Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَؤْسُوعَة
شروع الموظّة
لِهَامِ مَالِكِ بْنِأَس
المتوفى سنة ١٧٩هـ
التَّهِيْدُ وَالاسْتِذِكَارُ
الأِ حَ مُوسُفَ بْ عَد ◌ِهْع ◌َبدالبرّ
المتوفى سنة ٤٦٣ هـ
القَيَسُِ
لأبى بكرٍ محمّدِبٍْ عَبْدِاللّهِ ابْ العربى المالكىّ
المتوفى سنة ٥٤٣هـ
تحقيق
الدّكتور / عَبْدِ اللَّه بْن عَبْدِالمُحْس التركيّ
بالتّاوُكْ مَعَ
مركز مجم البحوث والدراسات العربية والإسلامية
الدكتور / عبد السند حسن يمامة
الجزء الأول
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
القاهرة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م
مَوْسُوْعَة"
شروع المُظا
د
1
مقدمة التحقيق
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا
وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد
أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ﴾
[ آل عمران: ١٠٢ ].
﴿يَّأَيُّهَا النَّاسُ أَتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَّكُم مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ
مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءٍ وَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىِ تَسَآءَلُونَ بِهِ، وَالْأَرْحَامُّ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ
رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
يُصْلِحْ لَكُمْ
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا (٥َِ
أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزَا
عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١ ].
أما بعد :
فإن حديث رسول اللّه وَالآي قد حظى بقدر كبير من العناية والاهتمام من
لدن عهد الصحابة ثم التابعین فتابعیهم حتی یومنا هذا، إذ هو بیان الكتاب
العزيز ، والمصدر الثانى من مصادر التشريع ، فتلقاه الصحابة بقلوبهم ، وحفظوه
إلى جانب کتاب الله فى صدورهم، وأصلحوا به شأن دنياهم ودينهم ، ومع
دخول الناس فى دين الله أفواجًا وانتشار دعوة الإسلام قام الصحابة رضوان الله
عليهم دعاة به تحديثًا وتبليغًا ، وتبعهم فى ذلك كبار التابعين .
٥
وقد بدأ تدوين حديث النبي ◌ّلير مع مطلع المائة الثانية من الهجرة ؛ وهذا
لا یعنی ان حدیث رسول الله قالێ لم يُدون مطلقًا قبل ذلك ، بل كان هناك من
دوّن حديث رسول اللَّه وَ له؛ كعبد الله بن عمرو فى صحيفته المسماة
بـ ((الصادقة))، وصحيفة أبى هريرة التى كتبها عنه همام بن منبه وعرفت
بـ ((صحيفة همام))، اللتين تضمنهما (( مسند الإمام أحمد))(١)، ولكنهما لم
تكونا مدونتين فى جوامع أو مرتبتين ترتيبًا معينًا ، وقد أشار إلى ذلك الحافظ ابن
حجر، حيث قال: ((اعلم، علمنى اللَّه وإياك، أن آثار النبى بَلي لم تكن فى
عصر أصحابه وكبار تبعهم مدونة فى الجوامع ولا مرتبة لأمرين ؛ أحدهما : أنهم
کانوا فی ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك كما ثبت فى ((صحيح مسلم ))(١) خشية
أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما : لسعة حفظهم وسيلان
أذهانهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة)»(٢).
وظل هذا الأمر هكذا حتى أظل الأمة زمن الخليفة الراشد والإمام العادل
عمر بن عبد العزيز ، وكانت الدولة الإسلامية قد اتسعت رقعتها ، ونشأت الفرق
المبتدعة، ودخل فى الإسلام العرب والعجم على تعدد لهجاتهم واختلاف
ألسنتهم، وتناقلوا حديث النبى وَله، فقلَّ الضبط وكثر الخطأ فى الرواية،
ومست الحاجة إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة ، فأمر عمر بن عبد العزيز
بتدوین حدیث رسول الله ێ ، و كان أول من استجاب له ابن شهاب الزهرى ،
فدوَّن فى ذلك كتابًا ، ثم فشا أمر التدوين فى الطبقة التى تلته ، وكان على رأس مَنْ
دوّن ابن جريج فى مكة، وسعيد بن أبى عروبة وحماد بن سلمة فى البصرة ،
(١) المسند ٢٤٠/١١ - ٣٨٧ (٦٦٥٩ - ٦٧٧٢) ٤٧٤/١٣ - ٥٤٧ (٨١١٣ - ٨٢٥٢).
