزاق (٢٢١٧).
(٤ - ٤) فى ر: ((عبد الله عن))، وفى م: ((عبيد الله بن)).
(٥) أبو داود (٤٢٦) .
١٠٧

الموطأ
التمهید
وذهَب العراقيُون قديمًا وحديثًا إلى الإسفارِ بها ، فقالوا: الإسفارُ بها أفضلُ.
واحتجَّ مَن ذَهَب مَذهبَهم بحديثٍ رافعٍ بنِ خَدِيجٍ، عن النبيِّ وَّلِ أنه قال:
(أَشْفِروا بالفجرِ، فإنه أعظمُ للأجرِ)). وبعضُهم يَزيدُ فى هذا الحديثِ: ((أسفِروا
بالفجرِ(١) ، فكلَّما أسفرتُم فهو أعظمُ للأجرِ )).
حدثنا أحمدُ بنُ قاسم، حدثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، حدثنا الحارثُ بنُ أبی
أسامةَ ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيانُ ، عن ابنٍ عجلانَ ، عن عاصم بن عمرَ بنِ
قَتادةَ، عن محمودٍ بنِ لبيدٍ ، عن رافعِ بنِ خَديجٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ مِهِ:
((أسفِروا بالفجرِ، فكلَّما أسفرْتُ، فهو أعظمُ للأجرِ))(١).
قال أبو عمرَ : هذا الحديثُ إنما يَدورُ على عاصمِ بنِ عمرَ ، وليس بالقوىِّ.
وذكر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن الثورىِّ وابنٍ عُبينةً ، عن محمدِ بنِ عجلانَ ، عن
عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةً، عن محمودٍ بنٍ لبيدٍ ، عن رافعٍ بنٍ خَدیجٍ، قال :
قال رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((أَشْفِروا بصلاةِ الغَداةِ، فإنه أعظمُ لأجرٍكم)) .
وذكَره أبو داودَ(٤) ، عن إسحاقَ بنِ إسماعيلَ، عن ابنِ عُيينةَ بإسنادِهِ مثلَه ،
إلا أنه قال: ((أصْبِحوا بالصبح، فإنه أعظمُ لأجورٍ كم)) .
وذكره ابنُ أبى شيبةً(٥) : حدثنا أبو خالدِ الأحمرُ، عن محمدٍ بن عجلانَ،
القبس
(١) بعده فى ر: ((فإنه أعظم)).
(٢) تقدم تخريجه ص ١٠٢ .
(٣) عبد الرزاق (٢١٥٩).
(٤) أبو داود (٤٢٤).
(٥) ابن أبى شيبة ٣٢١/١.
١٠٨

الموطأ
عن عاصم بن عمرَ بنِ قتادةَ، عن محمودِ بنِ لَبيدٍ ، عن رافع بن خديجٍ، قال :
قال رسولُ اللَّهِ وَهِ: ((أسفِروا بالفجرِ، فإنهُ ) أعظمُ للأجرِ)).
التمهيد
وحدثنا وكيعٌ، عن هشامِ بنِ سعدٍ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ ، قال: قال رسولُ اللَّهِ
إنَّه : ((أشْفِروا بالفجرِ، فكلما أسفرْتُم فهو أعظمُ للأجرِ))(١).
وذكَر عبدُ الرزاقِ(١) أيضا، عن الثورىِّ، عن سعيدِ بنِ عبيدِ الطائىِ، عن
علىٍّ بنِ ربيعةَ، قال: سمِعتُ عليًّا يقول لمؤذِّنِه: أسفِرْ أسفِرْ. يَعنى بصلاةٍ الصبحِ.
وعن الثورىٌّ، عن أبى إسحاقَ، عن عبد الرحمنِ بنِ تَزِيدَ، قال : كان
عبدُ اللَّهِ يُسفرُ بصلاةِ الغَداةِ(٤).
