Indexed OCR Text

Pages 21-40

وإمعانُ النَّظَرِ في هذين الخبرَيْنِ يُوَضِّحُ أُموراً ينبغي التوقف عندها:
أولاً: إنهما يَرْسُمان صورَةً لِبَعْضِ أَدْعِيَاءِ العِلْمِ، الذينَ نَما الحسَدُ في
نفوسهم، وَترعرع الحِقْدُ في قلوبهم، فتوهموا أن بِيَدِهِمْ أَمْرَ تَوْجِيهِ الفكر بَيْنَ
النَّاسِ ، وَمُصَادَرَةَ كُلِّ مَا لا يُناسِبٌ مُيُولَهُمْ وَأَهْوَاءهم، سِلاحُهُمْ فِي ذَلِكَ إثارَةٌ
العَوَامٌّ مِنَ النَّاسِ ، والوشايةُ بهم إلَى الخليفة، يسند ذلِكَ افتراءٌ مَرْذولٌ،
ويدعمُهُ بَاطِلِ مَخْذولٌ.
ثانياً: إنهما يحدِّدَان جِهَةَ الرِّحْلَةِ الَّتي قامَ بِهَا ابن حِبَّان، فقد تَوَجَّهَ إلى
مَشْرِقِ الخِلَافَةِ الإِسلامية إشفاقاً عَلَى نَفْسِه من هياج الغَوْغَاءِ مِنَ العوامِّ،
الذين يقول فيهم أبو يوسف كبير القضاة في زمن الخليفة هارون الرشيد: ((لَوْ أَنَّ
العَوَامَّ كُلَّهُمْ عَبِيدِي لَأَعْتَقْتُهُمْ. وَتَبَرَّأْتُ مِنْ وَلَائِهِمْ))، وَمِنَ الْمُتَطَفِّلِينَ عَلَى
مَوَائِدِ الْعِلْمِ ، الْحَاقِدِينَ، الَّذينَ أُرادُوا بِهِ شَرّاً.
وَلَعَلَّهُ اختارَ ذُلِكَ المكانَ في أطرافِ الخِلَافَةِ حيث تضعُفُ قبضةٌ
السُّلطانِ، فَلاَ يَنَالُهُ عقابُهُ، وَلا تَطَالُهُ سياطُ عَذَابِهِ، حتى إِذَا مَا هَدَأَ الْحَالُ،
وتُنُوسِيَ مَا كَانَ، وَشَعَرَ بِالطُّمَأْنِينَةِ وَالأَمْنِ، عَادَ إِلى قلبِ الخِلافَةِ، وَجَابَ
نَواحِيَهَا المختلِفَةَ، لِيُتِمَّ مَا بَدَأْ بِهِ، وَلِيُشْبَعَ نَهَمَهُ في طلَب الحديثِ، ولُقِيٍّ
الشَّيوخِ ، والأخذ عنهم، والإِفادة منهم، ليتسنَّى لَهُ أن يتبوَّأْ مركزَ الصَّدَارَةِ
بَيْنَ أَهْلَ العلم في بَلَدِهِ، وَيَكُونَ الْإِمَامَ المَرْجُوعَ إِلَيْهِ فِي هذَا الْعِلْمِ الشَّرِيفِ.
ثالثاً: يُوَضِّحُ لَنا النَّصِ أَنَّ سمرقند كانت مِنْ أَوَائِلِ الْبُلْدان الَّتي حَطَّ
فيها عَصَا تَرْحَاله، وَفي هذا البلدِ الطَّيِّب اتَّصَلَ بِشَيْخِهِ أبي حَفْص عمر بن
وتعقب الحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان)) ١١٤/٥ هذه المقولة بقوله: ((مَاذَا؟
=
إِلَا تَعَصّبُ زَائِدٌ عَلَى الْمُتَأَوِّلِينَ، وَابْنُ حِبَّنَ كَانَ صَاحِبَ قُنُونٍ، وَذَكَاءٍ مُفْرِطٍ، وَحِفْظٍ
وَاسِعٍ إِلَى الْغَايَةِ)).
٢١

محمد الهمداني السمرقندي، المتوفى سنة (٣١١) للهجرة (١).
وَإِذَا ضممنا إلى هذا ما أجمع عليه مُتَّرْجِمُوا ابن حبان، من أنه توفي
سنة (٣٥٤ هـ) وهو في عشر الثمانين يتبين لنا:
أ - أنَّ مولده كان في عشر الثمانين من القرن الثالث، وهذا ما ذَهَبَ إليه
بعض من ترجم له.
ب - أن ابن حبان بَدَأ رحْلَتَهُ وَعُمُرُهُ لا يقلُّ عن الخامسة والعشرين، كما أنه لا
يزيد عَلى الخامسَةِ وَالثلاثين.
جـ ـ يَتَحدَّدُ لَنَا مَعْنَى مَا قَالَهُ الذهبي في ((ميزانه)) ٥٠٦/٣ - وتابعه عليه ابن
حجر -: (وَطَلَبَ الْعِلْمَ عَلَى رَأْسِ الثَّلاثِ مِثَةٍ))، فَإِنَّهُ يَعْنِي: بَدْأَ الرَّحْلَةِ
في طَلَبِ الْعِلْمِ، وَإِلَّ فَإِنَّ ابْنَ حبان عندمَا خَرَجَ مِنْ بلده، كان قد
اسْتوعبَ الكثيرَ مِنْ مَعَارِفِ العَصْرِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَغيبَ هَذَا عَلَى مِثْل
الحافِظِ الذَّهَبِيِّ، وَالحافِظِ ابْنِ حَجَرٍ .
وقَدْ دامَتْ هذه الرَّحلةُ المباركَةُ التي زَرَعَ فيها العالَمَ الإِسْلامِيَّ مِنْ
أَقْصاهُ إِلَى أَقْصَاه نيفاً وثلاثين عاماً، فقد قال الحاكم - وهو تلميذه -: ((كَانَ
ابْنُ حِبَّنَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ فِي الْفِقْهِ، وَاللُّغَةِ، وَالْحَدِيثِ، وَالْوَعْظِ، وَمِنْ
عُقَلَاءِ الرِّجَالِ.
قَدِمَ نَيْسَابُورَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلاثِينَ وَثَلاَثٍ مِثَةٍ، فَسَارَ إِلَى قَضَاءِ نَسَا، ثُمَّ
انْصَرَفَ إِلَيْنَا فِي سَنَةِ سِبْعٍ، فَأَقَامَ عِنْدَنَا فِي نَيْسَابُورَ، وَبَنَى الْخَانقاهِ، وَقُرىءَ
عَلَيْهِ جُمْلَةٌ مِنْ مُصَنَّفَاتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى وَطَنِهِ سَجِستان عَامَ
أربعينَ، وكانت الرَّحْلَةُ إِلَيْهِ لِسَمَاعِ حَدِيثِهِ))(٢).
(١) شذرات الذهب ٢٦٢/٢.
(٢) معجم البلدان ٤١٧/١.
٢٢