(٢) صحيح مسلم (٣٠٠٤) .
(٣) هدى السارى ص٦ .
٦
وسفيان الثورى فى الكوفة ، وابن إسحاق والإمام مالك فى المدينة ، وغيرهم .
والتفَّ حولهم طلبة العلم، وأخذوا عنهم الحديث ، وحفظوه دراية ورواية ،
وشددوا في الضبط ، ودققوا فى المرويات ، عليهم جميعًا ومن سار على هديهم
وابل الرحمات .
إن الإمام مالكًا - رحمه اللَّه - كان أشهر مَنْ دوَّن حديث النبى ◌َّ فِى
عصره، ومُوَطَّؤُه أقدم مصنف مسند إلى رسول اللّه وَ له، ولم يكن الغرض
الذی قصده الإمام مالك من جمع (الموطأ» والباعث الذی بعثه إلیه مجرد تدوین
طائفة من الأحاديث التى صحت عنده، بل كان الغرض منه جمع الفقه
المدنی ، فهو كتاب فقه وحديث ، يظهر ذلك من مسلکه فی جمعه ؛ حیث
يذكر الأحاديث فى الموضوع الفقهى الذى اجتهد فيه ، ثم عملَ أهل المدينة
المجمع علیه، ثم رأى من التقى بهم من التابعين وأهل الفقه والرأى المشهورين
فى المدينة، ويجتهد على ضوء ما يعلم من الأحاديث والفتاوى والأقضية ،
ویدوّن رأیه فی ذلك ، فکان یهتم ویتحری فی انتقاء الأحاديث دراية ورواية ؛
ولذلك كانت أحاديثه منتقاة، وقد عد أهل الفن كل ما فى ((الموطأ)) من
الحدیث صحیحًا إلا قليلًا، قال ابن عبد البر: «إن مالگا کان من أشد الناس
تركًا لشذوذ العلم وأشدهم انتقادًا للرجال وأقلهم تكلفًا وأتقنهم حفظًا ولذلك
صار إمامًا)). وإلى جوار ذلك كله كان مهتمًّا أشد الاهتمام بالجانب الفقهى
كما سبقت الإشارة .
ولقد وصف فقهه فى ((الموطأ)) حيث قال: ((أما أكثر ما فى الكتب فرأى
فلعمرى ما هو برأيى ، ولكن سماع من غير واحد من أهل العلم والفضل والأئمة
المقتدى بهم الذین أخذت عنهم، وهم الذین کانوا یتقون الله، و کثر على
فقلت: ((رأيى)). وذلك رأيى إذا كان رأيهم مثل رأى الصحابة، أدركوهم
٧
عليه ، وأدر كتهم أنا على ذلك، فهذا وراثة توارثوها قرنا عن قرن إلى زماننا))(١).
لقد كان مالك أمير المؤمنين فى الحديث ، وإمامًا من أئمة الفقه ، وضرب له
طلاب العلم من المشرق والمغرب أكباد الإبل، وكان النجم الذى تتجه إليه
الهمم والأبصار والرحلة من سائر الأمصار، وكثر أتباعه وتلاميذه، وانتشر
مذهبه فى الكثير من الأقطار .
