Indexed OCR Text

Pages 101-120

کتاب
الرقة والبكاء

١٠٣
الرقة و البكاء
بسم الله الرحمن الرحيم
ذكر البكاء من خشية الله وثوابه
٤٦٧٠- (١) حدثنا عبد الله بن خيران قال: أخبرنا المسعودي، عن محمد بن
عبد الرحمن، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (8#: ((لا يلج
النار من بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله
ودخان جهنم في منخري عبد أبداً)(١).
٤٦٧١- (٢) حدثني ابن أيوب قال: حدثنا مصعب بن سلام قال: حدثنا محمد
ابن أبي حميد، عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبيه، عن عبد الله بن
مسعود قال: قال رسول الله ﴾: ((ما من عبد مؤمن يخرج من عينيه دموع وإن كان
مثل رأس الذباب من خشية الله ثم تصيب شيئاً من حُر وجهه إلا حرمه الله على
النار))(٢).
٤٦٧٢- (٣) حدثني زيد بن إسماعيل مولى الأنصار قال: حدثنا زيد بن
الحباب قال: حدثني عبد الرحمن بن شريح الإسكندراني قال: حدثنا محمد بن
سمير الرعيني، عن أبي علي الجنبي، عن أبي ريحانة صاحب النبي # قال: سمعت
(١) رواه أحمد (٥٠٥/٢)، والترمذي (١٦٣٣) وقال: "هذا حديث حسن صحيح" والنسائي
(٣١٠٧) وابن حبان (٤٦٠٧)، والحاكم (٢٨٨/٤) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه".
(٢) رواه ابن ماجه (٤١٩٧)، والطبراني في الكبير (١٧/١٠). قال البوصيري في مصباح الزجاجة
(٤/ ٢٣٥): "هذا إسناد ضعيف؛ حماد بن أبي حميد اسمه محمد بن أبي حميد وهو ضعيف، رواه أحمد
ابن منيع في مسنده حدثنا حماد بن خالد ومروان بن تمام عن محمد بن أبي حميد بإسناده ومتنه
والبيهقي والأصبهاني". وقال المنذري في الترغيب والترهيب (١١٥/٤): "رواه ابن ماجه
والبيهقي والأصبهاني وإسناد ابن ماجه مقارب".

١٠٤
·موسوعة ابن أبي الدنيا
-
-
رسول الله # يقول: «لا ترى النار عين بكت من خشية الله، ولا عین سهرت في
سبيل الله))(١).
٤٦٧٣- (٤) حدثني أبو جعفر الكندي قال: أنبأنا يوسف بن الغرق، عن
أيوب الحبطي، عن نفيع بن الحارث الهمداني، عن زيد بن أرقم قال: قال رجل: يا
رسول الله بم أتقي النار؟ قال: ((بدموع عينيك؛ فإن عيناً بكت من خشية الله لا
تمسها النار أبداً))(٢).
٤٦٧٤- (٥) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا إبراهيم بن زكريا القرشي
قال: حدثنا بشر بن إبراهيم، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال:
قال رسول الله ﴾: ((عين بكت من خشية الله لا تمسها النار أبداً))(٣).
٤٦٧٥- (٦) وحدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا زكريا بن عدي، عن علي
ابن فضيل، عن العلاء بن المسيب، عن الحسن البصري قال: قال رسول الله مح/ت: ((ما
(١) رواه أحمد (١٣٤/٤)، والدارمي (٢٤٠٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٣٢٦)،
والطبراني في الأوسط (٨٧٤١)، والحاكم (٩٢/٢) وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه". قال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ١٦٠): "رواه أحمد واللفظ له ورواته ثقات
للنسائي ببعضه والطبراني في الكبير والأوسط والحاكم وقال: صحيح الإسناد". وقال الهيثمي في
المجمع (٢٨٧/٥): "روى النسائي طرفاً منه. قلت: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط
ورجال أحمد ثقات".
(٢) رواه الخطيب في تاريخ بغداد (٣٦٢/٨). وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية (٨١٩/٢): "هذا
حديث لا يصح عن رسول الله :﴿#، قال يحيى: لا نكتب حديث أيوب بن خوط ليس بشيء، وقال
الفلاس والرازي والنسائي والدارقطني: هو متروك، وأما نفيع فهو أبو داؤد الأعمى كذبه قتادة
وقال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي والدارقطني: متروك". وضعفه المنذري في الترغيب
والترهيب (١١٤/٤)، وقال ابن رجب في التخويف من النار (ص٤٢) بعد أن عزاه للمصنف:
"ونفیع سبق أنه ضعيف".
(٣) في إسناده بشر بن إبراهيم؛ إن كان البصري الأنصاري فهو ضعيف. الجرح والتعديل (٣٥١/٢).