..... ........
وقد تابعَ الحاكمَ على هذا معظمُ المترجمينَ لابن حِبَّانَ .
شيوخه في هذه الرحلة ونتائجها
انطلق هذا الإِمام العظيم - وَقَلْبُهُ يَكْتَويَ بنار الشوق للأهل، والحنين
إلى الوطن - يجوب الأَرْضَ، ويصَارُ أعباءَ الحياةِ وَأَوْهَاقَهَا، يُذَلِّلُ الصَّعَابَ
متناسياً المتاعبَ. ويتجاوز العقباتِ عَلَّهُ يَجِدُ مَا يُعَزِّيهِ، مُنْصَرِفاً إلى الجَمْعِ
والتَّحْصِيل، فَكَان يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنْ صُدورِ الرِّجَالِ، وَيُدَوِّنُ كلَّ مَا يَسْمَعُ،
وَيُسَجِّلُ كُلَّ مَا يُشَاهِدُ، دُونَ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ غَايَتِهِ صَارِفٌ.
يَقُولُ فِي مُقَدِّمَةٍ صحِيحِهِ: ((لَقَدْ كَتَبْنَا عَنْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ شَيْخٍ ... ))(١).
فَقَدْ زَارَ مُعْظَمَ البلدانِ في الخلافَةِ الإِسْلاميةِ المتراميةِ الأطْرَافِ، وفي
كل بلدٍ حَلَّهُ كانَ لَهُ شَيْخْ. أَوْ شيوخْ تَلَقَّى عَنْهُمُ العِلْمَ، وَرَوَىْ عَنْهُمُ
الْحَديثَ، وَقَدْ سَمَّىْ لَنَا مُتَرْجِمُوهُ بَعْضَ شُيوخِهِ، فَقَالُوا: إِنَّهُ أَخَذَ الْعِلْمَ فِي:
١ - مَرْو: عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن محمود بن سليمان، وعن أبي
يحيى محمد بن محمد بن خالد المديني .
٢ - سنج: عن أبي علي الحسين بن محمد بن مصعب السنجي، وعن أبي
عبد الله محمد بن نصر الهُورَقَاني .
٣ - نَسَا: عن الحسن بن سفيان، وعن محمد بن يوسف النسائي، وعن
محمد بن محمود بن عديّ النسائي .
٤ - نَيْسَابُور: عن محمد بن إسحاق بن إبراهيم السراج، وعن محمد بن
عبد الرحمن بن شيرويه الأزدي .
٥ - أُرْغِيان: عن محمد بن المسيب بن إسحاق الأرغياني.
(١) عند الانتهاء من تحقيق الصحيح، سنقوم - إن شاء الله - بجمع شيخوخه، وسنترجم
لكل من نستطيع العثور على ترجمة له في بطون كتب التراجم.
٢٣

٦ - جُرْجَان: عن عمران بن موسى بن مجاشع الجرجاني، وأحمد بن
محمد بن عبد الكريم الوزان الجرجاني .
٧ - الرَّي: عن العباس بن الفضل بن عاذان المقرىء، وعلي بن الحسن بن
مسلم الرازي .
٨ - الْكَرَج: عن أحمد بن عمارة بن الحجاج الحافظ، والحسين بن
إسحاق الأصبهاني .
٩ - عَسْكَر مُكْرَم: عن عبد الله بن أحمد بن موسى الجواليقي المعروف
بـ «عبدان الأهوازي)).
١٠ - تُسْتَر: عن محمد بن أحمد الرقام، وأحمد بن محمد بن زهير الحافظ.
١١ - جُنْدَيْسَابُور: عن عمر بن حفص البزار.
١٢ - الأهواز: عن محمد بن يعقوب الخطيب.
١٣ - الأَبْلَّةَ: عن محمد بن زهير الأبُلِّي، وعن عمر بن عبد الله بن عمر
الهَجَرِيّ، والحسين بن محمد بن بسطام الأبلي.
١٤ - البصرة: عن الفضل بن الحُبَابِ الجُمَحِيّ، وأحمد بن عمرو الَّيْبَقِيّ،
وبكر بن أحمد بن سعيد الطاحي، وزكريا بن يحيى الساجي،
ومحمد بن علي الصيرفي، وعبد الكريم بن عمر الخطابي، ومحمد بن
إبراهيم البدوري، ومحمد بن غدار الحارثي .
١٥ - واسط: عن جعفر بن أحمد بن سنان القطان، وأحمد بن موسى،
والخليل بن محمد الواسطي .
١٦ - فم الصِّلح: عن عبد الله بن قحطبة بن مرزوق الصِّلْحِيّ.
١٧ - نَهَر سَابس: عن خلاد بن محمد بن خالد الواسطي .
١٨ - بغداد: عن حامد بن محمد بن شعيب البلخي، والهيثم بن خلف
الدوري، وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، وعبد الله بن
محمد بن عبد العزيز البغوي .
٢٤

١٩ - الكوفة: عن أبي عبد الله بن زيدان البَجَلي.
٢٠ - مكة المكرمة: عن محمد بن إبراهيم بن المنذر النِّيْسَابُورِي،
والمفضل بن محمد بن إبراهيم الجندي.
٢١ - سَامُرَّاء: عن علي بن سعيد العسكري.
٢٢ - الْمَوْصِل: عن أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي،
وهارون بن المسكين البلدي، وزيد بن علي بن عبد العزيز بن حبان
الموصلي، وروح بن عبد المجيد الموصلي، وإبراهيم بن علي بن عبد
العزيز العمري .
٢٣ - سِنْجَاد: عن علي بن إبراهيم بن الهيثم الموصلي .
٢٤ - نَصِيبين: عن هاشم بن يحيى النصيبيني، ومسدد بن يعقوب بن
إسحاق الفلوسي .
٢٥ - كفرتوثا، من ديار ربيعة: عن محمد بن الحسين بن أبي معشر السلمي .
٢٦ - سرغامرطا، من ديار مضر: عن أحمد بن خالد بن عبد الملك بن مسرح
الحرّاني .
٢٧ - الرافقة: عن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن فروخ البغدادي.
٢٨ - الرقة: عن الحسين بن عبد الله بن يزيد القطان. وأحمد بن محمد بن
يحيى الشحام. وعلي بن الحسين العسكري.
٢٩ - مَنْبج: عن عمر بن سعيد بن سنان الحافظ، وصالح بن الأصبغ بن عامر
التنوخي .
٣٠ - حلب: عن أحمد بن داود بن محسن بن هلال المصيصي.
٣١ - أنْطَاكية: عن وصيف بن عبد الله الحافظ.
٤
٣٢ - طَرَسُوس: عن محمد بن يزيد الدرقي، وإبراهيم بن أبي أمية
الطرسوسي . والحسن بن إسحاق بن إبراهيم الخولاني .
٢٥