قال أبو عمر : علی مذهبٍ علىّ وعبدِ اللهِ فى هذا الباب جماعةُ أصحابٍ
ابن مسعودٍ ، وهوقولُ إبراهيمَ النَّخعىِّ، وطاوسٍ، وسعيدِ بنِ جبيرٍ. وإلى
ذلك ذهَب فقهاءُ الكوفيين. وقد يَحتمِلُ أن يكونَ الإسفارُ المذکورُ فی حدیثٍ
رافعٍ بنِ خَديجٍ، وفى هذا الحديثِ عن علىٍّ وعبدِ اللهِ ، يُرادُ به وضوح الفجرِ
وبيانُه، فإذا انكشفَ الفجرُ، فذلك الإسفارُ المرادُ . واللَّهُ أعلمُ . ومن ذلك قولُ
القبس
(١) بعده فى الأصل، م: ((كلما أسفرتم كان)).
(٢) ابن أبى شيبة ٣٢١/١.
(٣) عبد الرزاق (٢١٦٥).
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٢١٦٠) عن الثورى به .
(٥) سيترجم له المصنف فى شرح الحديث (٥٠٤) من الموطأ .
١٠٩
:

الموطأ
العرب: أسفرتِ المرأةُ عن وجْهِها . إذا كشَفتْه. وذلك (أنَّ مَن كان١) شأنُه
التمهید
التغليسَ جدًّا لم يُؤْمَنْ عليه الصلاةُ قبلَ الوقتِ ، فلهذا قيل لهم: أسفِروا . أى
تبيّنوا، وإلى هذا التأويلِ فى الإسفارِ ذهَب جماعةٌ من أهلِ العلمِ؛ منهم أحمدُ،
وإسحاقُ ، وداودُ .
حدثنا عبيدُ بنُ محمدٍ وأحمدُ بنُ محمدٍ ، قالا: حدثنا الحسنُ (١) بنُ سَلَمةً،
قال : حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الجارودِ، قال : حدثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، قال : قلتُ
لِأحمدَ بنِ حنبلٍ: ما الإسفارُ؟ فقال: الإسفارُ أن يَتَضِحَ الفجْرُ فلا تشُكَّ فيه أنه
قد طلَعَ الفجرُ. قال إسحاقُ كما قال .
وقال أبو بكرِ الأثرم : قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ - يعنى أحمدَ بنَ حنبل -: كان أبو
نعيم يقولُ فى حديثٍ رافع بنٍ خَديجٍ: ((أسفِروا بالفجرِ ، فكلَّما أسفرتُم بها فهو
أعظمُ للأجرِ)). فقال: نعم، كلَّه سواءٌ، إنما هو إذا تبَيَّنَ الفجرُ، فقد أسفرَ.
قال أبو عمرَ: على هذا التأويلِ يَنتفى التعارضُ والتدافعُ فى الأحاديثِ فى
هذا البابِ، وهو أولى ما محُمِلتْ عليه، والأحاديثُ فى التغليسِ عن النبيِّ وَّل
وأصحابِه أثبتُ من جهةِ النقْلِ، وعليها فقهاءُ الحجازِ فى صلاةٍ الصبحِ عند أولٍ
الفجرِ الآخرِ .
ذكَر عبدُ الرزاقِ (١) ، عن ابنٍ جريج، قال: قلتُ لعطاءٍ: أىُّ حينِ أحبُ
القبس
(١ - ١) فى ر: ((إذا كان مما)).
(٢) فى ر: ((الحسين)).
(٣) عبد الرزاق (٢١٦٩).
١١٠

الموطأ
التمهيد
إليكَ أن أُصلِّيَ الصبحَ إمامًا وخِلْوًا(١)؟ قال: حين يَنفجرُ الفجرُ الآخرُ، ثم تُطوِّلُ
فى القراءة والركوع والسجودٍ حتى تنصرفَ منها وقد تَبَّجَ(١) النهارُ وتتامّ(٣)
الناسُ. قال: ولقد بَلَغنى عن عمرَ بنِ الخطابِ أنه كان يُصلِّيها حينَ ينفجر الفجر
الآخر، وكان يقرأُ فى إحدى الركعتين بسورةِ «يوسفَ)).
قال أبو عمرَ: إنما ذكَوْنا هلهنا مذاهبَ العلماءِ فى الأفضلِ من التغليسٍ
بالصبحِ والإسفارِ بها ، وقد ذكرنا أوقات الصلواتِ مجملةً ومفسرةً فى بابِ ابنِ
شهابٍ، عن عُروةً، وجرَى ذكرُ وقتٍ صلاةٍ الصبح فى مواضعَ أيضًا من هذا
الكتاب(٤) . والحمدُ للَّهِ.
