Indexed OCR Text

Pages 621-640

٦٢١
الأولياء
سحابة فأمطرت علیه حتى بلت ثوبيه وذهب العطش، فنزل فحوض حياضا
وملأها ماء، فانتهى إليه أصحابه فشربوا، وما أصاب أصحابه من ذلك المطر شيء.
٢٠٥٤ - (٦٥) حدثني الحسين بن علي قال: حدثنا عيسى بن سلمة قال:
حدثنا أيوب بن سويد قال: حدثني السري بن يحيى قال: حدثني أبو عوانة، عن
معاوية بن قرة كان مسلم بن يسار يحج كل سنة، ويحج معه رجال من إخوانه
تعودوا ذلك، فأبطأ عاما من تلك الأعوام حتى فاتت أيام الحج (١) فقال لأصحابه:
اخرجوا، فقالوا: كبروا الله، أبو عبد الله يأمرنا أن نخرج وقد ذهب وقت الحج،
فأبى عليهم إلا أن يخرجوا ففعلوا استحياء، فأصابهم حين جن عليهم الليل إعصار
شديد حتى كان لا يرى بعضهم بعضاً إلا ما ينادوا فأصبحوا وهم ينظرون إلى
جبال تهامة، فحمدوا الله. فقال: وما تعجبون من هذا في قدرة الله عز وجل.
٢٠٥٥- (٦٦) حدثني إبراهيم الأصبهاني قال: حدثنا بندار، عن ابن
مهدي(٢)، عن سفيان، عن إسحاق بن أبي نباتة، عن سعيد بن جبير في الإحرام
قال: تجزیه نیته.
٢٠٥٦- (٦٧) قال أبو بكر: كتب إليّ أبو عبد الله محمد بن خلف بن صالح
التيمي، عن إسحاق بن أبي نباتة من بني عمرو بن سعيد بن زيد مناة بن تميم مكث
ستین سنة يؤذن لقومه في مسجد بني عمرو بن سعد، وكان يعلم الغلمان الكتاب
ولا يأخذ الأجر، ومات قبل أن يحفر الخندق بثلاثين سنة، فلما حفر الخندق وكان
بين المقابر ذهب بعض أصحابه يستخرجه، ووقع قبره في الخندق فاستخرجوه كما
دفن لم يتغير منه شيء إلا أن الكفن قد جف عليه ويبس، والحنوط محطوط عليه،
(١) في ح: فات الحج.
(٢) في ح: عن مهدي.

٦٢٢
·موسوعة ابن أبي الدنيا
وكان خضيبا فرأوا وجهه مكشوفا وقد فصل الحناء في أطراف الشعر(١)، فمضى
المسيب بن زهير إلى أبي جعفر وهو في قصر أم موسى بنت هشام بن عبد الملك على
شاطئ الفرات فأخبره، فر کب أبو جعفر في الليل حتى رآه، فأمر به فدفن بالليل
لئلا(٢) يفتتن الناس.
٢٠٥٧ - (٦٨) قال أبو عبد الله: حدثني حمدان بن جابر الضبي، عن أبي
الحسین المنقري المؤذن، عن شیخ له، أنه رأى إسحاق بن أبي نباتة حیث استخرج في
هذه الصفة.
٢٠٥٨ - (٦٩) قال أبو عبد الله: حدثني محمد بن منصور الرفاعي، عن مسکین
ابن مسعود العكلي، عن أبيه، أنه رأى ابن أبي نباتة في هذه الصفة.
٢٠٥٩ - (٧٠) حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال:
أخبرنا معمر، عن أيوب أو غيره، عن أبي قلابة قال: قال النبي #: ((لا يزال في أمتي
سبعة لا يدعون الله بشيء إلا استجاب لهم، بهم يمطرون وبهم ينصرون)). وحسبته
قال: ((وبهم يدفع عنکم))(٣).
٢٠٦٠ - (٧١) حدثنا الحسن بن أبي الربيع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال:
أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن صفوان قال: قال رجل يوم صفين:
اللهم العن أهل الشام، فقال علي: لا تلعن(٤) أهل الشام جماً غفيراً؛ فإن بها
الأبدال، فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال.
(١) في ح: أطراف لحيته.
(٢) في ح: لأن لا.
(٣) مرسل.
(٤) فيح: لا تسب.

٦٢٣
الأولياء
٢٠٦١ - (٧٢) حدثني علي بن أبي مريم، عن محمد بن الحسين قال: حدثنا
شعيب بن محرز قال: حدثنا سهيل أخو حرم قال: بلغني عن عامر بن عبد قيس أنه
كان يقول: لقد أحببت الله حبا سهل علي كل مصيبة، وأرضاني بكل قضية، فما أبالي
مع حبي إياه ما أصبحت عليه وما أمسيت.
٢٠٦٢- (٧٣) حدثنا هارون بن موسى بن أبي علقمه الفروي قال: حدثني أبي
أبو علقمة، عن زيد بن أسلم قال: هلك عثمان بن مظعون فأمر رسول الله :﴿
بجهازه، فلما وضع على قبره قالت امرأته: هنيئا لك أبا السائب الجنة. فقال رسول الله ﴾:
((وما علمك بذلك))؟ قالت: كان يا رسول الله يصوم النهار ويصلي الليل. قال:
((بحسبك لو قلت كان يحب الله ورسوله))(١).
٢٠٦٣ - (٧٤) حدثني الحسن بن عرفة قال: حدثني علي بن ثابت، عن هشام
ابن سعد قال: حدثنا عبد الله الملقب بحمار كان في زمن رسول الله # يشتري العكة
من السمن أو العكة من العسل أو الشيء من السوق، فيأتي به النبي 83# فيقول:
أهديت هذا لك يا رسول الله، فإذا جاءه صاحبه يبغي ثمنه أتى به النبي ﴿ فيقول:
أعطي هذا ثمن متاعه، فيقول رسول الله ﴾: ((أوليس إنما أهديته لي)) فيضحك
رسول الله ﴾ ویأمر به فیعطی ثمنه، وكان لا یزال یؤتی به شارباً في زمن رسول الله ێ؛ فیأمر
به فيضرب، فأتي به ذات يوم وقد شرب فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر
ما يؤتى به. فقال رسول الله ﴿: ((لا تسبوه فإنه يحب الله ورسوله))(٢).
٢٠٦٤ - (٧٥) حدثني أبو عبد الملك المدني قال: أخبرني أبو معشر قال: أخبرني
(١) مرسل.
(٢) مرسل. إن لم يكن معضلاً.