وقد اعتنى كثير من المالكية فيما مضى من الزمن بـ ((الموطأ)) شرحًا
وتفسيرًا ، وتوضيحًا لما غمض فيه من معان وغريب ألفاظ ، عناية فائقة ، وفى
العصر الحديث ومع النهضة العلمية، والاهتمام بالتراث الإسلامى وتحقيقه
وتوثيقه، لم ينل ((الموطأ)) وغيره من آثار الإمام مالك من العناية ما نالته آثار
غيره، وهذا هو الدافع إلى هذا العمل ، الذى قصد من خلاله خدمة هذا الأثر
العظيم الذى يعتبر من أنفس ما صنف فى علم الحديث ، ولا تخفى بين أهل العلم
على اختلاف مذاهبهم أهمية هذا المصنف وموضعه من الاشتهار والصحة،
وأضيف إلى تحقيق نص الكتاب شرحاه كتابا ((التمهيد)) و((الاستذكار))
للحافظ ابن عبد البر؛ إذ هما أفضل ما صُنِّفَ فى شرح ((الموطأ))، أشار إلى ذلك
الحافظ ابن كثير حيث قال: (( وقداعتنى الناس بكتابه (يعنى الموطأ) وعلقوا عليه
کتبًا جمة، ومن أجود ذلك كتابا التمهيد والاستذكار))(".
لقد جمع فيهما ابن عبد البر - رحمه الله - ما روى عن مالك برواية
يحيى بن يحيى ليرى الناظر فيهما موقع آثار ((الموطأ)) من الاشتهار والصحة،
معتمدًا فى ذلك على نقل الأئمة وما رواه ثقات الأمة ، وذکر فيهما من معانی
الآثار وأحكامها والمقصود بظاهر الخطاب ما عول على مثله الفقهاء أولو
(١) ترتيب المدارك ٧٤/٢ .
(٢) الباعث الحثيث ص٢٥ .
٨
الألباب، وأتى من الشواهد على المعانى والإسناد ما حضره من الأثر ذكره،
وصحبه حفظه ، مما تعظم به فائدتهما، وشرح فيهما ما استعجم من الألفاظ ،
وأومأ فيهما إلى ذكر بعض أحوال الرواة وأنسابهم ومنازلهم.
فكانا شرحين وافيين لجميع ما فى ((الموطأ)) من الأحاديث والآثار.
وأضيف إليهما إتمامًا للفائدة كتاب ((القبس)) لابن العربى؛ حيث اشتمل
على جملة من الأحكام التى استنبطها ابن العربى من خلال تعليقه على
((الموطأ))، كما اشتمل على فوائد غزيرة من فنون مختلفة، كالحديث
والفقه واللغة والأصول، فجعل تتميمًا لعمل ابن عبد البر وشرحه، وإضافة
فائدة لهذا العمل .
إن إخراج هذه الموسوعة العلمية المتميزة إخراجًا يتحرى الدقة
والتوثيق، مما يخدم طلاب العلم، استدعى جهودًا متتابعة، ووقتًا طويلًا،
ولا يعرف المعاناة التى يتطلبها إصدار هذه الموسوعات إلا من خاض
غمارها .
ويسرنى أن أشكر مركز هجر للبحوث والدراسات العربية والإسلامية
على جهوده ، وأخص القائم عليه الأخ الأستاذ الدكتور عبد السند حسن
يمامة، الذى يبذل من جهده وإمكاناته ما يخدم دينه وأمته، كما أشكر
الباحثين فيه الذين بذلوا جهدًا موفقًا وتعاونوا تعاونًا كريمًا فى هذا العمل
العلمى المتميز، وقد كان دأب هذا المركز المبارك والعاملين فيه العمل
الجاد لخدمة الكتاب والسنة، وتحقيق كتب أهل العلم الأمهات، فجزى
اللَّه الجميع على ما قاموا به، ونسأله سبحانه أن يجعل العمل خالصًا
لوجهه، محقِّقًا لما أُريد منه من خدمة ديننا وطلاب العلم فى أمتنا،
٩
والحمد لله الذى هدى إلى هذا ووفق إليه، ونسأله أن يتقبل منا الجهد
ويعفو عن التقصير، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار
على هديه وسلم تسليمًا كثيرًا .
