Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
مقدمة الدراسة
المطلب الثالث: مجال الحقوق المشتركة.
الفصل الخامس: نظريات إصلاحية عند ابن أبي الدنيا: وفيه مبحثان:
المبحث الأول: النظرية الزهدية: وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: مفهوم الزهد.
المطلب الثاني: الزهد والحياة الاقتصادية.
المطلب الثالث: الزهد والتربية.
المطلب الرابع: الزهد والمجتمع.
المبحث الثاني: نظرية العقوبات الإلهية: وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: مفهوم العقوبات الإلهية.
المطلب الثاني: العقوبات الإلهية والفساد الاقتصادي.
المطلب الثالث: العقوبات الإلهية والفساد التربوي.
المطلب الرابع: العقوبات الإلهية والفساد الأخلاقي.
الخاتمة: وتتضمن أهم النتائج والتوصيات.
الفهارس:
فهرس الآيات.
فهرس الأحاديث المرفوعة.

٢٢
· ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
فهرس الأخبار الموقوفة.
فهرس الأشعار.
فهرس الأعلام.
ثبت المصادر والمراجع.
الفهرس العام.
وفي الختام فهذا جهد المقل، فما كان من صواب فبتوفيق الله عز جل ومنِّه
وكرمه، وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان، وأسأل الله العلي القدير أن يتجاوز
عني ويغفر لي، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.
الباحث
فاضل بن خلف الحمادة الرقي
الرقة: ٢١ جمادى الثانية ١٤٢٩ هـ
٢٠٠٨/٦/٢٥ م
البريد الالكتروني: alraqi974@gmail.com

الباب الأول
الفصل الأول
عصر ابن أبي الدنيا وحياته: وفيه مبحثان:
المبحث الأول: عصر ابن أبي الدنيا.
المبحث الثاني: حياة ابن أبي الدنيا.

المبحث الأول
عصر ابن أبي الدنيا: وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الحياة السياسية في عصره.
المطلب الثاني: الحياة الاجتماعية في عصره.
المطلب الثالث: الحياة العلمية في عصره.

٢٧
عصر ابن أبي الدنيا
المطلب الأول
الحياة السياسية في عصر ابن أبي الدنيا
ولد ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى في بداية القرن الثالث الهجري، وعاصر
عدداً من خلفاء بني العباس، مؤدباً اثنين منهم؛ المعتضد بالله (ت٢٨٩ هـ)،
والمكتفي بالله (ت٢٩٥ هـ)، إذ توفي رحمه الله تعالى في خلافة الأول منهما.
٠
والخلفاء الذين عاصرهم هم على التوالي مع بيان فترة حكم كلٌّ منهم:
١ - المأمون(١) (١٩٨-٢١٨ هـ).
٢- والمعتصم بالله(٢) (٢١٨ - ٢٢٧ هـ).
٣- والواثق بالله(٣) (٢٢٧ - ٢٣٢هـ).
(١) المأمون: هو الخليفة أبو العباس عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور.
قال ابن أبي الدنيا: وكان المأمون أبيض ربعة حسن الوجه، قد وحظه الشيب، تعلوه صفرة، أعين،
طويل اللحية رقيقها، ضيق الجبين على خده خال، يكنى أبا العباس، أمه أم ولد يقال لها مراجل.
وهذه الرواية تدل أن الإمام ابن أبي الدنيا كان يعقل - آنذاك - على صغر سنه إذ لم يتجاوز العاشرة
من عمره حين توفي المأمون؛ ومع ذلك فقد وصفه وصفاً دقيقاً، وهذا مع قيام الاحتمال أن ابن أبي
الدنيا نقل الوصف عن غيره. ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٢٧٢/١٠-٢٨٩، والبداية والنهاية
١٠/ ٢٧٤ - ٢٨٠، وتاريخ الخلفاء ص ٣٦٢ - ٣٧٠.
(٢) المعتصم: هو الخليفة أبو إسحاق محمد بن الرشيد هارون بن محمد المهدي بن المنصور العباسي.
ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٢٩٠/١٠- ٣٠٦، والبداية والنهاية ٢٩٥/١٠-٢٩٧، وتاريخ
الخلفاء ص٣٩٢-٣٩٩.
(٣) الواثق بالله: هو الخليفة أبو جعفر وأبو القاسم هارون بن المعتصم بالله أبي إسحاق محمد بن هارون
الرشيد بن المهدي محمد بن المنصور العباسي البغدادي. ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٣٠٦/١٠-
٣١٤، والبداية والنهاية ١٠/ ٣٠٨ - ٣١٠، وتاريخ الخلفاء ص ٤٠٠ - ٤٠٦.