٦٢٤
موسوعة ابن أبي الدنيا
محمد بن كعب قال: كان طلحة بن عوف رجلا من بني أنيف أتى رسول الله ما﴿
يبايعه، فقال: ((أبايعك على أن تقتل أباك)). قال: فأمسك بيده. قال: ثم جاءه مرة
أخرى فقال: ((أبايعك على أن تقتل أباك)) قال: فأمسك بيده، ثم جاءه مرة أخرى
فقال: ((أبايعك على أن تقتل أباك)) فبايعه فأمر ألا يقتله. قال: ثم إن طلحة اشتكى
شكوى فأدنف. قال: فجاءه رسول الله ﴿ يعوده، فرأى به الموت فقال لبعض من
عنده: «إذا نزل به الموت فآذنوني حتى أشهده وأصلي علیه)). قال: فنزل به الموت من
الليل، فقال بعض من عنده: آذنوا رسول الله، فقال: لا تفعلوا. قالوا: ولم يا طلحة؟
والناس يستشفون برسول الله# إذا حضرهم الموت. قال: أخشى أن تصيبه نكبة،
أو تلدغه عقرب، أو تنهشه حية، فألقى الله بذلك. قال: فتركوه حتى أصبح، فلما
مات آذنوا رسول الله # فقال: ((ألم أقل لكم إذا نزل به الموت فآذنوني»؟ فقالوا:
أردنا يا رسول الله أن نفعل فمنعنا، وقال: أخشى أن تصيبه نكبة، أو تلدغه عقرب،
أو تنهشه حية، فألقى الله بذاك. فقال رسول الله #: ((اللهم الق طلحة بن البراء
تضحك إلیه ويضحك إليك))(١).
٠
٢٠٦٥- (٧٦) حدثنا محمد بن علي المروزي قال: أخبرنا أبو إسحاق يعني
إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: بلغني أن أكرم
الخلائق على الله يوم القيامة وأحبهم إليه حبا وأقربهم منه مجلسا: الحامدون الله على
کل حال.
٢٠٦٦ - (٧٧) حدثنا محمد بن علي قال: أخبرنا أبو إسحاق يعني إبراهيم بن
الأشعث قال: حدثنا عمر بن هارون، عن ثور بن یزید، عن خالد بن معدان قال:
(١) مرسل.

٦٢٥
الأولیاء
قال رسول الله ﴾: قال الله تبارك وتعالى: ((إن أحب عبادي إلي الذين يتحابون من
أجلي، الذين يعمرون مساجدي، ويستغفرون بالأسحار، أولئك الذين إذا أردت
أهل الأرض بعقوبة أو بعذاب ثم ذكرتهم صرفت عقوبتي عنهم من أجلهم)) (١).
٢٠٦٧- (٧٨) حدثنا شجاع بن مخلد قال: حدثنا عباد بن العوام قال: حدثنا
محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي قال: كان رجل من
مزينة ممن كان في نواحي المدينة في حجر عم له، فكان ينفق عليه ویکفِه، فأراد
الإسلام فقال له عمه: لئن أسلمت لأنتزعن منك كل شيء صنعت إليك، فأبى إلا
أن يسلم، فانتزع منه كل شيء صنعه به حتى إزار ورداء كانا عليه، فانطلق إلى أمه
مجردا، فقامت إلى بجاد لها من شعر أو صوف فقطعته باثنین فاتزر بأحدهما وارتدى
بالآخر، ثم أتى النبي 18 فصلى معه الصبح. قال: وكان رسول الله ﴿ إذا صلى
الصبح تفقد الناس، ونظر في وجوههم فرآه فقال: ((من أنت))؟ قال: أنا عبد العزى
وكان اسمه. قال: فقال رسول الله #: ((بل أنت عبد الله ذو البجادين، الزمنا وكن
معنا)) فكان يكون مع رسول الله ﴿ وفي حجره. قال: فكان إذا قام من الليل يجهر
بالدعاء والاستغفار والتحميد (٢) قال: فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، أمُراء
هو؟! قال: ((دعه، فإنه أحد الأواهين)) قال: فلما كان في غزاة تبوك خرج مع رسول الله 85*
فمات. قال: فقال ابن مسعود: إذا أنا بنار ليلا في ناحية العسكر فقلت: ما هذا؟
فانطلقت فإذا رسول الله وأبو بكر وعمر ما معهم رابع، فإذا ذو البجادين قد مات،
ورسول الله في القبر وهو يقول: ((دليا إلي أخاكم)). قال: فأضجعه رسول الله ﴾
(١) مرسل.
(٢) في ح: التمجيد.