و کتبه
عبد الله بن عبد المحسن التركى
١٠
. أ
ترجمة الإمام مالك
الإمام مالك(١)
نسبه :
هو إمام دار الهجرة ، أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبی
عامر بن عمرو بن الحارث بن غَيْمَانَ بن خُثَتْلٍ(٢) بن عمرو بن الحارث ،
وهو ذو أصبح بن عوف بن مالك بن زيد بن شداد بن زرعة، وهو حمیر
الأصغر، الحميرىُّ، ثم الأُصبحىُّ، المدنيُ، حليف بنى تيم من
قريش، فهم حلفاء عثمان أخى طلحة بن عبيد اللّه أحد العشرة
المبشرين .
قال القاضى عياض: (( لم يختلف العلماء بالسير والخبر والنسب فى
نسب مالك هذا واتصاله بذى أصبح، إلا ما ذكر عن ابن إسحاق
وبعضهم ، من أنه مولی لبنی تیم))(١) . ثم قال: « وأما منْ زعم أنه مولی تیم ،
فدخل الوهم علیه ؛ إذ وجده ینتمی إلیهم ویحسب فى عدادهم بسبب
حلفه معهم ، وإلا فنسبه فی ذی أصبح صحیح، ذكر ذلك غير واحد من
زعماء قريش ونُسّابها ، وغيرهم من أهل العلم ... ولم يتابع أحد منهم ابن
(١) ترجمته فى: التاريخ الكبير ٣١٠/٧، والمعارف لابن قتيبة ٤٩٨، ٤٩٩، والحلية ٣١٦/٦-
٣٥٥، والانتقاء فى فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء ٢ - ٦٣، وترتيب المدارك ١٠٤/١ -
٢٢٥/٢، ووفيات الأعيان ١٣٥/٤ - ١٣٩، وتهذيب الكمال ٩١/٢٧ - ١٢٠،
وسير أعلام النبلاء ٤٣/٨ - ١٢١، وتذكرة الحفاظ ٢٠٧/١ - ٢١٣، والبداية والنهاية
٥٩٩/١٣ - ٦١٠، والديباج المذهب ٨٢/١ - ١٣٩ وغيرهم ، وأفرد له ابن عبد البر فصلا
مستقلا من مقدمته للتمهيد بعنوان عيون من أخبار مالك وفضل موطئه ، ينظر ص ٣٦٠ -
٣٩٩. كما أفرده بدراسة مستقلة الشيخ : محمد أبو زهرة وغيره.
(٢) ينظر ص ٣٩٦ .
(٣) ترتيب المدارك ١٠٦/١، ١٠٧.
١٣
إسحاق على قوله ممن جاء بعده، بل بينوا وجه وهمه)) (١) .
وقال أبو مصعب(٢): (( مالك من العرب صليبة، وحلفه فی قریش فى
بنی تیم بن مرة )) .
وأم مالك هى العالية - وقيل : الغالية - بنت شريك الأزدية . وقيل :
طليحة مولاة عبيد الله بن معمر . وقيل غيره .
ذکر آل بيته وبنیه :
ومما يتصل بالحديث عن نسبه ، الحديث عن أهل بيته ، ذکر القاضى
بکر بن العلاء القشيرى(١) أن أبا عامر بن عمرو جد أبى مالك رحمه الله ، من
أصحاب رسول اللّه ◌َاله، قال: ((وشهد المغازى كلها مع النبى وَل خلا
بدرًا)).
وابنه مالك جدُّ مالك ، و کنیته أبو أنس ، من كبار التابعين، ذ کر ذلك
غير واحد، يروى عن عمر، وطلحة ، وعائشة، وأبى هريرة ، وحسان بن
ثابت ، وكان من أفاضل الناس وعلمائهم، وهو أحد الأربعة الذين حملوا
عثمان ليلًا إلى قبره وغسلوه ودفنوه، و کان خِدنًا لطلحة ، یروى عنه بنوه
أنس ، وأبو سهيل نافع، والربيع. مات سنة ثنتى عشرة ومائة .
وأما أبوه فقد كان مُقْعدًا یتکسب من صناعة النّبل ، و کان له قَضْرٌ
بالجُرْف يعرف بقصر المُفْعَد .
(١) المصدر السابق ١٠٧/١، ١٠٨.
(٢) ترتيب المدارك ١٠٨/١.