٢٨
- ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
٤ - والمتوكل على الله (١) (٢٣٢-٢٤٧ هـ).
٥- والمنتصر بالله(٢) (٢٤٧-٢٤٨هـ).
٦ - والمستعين بالله
(٢٤٨ - ٢٥٢هـ).
(٣)
٧ - والمعتز بالله(٤) (٢٥٢ - ٥٥)
٨- والمهتدي بالله(٥) (٢٥٥ - ٢٥٦ هـ).
(١) المتوكل على الله: هو الخليفة أبو الفضل جعفر بن المعتصم بالله محمد بن الرشيد هارون بن المهدي
ابن المنصور القرشي العباسي البغدادي. ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٣٠/١٢ -٤١، والبداية
والنهاية ٣٤٩/١٠ - ٣٥٢، وتاريخ الخلفاء ص ٤٠٧ -٤١٩.
(٢) المنتصر بالله: هو الخليفة أبو جعفر وأبو عبد الله محمد بن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم محمد بن
هارون الرشيد الهاشمي العباسي. ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٤٢، والبداية والنهاية
١٠/ ٣٥٢-٣٥٤، وتاريخ الخلفاء ص ٤٢٠ - ٤٢٢.
(٣) المستعين بالله: هو الخليفة أبو العباس أحمد بن المعتصم بالله محمد بن هارون الرشيد بن المهدي
العباسي أخو الواثق والمتوكل. ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٤٦/١٢، والبداية والنهاية ٢/١١-
١٠، وتاريخ الخلفاء ص٤٢٣ -٤٢٤.
(٤) المعتز بالله: هو الخليفة أبو عبد الله محمد وقيل الزبير بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد
هارون بن المهدي العباسي. ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٣٢ -٥٣٤، والبداية والنهاية
١٠/١١-١٧، وتاريخ الخلفاء ص٤٢٥-٤٢٩.
(٥) المهتدي بالله: هو أمير المؤمنين المهتدي بالله أبو إسحاق وأبو عبد الله محمد ابن الواثق هارون بن
المعتصم محمد بن الرشيد العباسي. ترجمته في: سير أعلام النبلاء ٥٣٥/١٢، والبداية والنهاية
١٧/١١ -٢٣، وتاريخ الخلفاء ص ٤٢٧ -٤٢٩.

٢٥
عصر ابن أبي الدنيا.
٩- والمعتمد على الله (١) (٢٥٦ - ٢٧٩ هـ).
١٠ - والمعتضد بالله(٢) (٢٧٩- ٢٨٩ هـ).
والعصر الذي توالى فيه الخلفاء على هذا المنوال وبهذا العدد خلال هذه الفترة
الوجيزة نسبياً، هو عصر ذو أهمية بالغة من حيث الأحداث السياسية التي وقعت
فيه، لكن لا يستطيع الباحث في هذه العجالة أن يلم بتفاصيل هذا العصر وشؤونه
السياسية، ولكن يمكن القول بأن هذه الفترة من حيث الوضع السياسي تميزت بما
يلي:
أولاً: الفتوحات الإسلامية:
عاشت الدولة العباسية حروباً مختلفة مع الروم، وذلك خلال فترة حكمهم
بِشِقَّيْهِ: عصر القوة وعصر الضعف، ويرى بعض الباحثين أن الفتوح التي باشرها
الخلفاء العباسيون تميّزت بميزتين أساسيتين:
١- تعتبر هذه الفتوح محدودة جداً مقارنة بالعصور السابقة واللاحقة.
٢- أنها حروب وقائية أكثر منها فتوحاً؛ حيث كانت الغاية الأساسية
(١) المعتمد على الله: هو الخليفة أبو العباس وقيل أبو جعفر أحمد بن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم
أبي إسحاق بن الرشيد الهاشمي العباسي. ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٤٠، والبداية
والنهاية ٦٥/١١، وتاريخ الخلفاء ص ٤٣٠ -٤٣٥.
(٢) المعتضد بالله: هو الخليفة أبو العباس أحمد بن الموفق بالله ولي العهد أبي أحمد طلحة بن المتوكل جعفر
بن المعتصم محمد بن الرشيد الهاشمي العباسي. ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٣ / ٤٦٣ - ٤٦٤،
والبداية والنهاية ١١ / ٨٦-٩٤، وتاريخ الخلفاء ص٤٣٦ -٤٤٣.

