Indexed OCR Text

Pages 121-140

خلاصة القول :
إنه لا يجوز الطعن على مسلك الجمهور في تعديلهم للصحابة كافة بناء على
وجود سورة بالقرآن الكريم باسم ((المنافقون)) وكذلك آيات أخرى في ذكر المنافقين ،
لأن في القرآن الكريم نفسه شيئاً كثيراً في مدح الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ولا
يمكن أن يؤاخذ الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بجريرة المنافقين .
مناقشة النقطة الثالثة :
هل كان الصحابة يُكفِّر بعضهم بعضاً أو كان يُكذّب بعضهم بعضاً :
ليست هناك رواية واحدة صحيحة نجد فيها تكفير الصحابة بعضهم لبعض .
وقد استعمل بعض الأنصار حين التخاصم كلمة النفاق وقال : أنت منافق ، وكان
هذا القول في سَوْرة الغضب، ولم يكن تهمة وجهت إلى المخاطب .
ثم هذه حادثة فردية ، لا يجوز بحال من الأحوال تعميمها ، بحيث تدل على كثرة
وقوعها .
وما كان الصحابة يكذب بعضهم بعضاً، وأكثر الروايات التي وردت فيها هذه
الكلمة غير ثابتة ، وقد مر بنا قول أنس بن مالك الأنصاري : ما كان يكذب بعضنا
بعضاً .
نعم ، مر بنا قول أم المؤمنين عائشة في تكذيب أبي الدرداء ، عندما خطب
فقال: من أدرك الصبح فلا وتر له، فقالت : كذب أبو الدرداء، كان النبي صلى
الله عليه وسلم يصبح فيوتر، ولكن - كما ذكرت من قبل - الكذب هنا بمعنى
الخطأ، ولا يمكن أن يستقيم المعنى إذا أخذناه بالمفهوم المتبادر لكلمة الكذب ، لأنه لا
مجال لتكذيب أبي الدرداء حيث كان هذا رأيه ، أو فتواه، والآراء والفتاوي لا تكذب
ولكنها تخطأ .
وعلى هذا يمكننا أن نقول : إن الصحابة ما كان يكذب بعضهم بعضاً .
وقد أخطأ بعضهم فشرب الخمر ، أو ارتكب المعاصي ، حتى نشب القتال بين
الفئتين منهم ، بالرغم من هذا لم يثبت الكذب فيما بينهم، كان علي بن أبي طالب
يقول :
- ١٢١ -

((إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً فلأنْ أَخِرَّ من السماء
أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم عن غيره، فإنما أنا رجل محارب ،
والحرب خدعة .. ))(٣٧).
ونرى معسكراً يقاتل علياً رضي الله عنه، وفي الوقت ذاته لا يكذب على النبي
صلى الله عليه وسلم ، بل يؤول الحديث تأويلاً .
(( ... عن طاووس عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه ، قال : لما
قتل عمار بن ياسر دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص. فقال: قتل عمار،
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تقتله الفئة الباغية . فقام عمرو بن العاص
فزعاً يرجع ، حتى دخل على معاوية ، فقال له معاوية : ما شأنك ؟ قال ، قتل عمار .
قال معاوية : قد قتل عمار، فماذا؟ قال عمرو : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: ((تقتله الفئة الباغية)) فقال له معاوية: دحضت في بولك، أو نحن قتلناه؟
إنما قتله علي وأصحابه ، جاؤوا به حتى ألقوه بين رماحنا أو قال بين سيوفنا))(٣٨).
ونرى هنا معاوية رضي الله عنه لم يَكذب ولم يُكذّب بل أَوَّل تأويلاً . ولذلك فإن
الصحابة في نظر المسلمين كافة - علمائهم وعوامهم - كلهم عدول. ولذلك عندما
روى بعض الصحابة الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيها مدحهم فقد قبل
الناس حديثهم .
ونجد أن بعض الفرق المنحرفة يطعن في الصحابة وخاصة في الوليد بن عقبة
وعبد الله بن أبي سرح، ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم . ومن الغريب أننا لا نجد
أحاديث صحيحة ثابتة النسبة إلى هؤلاء، وفيها مدح لهم، فلو كان هؤلاء من
الكذابين لاخترعوا أحاديث ولرواها أهل الحديث عنهم، لأنهم كانوا من الصحابة في
نظرهم وكانوا عدولا أيضاً. فعدم وجود حديث صحيح ثابت النسبة إلى هؤلاء في
مدحهم دليل آخر على صدقهم .
(٣٧) حم ١: ٨١ .
(٣٨) حم ٤: ١٩٩، أيضاً أنساب الأشراف ١ : ١٦٨.
- ١٢٢ -