٣٣ - أُذَنَةَ: عن محمد بن علان الأذني.
٣٤ - صَيْداء: عن محمد بن أبي المعافى بن سليمان الصَّيْداوي.
٣٥ - صُور: عن جعفر بن محمد الهمداني.
٣٦ - بَيْروت: عن محمد بن عبد الله بن عبد السلام البيروتي - مكحول -.
٣٧ - حِمْص: عن محمد بن عبد الله بن الفضل الكَلاعي الرَّاهب.
٣٨ - دمشق: عن أحمد بن عمير بن جوصاء الحافظ الدمشقي، وعن جعفر
ابن أحمد بن عاصم الأنصاري الدمشقي ، وعن حاجب بن أركين الفرغاني .
٣٩ - عَسْقَلان: عن محمد بن قتيبة اللخمي .
٤٠ - بَيْت المقدس: عن عبد الله بن محمد بن مسلم الخطيب المقدسي.
٤١ - الرَّمْلَة: عن محمد بن الحسن أبي بكر بن قتيبة العسقلاني.
٤٢ - الفُسْطاط من مصر: عن أحمد بن شعيب بن علي النسائي، وعن
سعيد بن داود بن وردان المصري، وعلي بن الحسين بن سليمان.
٤٣ - هَرَاة: محمد بن المنذر بن سعيد المعدل(١).
رحم الله ابن حبان ما كانَ أصبرَهُ عَلَىْ تَحَمُّلِ المشاقّ في سبيل العلم،
وَجَمْعِ الحديثِ النبويِّ الشَّريفِ، وَتَلَقَّيهِ مِنْ أَفْوَاهِ أَساتِيذِهِ الذينَ عُرِفوا به في
كل مصر من الأمصار.
وَهَذَا غَيْضٌ مِنْ فَيْضٍ، من الشيوخِ والعلماء الَّذِين اتَّصَلَ بهم وأخذ
عنهم العلم.
ولكن ما الذي خلّفه ابن حبان للمكتبة الإِسلامية؟
قال الخطيب البغدادي الحافظ، فيما رواه عنه ياقوت في ((معجم
(١) معجم البلدان ٤١٥/١ - ٤١٧، مقدمة موارد الظمآن ص: ٧ - ١٠. وروضة العقلاء
للمؤلف. وكذلك الصحيح فإنه يذكر في كثير من الحالات موطن الشيخ الذي أخذ
العلم عنه، ولو استقصينا لأطلنا.
٢٦

البلدان)) ٤١٧/١: ((ومن الكتب الَّتي تَكْثُرُ منافعها، إِنْ كانَتْ عَلَى قَدْرِ مَا
تَرْجَمَهَا بِهِ وَاضِعُهَا، مصنفات أبي حَاتِمٍ محمد بن حبان البُسْتِي، الَّتِي ذَكَرَها
لِي مَسْعودُ بْنُ نَاصِرِ السَّجَزِيّ ووقفني عَلَى تَذْكِرَةٍ بأسمائِها، ولم يُقَدَّرْ لِيَ
الوُصُولُ إِلَى النَّظَرِ فِيهَا، لَأَنَّهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ بَيْنَا، وَلَ مَعْرُوفَة عِنْدَنَا، وَأَنَّا أُذْكُرُ
مَا اسْتَحْسَنْتُهُ سِوَى مَا عَدَلْتُ عَنْهُ وَاطَّرَحْتُهُ)).
وقَدْ ذَكَرَ الخطيبُ أَسْمَاءَ طَائِفِةٍ كبيرةٍ مِنْ مُؤْلَّفَاتِ ابْنِ حِبَّنَ نقلها عنه
ياقوت، فَكَانَ لَهُمَا الْفَضْلُ فِيِ حِفْظ أَسْمَاءِ هذَا الْتَّرَاثِ الْعِلْمِيّ الْعَظِيمِ .
تآليف ابن حبان :
وَأَمَّ الكُتُبُ الَّتِي انْتَهَتْ إِلَيْنَا مِنْ مُؤَلَّفَاتِ هُذَا الْإِمَامِ البَّارِعِ، وَالْحَافِظِ
النَّاقِدِ، فَهِيَ :
١ - ((الْمُسْنَدُ الصَّحيحُ عَلَى التَّقَاسِيمِ وَالأَنْوَاعِ، مِنْ غَيْرِ وُجُودٍ قَطْعِ فِي
سَنَدِهَا، وَلاَ ثُبُوتِ جَرْحٍ فِي نَاقِلِيهَا)) وَالْمَشْهُور عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِـ ((صَحِيحِ
ابْنِ حِبَّان)» وسنتحدث عنه فيما بعد.
٢ - ((كِتَابُ الثَّقَات)) يقول ابن حبان في مقدمته ٣/١: ((فَلَمَّا رأيْتُ مَعْرِفَةً
السُّنَن مِنْ أَعْظَم أَرْكَانِ الدِّين، وَأَنَّ حِفْظَهَا يَجِبُ عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ،
وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ السَّقِيمِ مِنَ الصَّحِيحِ ، ولا صحة إخراج الدليل
من الصريح، إلا بمعرفة ضعفاء المحدثين، وكيفية ما كانوا عليه من
الحالات، فأردت أن أملي أسامي أكثر المحدّثين، ومن الفقهاء من أهل
الفضل والصالحين، ومَن سلك سبيلهم من الماضين)).
لقد بيّن لنا في هذا النص الدَّافِعَ إلى كتابة ((الثقات)) و((الضعفاء))
أيضاً. ولكن ما الخطة التي اتبعها في تأليف كتابه ((الثقات))؟ .
يقول في مقدمته ١٠/١: ((وأبدأ منهما بالثقات، فنذكر ما كانوا عليه
٢٧