٦٢٦
موسوعة ابن أبي الدنيا
لشقه، ثم قال: ((اللهم إني أمسيت عنه راضياً فارض عنه، اللهم إني أمسيت عنه
راضياً فارض عنه، [اللهم إني أمسيت عنه راضياً فارض عنه](١) قال: فقال ابن
مسعود: فيا ليتني كنت مكانه في حفرته(٢).
٢٠٦٨ - (٧٩) حدثنا هارون بن إبراهيم الإمام قال: حدثنا زيد بن الحباب
قال: أخبرنا موسى بن عبيدة قال: أخبرني أخي عبد الله بن عبيدة، عن عروة بن
الزبير، أن مصعب بن عمير أقبل وعليه نمرة ما تكاد تواريه، والنبي # جالس
ومعه نفر من أصحابه، فلما رأوه نکسوا ليس عندهم ما يعطونه يتوارى به، قال:
فأثنى عليه النبي# خيرا. قال: فسلم، فقال رسول الله #: ((لقد رأيته عند أبويه
وما فتى من فتيان قريش عند أبويه مثله يكرمانه وينعمانه، فخرج من ذلك ابتغاء
مرضاة الله ونصرة رسوله ))(٣).
٢٠٦٩ - (٨٠) حدثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي قال: حدثنا أيوب بن سويد
قال: حدثنا أبو الهيثم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي قال: كنت مع أبي في
سفر. قال: فركبنا مفازة فلما كنا في وسط منها إذا رجل قائم يصلي، فتلومه أبي أن
ينصرف إليه فما فعل، فقال له: يا هذا، قد نراك في هذا المكان ولا نرى معك طعاماً
ولا شرابا، وقد أردنا أن نخلف لك طعاماً وشراباً. قال: فأومأ إلينا أن لا. قال: فوالله
ما برحناحتى نشأت سحابة فأمطرت حتى أسقى ما حوله. قال: فانطلقنا فلما انتهينا
إلى أول العمران فذكره أبي لهم فعرفوه. وقال: ذاك لا يكون في أرض إلا سقوا.
(١) الزيادة من ح.
(٢) رواه البزار (١٧٠٦). وانظر الإصابة (٤/ ١٦٢).
(٣) رواه البيهقي في الشعب (٢٨٦/٧)، والحاكم (٧٢٨/٣).

٦٢٧
الأولیاء.
٢٠٧٠- (٨١) [حدثنا الحسن بن عبد العزيز قال: حدثنا أیوب بن سويد قال:
حدثنا](١) أبو الهيثم، عن عبد الله بن غالب أنه حدثه قال: خرجت إلى الجزيرة،
فركبنا السفينة فأرفت بنا إلى جانب قرية عادية في سفح جبل خراب ليس فيها
أحد. قال: فخرجت فطوفت في ذلك الخراب أتأمل آثارهم وما كانوا فيه. قال: إذ
دخلت بيتا يشبه أن يكون مأهولاً.
قال: قلت: إن لهذا شأنا. قال: فرجعت إلى أصحابي فقلت: إن لي إليكم حاجة،
فقالوا: ما هي؟ قلت: تقیمون علي ليلة. قالوا: نعم. قال: فدخلت ذلك البيت
فقلت: إن يكن له أهل فسيؤوب إليه إذا جن عليه الليل، فلما أظلم الليل سمعت
صوتا قد انحط من رأس الجبل يسبح الله عز وجل ويكبره ويحمده فلم يزل
الصوت یدنوا بذلك حتى دخل البيت.
قال: ولم أر في ذلك البيت شيئا إلا جرة ليس فيها شيء، ووعاء ليس فيه طعام،
فصلى ما شاء الله أن يصلي، ثم انصرف إلى ذلك الوعاء فأكل منه طعاما ثم حمد الله،
ثم أتى تلك الجرة فشرب منها شرابا (٢)، ثم قام فصلى حتى أصبح، فلما أصبح أقام
الصلاة فصليت خلفه، فقال: يرحمك الله دخلت بيتي بغير إذني. قال: قلت: يرحمك
الله لم أرد إلا الخير. قلت: رأيتك أتيت هذا الوعاء فأكلت منه طعاماً، وقد نظرت
إليه قبل ذلك فلم أر فيه شيئا. قال: أجل ما من طعام أريد من طعام الناس إلا
أكلته من هذا الوعاء، ولا شراباً أريده من شراب الناس إلا شربته من هذه الجرة.
قال: قلت: وإن أردت السمك الطري؟ قال: وإن أردت السمك الطري. قال:
(١) الزيادة من ح. وفي الأصل: وبإسناده عن أبي الهيثم.
(٢) كلمة: شرابا. سقطت من ح.

٦٢٨
موسوعة ابن أبي الدنيا
فقلت: يرحمك الله إن هذه الأمة لم تؤمر بالذي صنعت، أمرت بالجماعة والمساجد
لتفضيل الصلوات في الجماعة، وعيادة المرضى(١) واتباع الجنائز. قال: هاهنا قرية
فيها كل ما ذكرت، وأنا صائر إليها. قال: فكاتبني حينا ثم انقطع كتابه، فظننت أنه
مات. قال: وكان عبد الله بن غالب لما مات وجد من قبره ريح المسك.
٢٠٧١ - (٨٢) حدثني إسماعيل بن عبد الله العجلي، حدثنا سليمان بن حرب
قال: حدثنا السري بن يحيى البار الصادق المأمون قال: حدثنا عبد الله بن عبيد بن
عمير قال: خرجت مع أبي فكنا في أرض فلاة، فرفع لنا سواد فظنناه شجرة، فلما
دنونا إذا رجل قائم يصلي، فانتظرناه لينصرف فيرشدنا إلى القرية التي نريد، فلما لم
ينصرف قال له أبي: إنا نريد قرية كذا وكذا فأومأ لنا قبلها بيدك ففعل، وإذا حوض
محوض يابس ليس فيه ماء وإذا قربة يابسة، فقال له أبي: إنا نراك في أرض فلاة
وليس عندك ماء، فتجعل في قربتك من هذا الماء الذي عندنا، فأومأ أن لا، فلم
نبرح حتى جاءت سحابة فمطرت فامتلأ حوضه ذلك، فلما دخلنا القرية ذكرنا لهم
فقالوا: نعم، ذاك فلان لا يكون في مكان إلا سقي. قال: فقال أبي: كم الله من عبد
صالح لا نعرفه.
٢٠٧٢ - (٨٣) حدثنا أحمد بن عمران الأخنس قال: سمعت أبا معاوية قال:
حدثنا الأعمش، عن شقيق قال: خرجنا في غزاة لنا في ليلة مخيفة في يوم مخيف، فإذا
رجل نائم فأيقظناه وقلنا: تنام في مثل هذا المكان؟! فرفع رأسه فقال: إني أستحي
من رب العرش أن يعلم أني أخاف شيئا دونه، ثم ضرب برأسه فنام.
٢٠٧٣ - (٨٤) حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: حدثنا سفيان، عن محمد بن
(١) في ح: المريض.