وفى هذا الحديثِ شهودُ النساءِ للصلواتِ فى الجماعةِ ، ويؤكِّدُ ذلك قولُه :
((لا تمنعوا إماءَ اللَّهِ مساجدَ اللَّهِ))(٥). وسيأتى هذا المعنى مبسوطًا مُمهّدًا فى بابٍ
يَحبى، عن عَمْرَةَ، عن عائشةَ قولَها: لو أدرك النبىُ وَّله ما أحدثَ النساءُ بعدَه
لمنعَهنَّ المسجدَ(٦) - إن شاء اللَّهُ.
وأما قولُه : مُتَلَفِّفَاتٍ . بالفاءِ ، فھی روایةُ یحیی ، وتابعه جماعةٌ ، ورواه كثيرٌ
القبس
(١) الخلو: المنفرد. اللسان (خ ل و).
(٢) فى مصدر التخريج: ((سطع)). وتبلج: أضاء وأشرق. القاموس المحيط (ب ل ج).
(٣) فى الأصل: ((تشام)). وتتاموا: جاءوا كلهم. القاموس المحيط (ت م م).
(٤) ينظر ما تقدم ص ٦٣ ، وما بعدها .
(٥) سيأتى فى الموطأ (٤٦٧).
(٦) سيأتى فى شرح الحديث (٤٧٠) من الموطأ .
:٠
١١١

٤ - حدّثنى عن مالك ، عن زيدِ بنِ أُسْلَمَ ، عن عطاءِ بنِ یَسَارٍ ،
الموطأ
وعن بُشرِ بنِ سعيدٍ، وعن الأعْرَجِ، كُلُّهم يُحَدِّثُه عن أبى هريرةَ ، أَنَّ
رسولَ اللَّهِ وَ لَه قال: ((مَن أدْرَكَ رَكْعَةٌ مِن الصُّبْحِ قبلَ أن تَطْلُعَ الشَّمْسُ
التمهيد منهم: متلفعاتٍ. بالعينِ ، والمعنى واحدٌ .
والمروطُ أكسيةُ الصوفِ . وقد قيلَ: المِرْطُ كساءٌ صوفٌ مُربَّعٌ، سَداهُ شَعَرٌّ.
وفى انصرافِ النساءِ من صلاةِ رسولِ اللَّهِ وَلِّ الصبحَ وهنّ لا يُعرفنَ من
الغَلَسِ، دليلٌ على أن قراءةَ رسولِ اللَّهِ وَ لِّ فى صلاةِ الصبحِ لم تكنْ بالسورِ
الطوالِ جدًّا؛ لأنه لو كان ذلك كذلك لم ينصرِفْ إلا مع الإسفارِ .
وقد أجمعَ العلماءُ على أن لا توقيتَ فى القراءةِ فى الصلواتِ الخمسِ ، إِلا
أنهم يَستحبُّونَ أن يكونَ الصبحُ والظهرُ أطولَ قراءةً من غيرِهما .
والغَلَسُ بقيةُ الليلِ عند أهلِ اللغةِ، ومَن ذهَب إلى هذا جعَل آخرَ الليلِ طلوعَ
الشمسِ. وضوءُ الفجرِ من الشمسِ . واللهُ أعلمُ .
والغَبَشُ - بالشين المنقوطةِ والباءِ: النورُ المختلِطُ بالظُّلْمةِ، والغَلَسُ والغَبَشُ
سواءٌ ، إلا أنه لا يكونُ الغَلَسُ إلا فى آخرِ الليلِ، وقد یکونُ الغبشُ فى أولِ الليلِ
وفى آخرِهِ. وأما الغَبَسُ - بالباءِ والسينِ - فغلَطْ عندَهم. وباللَّهِ التوفيقُ.
مالكٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، وعن بُشْرِ بنِ سعيدٍ ،
وعن الأَعْرَج، كلَّهم يُحَدِّثُه عن أبى هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لِقال: ((مَن
القبس
وأمّا حديثُ أبى هريرةَ رضِى اللهُ عنه: ((مَن أدرَك رَكْعةً مِن الصُّبْحِ قبلَ أن تَطلُعَ
الشَّمسُ، فقد أدرَك الصُّبْحَ )) . فيَقتَضِى بظاهرٍه أن ركعةً واحدةً تُجزِتُه وتَكْفِيه ، ولكنَّ
١١٢

فقد أُدْرَكَ الصُّبْحَ، ومَن أَدْرَكَ رَكْعَةً مِن العَصْرِ قبل أن تَغْرُبَ الشَّمْسُ الموطأ
فقد أدْرَكَ العَصْرَ )).