من الحالات: فأول ما أبدأ في كتابنا هذا ذكر المصطفى - اَلخلية -،
ومولده، ومبعثه، وهجرته إلى أن قبضه الله تعالی إلی جنته،
ثم نذكر بعده الخلفاء الراشدين المهديين بأيامهم إلى أَنْ قُتِلَ عَلِيٌّ
- رحمة الله عليه - ثم نذكر صَحْبَ رسول الله ◌َّهِ واحداً واحداً عَلَى
المعجم إذْ هُمْ خَيْرُ النَّاسِ قَرْناً بَعْدَ رَسُولِ اللهِ وَرَ،
ثم نَذْكر بَعْدَهُمُ التابعين الذين شافَهُوا أصحابَ رَسولِ الله - وَل ـ
في الأقاليم كُلُّها عَلَى المعجم، إذ هم خير الناس بعد الصحابة قرناً،
ثم نذكر القرن الثالث الذين رأوا التابعين، فأذكرهم على نحو ما
ذكرنا الطبقتين الأوليين،
ثم نذكر القرن الرابع الذين هم أتباع التابعين على سبيل مَن
قبلهم. وهذا القرن ينتهي إلى زماننا هذا، ولا أذكر في هذا الكتاب إلا
الثقات الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم)).
ونسأل: متى يجوز الاحتجاج بخبر هذا الثقة؟ فيجيبنا: ((إذا تعرّى
خبره عن خصال خمس، فإذا وجد خبر منكر عن واحد ممّن أذكره في
كتابي هذا، فإن الخبر لا ينفك من إحدى خصال خمس:
١ - إمَّا أنْ يكونَ فوق الشَّيْخِ الَّذي ذكرتُ اسْمَهُ في كِتَابي هذا، في
الإِسناد رَجُلٌ ضعيفٌ.
٢ - أَوَ يكون دونَهُ رجلٌ واوٍ لا يجوزُ الاحتجاجُ بِرِوَايَتِهِ .
٣ - أَوِ الْخَبَرُ يَكُونُ مُرْسَلًا لَا يَلْزَمُنَا بِهِ الْحُجَّةُ.
٤ - أَوْ يَكُونُ مُنْقَطِعاً لَا تَقُومُ بِمِثْلِهِ الْحُجَّةُ.
٥ - أُوْ يَكُونُ في الإِسناد رَجُلٌ مُدَلِّسٌ لم يبَيِّنْ سَمَاعَهُ في الخبر من الذي
سمعه منه)) الثقات ١٢/١.
٢٨

«فَكُلَّ مَنْ ذكرته في كتابي هذَا، إِذَا تَعَرَّى خبره عن الخصال
الخمس التي ذكرتها، فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره، لأن العدل مَن
لم يعرف منه الجرح، والجرح ضد التعديل، فمَن لم يعلم بجرح، فهو
عدل إذا لم يبيّن ضده، إِذْ لَمْ يُكَلَّفِ النَّاسُ مِنَ النَّاسِ مَعْرِفَةَ مَا غَابَ
عَنْهُمْ، وَإِنَّمَا كُلِّفُوا الْحُكْمَ بِالظَّاهِرِ مِنَ الْأَشْيَاءِ غير المغيب عنهم، جعلنا
اللّه ممّن أسبل عليهم جَلابِيبَ السَّتْر في الدُّنيا، واتَّصل ذلِكَ بالْعَقْوِ عَنْ
جِنَايَاتِهِ في الْعُقْبَى، إِنَّه الفَعَّالُ لما يُرِيدُ)). الثقات ١ / ١٣ - ١٤ آخر
مقدمته .
وَقَدْ طُبعَ هذا الكتاب في تسعة أجزاء، وصنعت له فهارس في
مجلد عاشر (١).
٣ - كتاب ((الجرح والتعديل)) وهو في تراجم الرجال مِنْ جِهَة مَنَازِلهم في
الرِّوَايَةِ. وهو مُكَمِّلُ لِكِتَابِهِ ((الثِّقَات)).
٤ - كتاب ((الضَّعَفَاء)) الذي قام بتحقيقه المحقّق الفاضل محمود إبراهيم زايد
بعنوان ((المجروحين من المحدّثين والضعفاء والمتروكين)). وتمّ طبعه
بثلاثة أجزاء. وقد قال في تقدمته: ١/١. ((من خير الكتب وأجمعها، فإن
ابن حبان يخطو في هذا الكتاب خطوة واسعة في هذا الفن؛
أ - هو أولاً وضع قواعده العشرين في التضعيف والجرح وترك الرجال.
ب - يذكر اسم الرجل كاملاً، والحكم عليه، والأسباب التي استند إليها
ءُ
في تكوين هذا الحكم، بينما كان النسائي - وهو أستاذ ابن حبان -
وَمَنْ عاصرَهُ أو مَنْ سَبَقَهُ من الشيوخ يكتفون في مصنفاتهم عن
(١) عندما كتبت هذه الدراسة في ١ / شعبان /١٤٠٣ هـ الموافق ١٣ / أيار ١٩٨٣ م كان
كتاب الثقات يصدر الجزء بعد الجزء، ففصلنا بعض التفصيل غير أن الكتاب قد تم
تحقيقه وطبعه بفضل الله فاستبدلنا ذاك، بهذا الذي كتبنا، والله ولي التوفيق.
٢٩

ضعفاء الرجال بذكر اسم الراوي، والرأي فيه باختصار شديد مثل :
فلان ضعيف، منکر الحدیث، ضعفه فلان، تركه فلان.
جـ - ينقل بعد هذا رأي الأئمة في الرجال ..
د - ينهي الترجمة برواية الأحاديث التي أنكرها المحدّثون عليه، ويصدّر
ذلك بقوله: ((قال أبو حاتم :.... )) لكن لا يسلم له بكل ما جاء
فيه، فقد يندّ عن الصواب في بعض ما ذهب إليه كما بيّنه النقّاد.
٥ - كتاب ((روضة العقلاء ونزهة الفضلاء)) وهو كتاب نفيس في مكارَمَ.
الأخلاق والخصال المحمودة، وهو مطبوع بتحقيق محي الدين عبد
الحميد، ومحمد عبد الرزاق حمزة، ومحمد حامد الفقي سنة (١٩٤٩).
٦ - كتاب ((مشاهير علماء الأمصار)) قام بتحقيقه مـ: فلا يشهمر سنة (١٩٥٩). وقد
ضم (١٦٠٢) ترجمة من الصحابة، والتابعين، وأتباع التابعين، ومن
تبعهم من الأخيار والصالحين: من الحجاز بحواليها، والعراق بنواحيها،
والشام بأطرافها، ومصر بجوانبها، واليمن بما والاها،وخراسان بما دار عليها.
هذا ما اطّلعنا عليه من مؤلفات هذا الإِمام التي انتهت إلينا، أما مؤلفاته
التي ذكرها مَن ترجم له، ولم نقف عليها، ويغلب على الظن أنها أصبحت
في حکم المفقود فهي :
١ - كتاب ((الهداية إلى علم السنن)) الذي قصد فيه إظهارَ الصِّنَاعَتْن، وَهُمَا
صِنَاعَتَا الحديثِ والفِقْهِ، يذكر فيه الحديثَ، ويترجم لَه، ثم يذكرُ مَنْ
يَتَفَرَّدُ بِذُلِكَ الحديثِ، وَمِنْ مَفَارِيدٍ أَيِّ بَلَدٍ هُوَ.
ثم يذكر كُلَّ اسْمٍ فِي إِسْنَادِهِ مِنَ الصَّحَابِيِّ إِلَى شَيْخِهِ بما يعرفُ
مِنْ نِسْبَتِهِ، ومولده، وتاريخ وفاته، وكنيته وقبيلته، وفضله وتيقظه،
ثم يذكر ما في الحديث من الفقه والحكمة. فإن عارضه خبر
ذكره وجمع بينهما، وإن تَضَادَّ لَفْظُهُ مع خَبر آخرَ تَلَطَّفَ لِلْجمع بينهما
حتى يعلم ما في كل خبر من صناعة الحديث والفقه معاً.
٣٠