٦٢٩
الأولياء.
سوقة قال: حاصر المسلمون حصنا من الحصون فبينما هم كذلك إذ أبصروا رجلاً،
فقال بعضهم لبعض: أي فلان كأن هذه صفة رسول الله *. قال سفيان: كان
أشعث ذا طمرين. فقالوا لبعضهم: كلمه يسأل الله أن يفتحها، فسأل الله ففتحها.
٢٠٧٤- (٨٥) حدثنا أبو بكر بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن حمید، حدثنا
مهران، عن سفيان قال: قرأ واصل: ﴿ وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذريات: ٢٢]
فقال: لا أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض، فدخل خربة يتعبد فيها فكانت
تنزل علیه کل یوم دوخلة، فلما توفي دخل أخوه فكان مكانه.
٢٠٧٥ - (٨٦) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني عياش بن عصیم قال:
حدثني سعيد بن صدقة أبو مهلهل - وكان يقال إنه من الأبدال - قال: جاء
إبراهيم بن أدهم إلى قوم قد ركبوا سفينة في البحر، فقال له صاحب السفينة: هات
دينارين. قال: ليس معي ولكن أعطيك من يدي. قال: فعجب منه وقال: إنما نحن
في بحر فكيف تعطيني؟! قال: ثم أدخله فساروا حتى انتهوا إلى جزيرة في البحر
فقال صاحب السفينة: والله لأنظرن من أين يعطيني؟ هل خبأ هاهنا شيئاً؟ قال:
فقال له: يا صاحب الدينارين، أعطني حقي. قال: نعم، فخرج إبراهيم، فمضى-
واتبعه الرجل وهو لا يدري فانتھی إلى الجزيرة فرکع، فلما أراد أن ينصرف قال: يا
رب، إن هذا قد طلب مني حقه الذي له علي فأعطه عني. قال: وهو ساجد. قال:
فرفع رأسه فإذا ما حوله دنانير. قال: وإذا الرجل. فقال: جئت، خذ حقك ولا
تزدد ولا تذكر ذلك. قال: ومضوا فأصابتهم عجاجة وظلمة وأحسوا بالموت،
فقال الملاح: أين صاحب الدينارين؟ أخرجوه. قال: فجاؤوا إليه فقالوا: ما ترى ما

٦٣٠
·موسوعة ابن أبي الدنيا
-
نحن فيه؟ ادع الله معنا. قال: فرفع يديه وأرخى عينيه وقال: يا رب، يا رب، قد
أريت قدرتك، فأرنا(١) برد عفوك ورحمتك. قال: فسكنت العجاجة وساروا.
٢٠٧٦ - (٨٧) وحدثني محمد بن الحسين قال: أخبرني موسى بن عيسى قال:
حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن إبراهيم بن أدهم قال: ما أرى هذا الأمر يكون إلا في
رجل لا يعلم الناس ذاك منه، ولا يعلم هو ذاك من نفسه.
٢٠٧٧ - (٨٨) قال أبو بكر: قرأت في كتاب لمحمد بن الحسین بخطه، حدثني
حكيم بن جعفر قال: حدثني مسمع بن عاصم قال: اختلف العابدون عندنا في
الولاية، فقال بعضهم: إذا استحقها عبد لم يهم بشيء إلا ناله في دین کان أو دنیا،
وقال آخر: الولي لا يعصي غير أنه لا يدرك الشيء الذي يريده من الدنيا يهمه ولا
يدركه إلا بطلبه كأنهم يقولون يدعو فيجاب، وقال آخرون: المستحق للولاية لا
يعرف لانتقاص حظه(٢) من الآخرة، فتكلموا في ذلك بكلام كثير، فأجمعوا على أن
يأتوا امرأة من بني عدي يقال لها: أمة الجليل بنت عمرو العدوية، وكانت منقطعة
جدا من طول الاجتهاد، فأتوها. قال مسمع: وأنا يومئذ مع أصحابنا، فاستأذنوا
عليها فأذنت لهم، فعرضوا [عليها](٣) اختلافهم وما قالوا، فقالت: ساعات الولي
ساعات شغل عن الدنيا، ليس للولي المستحق في الدنيا من حاجة، ثم أقبلت على
كلاب فقالت: بنفسي أنت يا كلاب، من حدثك أو أخبرك أن وليه له هم غيره فلا
تصدقه. قال مسمع: فما كنت أسمع إلا الصارخ من نواحي البيت.
(١) في ح: فأذقنا.
(٢) في ح: حقه.
(٣) الزيادة من ح.