١٠٥
الرقة والبكاء
من قطرة أحب إلى الله من قطرة من دم في سبيل الله، وقطرة دموع قطرت من عين
رجل في جوف الليل من خشية الله))(١).
٤٦٧٦- (٧) حثنا خالد بن خداش قال: حدثنا صالح المري، عن أبي عمران
الجوني، عن أبي الجلد قال: قرأت في مسألة داود صلى الله عليه قال: إلهي ما جزاء
من بكى من خشيتك حتى تسيل دموعه على وجنتيه؟ قال: جزاؤه أن أحرم وجهه
على لفح النار، وأن أؤمنه يوم الفزع.
٤٦٧٧- (٨) حدثني علي بن مسلم قال: حدثني عون بن عمارة، عن أيوب
وهو أبو أمية، عن زياد العنبري، أن الله تبارك وتعالى قال: وعزتي لا يبكي عبد من
خشيتي إلا أجرته من نقمتي، وعزتي لا يبكي عبد من خشيتي إلا أبدلته ضحكاً في
نور قدسي.
٤٦٧٨-(٩) حدثنا الحسن بن يوسف بن يزيد قال: حدثنا بقية بن الوليد قال:
حدثني أيوب بن عثمان الأزدي قال: حدثني أبو بصرة، عن الحسن قال: إن العينين
لتبكيان، وإن القلب ليشهد عليهما بالكذب، ولو بكى عبد من خشية الله لرحم من
حوله ولو كانوا عشرين ألفاً.
٤٦٧٩- (١٠) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا بشر بن عمر الزهراني قال:
حدثنا عبد الله بن يزيد التميمي، عن الحسن قال: بلغنا أن الباكي من خشية الله لا
يقطر من دموعه قطرة على الأرض حتى تعتق رقبته من النار، ولو أن باكياً بكى في
ملأ من الملأ لرحموا جميعاً ببكائه، و ....... له وزن إلا البكاء فإنه لا يوزن.
٤٦٨٠- (١١) حدثني محمد قال: حدثنا أبو عمر الضرير قال: حدثنا عتبة بن
عبد الله الأصم قال: سمعت فرقد السبخي يقول: بلغنا أن الأعمال كلها توزن إلا
(١) مرسل.

١٠٦
موسوعة ابن أبي الدنيا
الدمعة تخرج من عين العبد من خشية الله، فإنه ليس لها وزن ولا قدر، وإنه ليطفأ
بالدمعة البحور من النار.
٤٦٨١- (١٢) حدثني محمد قال: حدثني أبو حفص الحبطي قال: حدثنا زرعة
الأعشى، عن وهب بن منبه قال: البكاء من خشية الله تعالى مثاقيل بر ليس ثوابه
وزنا، إنما يعطى الباكي من خشية الله والصابر على طاعة الله أجرهم بغير حساب.
٤٦٨٢- (١٣) حدثني محمد قال: حدثنا عبيد الله بن ثور بن أبي الخلال العتكي
قال: حدثناسوادة بن أبي الأسود قال: سمعت شهر بن حوشب يقول: لو أن عبداً
بکی في ملأ من الناس لر حموا بیکائه.
٤٦٨٣-(١٤) حدثني محمد قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء قال: أخبرنا
سليمان - وهو غير التيمي - عن عبيدة بن حسان، عن النضر بن سعيد رفعه قال:
ما اغرورقت عينا عبد من خشية الله إلا حرم الله جسدها على النار، فإن فاضت
على خده لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة، ولو أن عبدا بكى في أمة من الأمم لأنجى الله
ببكاء ذلك العبد تلك الأمة من النار، وما من عمل إلا له وزن أو ثواب إلا الدموع
فإنها تطفئ بحورا من النار.
٤٦٨٤- (١٥) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء قال:
حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان قال: إن الدمعة لتطفئ البحور من النيران،
فإن سالت على خد باكيها لم ير ذلك الوجه النار، وما بكى عبد من خشية الله إلا
خشعت لذلك جوارحه، وكان مكتوباً في الملأ الأعلى باسمه واسم أبيه، منورا قلبه
بذكر الله.
٤٦٨٥- (١٦) حدثني محمد قال: حدثنا أبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد
قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعيد السراج قال: كنا عند الحسن يوماً وهو يعظ،

١٠٧
الرقة والبكاء
فانتحب رجل من ناحية المجلس، فقال الحسن: أيها الباكي اشدد، أو قال: احدد،
فإنه بلغنا أن الباكي من خشية الله مرحوم يوم القيامة.
٤٦٨٦-(١٧) حدثني محمد قال: حدثنا حبان بن هلال، عن جعفر بن سليمان
قال: وعظ مالك بن دينار يوما، فتكلم فبكى حوشب، فضرب مالك بيده على
منكبه وقال: ابك يا أبا بشر، فإنه بلغني أن العبد لا يزال يبكي حتى يرحمه سيده
فیعتقه من النار.
٤٦٨٧- (١٨) حدثني محمد قال: حدثنا أحمد بن إسحاق الحضرمي قال:
حدثنا عمران بن خالد الخزاعي قال: سمعت فرقداً السبخي يقول: قرأت في بعض
الكتب: قل للبكائين من خشية الله: أبشروا فإنكم أول من تنزل عليه الرحمة إذا
نزلت.
٤٦٨٨- (١٩) حدثني محمد قال: حدثني حكيم بن جعفر، عن عثمان بن
طليق، عن أبي ميمون البراد قال: قال رجل للحسن: أوصني. قال: رطب لسانك
بذكر الله، وند جفونك بالدموع من خشية الله، فقل من طلبت لديه خيراً فلم
تدر که.
٤٦٨٩- (٢٠) حدثني محمد قال: حدثني شعيث بن محرز قال: حدثني صالح
المري قال: بلغني عن كعب أنه كان يقول: من بكى خوفاً من ذنب غفر له، ومن
بكى اشتياقاً إلى الله أباحه النظر إليه تبارك وتعالى يراه متى شاء.
٤٦٩٠- (٢١) حدثني محمد قال: حدثنا زكريا بن عدي قال: حدثني النضر
ابن إسماعيل قال: حدثني عيسى المعلم، عن زاذان أبي عمر قال: بلغنا أنه من بكى
خوفا من النار أعاذه الله منها، ومن بكى شوقاً إلى الجنة أسكنه الله إياها.