وقال الكثير من العلماء: وَهَذَا مِنْ أَنْبَلِ كُتُبِهِ وَأَعَزَّهَا .
٢ - كتاب ((شعب الإِيمان)) يعدّ ابن حبان من أقدم مَن ألّف في ذلك، ثم
تبعه الحليمي والبيهقي .
٣ - كتاب ((الصحابة)) ويتألف من خمسة أجزاء.
٤ - كتاب ((التابعين)) ويتألف من اثني عشر جزءاً.
٥ - كتاب ((أتباع التابعين)) ويتألف من خمسة عشر جزءاً.
٦ - كتاب ((تبع الأتباع)) ويتألف من سبعة أجزاء.
٧ - كتاب ((تبع التبع)) ويتألف من عشرين جزءاً.
٨ - كتاب ((الفصل بين النقلة)) ويتألف من عشرة أجزاء.
٩ - كتاب ((علل أوهام التواريخ)) ويتألف من عشرة أجزاء.
١٠ - كتاب ((ما انفرد به أهل المدينة من السنن)) ويتألف من عشرة أجزاء.
١١ - كتاب ((ما انفرد به أهل مكة من السنن)) ويتألف من عشرة أجزاء.
١٢ - كتاب ((غرائب الأخبار)) ويتألف من عشرين جزءاً.
١٣ - كتاب ((ما أغرب الكوفيون عن البصريين)) ويتألف من عشرة أجزاء.
١٤ - كتاب ((ما أغرب البصريون عن الكوفيين)) ويتألف من ثمانية أجزاء.
١٥ - كتاب ((الفصل والوصل)) ويتألف من عشرة أجزاء.
١٦ - كتاب ((موقوف ما رفع)) ويتألف من عشرة أجزاء.
١٧ - كتاب ((أدب الرحّالة)) وهو جزآن.
١٨ - كتاب ((علل مناقب أبي حنيفة ومثالبه)) وهو عشرة أجزاء.
١٩ - كتاب ((علل ما استند إليه أبو حنيفة)) عشرة أجزاء.
٢٠ - كتاب ((ما خالف الثوري فيه شعبة)) ثلاثة أجزاء.
٢١ - كتاب ((علل حديث الزهري)) وهو عشرون جزءاً.
٢٢ - كتاب ((مناقب مالك بن أنس)) جزآن.
٢٣ - كتاب ((علل حديث مالك)) عشرة أجزاء.
٣١

٢٤ - كتاب ((مناقب الشافعي)) جزآن .
٢٥ - كتاب ((المعجم على المدن)) عشرة أجزاء.
٢٦ - كتاب ((المقلّين من الحجازيين)) عشرة أجزاء.
٢٧ - كتاب ((المقلّين من العراقيين)) عشرون جزءاً.
٢٨ - كتاب ((الجمع بين الأخبار المتضادّة)) جزآن.
٢٩ - كتاب ((وصف المعدِّل والمعدَّل)) جزآن.
٣٠ - كتاب ((ما عند شعبة عن قتادة وليس عند سعيد عن قتادة)) جزآن.
٣١ - كتاب ((أسامي مَن يعرف بالكنى)) ثلاثة أجزاء.
٣٢ - كتاب ((كنى مَن يعرف بالأسامي)) ثلاثة أجزاء.
٣٣ - كتاب ((التمييز بين حديث النضر الحداني، والنضر الخزاز)) جزآن.
٣٤ - كتاب ((الفصل بين حديث أشعث بن مالك، وأشعث بن سوار)) جزآن.
٣٥ - كتاب ((الفصل بين حديث منصور بن المعتمر ومنصور بن زاذان)) ثلاثة
أجزاء.
٣٦ - كتاب ((الفصل بين مكحول الشامي ومكحول الأزدي)) جزء واحد.
٣٧ - كتاب ((ما أسند جنادة عن عبادة)) جزء واحد.
٣٨ - كتاب ((الفصل بين حديث ثور بن يزيد، وثور بن زيد)) جزء واحد.
٣٩ - كتاب ((ما جعل عبد الله بن عمر، عبيد الله بن عمر)) جزآن.
٤٠ - كتاب ((ما جعل شيبان سفيان، أو سفيان شيبان)) ثلاثة أجزاء.
٤١ - كتاب ((الأبواب المتفرقة)) ثلاثون جزءاً.
٤٢ - كتاب ((الفصل بين حدّثنا وأخبرنا)) جزء واحد.
٤٣ - كتاب ((التاريخ))، وهو من الكتب الكبيرة لذلك لجأ إلى تأليف ((الثقات))
و((الضعفاء)) منه ليسهل العودة إليهما على من يريد ذلك. انظر مقدمة
((الثقات)).
٤٤ - كتاب ((وصف العلوم وأنواعها)) ثلاثون جزءاً.
٣٢

٤٥ - كتاب ((صفة الصلاة)) ذكره في ((صحيحه)).
٤٦ - كتاب ((محجّة المبتدئين)) ذكره في الصفحة (١٩) من ((روضة العقلاء)).
٤٧ - كتاب ((العالم والمتعلّم)) ذكره في الصفحة (٢٧) من ((روضة العقلاء)).
٤٨ - كتاب ((حفظ اللسان)) ذكره في الصفحة (٣٦) من ((روضة العقلاء).
٤٩ - كتاب ((مراعاة العشرة)) ذكره في الصفحة (٧٤) من ((روضة العقلاء)).
٥٠ - كتاب ((الثقة بالله)) ذكره في الصفحة (١١١) من ((روضة العقلاء)).
٥١ - كتاب ((التوكل)) ذكره في الصفحة (١٣٥) من ((روضة العقلاء)).
٥٢ - كتاب ((مراعاة الإِخوان)) ذكره في الصفحة (١٥٩) من ((روضة العقلاء)).
٥٣ - كتاب ((الفصل بين الغنى والفقر)) ذكره في الصفحة (٢٠٠) من ((روضة
العقلاء)).
٥٤ - كتاب ((السخاء والبذل)) ذكره في الصفحة (٢٠٥) من ((روضة العقلاء)).
قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي لما وقف على تذكرة ابن ناصر
السجزي المتضمنة أسماء مصنفات ابن حبان: ((سألتُ مسعودَ بن ناصر،
فقلت لَهُ: أَكُلُّ هَذِهِ الْكُتُبِ مَوْجُودَةٌ عِنْدَكُمْ وَمَقْدُورٌ عَلَيْهَا بِلادِكُمْ؟
فَقَالَ: إِنَّمَا يُوجَدُ مِنْهَا الشَّيْءُ الْيَسِيرُ والنزْرُ الْحَقِيرُ)) وكان هذا بعد مئة
سنة من عصر ابن حبان .
قال الخطيب البغدادي: ((ومِثْلُ هذِهِ الكُتُب الْجَليلَةِ كانَ يجبُ أن يكثرَ
بها النَّسْخُ، فيتنافسَ فِيهَا أهلُ العلم ويَكْتَبُونَهَاَ ويُجَلِّدُونَهَا إِحْرَازاً لَهَا، ولا
أَحْسَبُ المانِعَ مِنْ ذُلِكَ كانَ إِلَّ قِلَّةَ مَعْرِفَةِ أَهْلِ تِلْكَ البِلاَّدِ بِمَحَلِّ الْعِلْمِ
وَفَضْلِهِ وَزُهْدِهِمُ فِيهِ، وَرَغْبَتَهُمْ عَنْهُ، وَعَدَمَ بَصيرَتِهِمْ بِهِ))(١).
فإذا ما علمنا أن هذه الثروة الهائلة من الكتب - على تنوّع أبحاثها
(١) معجم البلدان ٤١٨/١.
٣٣