٣٠
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
هي المحافظة على الدولة الإسلامية (١).
فمنذ عهد المأمون الذي خرج بنفسه لغزو الروم سنة ٢١٥ هـ، حيث فتح
الحصون(٢)، وفي سنة ٢١٨ هـ عزم على غزو القسطنطينية عاصمة الروم إلا أنه توفي
قبل تمام مشروعه(٣)، وانتهاءً بعهد المعتضد الذي فتح مَلُورية في بلاد الروم سنة
٢٨١ هـ(٤)، وما بين هذين العهدين ما زالت المناوشات قائمة بين الدولة الإسلامية
والروم، إلا أن وقعة عمورية(٥) هي الوجه المشرق الذي حفظه التاريخ لنا، مع
العلم أنه حفظ غيرها، إلا أنها مما علق في أذهان الناشئة قبل غيرهم، تلك الوقعة
التي دلت على الحمية الإسلامية بأنصع صورها، وصاحبها وقائدها هو الخليفة
المعتصم، الذي دعي بالمثمن؛ لأنه ثامن بني العباس، وتملك ثماني سنين، وثمانية
أشهر، وله فتوحات ثمانية: بابك وعمورية والزط وبحر البصرة وقلعة الأجراف
وعرب ديار ربيعة والشاري وفتح مصر (٦)، أي قهر أهلها.
ولا يهمنا في هذا المقام تفصيل الغزوات ومجرى الأحداث في كل واحدة
منها، إذ يعد ذلك خروجاً عن صلب البحث، ولکن من خلال ما قدمت باختصار
(١) انظر: الفتوح الإسلامية عبر العصور، ص١٩١.
(٢) انظر: الكامل في التاريخ ٤٩٤/٥، والبداية والنهاية ٢٦٩/١٠.
(٣) انظر: الفتوح الإسلامية عبر العصور، ص ١٩٤.
(٤) انظر: تاريخ الخلفاء، ص٤٣٨.
(٥) انظر تفاصيل فتح عمورية: البداية والنهاية ٢٨٦/١٠-٢٨٨، والفتوح الإسلامية عبر
العصور، ص١٩٤.
(٦) انظر: سير أعلام النبلاء ٣٠٢/١٠.