التمهید
أدْرَكَ ركعةٌ من الصبح قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ فقد أدْرَك الصبح، ومَن أَذْرَك ركعةً
من العصرِ قبلَ أن تَغْرِبَ الشمسُ فقد أدرَك العصرَ)) (١).
قال أبو عمر : عطاءُ بنُ یَسَارِ قد تقدّم ذِ كْرُه والخبر عنه فى بابٍ إسماعيلَ بنِ
أبی حکِیم .
وذكَر الحسنُ بنُّ علىّ الحُلْوَانِىُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ صالح، قال : حدّثنا
ابنُّ وهبٍ ، قال: حدَّثنا أبو صخرٍ، عن هلالٍ بنِ أسامةَ، قال: كان عطاءُ بنُّ
يَسَارٍ إذا جلس يكونُ زيدُ بنُ أسلمَ عن يمينه ، وكنتُ عن يسارِهِ .
القبس
الأمةَ أجمعَتْ(٢) على أنه لابدَّ أن يُضيفَ لها أُخرى. وفى البخارىِّ: ((مَنْ
أدرَكْ رَكْعَةً مِن الصُّبْحِ قبلَ أن تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فليُصَلِّ إليها أُخْرَى))(٤). كما
روَى النسائىُّ وغيرُه أن النبيَّ ◌َلِّ قال: ((مَن أدرَكْ رَكْعَةٌ مِن الْجُمُعَةِ، فقد أدرَك
الجُمُعَةَ))(٥).
(١) الموطأ برواية محمد بن الحسن (١٨٥)، وبرواية أبى مصعب (٥). وأخرجه أحمد ٣٧/١٦
(٩٩٥٤)، والدارمى (١٢٥٨)، والبخارى (٥٧٩)، ومسلم (٦٠٨)، والترمذى (١٨٦)،
والنسائى (٥١٦)، وابن خزيمة (٩٨٥) من طريق مالك به.
(٢) ينظر ما سيأتى فى شرح الحديث (١٠٩) من الموطأ .
(٣) سقط من: ج.
(٤) البخارى (٥٥٦) بلفظ: ((فليتم صلاته)).
(٥) النسائى (١٤٢٤).
١١٣
( موسوعة شروح الموطأ ٨/٢ )

الموطأ
التمهيد
وأمَّا تُشْرُ بنُ سعيدٍ، فإِنَّه كان مولَّى لحَضْرَمَوْتَ مِن أهلِ المدينةِ ، وكان ثقةً
فاضلاً مُسِنًا ، سمِع سعدَ بنَ أبى وقاصٍ، وجالَسه كثيرًا، ولم يُنْكِرْ يحيى القَطَّانُ
أن يكونَ سمِع زيدَ بنَ ثابِتٍ. قال علىُ بنُّ المدينىٌّ (١) : قلتُ ليحيى بنِ سعيد -
يعنى القطَّانَ -: بُشْرُ بنُ سعيدٍ لَقِىَ زِيدَ بنَ ثابتٍ؟ قال: وما تُتْكِرُ(١) أنْ يكونَ
لَقِيَّه؟ قلتُ: قد روَى عن أبى صالحِ عُبَيْدٍ مولى السَّفَّاحِ، عن زيدِ بنِ
ثابتٍ. "فقال: قد روَى شَقيقٌ()، عن رَجُلٍ، عن عبدِ اللهِ.