واختلاف حجوم أجزائها - قد ضاعت، ما عدا اليسير منها، أدركنا بالغ
الخسارة التي منيت بها المكتبة الإسلامية بضياع هذا العلم العظيم.
موقفه مما جمع :
لقد وفَّق ابن حبان في رحلته الطويلة أيما توفيق، فقد اجتمع له من
الشيوخ، والروايات، والأخبار، الشيء الكثير، والعدد الوفير، فقد جاء في
مقدمة صحيحه أنه كتب عن أكثر من ألفي شيخ، وهذا العدد الجمّ من
الشيوخ يندر أن تجده في إمام من الأئمة، إلا أنه حين شرع في تدوينه
الصحيح، أسقط كثيراً من الشيوخ، ولم يعتد بمروياتهم، لأنه لم تتحقق فيهم
شروط الصحة التي أبان عنها في مقدمة كتابه، واقتصر على مئة وخمسين
شيخاً منهم، أقل أو أكثر، وقد عوَّل على عشرين منهم أدار السنن عليهم،
واقتنع بروايتهم عن رواية غيرهم، فقد جاء في المقدمة :
((ولم نرو في كتابنا هذا إلا عن مئة وخمسين شيخاً، أقل أو أكثر، ولعلّ
معول كتابنا هذا يكون على نحو من عشرين شيخاً، أدرنا السنن عليهم،
واقتنعنا بروايتهم عن رواية غيرهم)).
ويعلّق الإِمام الذهبي على هذا النص، فيقول: ((كذا فلتكن الهمّة،
هذا مع ما كان عليه من الفقه، والعربية، والفضائل الباهرة، وكثرة
التصانيف))(١).
وأما الشيخ أحمد شاكر فيقول: ((وفي هذا مقنعٌ لمن أراد علماً
وطمأنينة))(٢).
فابن حبان إذاً لم يكن جامعاً فحسب، وإنما كان ناقداً فذّاً، وعالماً
حصيفاً، ومدقِّقاً ذكياً، ومجتهداً جريئاً، له منهجه وأسلوبه، شجاعاً متقحماً،
(١) ((سير أعلام النبلاء)) ١٦ / ٩٤.
(٢) مقدمته لصحيح ابن حبان ص (٢).
٣٤

تجاوز هيبة الصحيحين، ونقد الشيخين، بل نقض أسلوب ترتيبهما. ولم
يسلم منه حتى شيخه ابن خزيمة، علماً بأنه احتل من نفسه مكانة لم يحتلها
غيره من المشايخ الذين اتصل بهم، ونقل العلم عنهم (١).
يقول ابن حبّان فيما نقله عنه الحازمي: ((فإن الحديث إذا صحّ سنده،
وسلم من شوائب الجرح فلا عبرة بالعدد والأفراد، وقد يوجد - على ما
ذكرت - حديث، فينبغي أن يناقش البخاري في ترك إخراج أحاديث هي من
شرطه، وكذلك مسلم، ومَن بعده))(٢).
ولم نعلم - فيما اطّلعنا عليه - أنه كتب في الصحيح بعد مسلم إلا ابن
خزيمة .
ويقول أيضاً في مقدمة صحيحه: ((وإني لما رأيت الأخبار طرقها
كَثُرت، ومعرفة الناس بالصحيح منها قلَّت، لاشتغالهم بكتبة الموضوعات،
وحفظ الخطأ والمقلوب، حتى صار الخبر الصحيح مهجوراً، لا يكتب،
والمنكر المقلوب عزيزاً يستغرب، وأن من جمع السنن من الأئمة الماضين
المرضيين، وتكلم عليها أهل الفقه والدين، أمضوا في ذكر الطرق للأخبار،
وأكثروا من تكرار المعاد للآثار، قصداً منهم لتحصيل الألفاظ على مَن دام
حفظها من الحفّاظ فكان ذلك سبب اعتماد المتعلّم على ما في الكتاب،
وترك المقتبس التحصيل للخطاب، فتدبرت الصحاح لأسهِّل حفظها على
المتعلمين، وأمعنت الفكر فيها لئلا يصعب وعيها على المقتبسين)) (٣).
(١) قال ابن حبان في ((المجروحين)) ٩٣/١: ((ما رأيت على وجه الأرض من يحسن
صناعة السنن، ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها، حتى كأن السنن بين عينيه إلا
محمد بن إسحاق بن خزيمة)). نقله الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) ٧٢٣/٢.
(٢) شروط الأئمة الخمسة للحازمي ص: (٦٢).
(٣) مقدمة الصحيح لابن حبان ٥٨/١.
٣٥