(٣) ترتيب المدارك ١١٢/١، ١١٣ .
١٤
وأما أعمام مالك فهم: نافع أبو سهيل ، روى عنه مالك . والثانى :
أويس، وهو جدُّ أبى أويس إسماعيل وأبى بكر. والثالث: الربيع. وقد
روى أربعتهم عن أبيهم مالك بن أبى عامر .
وأما أبناؤه، فقال ابن عبد البر(١): ((كان لمالك أربعة من البنين؛
يحيى، ومحمد، وحمَّادة، وأم ابنها. وقيل: أم البهاء)).
قال الزبيرىّ: (( كانت لمالك ابنة تحفظ علمه ، يعنى الموطأ، وكانت
تقف خلف الباب ، فإذا غلط القارئ نقرت الباب ، فيفطن مالك فيرد
(٢)
عليه ))
وقال ابن شعبان: (( يحيى بن مالك يروى عن أبيه نسخة . وذكر أنه
روی الموطأ عنه بالیمن، وروى عنه محمد بن مسلمة . وابنه محمد قدم
مصر، وكُتب عنه ، وحدث عنه الحارث بن مسكين ، وزيد بن بشر))(٢).
مولده ونشأته :
اختلفت الروايات فى سنة مولده؛ ويدور مجملها مابين سنة تسعين إلى
سنة ثمان وتسعين من الهجرة ، ولكن الأشهر قول يحيى بن بكير أن مولده
سنة ثلاث وتسعين من الهجرة، فى خلافة سليمان بن عبد الملك بن
مروان . وهو المروى عن مالك نفسه، فقد قال يحيى بن بكير: (( سمعته
·يقول: ولدت سنة ثلاث وتسعين))(٤) .
(١) سيأتى ص٣٩٣ .
(٢) ترتيب المدارك ١١٦/١، ١١٧.
(٣) ترتيب المدارك ١١٥/١.
(٤) تذكرة الحفاظ ٢١٢/١ .
١٥
قال ابن بكير: (( كان مولد مالك بذى المروة، وكان أخوه النضر يبيع
البز، فكان مالك معه بزّازًا ، ثم طلب العلم، وكان ينزل أولًا بالعقيق ، ثم
نزل إلى المدينة))(١).
وقد نشأ مالك فى بيت اشتغل بعلم الأثر، وفى بيئة كلها للأثر
والحديث. وقد قدمنا ذكر شىء عن جد مالك وأعمامه، ويظهر أن
أكثرهم عناية بالرواية عمه نافع المكنى بأبى سهيل ، ولذا عُدَّ من شيوخ ابن
شهاب ، وإن كان مقاربًا له فى السن. ويظهر أن أنسا أبا مالك لم يكن
اشتغاله بالحدیث کثیرًا ، فلم يعرف أن مالگا روى عنه ، ولو كان له شأن فيه
لكان أول مَنْ يروى عنه من العلماء(١) .
ومهما يكن حال أبيه من العلم ففى أعمامه وجده غناء، ويكفى مقامهم
فى العلم لتكون الأسرة من الأسر المشهورة بالعلم. ولقد اتجه من قبل
مالك من إخوته أخوه النضر ، فقد كان ملازمًا للعلماء يتلقى عنهم ويأخذ
عنهم ، حتىإن مالگا کان یعرف بأخی النضر ؛ لشهرة أخیه دونه ، فلما ذاع
(١) ترتيب المدارك ١٢٤/١.
(٢) ذكر أبو نعيم فى الحلية (٣٤٠/٦) بسنده إلى محمد بن روح القشيرى، ثنا يونس بن
هارون الأزدى، ثنا مالك بن أنس، عن أبيه، عن جده، عن عمر بن الخطاب، عن
النبى وَّر قال: ((ثلاث يفرح بهن البَدَنُ، ويربو عليهن: الطَّيب، والثوب اللين،
وشرب العسل)). ثم قال: غريب من حديث مالك عن أبيه، تفرد به القشيرى. وقال
ابن حبان فى ترجمة يونس بن هارون : شیخ یروى عن مالك العجائب ، لا تحل الرواية
عنه ولا الاحتجاج به بحال من الأحوال، روى عن مالك، عن أبيه، عن جده، عن
عمر بن الخطاب، عن النبى ◌َطهر. وذكر الحديث، ثم قال: ما روى مالك عن أبيه ولا
جده شيئًا. المجروحين ١٤٠/٣، ١٤١.