قال أبو عمرَ : الحديثُ الذى رواه بُشْرُ بنُّ سعيدٍ، عن أبى صالحِ عُبَيْدٍ مولی
السَّفَّاحِ، عن زيدِ بنِ ثابت٣ٍ» - وهو حديثُ: عَجِلْ لِى وأَضَعَ عنكَ - ذكره
القبس
تَفصيلٌ(٥): قولُه: «مَن أدرَكَ رَكْعَةٌ مِن الصُّبْحِ قبلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، "فقد
أدرَك الصُّبْعَ)). استوَى ههنا وقتُ الضَّرورةِ ووقتُ الاختيارِ؛ لأنه ليس بعدَ طُلوعِ
الشَّمسٍ وَقْتٌ للصُّبحِ، ولا قبلَها وقتُ ضَرورةٍ لها ، و كذلك كنا نقولُ فى العصرِ كما
قال الأوزاعى وأبو حنيفةَ: لولا قولُ النبيِّ وَّهِ، مِن طريقٍ أنسٍ وغيرِه: ((تلكَ صلاةُ
المُتّافِقِين - ثلاثًا - يَجلِسُ أحدُهم، حتى إذا اصْفَرَّتِ الشَّمْسُ وكانت بينَ قَوْنَی
الشيطانِ ، قامَ فتقَر أربعًا لا يَذْكُرُ اللهَ فيها إلَّا قَلِيلًا))(١).
(١) علل ابن المدينى ص ٤٩، مقدمة الجرح والتعديل ٢٤٤/١.
(٢) فى ك: ((ينكر)).
(٣ - ٣) سقط من : ك١ .
(٤) فى م، وإحدى نسخ الجرح والتعديل: ((سفيان)).
(٥) فى م: ((فصل)).
(٦ - ٦) سقط من: ج.
(٧) سيأتى فى الموطأ (٥١٦) .
١١٤

الموطأ
التمهيد
مالكٌ وغيره(١).
وكان مالكٌ رحمه اللّهُ يُثْنِی علی بُشْرِ بنِ سعیدٍ وُفَضِّلُه ، ويَرْفَعُ به فی ورعِه
وفضله .
القبس
فإن قيل: إنما وقَع الذيُّ بالنقْرِ وقِلَّةِ الذِّكْرٍ. قلنا: إذا ذكر النبيُّ نَّهِ وَصْفَين وعلّق
الحكمَ عليهما ، لم يَجُزْ إلغاءُ أحدِهما. فلذلك قال علماؤنا : هذا الحديثُ للحائضِ
تطهُرُ، والصَّبِىِّ يبلُغُ، والكافِرِ يُسلِمُ ، فأما الناسِى يَذْكُرُ فكلُّ وقتٍ يذكُرُ وقتٌ له،
وكذلك المُتُعمِّدُ متى ما ذكَر فهو وقتُه، وإن تَادَى الذِّكْرُ، فكُلِّ ذكْرٍ له وقت(٣) ، وهو
داخِلٌ تحتَ قولِه: ((مَن نامَ عن صَلاةٍ أو نَسِيَها، فليُصَلِّها إذا ذكرها)) (١). لأن الناسِىّ
هو التارِكُ لغةً .
استِلْحاقٌ: لما جعَل النبيُّ وَّله وقتَ العذْرِ فى العصرِ متَّصِلًا بغروبِ الشمسِ
وَقْتَ الصلاةِ التى بعدَها، ركَّبَ عليه علماؤنا وقتَ ضَرُورةِ العَتَمةِ ، فجعلوا
(٤)
وَقْتَ(٢) طُلوعِ الفجرِ وقتَ الصَّلاةِ التى بعدَها، وهو إلحاقٌ صحيحٌ وتشْبِيةٌ(٥) بالقّ.
غائِلَةٌ وإيضاح: جعَل النبيُّ وَّهِ أواخرَ الأوقاتِ الخمسِ فى الصلواتِ محدَّدًا
بُشاهَدٍ مُعايَنٍ، لا يَصِحُ فيه اختلافٌ ولا يُذْرَكُ فيه ارتيابٌ إلا العَتَمَةَ، فإنه جعَل آخِرَ
وقتِها مقدَّرًا بالخَزَّرِ ) والتَّخْمينِ؛ ولذلك ترَى (١) الرواياتِ تختَلِفُ ما بينَ ثُلُثِ الليلِ
(١) سيأتى فى الموطأ (١٤٠٦).
(٢) فى م: ((وقته)).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٢٤، ٢٥).
(٤) فى د، ج: ((فجعلوها)).
(٥) سقط من: ج.
(٦) الحزر: التقدير. القاموس المحيط (ح زر).
(٧) فى م: ((نرى)).