٦٣١
الأولیاء.
٢٠٧٨ - (٨٩) حدثني أبو حاتم الرازي قال: حدثني أحمد بن عبد الله بن
عياض القرشي قال: حدثنا عبد الرحمن بن كامل القرقساني قال: أخبرنا علوان بن
داود، عن علي بن زيد قال: قال طاوس: بينا أنا بمكة بعث إليّ الحجاج فأجلسني
إلى جنبه وأتكأني على وسادة إذ سمع ملبيا يلبي حول البيت رافعا صوته بالتلبية،
فقال: علي بالرجل، فأتي به فقال: ممن الرجل؟ قال: من المسلمين. فقال: ليس عن
الإسلام سألت. قال: فعما سألت؟ قال: سألتك عن البلد. قال: من أهل اليمن.
قال: كيف تركت محمد بن يوسف؟ يريد أخاه. قال: تركته عظيماً جسيماً، لباساً
ركاباً، خراجاً ولاجاً. قال: ليس عن هذا سألتك. قال: فعما [سألت](١)؟
قال: سألتك عن سيرته. قال: تركته ظلوما غشوما، مطيعا للمخلوق عاصياً
للخالق. فقال له الحجاج: ما حملك على أن تتكلم بهذا الكلام، وأنت تعلم مكانه
مني؟ قال الرجل: أتراه بمكانة منك أعز مني بمكاني من الله؟! وأنا وافد بيته،
ومصدق نبيه عليه السلام، وقاضي دينه، فسكت الحجاج فما أحار إليه جواباً، وقام
الرجل من غير أن يؤذن له فانصرف. قال طاوس: فقمت في أثره وقلت: الرجل
حكيم، فأتى البيت فتعلق بأستاره فقال: اللهم بك أعوذ وبك ألوذ، اللهم اجعل لي
في اللهف إلى جودك والرضى بضمانك مندوحة عن منع الباخلين وغنى عما في
أيدي المستأثرين، اللهم فرجك القريب ومعروفك القديم وعادتك الحسنة، ثم
ذهب في الناس فرأيته عشية عرفة وهو يقول: اللهم إن كنت لم تقبل حجتي وتعبي
ونصبي فلا تحرمني الأجر على مصيبتي بترك (٢) القبول مني، ثم ذهب في الناس
(١) الزيادة من ح.
(٢) في ح: بتركك.

٦٣٢
موسوعة ابن أبي الدنيا
فرأيته غداة جمع يقول: واسوأتاه منك والله وإن عفوت(١) يردد ذلك.
٢٠٧٩ - (٩٠) حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري قال:
حدثنا أبو عبد الرحمن الأزدي قال: كنت أدور على حائط ببيروت، فمررت برجل
مدلی الرجلین(٢) في البحر وهو یکبر، فاتكأت على شرافة إلى جنبه، فقلت: يا شاب
مالك جالس وحدك؟ قال: يا فتى لا تقل إلا حقاً، ما كنت قط وحدي منذ
ولدتني أمي؛ إن معي ربي حيث ما کنت، ومعي ملکان يحفظان علي، وشيطان ما
يفارقني، فإذا عرضت لي حاجة إلى ربي سألته إياها بقلبي ولم أسأله بلساني فجاءني
بها.
٢٠٨٠ - (٩١) حدثنا أبو حاتم، حدثنا أبو غسان، عن شيخ له قال: مر مطرف
ابن واصل بصبيان يلعبون بالجوز فوطئ على جوز بعضهم فكسره، فقال: يا شيخ
النار، فقعد يبكي ويقول: ما عرفني غيرك.
٢٠٨١ - (٩٢) حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن سهل الأردني قال:
سمعت شيخا من العباد في مسجد بيت المقدس بين المغرب والعشاء يبكي ويدعو
ويقول آفي دعائه](١): إليك لجأ المحبون لك في وسائلهم إليك، اتكالاً على كرمك
في قبولها. قال: ثم صرخ فخفي علي ما كان بعد ذلك.
٢٠٨٢-(٩٣) حدثنا محمد بن الحسین قال: حدثنا عثمان بن عثمان وغيره، عن
مضر أبي سعيد، عن عبد الواحد بن زيد قال: لم أر مثل قوم رأيتهم، هجمنا مرة على
(١) في ح: غفرت.
(٢) كلمة: الرجلين. سقطت من ح.
(٣) الزيادة من ح.

٦٣٣
الأولیاء.
نفر من العباد في بعض سواحل البحر فتفرقوا حين رأونا، فبتنا تلك الليلة وأرفينا
في تلك الجزيرة، فما كنا نسمع عامة الليل إلا الصراخ والتعوذ من النار، فلما
أصبحنا طلبناهم وتتبعنا آثارهم فلم نر منهم أحداً.
٢٠٨٣ - (٩٤) حدثني محمد بن الحسين، حدثنا عبد العزيز أبو خالد الأموي،
حدثنا مسلمة العابد، عن عبد الحميد بن جعفر، أن الحسن كان يقول: إن لله عباداً
كمن رأى أهل الجنة في الجنة وهم مخلدون، وكمن رأى أهل النار في النار معذبون،
قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وحوائجهم عند الله مقضية، وأنفسهم عن
الدنيا عفيفة، صبروا أياماً قصاراً لعقبى راحة طويلة، أما الليل فصافة أقدامهم
تسيل دموعهم على خدودهم يجأرون إلى ربهم ربنا ربنا، وأما النهار فحكماء علماء
بررة أتقياء كأنهم القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض،
ويقول: قد خولطوا وقد خالط القوم أمر عظيم.
٢٠٨٤ - (٩٥) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أبو الوليد خلف قال:
سمعت رجلا بعسقلان في ليلة سبع وعشرين من رمضان في السحر ساجداً على
ساحل البحر وهو يبكي ويقول في سجوده: القفار دمانا، وباعد البواكي عنا.
٢٠٨٥ - (٩٦) حدثني عون بن إبراهيم الشامي قال: أخبرنا أحمد بن أبي
الحواري قال: حدثنا أبو المخارق قال: قال النبي ◌َ﴾: ((مررت ليلة أسري بي برجل
مغيب في نور العرش، فقلت: من هذا؟ ملك؟ قيل: لا. قلت: نبي؟ قيل: لا. قلت:
من هو؟ قال: هذا رجل كان في الدنيا لسانه رطباً من ذكر الله، وقلبه معلقاً
بالمساجد، ولم يستسب لوالديه قط))(١).
(١) قال المنذري في الترغيب والترهيب (٢٥٣/٢): "رواه ابن أبي الدنيا هكذا مرسلا".