١٠٨
موسوعة ابن أبي الدنيا
٤٦٩١- (٢٢) حدثني محمد قال: حدثني يحيى بن أبي بكير قال: حدثنا عمارة
ابن زاذان الصيدلاني قال: سمعت یزید بن أبان الرقاشي يقول: بلغني أنه من بکی
على ذنب من ذنوبه نسي حافظاه ذلك الذنب، ومن فاضت عيناه من خشية الله
أعطي الأمان يوم القيامة.
٤٦٩٢- (٢٣) حدثني محمد قال: حدثنا عمرو بن جرير قال: سمعت أبا
طالب القاص يحدث عن عطية العوفي قال: بلغني أن من بكى على خطيئته محيت
عنه. قال عمرو: وحدثني الأشجعي، عن أبي طالب، عن عطية قال: وكتبت له
حسنة.
٤٦٩٣- (٢٤) حدثني محمد قال: حدثنا خالد بن يزيد القرني، عن خازم بن
حسين، عن مالك بن دينار قال: البكاء على الخطيئة يحط الذنوب كما تحط الريح
الورق اليابس.
٤٦٩٤-(٢٥) حدثني محمد قال: حدثني مالك بن ضيغم قال: سمعت بكر
ابن مصاد يقول: سمعت عبد الواحد بن زيد يقول: يا إخوتاه! ألا تبكون شوقاً إلى
الله؟ ألا إنه من بكى شوقاً إلى سيده لم يحرمه النظر إليه. يا إخوتاه! ألا تبكون خوفاً
من النار؟ ألا إنه من بكى خوفاً من النار أعاذه الله منها. يا إخوتاه! ألا تبكون خوفاً
من العطش يوم القيامة؟ ألا إنه من بكى خوفاً من ذلك شفي على رؤوس الخلائق
يوم القيامة. يا إخوتاه! ألا تبكون؟ بلى، فابكوا على الماء البارد أيام الدنيا لعله أن
يسقيكموه قي حظائر القدس مع خير الندماء والأصحاب من النبيين والصديقين
والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. ثم جعل يبكي حتى غشي عليه.
٤٦٩٥- (٢٦) حدثني محمد قال: حدثني أحمد بن سهل الأردني قال: حدثني

١٠٩
الرقة والبكاء .
رشدين بن سعد، عن بعض أصحابه قال: قرأت في بعض الكتب: قل للمؤيدين
من عبادي: فليجالسوا البكائين من خشيتي، لعلي أصيبهم برحمتي إذا أنا رحمت
البکائین.
٤٦٩٦- (٢٧) حدثني محمد قال: حدثنا عبيد الله بن محمد قال: حدثني محمد
ابن سليم مولى بني ليث قال: سمعت هارون بن رئاب قال: بلغني أن البكاء
مثاقيل، لو وزن بالمثقال الواحد منه مثل جبال الدنيا، أو قال: جبال الأرض رجح
البكاء، وإن الدمعة لتنحدر فتطفئ البحور من النار، وما بكى عبد لله مخلصاً في ملأ
من الملأ إلا غفر لهم جميعاً ببركة بكائه.
٤٦٩٧- (٢٨) حدثني محمد قال: حدثني حسين بن موسى قال: حدثنا أبو
المغيرة القاص قال: قال عمر بن ذر: ما رأيت باكياً قط إلا خيل إلي أن الرحمة قد
تنزلت عليه.
٤٦٩٨- (٢٩) حدثني محمد قال: حدثني أحمد بن محمد بن حنبل قال: حدثنا
حجاج، عن أبي معشر قال: رأيت عون بن عبد الله في مجلس أبي حازم يبكي
ويمسح وجهه بالدموع ويقول: بلغني أن النار لا تمس موضع الدموع.
٤٦٩٩- (٣٠) حدثني محمد قال: حدثنا عمار بن عثمان قال: حدثنا حزم
القطعي قال: سمعت يزيد الرقاشي يقول: بلغنا أن الباكي من خشية الله تهتز له
البقاع التي يبكي عليها، وتغمره الرحمة ما دام باكياً.
٤٧٠٠ - (٣١) حدثني محمد قال: حدثني إسحاق بن منصور، عن عبثر(١)، عن
أبي الجودي قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: يا أبا الجودي! اغتنم الدمعة تسيلها
على خدك لله.
(١) سقط من إسناد المطبوع: عن عبثر.