ٹے
١١٥

الموطأ
التمهيد
وذكَر علىُّ بنُ المدينىٌّ قال : سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ : بُشْرُ بنُ سعيدٍ
أحَبُّ إليَّ من عطاءِ بنِ يسارٍ . قال يحيى: « كان بسرُ بنُ سعيدٍ يُذْكَرُ بخيرٍ ١).
◌ُشْرُ بنُّ سعيدٍ مَوْلَی الحَضْرَمِيِّينَ ، كان من أهلِ الفضلِ ، روى عن أصْحاب
النبيِّ وَّ، مات فى خلافة عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
وأمّا الأعرج ، فهو عبدُ الرحمنِ بنُ هُرْمُزَ، كان صاحبَ قرآنٍ وحديثٍ ، قرَأ
عليه نافِعٌ القارئُّ، وكان ثقةً مأمونًا .
قال مُضْعَبُ بنُ عبدِ اللَّهِ: عبدُ الرحمنِ بنُ هُزْمُزَ الأعْرَجُ، مَوْلَى محمدِ بنِ
ربيعةَ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ المطلبِ ، يكنى أبا داودَ ، روى عنه ابنُ شهابٍ ، وأبو الزِّنَادِ ،
ويحيى بنُّ سعيدٍ، وغيرُهم، تُؤُفِّىَ بالإسكندريةِ سنةَ سَبْعَ عَشْرَةَ ومائةٍ (١) .
وقال المدائِىُّ: مات أبو داودَ عبدُ الرحمنِ الأعْرَجُ مَوْلَى محمدٍ بنِ ربيعةً
بالإسكندرية سنةً تِسْعَ عَشْرَةَ ومائةٍ(٣) .
القبس
ونصْفِه، وبهذا أدخَل مالكٌ: إلى شَطْرِ اللَّيْلِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الغافلينَ(٤). لأنه أحَدُ وَجْهَى
التَّحديدِ . والحِكْمَةُ فى أن مجعِل موقوفًا على التَّخْمينِ؛ أن الظُّلَّ بالنهارِ علامةٌ مُعاينةٌ ،
فعلَّق النظرَ بها، وليس بالليلِ علامةٌ مُعاينةٌ - و): ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] - فؤُكِلوا إلى التقديرِ وعُذِروا فى التَّقصيرِ.
(١ - ١) زيادة من: م.وينظر التاريخ الكبير ١٢٤/٢، والجرح والتعديل ٤٢٣/٢، وتهذيب
الكمال ٤/ ٧٤.
(٢) تاريخ ابن عساكر ٢٥/٣٦.
(٣) تاريخ ابن عساكر ٣٢/٣٦.
(٤) سيأتى فى الموطأ (٧) .
(٥) سقط من: م.
١١٦

الموطأ
التمهيد
وأمَّا أبو هريرةَ رضِى اللَّهُ عنه، فمذكورٌ فى كتابِنا فى (( الصحابةِ )) بما
يَجِبُ أَنْ يُذْكَرَ به. وباللَّهِ التوفيقُ .
وقد قيل : إنَّ زيدَ بنَ أُسْلَمَ روَى هذا الحديثَ أيضًا عن أبى صالح مع هؤلاءِ
كلِّهم عن أبى هريرةَ .
وحدَّثنى خَلَفُ بنُ القاسِمِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُّ محمدِ الدَّيْئِلُّ(١)،
قال: حدَّثنا محمدُ بنُ علىِّ بنِ زِيدِ الجَوْهَرِىُّ، قال: حدّثنا سعيدُ بنُّ منصورٍ ،
قال: حدَّثنا حفصُ بنُ ميسرةَ الصَّنْعانِئُ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ ، عن الأعْرَجِ وبُشْرِ بنِ
سعيدٍ وأبى صالح، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَله: ((مَنْ أَذْرَكَ ركعةٌ
من صلاةٍ الصبحِ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ فلم تَفُتْه، ومَن أَدْرَكَ رَكْعَةً من صلاةٍ
العصرِ قبلَ أن تَغْرُبَ الشمسُ فلم تَفُتْه))(١).