٦٣٤
موسوعة ابن أبي الدنيا
٢٠٨٦ - (٩٧) حدثني عون بن إبراهيم قال: حدثني أحمد بن أبي الحواري
قال: حدثنا عبد الله بن السري قال: كان شاب بالبصرة متعبداً وكانت له عمة
تبعث إليه بطعامه، فلم تبعث إليه ثلاثة أيام بشيء، فقال: يا رب أرفعت رزقي؟
فطرح إليه من زاوية المسجد مزود فيه سويق وقيل له: هاك يا قليل الصبر. فقال:
وعزتك إذ بکتني لا ذقته.
٢٠٨٧ - (٩٨) حدثني عون بن إبراهيم قال: حدثني أبو نعيم عبيد الله بن
هشام الحلبي قال: قال بكر بن خنيس: مررت بمجذوم وهو يقول: وعزتك
وجلالك لو قطعتني بالبلاء قطعاً ما ازددت لك إلا حباً(١).
٢٠٨٨ - (٩٩) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا راشد أبو سعيد قال:
حدثنا عاصم الخلقاني قال: قال الربيع بن عبد الرحمن: إن لله عباداً أخمصوا له
البطون عن مطاعم الحرام، وعصوا له الجفون عن مناظر الأنام، وأهملوا له العيون
لما اختلط عليهم الظلام، رجاء أن ينير لهم ذلك ظلمة قبورهم إذا ضمتهم الأرض
بين أطباقها، فهم في الدنيا مكتئبون، وإلى الآخرة متطلعون، نفذت أبصار قلوبهم
بالغيب إلى الملكوت فرأت فيه ما رجت من عظيم ثواب الله، فازدادوا بذلك جداً
واجتهاداً عند معاينة أبصار قلوبهم ما انطوت عليه آمالهم، فهم الذين لا راحة لهم
في الدنيا، وهم الذين تقر أعينهم غداً بطلعة ملك الموت عليهم. قال: ثم يبكي
حتى يبل لحيته بالدموع.(٢)
٢٠٨٩ - (١٠٠) حدثني عون بن إبراهيم قال: حدثني أحمد بن أبي الحواري
(١) هذا الخبر سقط من ح.
(٢) هذا الخبر سقط من ح.

٦٣٥
الأولياء
قال: حدثني جعفر بن محمد، عن أحمد الميموني من ولد میمون بن مهران قال: قدم
علينا أحمد الموصلي فأتيته فقال لي: يا أحمد، إن تعمل فقد عمل العاملون قبلك، وإن
تعبد فقد تعبد المتعبدون قبلك، أولئك الذين قربوا الآخرة وباعدوا الدنيا، أولئك
الذين ولي الله إقامتهم على الطريق فلم يأخذوا يميناً ولا شمالاً، فلو سمعت نغمة
من نغماتهم المختمرة في صدورهم المتغرغرة في حلوقهم لغثثت(١) عيشك،
ولطردت عنك البطلان أيام حياتك.
٢٠٩٠ - (١٠١) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن سهل الأردني
قال: حدثنا عباد أبو عتبة الخواص قال: حدثني رجل من الزهاد ممن كان يسبح في
الجبال. قال: لم يكن همه في شيء من الدنيا ولا لذة إلا في لقيهم يعني الأبدال
والزهاد. قال: فأتى ذات يوم على ساحل من سواحل البحر ليس يسكنه الناس ولا
ترفأ إليه السفن، إذا أنا برجل قد خرج من بعض تلك الجبال، فلما رآني هرب
وجعل يسعى واتبعته أسعى خلفه، فسقط على وجهه وأدركته فقلت: ممن تهرب؟
رحمك الله، فلم يكلمني فقلت: إني أريد الخير فعلمني. قال: عليك بلزوم الحق
حيث كنت، فوالله ما أنا بحامد لنفسي فأدعوك إلى مثل عملها، ثم صاح صيحة
فسقط ميتا، فمكثت لا أدري كيف أصنع به. قال: وهجم الليل علينا، فتنحيت
فنمت ناحية عنه فأريت في منامي أربعة نفر هبطوا عليه من السماء على خيل لهم،
فحفروا له ثم کفنوه وصلوا عليه ثم دفنوه. فاستيقظت فزعا للذي رأيت، فذهب
عني النوم بقية الليل، فلما أصبحت انطلقت إلى موضعه فلم أره فيه، فلم أزل
أطلب أثره وانظر حتى رأيت قبرا جديدا، فظننت أنه القبر الذي رأيت في منامي.
(١) في ح: نغصت عليك عيشك.