١١٠
- موسوعة ابن أبي الدنيا
٤٧٠١- (٣٢) حدثني محمد قال: حدثني عمار بن عثمان قال: حدثني حماد بن
يحيى الأبح قال: سمعت محمد بن واسع ورأى رجلاً يبكي فقال: بلغنا أن الباكي
مرحوم، فمن استطاع أن یبکي فلیبك، فلمثل ما یقدم عليه فلیبك له.
٤٧٠٢- (٣٣) حدثني محمد قال: حدثنا مطرف أبو المصعب قال: حدثنا عبد
الرحمن بن زيد بن أسلم قال: سمعت أبا حازم يقول: بلغنا أن البكاء من خشية الله
مفتاح لرحمته.
٤٧٠٣-(٣٤) وحدثني محمد قال: حدثني يحيى بن عبد الحميد الحماني قال:
سمعت ابن السماك، يذكر عن المفضل بن مهلهل قال: بلغني أن العبد إذا بكى من
خشية الله ملئت جوارحه نوراً، واستبشرت ببكائه، وتداعت بعضها بعضاً: ما هذا
النور؟ فيقال لها: هذا غشيكم من نور البكاء.
٤٧٠٤-(٣٥) حدثني محمد قال: حدثني إسحاق بن منصور بن حيان
الأسدي قال: حدثنا محمد بن صبيح العجلي قال: سمعت ابن ذر يقول: بلغني أن
الباكي من خشيته يبدل الله مكان كل قطرة أو دمعة تخرج من عينيه أمثال الجبال من
النور في قلبه، ويزاد في قوته للعمل، ويطفأ بتلك المدامع بحور من نار.
٤٧٠٥ -(٣٦) حدثني محمد قال: حدثني حكيم بن جعفر قال: سمعت سفیان
بن عيينة يقول: البكاء من مفاتيح التوبة، ألا ترى أنه يرق فيندم؟!
٤٧٠٦-(٣٧) حدثني محمد قال: حدثني نوح بن یحیی الزراد قال: حدثني قثم
العابد، عن حمزة الأعمى قال: ذهبت أمي إلى الحسن فقالت: يا أبا سعيد! ابني هذا
قد أحببت أن يلزمك، فلعل الله أن ينفعه بك. قال: فكنت أختلف إلیه، فقال لي
يوما: يا بني! أدم الحزن على خير الآخرة لعله أن يوصلك إليه، وابكِ في ساعات

١١١
الرقة والبكاء
الخلوة لعل مولاك يطلع عليك فيرحم عبرتك فتكون من الفائزين. قال: وكنت
أدخل عليه منزله وهو يبكي وآتيه مع الناس وهو يبكي، وربما جئت وهو يصلي
فأسمع بكاءه ونحيبه. فقلت له يوما: يا أبا سعيد! إنك لتكثر من البكاء، فبكى ثم
قال: يا بني! فما يصنع المؤمن إذا لم يبك؟ يا بني! إن البكاء داع إلى الرحمة، فإن
استطعت أن لا تكون عمرك إلا باكيا فافعل، لعله يراك على حالة فيرحمك بها، فإذا
أنت قد نجوت من النار.
٤٧٠٧ - (٣٨) حدثني محمد قال: حدثني عبيد الله بن محمد، عن إسماعيل بن
ذكوان قال: دخل إياس بن معاوية وأبوه إلى مسجد فيه قاص يقص عليهم، فلم
يبق أحد من القوم إلا بكى غير إياس وأبيه، فلما تفرقوا قال معاوية بن قرة لابنه:
أترانا شر أهل هذا المجلس؟ قال إياس: إنما هي رقة في القلوب، فكما تسرع إلى
الدمعة فكذلك تسرع إليها الفتنة، فقال معاوية: ما أدري ما تقول يا بني غير أنهم
قد تعجلوا الرقة ورجاء الرحمة.
٤٧٠٨- (٣٩) حدثني محمد قال: حدثنا أبو إسحاق الضرير في قنطرة قرة قال:
حدثنا عبد ربه أبو كعب صاحب الحرير قال: كنا عند معاوية بن قرة، فذكر شيئاً
فنحب رجل من ناحية المجلس، فقال له معاوية بن قرة: أعطاك الله أملك فيها
بكيت عليه. قال: فارتجت الحلقة بالبكاء.
٤٧٠٩ - (٤٠) وحدثني محمد قال: حدثنا فهد بن حيان قال: حدثنا أشرس
الهذلي قال: سمعت فرقدا السبخي يقول: قرأت في بعض الكتب: إن العبد إذا بكى
من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه كيوم ولدته أمه، ولو أن عبداً جاء بجبال الأرض
ذنوباً وآثاماً لوسعته الرحمة إذا بكى، وإن الباكي على الجنة لتشفع له الجنة إلى ربها