قال أبو عمرَ: الإدراكُ فى هذا الحديثِ إدراكُ الوقتِ ، لا أنَّ ركعةٌ من
الصلاةِ مَنْ أُدْرَكَها(٤) ذلك الوقتَ أجزأتْه مِن تمامٍ صلاتِه. وهذا إجماعٌ من
المسلمين، لا يختلفون فى أنَّ هذا المصلِّىَ فَرْضٌ عليه واجبٌ أنْ يأتىَ بتمامٍ صلاةٍ
الصبحِ وتمامٍ صلاةِ العصرِ، فأغنى ذلك عن الإكثارِ، وبان بذلك أنَّ قولَه وَلِتٍ :
القبس
(١) الاستيعاب ١٧٦٨/٤ - ١٧٧٢.
(٢) فى ك ١: ((الدليلى))، وفى س، م: ((الديلى)). وينظر الأنساب ٥٢٣/٢، ٥٢٤.
(٣) أخرجه أبو عوانة (١٠٥٦) من طريق حفص بن ميسرة به مختصرا، وأخرجه الطيالسى
(٢٥٠٣)، وابن حبان (١٤٨٤) من طريق زيد بن أسلم به .
(٤) بعده فى م: ((من)).
١١٧

الموطأ
التمهید
((فقد أدركَ الصلاةَ)). يريدُ: فقد أدرَك وقتَ الصلاةِ، إلا أنَّ ثَمَّ أدلةَ تَدُلُّ على أنَّ
الوقتَ المختارَ فى هاتين الصلاتينِ غيرُ ذلك الوقتِ. منها قولُه ◌َالتّ فى حديثٍ
عبدِ اللَّهِ بن عمرو بنِ العاصى: ((وآخِرُ وقتِ العصرِ ما لم تَصْفَوَ الشمسُ))(١).
يعنى آخِرَ الوقتِ المختارِ ؛ لئلا تتعارضَ الأحاديثُ .
ومثلُ ذلك حديثُ العلاءِ عن أنسٍ مرفوعًا: ((تلك صلاةُ المنافقين ؛ يجلِسُ
أحدُهم حتى إذا اصفرَّتِ الشمسُ وكانت بينَ قَرْنَ الشيطانِ ، قام فنقَر أربعًا لا
يذكُرُ اللَّهَ فيها إِلَّ قليلًا))(٢) .
وهذا التغليظُ على من ترَك اختيارَ رسولِ اللَّهِ وَّه لِأَمَّتِه فى الوقتِ ، ورغِب
عن ذلك، ولم يكنْ له عُذْرٌ مقبولٌ .
والآثارُ فی تعجيلِ العصرِ كثيرةٌ جدًّا ، ومعناها كلُّها ما ذكرناه ، وبهذا كتب
عمرُ بنُ الخطابٍ إلى عُمَّالِهِ: أنْ صَلُّوا العصرَ والشمسُ بيضاءُ نَقِيَّةٌ، قبلَ أنْ
تَدْخُلَها صُفْرَةٌ(٢) .
هذا كلُّه على الاختيارِ ؛ بدليلٍ حديث أبى هريرةَ المذكورِ فى هذا البابِ .
حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ أحمدَ، قال: حدَّثنا
الخَضِرُ، قال: حدَّثنا الأَثْرَمُ، قال: قيل لأحمدَ بن حنبل: قولُهُ وَّهِ: ((مَن أَدْرَك
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٧٦ .
(٢) سيأتى فى الموطأ (٥١٦).
(٣) سيأتى فى الموطأ (٦).
١١٨

الموطأ
التمهيد
ركعةٌ من العصرِ قبلَ أن تَغْرُبَ الشمسُ)) . فقال : هذا على الفَواتِ ، ليس على أن
يَتْرُكَ العصرَ إلى هذا الوقتِ. وذكّر حديثَ قتادةَ، عن أبى أيوبَ ، عن عبدِ اللَّهِ
ابنِ عمرٍو، قال: قال رسولُ اللّهِ وَله: ((ووقتُ العصرِ ما لم تَصْفَرَّ
الشَّمْسُ)) (١) . فالأوقاتُ(٢) فى ترتيبِ الشُّنَنِ، واللَّهُ أعلمُ، وقْتانٍ فى الحَضَرِ ؛
وقتُ رفاهيةِ وسَعَةٍ، ووقتُ عُذْرٍ وضرورةٍ. يُيِّنُ لك ذلك ما ذكَوْنا من
الآثارِ ، و تزِیدُ لك فى ذلك بيانًا أقاويلُ فقهاء أئمة الأمصار ، فنذ کُ ههنا
أقاویلھم فی وقتِ الصبح والعصرِ ؛ إذْ لم يتضمّنْ حدیثُ هذا البابِ ذِ كْرَ غیرِهما
من الصلواتِ، ونذكُرُ فى بابِ ابنِ شهابٍ ، عن عروةَ، جُمْلَةَ مواقيت الصلاةِ ،
ونَبْسُطُ ذلك ونُهِّدُه هنالك(٤) إِنْ شاء اللَّهُ.