مناقشة النقطة الرابعة :
عدالة الصحابة وادعاء منافاتها للطبائع البشرية :
أما إنها تخالف الطبيعة البشرية لذلك لا يمكن قبولها ، فليس لهذا الادعاء سند
من واقع الحياة . بل إنه يخالف الطبيعة البشرية نفسها . لأن المدعين بهذا الرأي
يتجاهلون تماماً أثر التربية في نفوس الناس ، وينكرون أثر الوازع الديني ومدى قدرته
على تهذيب النفوس . والطبيعة البشرية ليست شيئاً جامداً محدوداً لا يحيد . بل إننا
نرى أن النفس البشرية عندما تتأثر بالإِيمان الصحيح وتتشرب عقيدة التوحيد فتسمو
حتى تقترب من الملائكة وتتطهر من الرذائل كافة . وعندما تتدنى وتتنجس فتدنو من
الشيطان ، وكأن ليس بينهما مسافة طويلة . ويمكننا أن نأتي ببعض الأمثلة .
غريزة الجنس غريزة أصيلة ، وشريعة الله من آدم إلى نبينا محمد صلى الله عليه
وسلم هي الزواج ، والجمع به بين الجنسين ، وأحياناً يكون مصيره الطلاق ، ولقد أباح
الدين الإسلامي الطلاق ، بينما لم تبح النصرانية الطلاق إلا في حالة الخيانة الزوجية .
وعلى هذا كانت نسبة الطلاق في انجلترا ١١ في كل ألف وكان ذلك سنة ١٩٣٠ م،
وأصبحت ٧٠ بالألف سنة ١٩٦٠ م، بينما هي في أمريكا تصل إلى ثلاثمائة وثلاثين في
كل ألف(٣٩)، أما في فرنسا فبلغت النسبة في الوقت الحاضر مائتين في كل ألف .
فإذا أردنا أن نتعرف على أنماط الطبيعة البشرية في هذه البلاد فهل يجوز أن نتخذ
من نسب الطلاق المتباينة بين هذه البلاد مقياساً نقيس به الطبيعة البشرية . أحسب
أن ذلك من الخطأ البين . إذن كلمة الطبيعة البشرية كلمة مطاطة ، فعليه لا يجوز
قياس الأحوال الاجتماعية من بلد إلى بلد ومن زمان إلى زمان آخر بهذه البساطة .
إذن تبين من هنا أنه لا يجوز قياس الصحابة على الآخرين أو بالعكس . إذ
زكاهم الله سبحانه وتعالى واختارهم لصحبة نبيه ، ليؤدوا عنه بعد وفاته صلى الله
عليه وسلم .
. IMPACT. (London). 1st. June 1971. (٣٩)
- ١٢٣ -

بقي هناك إشكال آخر، فإنه من طبيعة البشر السهو والنسيان ، فإن عدلنا
الصحابة كافة فقد رفعناهم عن منزلة البشر وأبعدنا عنهم السهو والنسيان .
وللرد على ذلك نقول :
أولا : أن الصحابة بشر وهم معرضون كغيرهم للسهو والنسيان ، ولا يعني
تعديلهم نفي إمكانية السهو والنسيان عنهم(٤٠).
ثانياً : أنهم عاصروا النبي صلى الله عليه وسلم ، وعاصروا الحوادث ، ورأوها
بأعينهم ، فانطبعت في ذاكرتهم . ثم طبقوها تطبيقاً عملياً فكانوا صورة صادقة للسنة
النبوية . ولم تتوافر هذه الميزة لغيرهم . وبالرغم من هذا كانوا يتذاكرون فيما بينهم في
مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبعد وفاته كان يذاكر بعضهم بعضاً، وكان
يستذكر بعضهم بنفسه كأنه يقرأ وِزْدَه من القرآن(٤١) زد على ذلك أنهم كانوا إذا رووا
الأحاديث احتاطوا لذلك ، وإذا شكُّوا في حديث تجنبوا الرواية ، كما كان بعضهم
يخوّف بعضاً من الزيادة والنقصان .
ومن أمثلة ذلك :
١ - كان صهيب يقول: هلموا أحدثكم من مغازينا، فأما أن أقول: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا(٤٢).
٢ - قال مجاهد: ((صحبت ابن عمر إلى المدينة فلم أسمعه يحدث عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثاً واحداً. قال: كنا عند النبي صلى الله عليه
وسلم ... ))(٤٣).
(٤٠) انظر الصفحة ١٢٦ .
(٤١) انظر تفصيل ذلك في كتابي: دراسات في الحديث النبوي ص ٣٢٩ - ٣٣٢ ( الطبعة الثالثة) .
(٤٢) أنساب الأشراف ١٨٣:١.
(٤٣) خ العلم ١٤ .
- ١٢٤ -