١٦
أمره بين شيوخه صار أشهر من أخيه، وصار يذكر النضر بأنه أخو مالك .
ولا شك أن الناشئ تتغذى مواهبه ومنازعه من منزع بيته وما يتجه
إليه .
أما البيئة العامة للبلد الذى عاش فيه فإنها تنمى المواهب ، فلقد كانت
بيئته مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومهاجره الذى هاجر إليه ،
ومبعث النور، ولقد نشأ مالك وللمدينة تلك المكانة لم تزايلها ، حتى لقد
كان عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه يكتب إلى الأمصار يعلمهم السنن
والفقه، ويكتب إلى أهل المدينة يسألهم عما مضى ويعمل بما عندهم.
فى ظل هذه البيئة الخاصة وهذه البيئة العامة نشأ مالك فحفظ القرآن فى
صدر حیاته ، ثم اتجه إلی حفظ الحدیث ، و کان لابد لكل طالب علم من
ملازمة عالم من بين العلماء وقتًا يتم فيه تحصيله وتكوينه ، وقد جالس مالك
العلماء ناشئًا صغيرًا ، ثم انقطع إلى ابن هرمز سبع سنين - وفى رواية : ثمان
سنين - لم يخلطه بغيره .
وقد تأثر مالك بملازمته لابن هرمز، فقد تعلم منه قيمة ((لا أدرى)) ،
و کیف یقول : لا أدرى . فی أکثر ما يسأل عنه إذا كان هو لا يعلمه ، وتعلم
منه كذلك اختلاف الناس والرد على أهل الأهواء، وأورثه هذا الرغبة فى
طلب الحقيقة من غير تكلف لمراء أو جدال .
ثم اتجه مالك إلى الأخذ من الینابیع الأخرى ، وقد وجد بغیته فی نافع
مولى ابن عمر، فجالسه وأخذ عنه علمًا كثيرًا .
وقال مصعب: ( كان مالك يقود نافعًا من منزله إلى المسجد ، وكان
١٧
(موسوعة شروح الموطأ ٢/١)
قد كُفّ بصره، فيسأله فيحدثه، وكان منزل نافع بناحية البقيع)) (١).
وقد اشتهر أن أصح الأسانید : مالك عن نافع عن ابن عمر .
كما أخذ مالك عن ابن شهاب الزهرى، وكان مالك حريصًا على
الانتفاع من رواية الزهرى إلى الحد الذی یجعله يذهب إلى بيته فى يوم
عيد ، فيجلس على بابه ؛ لظنه أن هذا اليوم يخلو فيه ابن شهاب ، وما أدخله
ابن شهاب فى يوم عيد إلا لما رأى من حرصه على العلم وقوة حافظته ، حتى
إنه يعيد عليه أربعين حديثًا، وفى المجلس ربيعة الرأى، ما يعيدها أحد
غيره، فيقول الزهرى: ((ما كنت أرى أنه بقى من يحفظ هذا غيرى)).
وإذا كان مالك لم يدخر جهدًا فى طلب العلم فهو أيضًا لم يدخر فى
سبيله مالًا ، حتى ليروى أنه نقض سقف بيته فباع خشبه ، وذلك من أجل
العلم ومن أجل ملازمة أكابر العلماء.
نبوغه العلمى وتصدره للفتوى والتعليم :
ظل مالك يجدّ فى طلب العلم، ويحرص على لقاء العلماء، على نحو
ما ذكرنا ، إلى السنة التى استحق فيها أن يجلس للإقراء ويتصدر للفتیا ،
فاتخذ له مجلسًا فى المسجد النبوى للدرس والإفتاء، ولا شك أن الذى
يجلس فى مجلس التابعين وتابعيهم لابد أن يكون على حظ كبير من العلم،
وفى حال من الاحترام تسمح له بأن يكون مقصد طلاب الفقه المستفتين ،
وموضع ثقتهم ، ويكون لكلامه مكان من الاعتبار. ولقد قال مالك رحمه
الله: ((ليس كل من أحب أن يجلس فى المسجد للحديث والفتيا جلس،
(١) ترتيب المدارك ١٣٢/١.