٣١
عصر ابن أبي الدنيا
شديد يمكن القول إن الفتوحات التي جرت تدل على قوة الدولة وحيويتها؛ حيث
يمكن اعتبار كثرة الفتوحات مؤشراً على قوة الدولة وضعفها.
ثانياً: التناحر بين أفراد الأسرة العباسية الحاكمة:
إن محاولة الاستئثار بالملك والانفراد بالقوة لتجري من بني آدم مجرى الدم،
وبسببه تجري الدماء، وكان لخلفاء الدولة العباسية من هذا النصيب الأوفر، ويدل
على ذلك أمور منها:
- محاولة العباس بن المأمون الخروج على عمه المعتصم وذلك عام غزوة
عمورية (٢٢٣ هـ)، إذ أخذ العباس البيعة من الأمراء في الباطن واستوثق منهم،
إلا أن المعتصم فطن للأمر، فأمر بابن أخيه العباس ومن معه من الأمراء فاحتفظ
عليهم، ثم قتل كل واحد منهم بنوع لم يقتل به الآخر(١).
- قتل المنتصر لأبيه المتوكل بمؤامرة واتفاق مع الأتراك، وذلك حين أراد
المتوكل تقديم المعتز لمحبته لأمه، فسأل المنتصر أن ينزل عن العهد فأبى، فدخل
المنتصر على أبيه مع خمسة وهو في جوف الليل في مجلس لهوه فقتلوه هو ووزيره،
وذلك سنة (٢٤٧ هـ)(٢).
- التناحر والفتنة التي وقعت بين المعتز والمستعين، والتي انتهت بخلع
المستعين، وذلك في سنة (٢٥٢هـ)، ومن ثم حبسه، ثم قتله(٣).
(١) انظر: البداية والنهاية ٢٨٨/١٠-٢٨٩.
(٢) انظر: البداية والنهاية ٣٤٩/١٠، وتاريخ الخلفاء، ص ٤١٢.
(٣) انظر: سير أعلام النبلاء ٤٩/١٢، وتاريخ الخلفاء، ص٤٢٣ - ٤٢٤.

٣٢
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
ثالثاً: دخول العناصر الأعجمية في سلك الدولة، والتحكم في شؤونها:
نتيجة للتناحر السابق، فقد سعى بعض الخلفاء إلى تقوية نفوذه من خلال
استقطاب العناصر الأجنبية؛ كقوة حماية له، إلا أن الأمور لم تسر- كما أرادوا، مما
وصل ببعض تلك العناصر إلى التحكم في الخليفة نفسه.
وكان بداية تلك السلوكية في عهد المعتصم، فهو أول خليفة أدخل الأتراك
الديوان، وكان السبب الرئيسي في زيادة المعتصم للجند الأتراك قضية ابن أخيه
العباس بن المأمون ، فبعث المعتصم إلى سمرقند وفرغانة والنواحي في شرائهم
وبذل فيهم الأموال، وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب، فكانوا يطردون
خيلهم في بغداد، ويؤذون الناس وضاقت بهم البلد، وذلك أن غلمانه الأتراك بلغوا
بضعة عشر ألفاً(١).
وتطور أمرهم وازداد نفوذهم إلى أن وصل إلى التحكم بشؤون الخلافة، فهم
الذين انحرفوا عن المتوكل، فقتلوه بالاتفاق مع المنتصر، كما سبق.
وهم محور الفتنة التي قامت بين المعتز والمستعين، والتي انتهت بخلع
المستعين وقتله(٢).
(١) انظر: تاريخ الخلفاء، ص ٣٩٣ - ٣٩٤.
(٢) انظر: سير أعلام النبلاء ٤٩/١٢، وتاريخ الخلفاء، ص ٤٢٣ - ٤٢٤.

٣٣
عصر ابن أبي الدنيا
وبعد قتل المستعين استضعفوا المعتز، فكان لهم ما أرادوا (١).
ثم إن رؤوس الأتراك أخذوا المعتز فأدخلوه حماماً وأكربوه حتى عطش
ومنعوه الماء حتى كاد ثم سقوه ماء ثلج فسقط ميتاً(٢).
ومن الملاحظ في توالي هذه الأحداث أن خيوط اللعبة كانت بأيد الأتراك.
كل هذا مما أسهم في إضعاف الدولة العباسية وبالتالي إلى سقوطها.
رابعاً: الثورات الداخلية في البلاد:
يُعد الخروج على النظام العام للدولة مؤشراً خطيراً على ضعف الدولة
وقرب زوالها، فضلاً على أن فيه محظوراً شرعياً، ومن المعلوم تأريخياً أنه خلال الفترة
التي عاشها الإمام ابن أبي الدنيا قد تمت عدة ثورات داخلية وخروج على النظام العام
للدولة، وبإحصاء يسير لما جاء في كتاب التاريخ الإسلامي في عصر القوة فقط نتبين
أن عدد هذه الثورات هو (٢٧) خروج وثورة، وفيما يلي تفصيل لها(٣):
العهد
عدد الحركات الخارجة على النظام العام
المأمون (١٩٨-٢١٨ هـ)
١٥ مع بابك الخرمي
المعتصم بالله (٢١٨ - ٢٢٧ هـ)
٥ عدا بابك الخرمي
الواثق بالله (٢٢٧ - ٢٣٢هـ)
٢
المتوكل (٢٣٢-٢٤٧ هـ)
٥
(١) انظر: تاريخ الخلفاء، ص٤٢٣ - ٤٢٤.
(٢) انظر: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٣٣.
(٣) انظر: التاريخ الإسلامي ١٨٥/٥-٢١٩.