٣ - قال عبد الله بن الزبير لأبيه: ((اني لا أسمعك تحدث عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم كما يحدث فلان وفلان . قال : أما وإني لم أفارقه ، ولكن سمعته يقول :
من كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار))(٤٤) .
٤ - قال ابن أبي ليلى : كنا إذا أتينا زيد بن أرقم ، فنقول حدثنا عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فيقول : إنا قد كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله
شديد(٤٥)
٥ - قال أنس: ((إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثاً كثيراً، أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: ((من تعمد علي كذباً فليتبوأ مقعده من النار))(٤٦).
٦ - قال سمرة: ((إنه ليمنعني أن أتكلم بكثير مما كنت أسمع من رسول الله صلى
الله عليه وسلم أن ههنا من هو أكثر مني ، كنت ليلتئذ غلاماً وإني كنت أحفظ ما
أسمع منه))(٤٧).
٧ - وقال شرحبيل بن السمط لكعب: ((يا كعب بن مرة، حدثنا عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم واحذر))(٤٨).
٨ - وكان عمران بن حصين يتجنب التحدث كثيراً لئلا يقع في الخطأ (٤٩).
٩ - روى أسيد بن أبي أسيد عن أمه، قالت: ((قلت لأبي قتادة: ما لك لا
تحدث عن رسول الله كما يحدث الناس عنه؟ قالت : فقال أبو قتادة : سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كذب عليّ فليلتمس لجنبه مضجعاً من
النار ... )) (*).
(٤٤) خ العلم ٣٨ .
(٤٥) جه ، مقدمة ٣.
(٤٦) خ العلم ٣٨ .
(٤٧) حم ١٩:٥.
(٤٨) جه إقامة ١٥٤ .
(٤٩) حم ٤: ٤٣٣.
(٥٠) الرسالة ٣٩٧ .
- ١٢٥ -

أما من ناحية سهوهم ونسيانهم فلم يُسلّم النقاد للصحابة بكل شيء ، بل كانوا
إذا وجدوا خطأ أو وهماً نبهوا عليه . فقد وهّمت عائشة جماعة من الصحابة في
رواياتهم للحديث .
١ - فقد وهَّمت عائشة رضي الله عنها ابن عمر رضي الله عنهما في تواريخ اعتمار
النبي صلى الله عليه وسلم(٥١).
فقال النووي : سكوت ابن عمر على إنكار عائشة يدل على أنه كان قد اشتبه
عليه أو نسي أو شك :
وقال ابن حجر مستدلا بذلك : وفيه دليل على أنه قد يدخل الصحابي الوهم
والنسيان لكونه غير معصوم(٥٢) .
٢ - ووهّم سعيد بن المسيب ابن عباس في قوله : تزوج النبي صلى الله عليه
وسلم ميمونة وهو محرم.
٣ - ووهّم الدارقطني رافع بن عمرو المزني رضي الله عنه في قوله: رأيت النبي صلى
الله عليه وسلم يخطب على بغلة بمنى . وروى الناس كلهم خطبة النبي صلى الله عليه
وسلم على ناقة أو جمل، ثم قال: أفيضعف الصحابي بذلك(٥٣).
ويبدو من هذا جلياً أن عقيدة عدالة الصحابة لا تخالف الطبيعة البشرية ، لأن
تربية النبي صلى الله عليه وسلم قد أثرت فيهم من جهة، وهم بدورهم أخذوا
الاحتياطات كافة للتحديث من جهة أخرى، والذين ذهبوا إلى تعديلهم جميعاً بيّنوا
أخطاء الصحابة - إن وُجد - ورأوا أن ذلك لا يؤثر في تعديلهم لأسباب كثيرة قد
شرحنا بعضها من قبل.
٤ - وروى مسلم حديثاً في الحيض ٥٣ ص ١: ٢٥٨ من طريق ((إسماعيل عن
أبي ريحانة عن سفينة ... كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع ويتطهر
بالمد)».
وقال أبو ريحانة: ((وقد كان كبر إلى سفينة ــ وما كنت أثق بحديثه)).
(٥١) خ العمرة ٣.
(٥٢) فتح الباري ٦٠٢:٣ .
(٥٣) شرح علل الترمذي ٣٤ ب .
١
- ١٢٦ -