١٨
حتى يشاور فيه أهل الصلاح والفضل ، وأهل الجهة من المسجد ، فإن رأوه
لذلك أهلًا جلس، وما جلست حتى شهد لى سبعون شيخًا من أهل العلم
أنى موضع لذلك))(١).
قال ابن وهب: ((وجاء رجل يسأل مالكًا عن مسألة ، فبادر ابن القاسم
فأفتاه ، فأقبل عليه مالك کالمغضب وقال له : جسرتَ علی أن تفتی یا
عبد الرحمن؟! يكررها عليه ، ما أفتيت حتى سألت : هل أنا للفتيا موضع؟!
فلما سكن غضبه قيل له: من سألت ؟ قال: الزهرى وربيعة الرأى)) (١).
وقيل : إنه جلس للفتيا وهو ابن سبع عشرة سنة .
و کان مجلسه فى المسجد النبوى الشريف ، هو المكان الذى كان
يجلس فيه عمر بن الخطاب رضى الله عنه للشورى والحكم والقضاء ، وهو
قبل ذلك مكان رسول اللَّه ◌َليِ الذى كان يجلس فيه فى المسجد.
و كذلك كان الشأن فى مسكنه ، فقد کان یسکن دار عبد الله بن مسعود ،
ليقتفى بذلك آثار الصالحين فى مجلسه للعلم وفى مسكنه .
تحريه فى العلم والفتيا والحديث وورعه فيه :
يروى عن النبى وَ له من حديث أبى هريرة أنه قال: ((ليضربن الناس
أكباد الإبل فى طلب العلم، فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة))(١).
وقد قال غير واحد بأنه مالك بن أنس .
فیم بلغ مالك هذه المنزلة ؟!
(١) ترتيب المدارك ١٤٢/١.
(٢) سيأتى تخريجه ص٣٨٩، ٣٩٠ .
١٩
يروى أن مالكًا لما ذكرت أمامه الموطآت ، وأن غير واحد من العلماء
قد صنع موطأ کموطئه قال: (( دعوهم ، فلن يبقى إلا ما أريد به وجه الله)) .
ولعل هذا يفسر لنا جانبًا مما وصل بمالك إلى هذه المنزلة .
قال مروان بن محمد: (( كنت أرى مالكًا يقول للرجل يسأله : اذهب
حتى أنظر فى أمرك. فقلت: إن الفقه من باله، وما رفعه اللَّه إلا
بالتقوى))(١).
قال خالد بن خداش: (( ودعت مالك بن أنس ، فقلت : أوصنى يا أبا
عبد الله. قال: تقوى اللَّه وطلب الحديث من عند أهله)).
وقال مالك: ((العلم نور يجعله الله حيث يشاء، ليس بكثرة الرواية)).
إذن ، فهى تقوى الله وطلب العلم من عند أهله، فقد كان رحمه اللَّه
يعلم أن العلم دین ، فكان ينظر عمن يأخذ دينه ، ولا يحدث عن كل أحد أو
بكل ما سمع.
ولأن مالكًا يعلم هذا من أمر العلم ، وأن العلماء ورثة الأنبياء، فقد كان
یتحری تحریًا عظيمًا عند التحمل وعند الأداء، فکان یروی عنه أنه يُسأل
فى العدد الكثير من المسائل فلا يجيب إلا فى القليل ، وأنه يفكر فى المسألة
سنین فما يتفق له فيها رأی، و کان یبکی ویقول: (إنى أخاف أن یکون لی
من المسائل يوم ، وأُّ يوم))(٢) .
(١) ترتيب المدارك ١٨٠/١.
(٢) ترتيب المدارك ١٧٨/١ .
٢٠