٦٣٦
·موسوعة ابن أبي الدنيا
٢٠٩١ - (١٠٢) حدثنا محمد بن الحسين قال: حدثني عمار بن عثمان الحلبي
قال: حدثني حصين بن القاسم الوزان قال: سمعت عبد الواحد بن زيد يقول:
خرجت إلى الشام في طلب العباد، فجعلت أجد الرجل بعد الرجل شديد الاجتهاد
حتى قال لي رجل: قد كان هاهنا رجل من النحو الذي تريد، ولكنا فقدنا من عقله
فلا ندري يريد أن يحتجز من الناس بذلك؟ أو هو شيء أصابه؟ قلت: وما أنكرتم
منه؟ قال: إذا كلمه أحد قال: الوليد وعاتكة لا يزيده عليه. قال: قلت: فكيف لي
به؟ قال: هذه مدرجته. قال: فانتظرته فإذا برجل واله، كريه المنظر كريه الوجه،
وافر الشعر متغير اللون، وإذا الصبيان حوله وخلفه، وهو ساكت يمشي وهم
خلفه سكوت يمشون، علیه أطمار له دنسة.
قال: فتقدمت إليه فسلمت عليه فالتفت إلى فرد علي السلام، فقلت: رحمك الله
إني أريد أن أكلمك، فقال: الوليد وعاتكة. فقلت: قد أخبرت بقصتك فقال: الوليد
وعاتكة، ثم مضى حتى دخل المسجد ورجع الصبیان الذین کانوا يتبعونه، فاعتزل
إلى سارية فركع فأطال الركوع ثم سجد فأطال السجود، فدنوت منه فقلت: رجل
غريب يريد أن يكلمك ويسألك عن شيء، فإن شئت فأطل وإن شئت فأقصر
فلست ببارح أو تكلمني. قال: وهو في سجوده يدعو ويتضرع. قال: ففهمت عنه
وهو ساجد وهو يقول: سترك سترك. قال: فأطال السجود حتى سئمت. قال:
فدنوت منه فلم أسمع له نفساً ولا حركة. قال: فحركته فإذا هو ميت كأنه قد مات
منذ دهر طويل. فخرجت إلى صاحبي الذي دلني عليه فقلت: تعال فانظر إلى الذي
زعمت أنك أنكرت من عقله. قال: وقصصت عليه من قصته. قال: فهيأناه و دفناه.

٦٣٧
الأولياء
٢٠٩٢ - (١٠٣) حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا هشام بن عبيد الله
الرازي قال: حدثنا يحيى بن العلاء، عن زيد بن أسلم قال: كان في بني إسرائيل
رجل قد اعتزل الناس في كهف جبل، فكان أهل زمانه إذا قحطوا استغاثوا به فدعا
الله فسقاهم. قال: فأتوه في بعض أمرهم فإذا هو جالس وبيده عود یقلب به جماجم
الموتى وعظامهم، فجلسوا ينتظرونه وكرهوا أن يعجلوه عما هو فيه، ثم خلوا به
فبينا هو كذلك إذ صرخ صرخة وسقط فذهبوا ينظرون فإذا هو ميت. قال: فأكبروا
ذلك وحشد عليه بنو إسرائيل، وأخذوا في جهازه، فبينا هم كذلك إذ هو بسرير
يرفرف في عنان السماء حتى انتهى إليه، فقام رجل من بني إسرائيل فقال: الحمد لله
الذي خصه به بما رأيتم، فأخذه فوضعه على السرير فارتفع السرير والناس ينظرون
إليه في الهواء حتى غاب عنهم، فقال بعض أحبارهم: سبحانك ما أكرم المؤمن
عليك.
٢٠٩٣ - (١٠٤) حدثني محمد بن يحيى بن أبي حاتم الأزدي قال: حدثني
جعفر بن أبي جعفر الرازي، عن أبي جعفر السائح قال: أخبرنا ابن وهب وغيره
يزيد بعضهم على بعض في الحديث، أن عامر بن عبد قيس كان من أفضل
العابدين، ففرض على نفسه كل يوم ألف ركعة يقوم عند طلوع الشمس فلا يزال
قائما إلى العصر، ثم ينصرف وقد انتفخت ساقاه وقدماه، فيقول: يا نفس إنما خلقت
للعبادة، يا أمارة بالسوء، فوالله لأعلمن بك عملاً لا يأخذ الفراش منك نصيباً.
قال: وهبط واديا يقال له وادي السباع، وفي الوادي عابد حبشي يقال له حممة،
فانفرد عامر في ناحية وحممة في ناحية يصليان، لا هذا ينصرف إلى هذا، ولا هذا إلى
هذا ينصرف أربعين يوما وأربعين ليلة، إذا جاءت الفريضة صليا ثم أقبلا

٦٣٨
·موسوعة ابن أبي الدنيا
يتطوعان، ثم انصرف عامر بعد أربعين يوماً فجاء إلى حممة فقال: من أنت يرحمك
الله؟ قال: دعني وهمي. قال: أقسمت عليك. قال: أنا حممة. قال عامر: لئن كنت
أنت حممة الذي ذكر لي لأنت أعبد من في الأرض، فأخبرني عن أفضل خصلة.
قال: إني لمقصر-، ولولا مواقيت الصلاة تقطع علي القيام والسجود
لأحببت أن أجعل عمري راكعا ووجهي مفرشا حتى ألقاه، ولكن
الفرائض لا تدعني أفعل ذلك. فمن أنت يرحمك الله؟ قال: أنا عامر بن
عبد قيس. قال: إن كنت عامر بن عبد قيس الذي ذكر لي فأنت أعبد
الناس، فأخبرني بأفضل خصلة. قال: إني لمقصر- ولكن واحدة عظمت هيبة
الله في صدري حتى ما أهاب شيئا غيره، فاكتنفته السباع فأتاه سبع منها
فوثب عليه من خلفه، فوضع يديه على منكبيه وعامر يتلو هذه الآية:
﴿ ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوْعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُورٌ﴾ [هود: ١٠٣] فلما رأى
السبع أنه لا يكترث له ذهب، فقال حممة: بالله يا عامر أما هالك ما رأيت؟
قال: إني لأستحي من الله أن أهاب شيئا غيره. قال حممة: لولا أن الله عز
وجل ابتلانا بالبطن فإذا أكلنا لا بد لنا من الحدث ما رآني ربي عز وجل إلا
راكعاً وساجداً، وكان يصلي في اليوم والليلة ثمانمائة ركعة، وكان يقول: إني
لمقصر في العبادة و کان یعاتب نفسه.
٢٠٩٤- (١٠٥) حدثني محمد بن یحیی بن أبي حاتم قال: حدثني جعفر بن أبي
جعفر الرازي، عن أحمد بن أبي الحواري، عن أبي سليمان الديراني قال: قيل لعامر
بن عبد قيس: النار قد وقعت قريبا من دارك قال دعوها فإنها مأمورة وأقبل على
صلاته فلما بلغت داره عدلت عنها.