البابُ السّابعُ
المستشرقون ومنهج نقد المحدثين
لقد مرت بنا الأقاويل حول منهج المحدثين في نقد الأحاديث ، وأن جل اهتمامهم
كان منصباً على الأسانيد دون المتون .
لذلك رفض المستشرقون ، ومن يمشي في ركابهم ، نتيجة بحوث المحدثين بسبب
ضعف المنهج في نظرهم ، واختاروا لأنفسهم منهجاً ، وهو نقد المتون . وفي هذا المجال
نستعرض كتابات ثلاثة من كبار المستشرقين في هذا القرن وكانوا على رأس
الاستشراق إلى أمس القريب . وهم :
١) غولتسهير. ٢) وفنسنك. ٣) وجوزيف شاخت .
ونبدأ بما كتبه غولتسهير لأنه أقدمهم موتاً، ولأن كتابه يعتبر (( كتاباً مقدساً)) عند
المستشرقين - ولم يقم أحد من المستشرقين بدراسة الحديث النبوي مثله، إلا جوزيف
شاخت في العصر الحاضر.
غولتسهير ونقده لحديث لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد :
قال غولتسهير: إن عبد الملك بن مروان كان خائفاً من عبد الله بن الزبير من
أن يأخذ البيعة من الشاميين الذين يحجون إلى بيت الله الحرام، لذلك التجأ إلى
حيلة ، واحتمى إلى القاعدة، وهي الحج إلى قبة الصخرة بالقدس بدلا عن الحج إلى
مكة - ولذلك أصدر قراراً بأن الطواف حول الصخرة بالقدس يقوم في شرعيته مقام
طواف الكعبة في الإسلام. ولقد أسند إلى التقي المحدث الزهري ليبرر هذا الهدف
- ١٢٧ -

السياسي للإصلاح الديني باختراع حديث موصول إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونشره
بين الناس يفهم منه بأن هناك ثلاثة مساجد يمكن أن يحج الناس إليها : مكة والمدينة
والقدس(١) .
ولاتهام عبد الملك بإلغاء الحج أو على الأقل بمحاولة الإلغاء ، يعتمد غولتسهير
على ما أورده اليعقوبي في تاريخه حيث يقول :
ومنع عبد الملك أهل الشام من الحج ((وذلك أن ابن الزبير كان يأخذهم إذا
حجوا بالبيعة ، فلما رأى عبد الملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة ، فضج الناس ،
وقالوا تمنعنا من حج بيت الله الحرام وهو فرض من الله علينا. فقال لهم : هذا ابن
شهاب الزهري يحدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تشدوا الرحال إلا
إلى ثلاثة مساجد ، المسجد الحرام ومسجدي ومسجد بيت المقدس وهو يقوم لكم
مقام المسجد الحرام . وهذه الصخرة التي يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وضع قدمه عليها لما صعد إلى السماء تقوم لكم مقام الكعبة ، فبنى على الصخرة قبة ،
وعلق عليها ستور الديباج ، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما
تطوف حول الكعبة، وأقام بذلك أيام بني أمية))(٢).
لكن يا ترى هل كان الزهري في منزلة تسمح له باختلاق حديث ونسبته إلى
النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وهل كان في وسعه أو في وسع عبد الملك بن مروان إلغاء
الحج وإيجاد بديل عنه؟ الحقائق التاريخية لا تؤيد هذا الادعاء بل تعارضه معارضة
شديدة .
لقد اختلف المؤرخون في تاريخ ولادة الزهري ، وتضاربت أقوالهم من السنة
الخمسين للهجرة إلى الثامنة والخمسين(٣) ولم يلتق الزهري بعبد الملك قبل
سنة ٨١ هـ (٤).
Goldziher, Muhd. Studien, ii, 35; see also Guillaume, The traditions of Islam, 48. (1)
(٢) تاريخ اليعقوبي ٣١١:٢.
(٣) تاريخ الإسلام للذهبي ١٣٦:٥، ابن قتيبة المعارف ٤٧٢ .
(٤) البخاري التاريخ الصغير ص ٩٣ اقرأ مع الطبري ١٠٥٢:٢.
- ١٢٨ -