١١٢
·موسوعة ابن أبي الدنيا
-
فتقول: يا رب أدخله الجنة كما بكى عليَّ، وإن النار لتستجير له من ربها فتقول: يا
رب أجره من النار كما استجارك مني وبكى خوفاً من دخولي.
٤٧١٠- (٤١) حدثني محمد قال: حدثنا عبد الملك بن قريب قال: حدثنا
غاضرة بن قرهد قال: كان فرقد السبخي قد بكى حتى أضر به ذلك البكاء،
وتناثرت أشفاره. فقيل له في ذلك فقال: بلغني أن كل عين بكت من خشية الله لا
يصيبها لفح النار يوم القيامة. قال: فكان يبكي، ويبكي أصحابه.
٤٧١١- (٤٢) حدثني محمد قال: حدثنا حبان بن هلال قال: حدثنا عمر
الأشج، عن أبي عمران الجوني قال: لكل أعمال البر جزاء، وفي كلها خير إلا الدمعة
تخرج من عين العبد فليس لها كيل ولا وزن حتى يطفأ بها بحار من النيران.
٤٧١٢ - (٤٣) حدثني أبي رحمه الله وأبو خيثمة، عن الوليد بن مسلم،
عن ثابت بن سرح أبي سلمة الدوسي، عن سالم بن عبد الله قال: كان من دعاء
رسول الله: ((اللهم ارزقني عينين هطالتين تبكيان بذروف الدموع، وتشفيانني
من خشيتك، من قبل أن تكون الدموع دماً والأضراس جمراً))(١).
استدعاء البكاء
٤٧١٣- (٤٤) حدثني هارون بن عبد الله بن مروان قال: حدثنا أبو يحيى
الحماني، عن عمران أبي يحيى التغلبي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال:
قال رسول الله#: ((يا أيها الناس ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون
حتى تصير في وجوههم الجداول، فتنفد الدموع، فتقرح العيون، حتى لو أن السفن
-
(١) مرسل.

١١٣
الرقة والبكاء
أرخيت فيها لجرت))(١).
٤٧١٤- (٤٥) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني أحمد بن إسحاق
الحضرمي قال: سمعت صالحاً المري يقول: للبكاء دواعي؛ الفكرة في الذنوب، فإن
أجابت على ذلك القلوب، وإلا نقلتها إلى تلك الشدائد والأهوال، فإن أجابت على
ذلك، وإلا فأعرض عليها التقلب بين أطباق النيران. قال: ثم صاح وغشي عليه،
فتصايح الناس من نواحي المجلس.
٤٧١٥ - (٤٦) حدثنا علي بن الجعد قال: حدثني حماد بن سلمة، عن أبي عمران
الجوني، عن أبي هريرة، أن رجلاً شكا إلى رسول الله ﴿ قسوة قلبه، فقال: ((إن
أحببت أن يلين قلبك فامسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين))(٢).
٤٧١٦- (٤٧) حدثنا محمد بن سليمان الأسدي قال: حدثنا حماد بن زيد، عن
المعلى بن زياد، أن رجلاً قال للحسن: يا أبا سعيد! أشكو إليك قسوة قلبي، فقال:
ادنه من الذکر.
(١) رواه ابن المبارك في الزهد (٢٩٥)، وأبو يعلى (٤١٣٤)، والعقيلي (٣٠٧/٣) في ترجمة عمران بن
يحيى، ثم قال: "هذا يروى بغير هذا الإسناد بإسناد أيضا لين". قال المنذري في الترغيب والترهيب
(٤/ ٢٧٠): "رواه ابن ماجه وأبو يعلى ...... وفي إسنادهما يزيد الرقاشي وبقية رواة ابن ماجه
ثقات احتج بهم البخاري ومسلم". وقال الهيثمي في المجمع (٣٩١/١٠): "روى ابن ماجه بعضه
رواه أبو يعلى وأضعف من فيه يزيد الرقاشي وقد وثق على ضعفه". ورواه ابن ماجه (٤٣٢٤)
بلفظ: "يرسل البكاء على أهل النار فييكون حتى ينقطع الدموع ثم يبكون الدم حتى يصير في
وجوههم كهيئة الأخدود لو أرسلت فيه السفن لجرت". قال البوصيري في مصباح الزجاجة
(٤/ ٢٦٣): "هذا إسناد فيه يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف".
(٢) رواه أحمد (٢٦٣/٢، ٣٨٧). قال المنذري في الترغيب والترهيب (٢٣٧/٣): "رواه أحمد ورجاله
رجال الصحيح". وقال الهيثمي في المجمع (١٦٠/٨): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح".
وحسن إسناده الحافظ في الفتح (١١/ ١٥١).
٠