أجْمَعَ العلماءُ على أنَّ أولَ وقتِ صلاةِ الصبح طلوعُ الفجرِ الثانى إذا تَبَيَّنَ
طلوعُه؛ وهو البياضُ المُتْتَشِرُ مِن أَفُقِ المشرقِ ، والذى لا ظُلْمَةَ بعدَه.
وقد ذكَرْنا أسماءَ الفجرِ فى اللُّغَةِ ، وشواهدَ الشِّغْرِ على ذلك، والمَغْنَى فيه
عندَ الفقهاءِ، فى أولِ حديثٍ من مراسيلٍ عطاءٍ ، ومِن بابٍ يزيدَ أيضًا(٢)،
والحمدُ للهِ .
القبس
(١) تقدم تخريجه ص ٧٦ .
(٢) فى س: ((فكأن الأوقات)).
(٣ - ٣) فى س: ((يزيدك))، وفى م: ((يزيد لك فى)).
(٤) تقدم ص ٦٣ وما بعدها .
(٥) تقدم ص ٩٩، ١٠١.
(٦) سيأتى فى الموطأ (٨).
١١٩

الموطأ
التمهيد
واختلفوا فى آخِرٍ وقتِها؛ فذكَر ابنُ وهب ، عن مالكِ ، قال: وقتُّ الصبح
مِن حينٍ يَطْلُعُ الفجر إلى طلوعِ الشمسِ.
وقال ابنُّ القاسم، عن مالكِ: وقتُّ الصبح الإغْلاسُ والنُّجُومُ باديةٌ
مشتبِكةٌ، وآخِرُ وقتِها إذا أَسْفَر.
قال أبو عمرَ: هذا عندَنا على الوقتِ المختارِ؛ لأن مالكًا لم يَخْتَلِفْ قولُه
فيمن أدْرَك ركعةً منها قبلَ طُلوع الشمسِ، ممن له عُذْرٌ فى سقوطِ الصلاةِ عنه
بخروج " الوقتِ ، مثلَ الحائضِ تَظْهُرُ ومَن جَرَى مَجْرَاها، أنَّ تلك الصلاةَ واجبةٌ
عليها بإدراكِ مقدارٍ ركعةٍ من وقتِها، وإنْ صَلَّتِ الركعةَ الثانيةَ مع الطّوع أو
بعده .
وقال الثورىُّ: آخِرُ وقتِها ما لم تَطْلُع الشمسُ، وكانوا يستحبُّون أن يُشْفِرُوا
بها . ومثلُ قولِ الثورىِّ قال أبو حنيفةً وأصحابُه .
وكذلك قال الشافعىُّ: آخِرُ وقتها طلوعُ الشمسِ. إِلا أَنَّه يَسْتَحِبُّ التَّغْلِيسَ
بها ، ولا تَقُوتُ عندَه حتى تَطْلُعَ الشمسُ قبلَ أنْ يُصَلِّىَ منها ركعةً بسجدتيها ،
فمَن لم يُكْمِلْ منها ركعةٌ بسجدتيها قبلَ طُلوع الشمسِ فقد فاتَتْه .
وقال أحمدُ بنُّ حنبلِ مثلَ قولِ الشافعىِّ سَواءً، قال: وقتُ الصبح مِن طُلوع
الفجرِ إلى أنْ تَطْلُعَ الشمسُ، ومَن أَدْرَك منها ركعةٌ قبلَ طلوع الشمسِ فقد
أدْرَكَها مع الضرورة . وهذا كقولِ الشافعىِّ سواءً .
القبس
(١ - ١) فى م: ((عند خروج)).
١٢٠