ومن ناحية أخرى كانت فلسطين سنة ٦٧ هـ خارجة عن سيطرة عبد الملك بن
مروان(٥) وكان الأمويون في عام ٦٨ هـ بمكة في موسم الحج(١) .
وفي ضوء هذه الحقائق نستطيع أن نقول إن عبد الملك بن مروان لا بد أنه فكر
في بناء قبة الصخرة كبديل عن الكعبة بعد سنة ٦٨ هـ .
وتشير المراجع التاريخية فعلًا إلى أنه بدأ بالبناء من عام ٦٩ هـ(٧) ولعل هذا هو
الوقت المناسب لاستشهاده بحديث الزهري . وكان الزهري في ذلك الوقت ما بين
عشرة وثمانية عشرة من عمره وليس من المعقول أن يصبح طفل أو شاب في هذا
العمر مشهوراً في الأوساط العلمية في بيئة غير بيئته وموطن غير موطنه حيث تخضع له
القلوب ليتمكن من إلغاء فريضة الحج المبين في القرآن الكريم والأحاديث النبوية
مئات المرات . ولقد كان هناك عدد من الصحابة وكبار التابعين في الشام، ما كان
يمكنهم أن يسكتوا على هذا التزوير. وإن قلنا إنه لم يكن لديهم إيمان كاف أو شجاعة
كافية ليقوموا في وجه الباطل ، بل كانوا من أبناء الدنيا إذن لغضبوا على عبد الملك
لاهماله إياهم وإبعادهم عن منزلتهم بحيث استشهد بابن عشرة، ولم يستفد من
((خدماتهم)).
ثم اليعقوبي نفسه يذكر أن الحج أصبح في يد الأمويين من عام ٧٢ هـ وما بعده،
وذهب عبد الملك بنفسه للحج في عام ٧٥ هـ(٨).
وعمارة الصخرة لم تكمل إلا في عام ٧٢ هـ، وفي هذه السنة وما بعدها كانت مكة
- حسبما ذكره اليعقوبي - في يد الأمويين، لذلك لم يكونوا في حاجة إلى إيجاد بديل
للحج ، ولا داعي للطواف حول الصخرة ، ولم يكن الأمويون مغفلين ليمنحوا
أعداءهم سلاحاً ضدهم بحيث يقوموا بالدعاية ضدهم إذ أنهم غيروا حج بيت الله
الحرام إلى زيارة الصخرة بالقدس .
(٥) اليعقوبي ٣٢١:٢.
(٦) اليعقوبي ٣٢٠:٢.
(٧) المقدسي، مثير الغرام، ٣٠٠ نقلا عن سبط ابن الجوزي. 300 .See, J.R.A.S. xix, 1887, p .
(٨) تاريخ اليعقوبي ٢ : ٣٣٦.
- ١٢٩ -

وبعد هذا وذاك كله فإن الكلمات المنقولة عن الزهري لا تشير من قريب ولا من
بعيد إلى إيجاد بديل للحج ، كما أنها لا توحي بتقديس الصخرة ، ولا بتحبيذ الطواف
حولها . كل ما هنالك أنها تعطي منزلة خاصة للمسجد الأقصى .
ومن البدهي أن المسجد الأقصى قبلة المسلمين الأولى ، ومسرى الرسول الأعظم
كما ذكر القرآن نفسه، اللهم إلا إذا أخذنا (( بالاكتشاف الجديد)) الذي يذهب فضل
اكتشافه إلى البروفسور غيوم بأن المسجد الأقصى كان بالجعرانة(٩) والمسلمون بعقلهم
الخرافي حولوه إلى القدس(١١) ولا يبدو أن عقول الناس حتى الآن بلغت إلى مستوى
يقبل هذا ((الاكتشاف)).
أضف إلى ذلك ، أن الزهري ليس الراوي الوحيد لهذا الحديث بل هناك رواة
عديدون وأذكر هنا بعضهم فقط.
الحديث - لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، ورواته عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم :
١ - عبد الملك بن عمير عن قزعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه(١١).
٢ - قاسم عن قزعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه(١٢).
٣ - قتادة عن قزعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه(١٣).
٤ - إبراهيم بن سهل عن قزعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه(١٤).
٥ - قصيم عن قزعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه(١٥).
٦ - مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه (١٦).
(٩) موضع على بعد أربعين كيلومتراً من مكة ، انظر معجم البلدان لياقوت الحموي .
Guillaume, A. Where was al-Masyid al-Aqsa? al-Andaluse, Madrid, 1953 pp. 323-336. (1.)
(١١) حم ٧:٣، ٥١٠، م الحج ٤١٥، خ الصوم ٦٧ .
(١٢) حم ٣: ٣٤.
(١٣) حم ٣: ٤٥ .
(١٤) حم ٣: ٧٧ .
(١٥) الطبراني، الأوسط ٢٦١:١ - أ، تاريخ الفسوي ٨٩:٣ - أ.
(١٦) حم ٣: ٥٣.
- ١٣٠ -