١١٤
موسوعة ابن أبي الدنيا
٤٧١٧- (٤٨) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني مهدي بن حفص قال:
سمعت أبا عبد الرحمن المغازلي يقول: قال رجل ببلاد الشام في بعض تلك
السواحل: لو بكى العابدون على الشفقة حتى لم يبق في أجسادهم جارحة إلا أدت
ما فيها من الدم والودك دموعا جارية، وبقيت الأبدان يبسا خالية تردد فيها
الأرواح إشفاقاً ووجلاً من يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، لكانوا محقوقين
بذلك، ثم غشي عليه.
٤٧١٨-(٤٩) حدثني محمد قال: حدثني إبراهيم بن بكر الشيباني، عن عثمان
ابن عطاء الخراساني، عن أبيه قال: كان أويس القرني يقف على موضع الحدادين،
فينظر إليهم كيف ينفخون الكير، ويسمع صوت النار، فيصرخ، ثم يسقط،
فيجتمع الناس عليه، فيقولون: مجنون. قال: وكان يأتي مزبلة بالكوفة قديمة،
فيصعد عليها فيجلس، ثم يبكي حتى تأتيه الشمس، فينزل، فيتبعه الصبيان حتى
يأتي المسجد، فيدخل.
٤٧١٩- (٥٠) حدثني أبو عقيل الأسدي قال: حدثنا أبو أسامة، عن داود بن
يزيد، عن البختري بن يزيد بن جارية الأنصاري، أن رجلاً من العباد وقف على
كير حداد وقد كشف عنه، فجعل ينظر إليه ويبكي. قال: ثم شهق شهقة فمات.
٤٧٢٠ - (٥١) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني خالد بن خداش قال:
حدثنا أبو عمر الصفار، عن مالك بن دينار قال: دخلت مع الحسن السوق، فمر
بالعطارين فوجد تلك الرائحة، فبكى ثم بكى حتى خفت أن يغشى عليه، ثم قال:
يا مالك! والله ما هو إلا حلول القرار من الدارين جميعاً: الجنة أو النار، ليس هناك
منزل ثالث، من أخطأته والله الرحمة صار إلى عذاب الله. قال: ثم جعل يبكي، فلم
یلبث بعد ذلك إلا یسیراً حتى مات.

١١٥
الرقة والبكاء
٤٧٢١- (٥٢) حدثني أبو حاتم الرازي قال: حدثنا عمران بن أبي جميل
الدمشقي قال: حدثنا شهاب بن خراش قال: حدثنا أبو الهيثم بياع القصب قال:
مررت أنا وسعيد بن جبير على بني الأشعث، وإذا هم على طنافس وعليهم ألوان
الخز، فسلم عليهم فجعلوا يقولون له: مرحباً بأبي عبد الله ويسلمون عليه: اجلس،
فلما ولى عنهم بكى حتى بلغ الكناسة بكاء شديداً. قلت: ما يبكيك؟ قال: إنني
ذكرت الجنة ونعيمها وشبابها حين رأيت هؤلاء.
٤٧٢٢-(٥٣) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني إبراهيم بن مهدي قال:
سمعت أخا لشعيب بن صفوان يذكر عن بعض المشيخة، عن مولى لعمر بن عبد
العزيز قال: استيقظ ذات ليلة باكيا، فلم يزل يبكي حتى استيقظت. قال: وكنت
أبيت معه، فربما منعني النوم كثرة بكائه. قال: فأكثر ليلتئذ البكاء جدا، فلما أصبح
دعاني فقال: أي بني! ليس الخير أن يسمع لك ويطاع، إنما الخير أن تكون قد عقلت
عن ربك ثم أطعته، يا بني! لا تأذن اليوم لأحد علي حتى أصبح ويرتفع النهار،
فإني أخاف أن لا أعقل عن الناس ولا يفهمون عني. فقلت: بأبي أنت يا أمير
المؤمنين! رأيتك الليلة بكيت بكاء ما رأيتك بكيت مثله! قال: فبكى ثم بكى، ثم
قال: يا بني! إني والله ذكرت الموقف بين يدي الله. قال: ثم غشي عليه، فلم يفق
حتی علا النهار، فما رأيته بعد ذلك مبتسماً حتى مات.
٤٧٢٣-(٥٤) حدثني محمد قال: حدثني يوسف بن الحكم قال: حدثني عبد
السلام مولى مسلمة بن عبد الملك قال: بكى عمر بن عبد العزيز، فبكت فاطمة،
فبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما تجلى عنهم العبر قالت
فاطمة: بأبي أنت يا أمير المؤمنين! مم بكيت؟ قال: ذكرت يا فاطمة منصرف القوم
من بين يدي الله: فريق في الجنة، وفريق في السعير، ثم صرخ وغشي عليه.

١١٦
موسوعة ابن أبي الدنيا
٤٧٢٤-(٥٥) حدثني محمد قال: حدثني مالك بن ضيغم قال: حدثني مسمع
ابن عاصم قال: بت أنا وعبد العزيز بن سلمان وكلاب بن جري وسلمان الأعرج،
على ساحل من بعض السواحل، فبكى كلاب حتى خشيت أن يموت، ثم بكى
عبد العزیز لبكائه، ثم بکی سلمان لبكائهم، ویکیت والله لبکائهم، لا أدري ما
أبكاهم، فلما كان بعد سألت عبد العزيز فقلت: يا أبا محمد ما أبكاك ليلتك؟ فقال:
إني والله نظرت إلى أمواج البحر تموج وتخيل، فذكرت أطباق النيران وزفراتها،
فذلك الذي أبكاني، ثم سألت كلابا أيضا نحوا مما سألت عبد العزيز، فوالله لكأنما
قصته فقال لي مثل ذلك، ثم سألت سلمان الأعرج نحوا مما سألتهما، فقال لي: ما
كان في القوم شر مني! ما كان بكائي إلا لبكائهم، رحمة لهم مما كانوا يصنعون
بأنفسهم.
٤٧٢٥ - (٥٦) حدثني محمد قال: حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثنا عبد ربه
أبو كعب، عن بكر بن عبد الله المزني، أن أبا موسى خطب الناس بالبصرة، فذكر في
خطبته النار فبكى حتى سقطت دموعه على المنبر، وبكى الناس يومئذ بكاء شديداً.
٤٧٢٦- (٥٧) حدثني محمد قال: حدثنا يحيى بن حماد قال: حدثنا أبو عوانة،
عن سليمان يعني الأعمش، عن شمر بن عطية، عن المغيرة بن سعد بن الأخرم،
عن أبيه قال: كنت أمشي مع عبد الله بن مسعود، فمر بالحدادين وقد أخرجوا
حديدة من النار، فقام ينظر إليها ويبكي.
٤٧٢٧ - (٥٨) وحدثني محمد قال: حدثنا يحيى بن إسحاق قال: حدثنا النضر
ابن إسماعيل قال: مر الربيع بن أبي راشد برجل به زمانة فجلس يحمد الله ويبكي،
فمر به رجل فقال: ما يبكيك رحمك الله؟! قال: ذكرت أهل الجنة وأهل النار،
فشبهت أهل الجنة بأهل العافية، وأهل البلاء بأهل النار، فذلك الذي أبكاني.