فابن حبّان إذا لم يكن سائحاً في العالم الإسلامي، تخلبه الظواهر،
وتخدعه المظاهر، وإنما كان باحثاً عن العلم، متشوقاً إلى الإِحاطة بالحقائق،
متطلعاً إلى معرفة الأسباب والنتائج ليحكم عليها حكم العالم المجرِّب
الخبير، والناقد المتأنّي البصير. ولعلّنا لا نجانب الحق إذا قلنا: إن قِمَّةً حَصِيلَة
هذه الرحلة المباركة كِتَابُهُ العظيم ((التقاسيم والأنواع ... )) أوْ ((صحيح ابن
حبان)).
صحيح ابن حبان :
إن الاسم الكامل الذي وضعه أبو حاتم لمصنّفه العظيم هو: ((المسند
الصحيح على التقاسيم والأنواع، من غير وجود قطع في سندها، ولا ثبوت
جرح في ناقليها)).
غير أن العلماء الذين تعرضوا لذكره في مصنفاتهم اختلفوا في
تسميته، وكلَّ منهم قد أطلق عليه جزءاً من هذه التسمية الطويلة. فالذهبي
ينقل عن الإِدريسي قوله: ((صنّف - يعني ابن حبان - المسند الصحيح))(١)
ويذكره في الصفحة نفسها باسم ((الأنواع)) ويقول فيها أيضاً: ((وفي صحيحه))
أي: صحيح ابن حبان. بينما يطلق عليه في ((تذكرة الحفاظ))(٢) اسم ((الأنواع))
و((كتاب الأنواع والتقاسيم)).
وأما أبو عمرو بن الصلاح فقد أطلق عليه في ((مقدمته))(٣) اسم ((صحيح
أبي حاتم ابن حبان)» وسمّاه العراقي ((صحيح ابن حبان)) وقال أيضاً:
((وصحيح أبي حاتم محمد بن حبان البستي))، المسمى بـ ((التقاسيم
والأنواع)). وأطلق عليه محمد بن إسماعيل الصنعاني في كتاب ((توضيح
(١) سير أعلام النبلاء ٩٤/١٦، وتذكرة الحفاظ ٩٢١/٣.
(٢) تذكرة الحفاظ ٩٢١/٣.
(٣) مقدمة ابن الصلاح ص: (١١).
٣٦

الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار)) ٦٤/١ ((صحيح ابن حبان)) وبهذه التسمية
وسمه السيوطي في ((التدريب)) ١٠٩/١ إذ قال: ((صحيح ابن حبان ترتيبه
مخترع)».
وهذا الصحيح - بترتيبه المخترع - ليس موجوداً كاملاً، وإنما الموجود
بين أيدينا ((الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان)) الذي رتبه الفارسي على
أبواب الفقه، غير أنه لم يترك شاردة ولا واردة إلا أثبتها، حتى رموز التقاسيم
والأنواع التي تدل على مكان وجودها في الأصل.
فالفارسي - بحق - قمة شامخة في الأمانة العلمية، وفي المحافظة على
الأصل، وفي عمله هذا إبقاء على النسب الواضح بين المؤلّف وبين صاحبه.
وأما نحن فقد اخترنا هذه التسمية ((صحيح ابن حبان)) للأسباب التالية:
١ - لأن هذا الاسم هو الشائع الذائع في الأوساط العلمية، والعامة، وفي
المؤلفات التي يتعرّض أصحابها لذكر هذا الصحيح.
٢ - لأنه أخصر التسميات، وأسهلها نطقاً على اللسان، وأعذبها وقعاً على
الآذان .
٣ - تأسياً بـ ((الجامع الصحيح)) للإِمام البخاري، الذي لم يذع ولم ينتشر بهذا
الاسم، وإنما انتشر وذاع باسم ((صحيح البخاري)).
شروط ابن حبان وموقف العلماء منها:
تربع ابن حبان على كرسي الأستاذية - وهو به جدير - بعد أن أفنى
نصفَ عُمُرِهِ جوّاباً في الآفاقِ، جَمَّاعاً لِلْعِلْمِ، طَلَّباً للحقِّ، حَتَّى أَصْبَحَ
الأَسْتَاذَ الْعَلَمَ في أكثر من فَنَّ، وبخاصة في هذا العلم الشريف، وأصبحت
الرحلة إليه لقراءة كتبه عليه، والإِفادة منه.
لقد أصبحَ الإِمامَ المجْتَهِدَ الذي يتدبَّرُ الصِّحَاحَ بفكرٍ ثاقبٍ، ورويَّةٍ
٣٧ .

مُدْهِشَةٍ، عُمْدَتُهُ فِي ذَلِكَ ذكاءٌ نَادِرٌ، وَخِبْرَةٌ طويلٌ، وممارَسَةٌ أَصيلَةٌ، وشجاعَةٌ
فِي الْحَقِّ نَادِرَةٌ. فَهُوَ بِذُلِكَ كُلُّهِ الْإِمامُ القَادِرُ عَلَى الْأُخْذِ والرِّدِّ، مِنْ كُلِّ شَيْخِ
ے
سَابِقٍ لَّهُ فِي هَذَا الِمِضْمَارِ النَّبِيل.
فَمَا الشُّرُوطُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَتَفَّرَ فِي الْحَدِيثِ لِيَكُونَ مِنْ مَرْوِيَّاتِهِ، مُثْبَاً
فِي مُدَوَّنَاتِهِ؟
إِنَّهُ يُقَرِّرُ ذُلِكَ - بِلَهْجَةِ الأَسْتَاذِ الوَائِقِ فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ:
((وَأَمَّا شَرْطُنَا فِي نَقَلَةِ مَا أَوْدَعْنَاهُ كِتَابَنَا هُذَا مِنَ السُّنَنِ، فَإِنَّنَا لَمْ نَحْتَجَّ فِيهِ
إِلَّ بِحَدِيثٍ اجْتَمَعَ فِي كُلِّ شَيْخٍ مِنْ رُوَاتِهِ خَمْسَةُ أَشْيَاءً:
: العدالةُ في الدينِ بالسَّتْرِ الْجَمِيلِ .
الأول
: الصِّدْقُ في الحديثِ بِالشَّهْرَةِ فِيهِ.
والثاني
: العَقْلُ بِمَا يُحَدِّثُ مِنَ الْحَدِيثِ.
والثالث
: العِلْمُ بِمَا يُحِيلُ مِنْ مَعَانِي الْآثَارِ.
والرابع
: المتَعَرِّي خَبَرُهُ عَنِ الَّدْلِيسِ .
والخامس
فَكُلَّ مَن اجْتَمَعَ فِيهِ هَذِهِ الخِصَالُ الخَمْسُ، احْتَجَجْنَا بِحَديثِهِ، وَبَنْنَا
الْكِتَابَ عَلَىْ رِوَايَتِهِ وَكُلُّ مَنْ تَعَرَّى عَنْ خَصْلَةٍ مِن هذه الْخِصَالِ الْخَمْسِ ، لَمْ
نَحْتَجَّ بِهِ))(١) . .
لقد كتب هذا المحقّق العظيم عن أكثر من ألفي شيخ، ولكن مُعَوَّلَ
صَحِيحِهِ عَلَى نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ شَيْخَاً، اقْتَعَ بِرِوَايَتِهِمْ وَاطَّحَ الْبَاقِي.
فَكَيْفَ كَانَتْ تَحْصُلُ لَهُ الْقُنَاعَةُ؟ وَمَا الطّرِيقُ الَّذِي يَسْلُكُهُ لِلْوُصُولِ
إِلَيْهَا؟
(١) مقدمة ابن حبان لصحيحه ١٣٩/١ بتحقيقنا.
٣٨