٧ - عبد الحميد عن شهر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه(١٧)
٨ - ليث عن شهر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه(١٨).
٩ - عبد الملك بن عمير عن عكرمة مولى زياد عن أبي سعيد الخدري رضي
الله عنه(١٩) .
١٠ - أبان بن ثعلبة عن عطية عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه(٢).
١١ - عبد الملك عن عمر بن عبد الرحمن عن أبي بصرة الغفاري (٢١).
١٢ - يزيد بن أبي حبيب عن مرثد بن عبيد الله عن أبي بصرة الغفاري(٢٣).
١٣ - هشام عن نافع عن ابن عمر(٣٣).
١٤ - سلمة بن كهيل عن حجية بن عدي عن علي (٢٤).
١٥ - يزيد بن أبي مريم عن قزعة عن عبد الله بن عمرو (٢٥).
١٦ - محمد بن ابراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة(٢٦).
١٧ - محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة(٢٧).
١٨ - عمران بن أبي أنس عن سلمان الأغر عن أبي هريرة (٢٨).
١٩ - الزهري عن سعيد عن أبي هريرة (٢٩) .
إذن بأي منطق نستطيع أن ننسب فضل ((وضع)) هذا الحديث للزهري وحده
ونتجاهل هؤلاء وكثيرين غيرهم ، إذ من الواجب إشراك غيره معه .
(١٧) حم ٣: ٦٤.
(١٨) حم ٣: ٩٤.
(١٩) حم ٧١:٣ .
(٢٠) الطبراني، الأوسط ٣:٢ - أ.
(٢١) حم ٧:٦ .
(٢٢) حم ٣٩٧:٣.
(٢٣) الطبراني، الأوسط ٢: ١٠٥ - أ.
(٢٤) الطبراني، الأوسط ١: ٢١٠ - أ، المعجم الصغير ٩٧ - ٩٨.
(٢٥) جه إقامة ١٩٦، تاريخ الفسوي ٨٩:٣ - أ ب.
(٢٦) حم ٧:٦، تاريخ الفسوي ٨٩:٣ - أ.
(٢٧) حم ٢: ٥٠١، دي الصلاة ١٣٢.
(٢٨) م الحج ٥١٣.
(٢٩) خ فضل الصلاة ١، م الحج ٥١١، ن مساجد ١٠، حم ٢٣٤:٢، ٢٣٨، ٢٧٨ .
- ١٣١ -
:

نكتفي بمثال واحد من انتقادات غولتسهير وننظر إلى حصيلة مستشرق آخر وهو
فنسنك
والأستاذ فنسنك ذائع الصيت في الأوساط العلمية لما قام به من جهد جبار في
تأليف المعجم المفهرس لألفاظ الحديث .
فنسنك ونقده للحديث بناء على المتن :
يقول فنسنك : لقد تطورت النظريات وكذلك العمل بعد وفاة محمد صلى الله
عليه وسلم بعدة قرون . وهذا التطور منح للقادة الروحيين فرصة لبيان روح الإسلام
في الأحاديث ومن أهمها على الاطلاق حديث ( العقيدة والشهادة) وبنى الإسلام على
(٣٠)
خمس(٣).
والدليل على وضع هذين الحديثين - في نظر فنسنك - بعد وفاة النبي صلى الله
عليه وسلم بعدة عقود على يد الصحابة هو كالآتي :
لم يكن لدى النبي صلى الله عليه وسلم أية صيغة يجب إتيانها لمن يدخل في كنف
الإِسلام. وعندما التقى المسلمون بالمسيحيين في الشام ووجدوا عند النصارى كلمة
شعروا بحاجة إلى شيء يماثلها ، فاستخرجوا روح الإسلام في شكل هذين الحديثين .
وبما أن هذا الحديث يشتمل على الشهادتين ، لذلك لا يمكنه أن يقبل أن هذا
الحديث صادر عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ويعرف فنسنك جيداً أن التشهد جزء من التشهد الذي يقرأ في نهاية كل ركعتين
في الصلاة ، وكان من المفروض أن يعدل نظريته ، لكنه عدل الصلاة نفسها ، فادعى
أن الصلاة نفسها وصلت إلى شكلها النهائي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم(٣١)،
ومن الغريب جداً أن القرآن يأمر بالصلاة عشرات المرات(٣٢) والأحاديث الخاصة
بالصلاة تصل إلى الآلاف ، بالرغم من هذا يزعم فنسنك أن النبي صلى الله عليه
Wensink, A. J. The Muslim Creed, p. 19, see also p. 32. (٣٠)
Wensink, A. J. The Muslim Creed, p. 32. (٣١ )
(٣٢) انظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن ٤١٣ - ٤١٤ .
- ١٣٢ -