١١٧
الرقة والبكاء
٤٧٢٨- (٥٩) حدثني محمد قال: حدثني موسى بن داود قال: حدثنا النضر-
ابن إسماعيل، عن ابن أبي الذباب، أن طلحة وزبيراً مرا بكير حداد، فوقفا ينظران
إليه ويبكيان. قال: ومرا بأصحاب الفاكهة والرياحين، فوقفا يبكيان ويسألان الله
الجنة.
٤٧٢٩- (٦٠) قال النضر: وحدثنا الأعمش، أن الربيع بن خثيم مر في
الحدادين، فنظر في كير، فصعق.
٤٧٣٠- (٦١) حدثني محمد قال: حدثنا يحيى بن بسطام قال: حدثنا
عبد العزيز بن علي الصراف، أن حسان بن أبي سنان قدم له سكر من الأهواز،
فربح فيه مالا كثيرا، فدخل عليه قوم من إخوانه يهنؤونه بذلك، فوجدوه في ناحية
الحجرة يبكي، فقالوا: يا عبد الله! هذه نعمة من الله عليك، ففيم البكاء؟! قال: إني
خشيت والله أن يكون ذلك سكراً، فاستدراجاً، وإني أستغفر الله من نسياني ما
ذكرني به ربي، ومن غفلتنا عن ذلك.
٤٧٣١- (٦٢) حدثني محمد قال: حدثنا عبيد الله بن محمد قال: حدثنا
عبد الرحمن بن حفص القرشي قال: بعث بعض الأمراء إلى عمر بن المنكدر بمال،
فجاء به الرسول فوضعه بين يديه، فجعل عمر ينظر إليه ويبكي، ثم جاء أبو بكر
فلما رأی عمر یبکي جلس یبکی لبکائه، ثم جاء محمد فجلس یبکی لبکائهما، فاشتد
بكاؤهم جميعا، فبكى الرسول أيضا لبكائهم، ثم أرسل إلى صاحبه، فأخبره بذلك،
فأرسل ربيعة بن أبي عبد الرحمن يستعلم علم ذلك البكاء، فجاء ربيعة فذكر ذلك
لمحمد، فقال محمد: سله، فهو أعلم ببكائه مني، فاستأذن عليه ربيعة فقال: يا أخي!
ما الذي أبكاك من صلة الأمير لك؟ قال: إني والله خشيت أن تغلب الدنيا على

١١٨
موسوعة ابن أبي الدنيا
قلبي فلا يكون للآخرة فيه نصيب، فذاك الذي أبكاني. قال: فأمر بالمال، فتصدق به
على فقراء أهل المدينة، فجاء ربيعة فأخبر الأمير بذلك فبكى وقال: هكذا والله
یکون الخیر.
٤٧٣٢-(٦٣) حدثني محمد قال: حدثني الحمیدي، عن سفيان قال: كان عمر
ابن عبد العزيز يوماً ساكتاً وأصحابه يتحدثون، فقالوا له: ما لك لا تتكلم يا أمير
المؤمنين؟ قال: كنت مفكراً في أهل الجنة كيف يتزاورون فيها، وفي أهل النار كيف
يصطر خون فيها، ثم بکی.
أسباب البكاء
٤٧٣٣- (٦٤) حدثني محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال: حدثنا مروان بن
معاوية، عن سيف بن أبي سيف، عن ابن لعبد الله بن خازم السلمي، عن كعب
قال: إن العبد لا يبكي حتى يبعث الله إليه ملكاً يمسح كبده بجناحه، فإذا مسح
کبده بکی.
٤٧٣٤-(٦٥) حدثني محمد بن أبي بلال قال: حدثنا معمر بن سليمان الرقي،
عن أبي المهاجر، عن مكحول قال: أرق الناس قلوباً أقلهم ذنوباً.
٤٧٣٥ - (٦٦) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني يوسف بن الحكم، عن
فياض بن محمد قال: كان شيخ ههنا من قريش سريع الدمعة كثيراً، وكان ما علمته
من المتهجدين، قليل الآثام، معتزلاً للناس. فذكرته يوما لبعض علمائنا فقلت: هذا
الشيخ طويل الاجتهاد، وما أظنه اقترف إثماً منذ خمسون عاماً أو ما شاء الله، ثم هو
الدهر يبكي، فقال لي الرجل: ما ينبغي أن يكون مثله إلا هكذا ندي العينين دهره.
قلت: وكيف ذاك؟ قال: لأن البدن إذا عري دق، فكذاك القلب إذا قلت خطاياه
سرعت دمعته. قال: فعلمت أن ذاك كما قال.