٦٣٩
الأولياء.
٢٠٩٥ - (١٠٦) حدثني علي بن أبي مريم، عن محمد بن الحسين قال: حدثني
حكيم بن جعفر السعدي قال: حدثني أبو يوسف عبد الله بن أبي نوح وكان من
العابدين قال: صحبت شيخاً في بعض طريق مكة فأعجبتني هيئته، فقلت: إني
أحب أن أصحبك. قال: أنت وما أحببت. قال: فكان يمشي بالنهار، فإذا أمسى
أقام في منزل كان أم غيره. قال: فيقوم الليل يصلي، وكان يصوم في شدة الحر، فإذا
أمسى عمد إلى جريب معه فأخرج منه شيئا فألقاه في فیه مرتين أو ثلاثا، وکان
يدعوني فيقول: هلم فأصب من هذا. فأقول في نفسي: والله ما هذا بمجزيك أنت،
فكيف أشركك فيه؟ قال: فلم يزل على ذلك ودخلت له في قلبي مهابة عندما رأيت
من اجتهاده وصبره.
قال: فبينا نحن في بعض المنازل إذا نظر إلى رجل يسوق حمارا فقال لي: انطلق
فاشتر ذلك الحمار. قال: فمنعني والله هيبته في صدري أن أراده. قال: فانطلقت إلى
صاحب الحمار وأنا أقول في نفسي: والله ما معي ثمنه، ولا أعلم معه ثمنه، فکیف
أشتريه؟ قال: فأتيت صاحب الحمار فساومته فأبى أن ينقصه من ثلاثين ديناراً.
قال: فجئت إلیه فقلت: قد أبی أن ینقصه من ثلاثین دینارا. قال: خذه واستخر
الله. قلت: الثمن. قال: سم الله ثم أدخل يدك في الجراب فخذ الثمن فأعطه. قال:
فأخذت الجراب، ثم قلت: بسم الله وأدخلت يدي فيه فإذا صرة فيها ثلاثون ديناراً
لا تزيد ولا تنقص. قال: فدفعتها إلى الرجل وأخذت الحمار وجئت به. قال: فقال
لي: اركب. فقلت له: أنت أضعف مني فاركب أنت.
قال: فلم يرادني الكلام وركب، فكنت أمشي مع حماره فحيث أدركه الليل أقام
فإنما هو راكع وساجد حتى أتينا عسفان، فلقيه شيخ فسلم عليه ثم خليا فجعلا

٦٤٠
موسوعة ابن أبي الدنيا
يبكيان، فلما أرادا أن يفترقا قال صاحبي للشيخ: أوصني. قال: نعم، ألزم التقوى
قلبك، وانصب ذكر المعاد أمامك. قال: زدني. قال: نعم، استقبل الآخرة بالحسن
من عملك، وباشر عوارض الدنيا بالزهد من قلبك، واعلم أن الأكياس هم الذين
عرفوا عيب الدنيا حين عمي على أهلها، والسلام عليك ورحمة الله. قال: ثم افترقا.
فقلت لصاحبي: من هذا الشیخ رحمك الله، فما رأيت أحسن كلاما منه؟ قال:
عبد من عبيد الله. قال: فخرجنا من عسفان حتى أتينا مكة، فلما انتهيت إلى الأبطح
نزل عن حماره وقال لي: اثبت مكانك حتى أنظر إلى بيت الله نظرة ثم أعود إليك إن
شاء الله. قال: فانطلق وعرض لي رجل فقال: تبيع الحمار؟ قلت: نعم. قال: بكم؟
قلت: بثلاثين دينارا. قال: قد أخذته. قال: قلت: يا هذا والله ما هو لي، وإنما هو
لرفيق لي وقد ذهب إلى المسجد ولعله أن يجيء الآن. قال: فإني لأكلمه إذ طلع
الشيخ، فقمت إليه فقلت: إني قد بعت الحمار بثلاثين ديناراً. قال: أما إنك لو
استزدته لزادك إن شاء الله، فأما إذ بعت فأوجب البيع، فأخذت من الرجل ثلاثين
دينارا ودفعت الحمار وجئت بالدنانير، فقلت: ما أصنع بها؟ قال: هي لك فأنفقها.
قلت: لا حاجة لي بها. قال: فألقها في الجراب فألقيتها في الجراب.
قال: وطلبنا منزلاً بالأبطح فنزلناه، فقال: ابغ لي دواة وقرطاسا. قال: فأتيته
بدواة وقرطاس، فکتب کتابین ثم شدهما، فدفع أحدهما إلي فقال: انطلق به إلى عباد
ابن عباد وهو نازل في موضع كذا وكذا فادفعه إليه، وأقرئه مني السلام ومن
حضره من المسلمين، ثم دفع الآخر إلي فقال: ليكن هذا معك فإذا كان يوم النحر
فاقرأه إن شاء الله. قال: فأخذت الكتاب فأتيت به عباد بن عباد، وهو قاعد يحدث
وعنده خلق كثير، فسلمت عليه ثم قلت: رحمك الله کتاب بعض إخوانك إليك.