وسلم لم يعلّم أتباعه الصلاة وتركها ناقصة ، وقد أخذت شكلها النهائي على أيدي
الصحابة ؟؟ .
لكن الأمر لا ينتهي إلى هنا. الصلاة في الإسلام جماعية، وكان المسلمون
يصلون جماعة ، كما هو واضح في الآيات القرآنية نفسها. وفي السنة الأولى أو الثانية
وجد الأذان والقرآن نفسه يشير إليه(٣٣) والشهادتان جزء من الأذان، إذا ثبت هذا
فكل ما كتبه فنسنك من ((التدقيقات والتحقيقات)) يصبح كلاماً فارغاً بل هراء إلا
إذا كان فنسنك يفكر في إدخال الأذان في وقت متأخر أيضاً لعله بعد الاقتباس من
النصارى البيزنطيين . وهذا مثال لنقد مستشرق أفنى عمره في تأليف المعجم المفهرس
لألفاظ الحديث . وسنبحث الآن في انتقادات عميد المستشرقين في الوقت الحاضر وهو
البروفسور شاخت .
البروفسور شاخت ونقده للحديث بناء على المتن :
ألف موسى بن عقبة الأسدي (مات سنة ١٤١ هـ)(٣٤) مولى بني الزبير بن العوام
كتاباً في المغازي(٣٥) أثنى عليه الأئمة الأعلام. كان مالك بن أنس يقول: ((عليكم
بمغازي موسى بن عقبة فإنه ثقة)) (٣٦).
لا نعرف شيئاً عن كتابه المغازي في الوقت الحاضر إلا الاقتباسات التي في بطون
الكتب ، مثل تاريخ الطبري (٣٧) والدرر في المغازي والسير لابن عبد البر(٣٨) وغيرهما.
وهناك مخطوطة في برلين رقم ١٤٤٥ (٣٩) تشتمل على بضعة عشر حديثاً منتخبة من
(٣٣) سورة الجمعة ٩.
(٣٤) تهذيب التهذيب ٣٦٢:١٠.
(٣٥) تذكرة الحفاظ ١٤٨.
(٣٦) الجرح والتعديل للرازي ٤ /١: ١٥٤ انظر أيضاً التهذيب ١٠ : ٣٦١، ٣٦٢.
(٣٧) انظر على سبيل المثال الطبري ١: ٢٩٨١، ٢٩٩٨، ٣٠٧٣، ٣١٠٣، ٣١٣٧.
(٣٨) انظر مثلاً: ٥٦، ٥٩، ٢٠٩، ٢١٤.
(٣٩) تاريخ أدب العرب لبروكلمان ١٠:٣ (الترجمة العربية).
- ١٣٣ -