١١٩
الرقة والبكاء
٤٧٣٦ - (٧٨) حدثني محمد قال: حدثني حكيم بن جعفر السعدي قال: قال
لي أبو عبد الله البراثي: لا تندى العين حتى يحترق القلب، فإذا احترق القلب تلهب
شغفه فهاج إلى الرأس دخانه، فاستنزل الدموع من الشؤون إلى العین، فسجمته.
٤٧٣٧- (٦٨) حدثني محمد قال: حدثني مالك بن ضيغم الراسبي، عن أبيه
قال: كان يقال: إن كثرة الدموع وقلتها على قدر احتراق القلب، حتى إذا احترق
القلب كله لم يشأ الحزين أن يبكي إلا بكى، والقليل من التذكرة يجزئه.
٤٧٣٨- (٦٩) حدثني محمد قال: حدثني حكيم بن جعفر، عن مسمع بن
عاصم قال: سألت عابدا من أهل البحرين فقلت: ما بال الحزين يجيبه قلبه إذا شاء
وتهمل عيناه عند كل حركة؟ فقال: أخبرك عن ذاك؛ إن الحزين بدا به الحزن، فجال
في بدنه، فأعطاه كل عضو بقسطه، ثم رجع إلى القلب والرأس فسكنهما، فمتى
حرك القلب بشيء تحرك، فهاجت الحرقة مصاعدة، فاستثارت الدموع من شؤون
الرأس حتى تسلمها إلى العين، فتذريها حينئذ الجفون، ثم خنقته عبرته فقام.
٤٧٣٩- (٧٠) حدثني محمد قال: حدثني أحمد بن سهل قال: قال لي أبو معاوية
الأسود: يا أبا علي! من أكثر لله الصدق نديت عيناه، وأجابته إذا دعاهما.
٤٧٤٠ - (٧١) حدثني محمد قال: حدثني راهويه أبو سهل قال: قلت لسفيان
ابن عيينة: ألا ترى إلى أبي علي - يعني فضيلاً - لا تكاد تجف له دمعة؟! فقال
سفيان: إذا قرح القلب نديت العينان، ثم تنفس سفيان نفساً منكراً.
٤٧٤١- (٧٢) حدثني محمد بن عباد المكي، عن سفيان بن عينة، عن إسماعيل
ابن عياش قال: البكاء من سبع: البكاء من خشية الله القطرة منه تكف من النار
أمثال البحور، ورجل فاضت عيناه من خشية الله، والبكاء من السرور، والبكاء من
الكرب، والبكاء من السكر، والبكاء من الخوف، والبكاء من الألم.
٠٠

١٢٠
موسوعة ابن أبي الدنيا
البكاء عند قراءة القرآن
٤٧٤٢- (٧٣) حدثنا زهير بن حرب قال: حدثنا جرير، عن حصين، عن
هلال بن يساف، عن أبي حيان، عن عبد الله قال: قال لي النبي ﴿: ((اقرأ عليَّ)). قال:
قلت: أليس تعلمت منك يا رسول الله؟ قال: ((إني أحب أن أسمعه من غيري)).
فقرأت عليه سورة النساء حتى إذا بلغت: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَِّم بِشَهِيدٍ
وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] فاضت عيناه ◌َ﴾(١).
٤٧٤٣- (٧٤) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا خالد بن خداش قال:
حدثنا ابن وهب قال: حدثني حيي، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن
عمرو قال: لما نزلت: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] بكى أبو بكر
الصديق رحمه الله، فقال له رسول الله ﴾﴿: ((ما يبكيك يا أبا بكر))؟ قال: أبكتني يا
رسول الله هذه السورة(٢).
٤٧٤٤- (٧٥) وبإسناده حدثني حيي قال: سمعت أبا عبد الرحمن الحبلي
يذكر، أن عقبة بن عامر وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن فقال له عمر:
اعرض علي سورة براءة، فقرأها عليه، فبكى عمر بكاء شديداً، ثم قال: ماكنت
أظن أنها أنزلت.
٤٧٤٥ - (٧٦) حدثني الحسن بن الصباح قال: حدثنا أبو أسامة، عن عثمان بن
واقد، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان إذا أتى على هذه الآية: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ
(١) رواه البخاري (٤٣٠٦)، ومسلم (٨٠٠).
(٢) رواه الطبري في تفسيره (٢٧٠/٣٠). قال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٤١): ((رواه الطبراني وفيه
حيي بن عبد الله المعافري وثقه ابن معين وغيره وبقية رجاله رجال الصحيح)).