٣٤
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
هذا بالنسبة لعصر القوة، فالحال في عصر الضعف أقوى وأشد، خصوصاً
مع سيطرة الترك عسكرياً على مركز الخلافة، ونشوء دويلات ضمن جسد الأمة
الإسلامية.
ومن أكبر تلك الفتن والثورات: فتنة بابك الخُرَّمي، التي دامت ثورتها منذ
عام (٢٠١ هـ) حتى عام (٢٢٣)(١).
وكذلك فتنة الزنج، الذين عاثوا في الأرض فساداً، ومبدؤها في سنة
(٢٥٥ هـ)؛ حيث خرج قائد الزنج بالبصرة وعسكر، والتف عليه عبيد أهل البصرة
من الزنج وغيرهم، وعظم أمره، وفعل بالمسلمين الأفاعيل، وهزم الجيوش،
وامتدت أيامه وتمادى في غيه إلى أن قتل في سنة سبعين ومائتين(٢).
خامساً: تسلط رجال الفرق الضالة على بعض الخلفاء وحملهم على القول
بآرائهم: ومن ذلك ابن أبي دؤاد(٢) الذي حمل المأمون على القول بخلق القرآن(٤)،
(١) انظر: التاريخ الإسلامي، ١٩٠/٥-١٩١، و٢٠٢/٥.
(٢) انظر: تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ١٣/١٩.
(٣) ابن أبي دؤاد: هو أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد بن فرج الإيادي المعتزلي، ولد سنة (١٦٠هـ)، كان
موصوفاً بالجود والسخاء وحسن الخلق ووفور الأدب، غير أنه أعلن بمذهب الجهمية، وحمل السلطان
على امتحان الناس بخلق القرآن، وأن الله لا يرى في الآخرة. ابتلاه الله بفالج قبل موته بأربع سنين حتى
بقي طريحا في فراشه لا يستطيع أن يحرك شيئا من جسده، وحرم لذة الطعام والشراب والنكاح وغير
ذلك. وقد كان هلاكه في سنة (٢٤٠ هـ). ترجمته في: البداية والنهاية ٣١٩/١٠-٣٢٢.
(٤) انظر تفاصيل المحنة في: البداية والنهاية ٢٦٦/١٠ -٣١٥.

٣٥
عصر ابن أبي الدنيا _-
واستمر في غيه إلى عهد المتوكل؛ حيث أظهر المتوكل السنة، وزجر عن القول بخلق
القرآن، وكتب بذلك إلى الأمصار(١).
سادساً: إغارة الأعداء على بلاد المسلمين:
ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
- في سنة (٢١٦ هـ) عدا ملك الروم على جماعة من المسلمين فقتلهم في
أرض طرسوس نحوا من ألف وستمائة إنسان، وكتب إلى المأمون فبدأ بنفسه، فلما
قرأ المأمون كتابه نهض من فوره إلى بلاد الروم(٢).
- وفي سنة (٢٣٨ هـ) جاءت الفرنج في نحو من ثلاثمائة مركب قاصدين
مصر من جهة دمياط، فدخلوها فجأة فقتلوا من أهلها خلقاً وحرقوا المسجد
الجامع والمنبر وأسروا، وأخذوا من الأمتعة والمال والأسلحة شيئاً كثيراً جداً، ولم
يعرض لهم أحد حتى رجعوا بلادهم(٣).
- وفي سنة (٢٤١ هـ) أغارت البُجَّة على جيش من أرض مصر، وقد كانت
البُجة لا يغزون المسلمين قبل ذلك؛ لهدنة كانت لهم من المسلمين، فنقضوا الهدنة
وصرحوا بالخلاف.
والبجة طائفة من سودان بلاد المغرب، وكذا النوبة وشنون وزغرير
(١) انظر: سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٤.
(٢) انظر: البداية والنهاية ١٠/ ٢٧٠.
(٣) انظر: البداية والنهاية ١٠/ ٣١٧، وتاريخ الخلفاء ص٤٠٩.