يقول: ((وَقَدِ اعْتَبْنَا حَديثَ شَيْخٍ شَيْخٍ، عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنَ الْأعْتِبَارِ
عَلَى سَبِيلِ الدِّينِ، فَمَنْ صَحَّ عِنْدَنَا مِنْهُمْ أَنَّهُ عَدْلٌ احْتَجَجْنَا بِهِ، وَقَبِلْنَا مَا
رَوَاهُ، وَأَدْخَلْنَهُ فِي كِتَابِنَا هَذَا، وَمَنْ صَحَّ عِنْدَنَا أَنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ بِالاعْتِبَارِ الَّذِي
وَصَفْنَا لَمْ نَحْتَجَّ بِهِ، وَأَدْخَلْنَهُ فِي كِتَابِ (الْمَجْرُوحِينَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ) بِأَحَدِ
أَسْبَابِ الْجَرْحِ))(١).
فابن حبان يعتدّ بهذه الشروط الآنفة الذكر في كل شيخ من رواة السند،
ومن ثم يحكم على الحديث بالصحة، ويدرجه في كتابه هذا، إذا استوفى
الشروط المذكورة، أو يطرحه ويدرجه في ((كتاب الضعفاء)) إذا أخلّ بواحد
منها، وهو في صنيعه هذا يعدّ نفسه إماماً مجتهداً، لا يقلد أحداً من الأئمة
الذين تقدموه، ولا يعبأ بمخالفتهم له فيما انتهى إليه، يقول: ((فَمَنْ صَحّ
عِنْدِي مِنْهُمْ بِالْبَرَاهِينِ الْوَاضِحَةِ، وَصِحَّةِ الْأعْتِبَارِ - عَلَى سَبِيلِ الدِّين - أَنَّهُ ثِقَةٌ
احْتَجَجْتُ بِهِ، وَلَمْ أَعَرِّجْ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَدَحَ فِيهِ.
وَمِنْ صَحَّ عِنْدِي بِالدَّلَائِلِ النِّرَةِ، وَالْأِعْتِبَارِ الْوَاضِحِ - عَلَى سَبِيلِ
الدِّينِ - أَنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ، لَمْ أَحْتَجَّ بِهِ، وَإِنْ وَثَّقَهُ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا))(٢).
وهذه الشروط التي شرطها ابن حبان لتصحيح الحديث في كتابه - وهي
شروط دقيقة تتطلب جهداً كبيراً، ويقظة تامة، وإحاطة واسعة - قد التزمها،
ووفى بها في عامة ما أدرجه في صحيحه هذا من الأحاديث، ولم يُخِلَّ بذلك
إلا فيما لا يخلو منه عالم أو كتاب من السهو والغلط، أو من اختلاف الرأي
في الجرح والتعديل، والتوثيق والتضعيف، والتعليل والترجيح.
ترتيبه، وموقف العلماء منه :
إن ابن حبان الذي يعتقد أن في لزوم السنة «تَمَامَ السَّلَامَةِ، وَجِمَاعَ
(١) انظر صحيح ابن حبان ١٤٤/١ بتحقيقنا.
(٢) مقدمة ابن حبان لصحيحه ١٤١/١ بتحقيقنا.
٣٩

الْكَرَامَةِ، لَا تُطْفَأْ سُرُجُهَا، وَلاَ تُدْحَضُ حُجَجُهَا، مَنْ لَزِمَهَا عُصِمَ، وَمَنْ
خَالَفَهَا نَدِمَ، إِذْ هِيَ الْحِصْنُ الْحَصِينُ، والرُّكْنُ الرَّكِين))(١)، لم يرضَ عن
ترتيب الذين ((أَمْعَنُوا فِي ذِكْرِ الطُّرُقِ لِلْأَخْبَارِ، وَأَكْثَرُوا مِنْ تَكْرَارِ الْمُعَادِ لِلَّثَارِ،
قَصْدَأَ مِنْهُمْ لِتَحْصِيلِ الأَلْفَاظِ عَلَى مَنْ رَامَ حِفْظَهَا مِنَ الْحُفَّاظِ، فَكَان ذُلِكَ
سَبَبَ اعْتِمَادِ الْمُتَعَلَّمِ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ، وَتَرْكِ الْمُقْتَبِسِينَ التَّحْصِيلَ
لِلْخِطَّاب))(٢).
فلا بدّ إذاً - والحال هذه - من حيلة يحتالها، لِيَحْفَظَ النَّاسُ السُّنْنَ،
وَلَأَنْ لَا يُعَرِّجُوا عَلَى الْكِتْبَةِ وَالْجَمْعِ إِلَّ عِنْدَ الْحَاجَةِ، دُونَ الْحِفْظِ وَالْعِلْمِ
بِهِ .
فَمَا الْحِيلَةُ الَّتِ احْتَالَهَا، لِتَحْقِيقِ هَذِهِ الغَايَةِ النَّبِيلَةِ؟!
- يقول: ((فَتَدَبَّرْتُ الصِّحَاحَ لأَسَهَّلَ حِفْظَهَا عَلَى المتعلِّمِينَ، وَأَمْعَنْتُ
الْفِكْرَ فِيهَا لِئَلَّا يَصْعُبَ وَعْيُهَا عَلَى المقتبسِينَ، فَرَأَيْتُهَا تَنْقَسِمُ خَمْسَةً أَقْسَامٍ
مُتَسَاوِيَةٍ، مُتَّفِقّةِ التَّقْسِيمِ غَيْرِ مُتَنَافِيَةٍ.
: الأوامرُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ عِبَادَهُ بِهَا.
فأولها
: النَّواهِي الَّتِي نَهَى عِبَادَهُ عَنْهَا.
والثاني
: إِخْبَارُهُ عَمَّا احْتِيجَ إِلَى مَعْرِفَتِهَا.
والثالث
: الإِبَاحَاتُ الَّتِي أُبِيحَ ارْتِكَابَهَا .
والرابع
: أَفْعَالُ النَّبِّ - ◌ِ الَّتِي انْفَرَدَ بِفِعْلِهَا.
ثُمَّ رَأَيْتُ كُلَّ قِسْمٍ مِنْهَا يَتَنَوَّعُ أَنْواعاً كَثِيرَةً)(٣). (((فَجَمِيعُ أَنْوَاعِ السَُّنِ
والخامس
(١) مقدمة ابن حبان لصحيحه ٨٦/١ بتحقيقنا.
(٢) مقدمة ابن حبان لصحيحه ٨٦/١ بتحقيقنا.
(٣) مقدمة ابن حبان لصحيحه ٨٦/١ - ٨٧ بتحقيقنا.
٤٠