٣٦
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
ويكسوم، وأمم كثيرة لا يعلمهم الا الله(١).
إلى غير ذلك من الأطماع التي كانت تزخرفها أوضاع الدولة العباسية الآيلة
للسقوط.
وبالجملة: فقد عاصر الإمام ابن أبي الدنيا دولة بني العباس بشقَّيها؛ القوة
والضعف، وتبعاً لصاحب كتاب التاريخ الإسلامي(٢) يكون الإمام عاش فترة
عصر القوة منذ ولادته حتى عام ٢٤٧ هـ، وفترة عصر الضعف منذ عام ٢٤٧ هــ
حتى وفاته.
(١) انظر: البداية والنهاية ١٠/ ٣٢٤.
(٢) انظر: التاريخ الإسلامي ٦/ ٣.

٣٧
عصر ابن أبي الدنيا.
المطلب الثاني
الحياة الاجتماعية في عصر ابن أبي الدنيا
مما لاشك فيه أن عجلة الحياة كلَّ متكامل، وعليه فلا بد للحياة الاجتماعية
في عصر- من العصور أن تتأثر تأثراً كبيراً بالحياة السياسية السائدة آنذاك،
فالاستقرار السياسي من أهم أسباب التقدم الاجتماعي المتوازن، ومن المحال أن
تعيش أمة في صراعات داخلية وخارجية ويحيا أبناؤها حياة اجتماعية هادئة
مستقرة.
هذا من حيث الوضع العام والإجمال في الحال، أمّا من حيث التفصيل،
فیمکن بحث هذا الجانب من خلال ما يلي:
أولاً: طبقات المجتمع:
من خلال النظرة الشمولية للمجتمع نجد أن هناك تبايناً ملحوظاً بين أفراد
المجتمع؛ بحيث يمكن تقسيم المجتمع في تلك الفترة إلى ثلاث طبقات:
١ - الطبقة الخاصة: وتتكون من الأسرة الحاكمة، ورجال الدولة، وأبناء
البيوتات العريقة(١)، بالإضافة إلى فئة الجند الأتراك الذين كان عليهم المعوّل في
الحكم كما مر في المطلب السابق. ومما يميز هذه الطبقة الترف والثراء الفاحش، فما
يلحظ في الفترة التي عاشها الإمام ابن أبي الدنيا التباين الواضح في معايش الناس؛
فمنهم الغني المتخم، ومقابله الفقير المعدم، وما بين المنزلتين خلق كثير.
(١) معالم الحضارة العربية في القرن الثالث الهجري ص ٤٣.

٣٨
ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
إلا أن ثراء الطبقة الحاكمة وتوابعها بات ملحوظاً، ويمكن الدلالة على ذلك
من خلال وقائع معينة، وسأقتصر- في الدلالة على ذلك من خلال ظاهرتين
رئیسیتین وهما:
أ- المصادرات التي تمت خلال هذا العصر-، وعلى يد عدد من الخلفاء؛
كالمعتصم والواثق والمعتمد(١).
ب- الإنفاق على تشييد القصور الفخمة، وكأنها مدن خاصة(٢).
إلا أن هذا الثراء والبذخ كان أمارة على بداية ضعف الدولة، وتضيّقفها
للزوال، ولقد عقد صاحب المقدمة فصلاً بعنوان: ((الفصل الثالث عشر: في أنه إذا
تحكمت طبيعة الملك من الانفراد بالمجد وحصول الترف والدعة أقبلت الدولة على
الهرم))(٣).
٢- الطبقة العامة: وتضم بقية الرعية على اختلاف أنسابهم ومهنهم؛ ففي
هذه الطبقة أصحاب الحرف، فضلا عن العلماء والأدباء والأطباء وغيرهم(٤).
وهناك فئة من الطبقة العامة تقربوا إلى الخلفاء وأصحاب النفوذ بعلمهم
وثقافتهم، حيث كانوا يؤدون مهمة تثقيف وتأديب أبناء الطبقة الخاصة، وهذه
(١) معالم الحضارة العربية في القرن الثالث الهجري، ص٤٥-٤٦.
(٢) معالم الحضارة العربية في القرن الثالث الهجري، ص٤٦ -٤٨.
(٣) مقدمة ابن خلدون، ص١٦٨.
(٤) معالم الحضارة العربية في القرن الثالث الهجري، ص٤٨ - ٥٠.

٣٩
عصر ابن أبي الدنيا
الفئة كانت تسمى بالمؤدبين(١)؛ ومنهم الإمام ابن أبي الدنيا رحمه الله تعالى الذي كان
مؤدباً لبعض أبناء الخلفاء.
٣- طبقة الرقيق: وتضم المماليك والعبيد والجواري، وهذه الطبقة كانت
نتيجة حتمية للفتوحات الإسلامية، إلا أن الإكثار منها والتفنن في اقتناءها كان
السمة الأساسية لهذه الفترة، بل كان لبعض الجواري والقيان تأثيرا واضحا في
الحياة الاجتماعية(٢).
ثانياً: بعض المظاهر الاجتماعية:
١ - طراز المعيشة: إن مما يلفت النظر في طراز المعيشة في ذلك العصر اللباس
والعادة فيه، فالملبس يختلف باختلاف الجنس والطبقة الاجتماعية؛ ((ولكل قوم زي:
فللقضاة زي، ولأصحاب القضاة زي، وللشرط زي، وللكتاب زي، ولکتاب
الجند زي))(٣).
٢- الاحتفالات: اعتاد أهل ذلك العصر في بعض مناطق الدولة الإسلامية
على الاحتفال ببعض أيام السنة، زيادة على عيدي المسلمين - الأضحى والفطر -،
ومن ذلك رأس السنة الهجرية، وأول الربيع والمهرجان وغيرها (٤).
(١) طبقات مجتمع بغداد في العصر العباسي الأول، ص٨٦-٨٨.
(٢) معالم الحضارة العربية في القرن الثالث الهجري، ص ٥٠-٥٩.
(٣) البيان والتبيين، ص٤٤٣.
(٤) معالم الحضارة العربية في القرن الثالث الهجري، ص ٩١- ٩٣.

٤٠
- ابن أبي الدنيا محدثاً ومصلحاً
٣- الرياضة واللهو: انتشرت في القرن الثالث الهجري بعض وسائل اللهو
والترفيه، وإن كان القصد من بعضها تعلم فنون القتال والتمرس فيه كسباق الخيل
والرماية.
ومن أنواع الرياضة المشتهرة آنذاك: الفروسية، وكرة الصولجان، والصيد،
وتربية الطيور والحيوانات، ولعبتي الشطرنج والنرد، والسباحة والمصارعة(١).
ومن الملاحظ من خلال ما سبق أثر الترف المادي على المجتمع وانتشار
بعض الأمراض الاجتماعیة فیه؛ کانصراف البعض إلى اللهو.
إلا أن بعض الأئمة تنبهوا لتلك السلوكيات الخاطئة وأثرها السيء على
المجتمع، فانبروا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقول، وتصنيف الكتب في
ذلك، ومن أولئك الأئمة ابن أبي الدنيا حيث صنف أجزاء حديثية هامة في هذا
المجال ككتاب ذم الملاهي وغيره مما سيأتي ذكره في الباب الثاني من هذه الرسالة إن
شاء الله تعالى.
(١) أحمد عبد الباقي (معاصر)، معالم الحضارة العربية في القرن الثالث الهجري، ص٩٥- ١٠١.