مختلف أجزاء المغازي ، لعلها من انتخاب يوسف بن محمد بن عمر بن قاضي شهبة
(٧٨٩ هـ) ونشرها ادوار سخاو مع ترجمتها بالألمانية والتعليقات عليها(٤٠).
وبعد مضي نصف قرن على نشر تلك المخطوطة ، كتب البروفسور جوزيف شاخت
مقالة: ((على كتاب المغازي لموسى بن عقبة)) وانتقد فيها الأحاديث الواردة في
المنتخب(٤١).
هذه المقالة تمنحنا فرصة ذهبية للاطلاع على منهج شاخت في نقد الحديث المبني
على المتون ، وما عسى يمكننا أن نضيف إلى مناهج المحدثين أو على الأقل يثبت لنا
عدم جدوى منهج المحدثين في نقدهم .
يقول شاخت : إنه نادى بالعودة إلى النقد العميق في دراسة الأحاديث . وقال :
إنه وصل إلى النتيجة الآتية :
إن جزءاً هاماً من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن الفترة المدنية ، كما ظهرت
في كتابات النصف الثاني من القرن الثاني ، يرجع في أصله إلى عهد قريب جداً من
الكتابة ، ولذلك ليست له أية قيمة تاريخية إذ بعد مضي قرن ونصف لوفاة النبي صلى
الله عليه وسلم تقريباً، ما بقيت في ذاكرة الجماعة إلا تصورات غامضة مبهمة عن
نبيهم ، بالرغم من هذا، بذلت الجهود لسد النواقص وأضيفت الرتوش والألوان
ورتبت المواد ترتيباً منهجياً وصيغت بشكل الأحاديث مع إضافة الأسانيد . وكان كل
ذلك في القرن الثاني الهجري(٤٢) .
هذه (( النتائج)) التي وصل إليها شاخت - في نظره - بعد دراسته للأحاديث
الفقهية، أراد أن يطبقها في ميدان السيرة أيضاً، ولذلك اختار لهذا الغرض
(((المنتخب)) من مغازي موسى بن عقبة.
Sachau: Das Berliner Fragment des Musa Ibn Ukba, Sitzung. der Phil. Hist Classe, Feb. 1904 ( 2 . )
pp. 465-470.
Schacht, J. On Musa b.'Uqba's "Kitab al-Maghāzī", Acta Orientalia, 1953, vol xxi, pp. ( £1)
288-300.
. . Did., p. 290 (٤٢ )
- ١٣٤ -

وأنا بدوري أختار بعض الأحاديث التي تكلم عنها شاخت ، كنموذج للنقد ،
وليس هدفي هو نقد مقالته من أولها إلى آخرها ، لأن ذلك يتطلب مجالا أوسع .
وقبل البدء بنقل آرائه ومناقشتها ، يحسن بنا أن ننقل النصوص أولا ، لنتمكن
من الرجوع إليها بسهولة ، ولهذا الغرض نأخذ الحديث رقم ٦ و٨ و٩ و١٠ من
المنتخب المطبوع .
الحديث رقم (٦) :
قال ابن شهاب ، ثنا أنس بن مالك أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : ائذن لنا يا رسول الله فلنترك لابن أختنا عباس
فداءه، فقال: ((لا والله لا تذروا درهماً)).
الحديث رقم (٨):
((ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ، قال : قال سالم بن عبد الله ، قال عبد الله
ابن عمر، فطعن بعض الناس في إمارة أسامة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فقال: ((إن تطعنوا في إمارة أسامة فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبله . وأيم الله
إن كان خليقاً للإمارة وإن كان لمن أحب الناس كلهم إلي ، وإن هذا لمن أحب
الناس إلي بعده، فاستوصوا به خيراً من بعدي فإنه من خياركم)).
الحديث رقم (٩) :
((قال موسى ، قال سالم بن عبد الله ، قال عبد الله بن عمر: ما كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يستثني فاطمة رضي الله عنها)).
الحديث رقم (١٠):
((قال موسى بن عقبة ، حدثني عبد الله بن الفضل أنه سمع أنس بن مالك
يقول : حزنت على من أصيب بالحرة من قومي ، فكتب إلي زيد بن أرقم ، وبلغه
شدة حزني يذكر : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم اغفر
للأنصار ولأبناء الأنصار، ونسأل الفضل في أبناء أبناء الأنصار».
- ١٣٥ -

نقد شاخت لهذا المنتخب من مغازي موسى بن عقبة :
يقول شاخت معلقاً على هذا المنتخب : إن محتويات المنتخب من الأحاديث من
النوع الذي نتوقعه في منتصف القرن الثاني . ولا يمكن تجاهل الأثر العباسي في هذه
الأحاديث، وهي ذات نزعة شديدة ضد العلويين . خاصة والعطف الظاهر إلى
خلافة أبي بكر يشير إلى أنها انتحلت في وقت متأخر نسبياً من بدء الدولة العباسية .
ولذلك من الصعوبة بمكان أن نقبل أن موسى بن عقبة كان مؤلفاً لهذا الكتاب ، لأنه
مات في بدء الدولة العباسية .
انتقادات شاخت على الأحاديث المختارة من المنتخب مفصلة :
الحديث رقم (٦) :
قال شاخت : يحاول هذا الحديث أن يلطف الجو لمصلحة الأسرة الحاكمة
- العباسيين - بقصة أسر جدهم الأعلى الذي كان يحارب ضد النبي صلى الله عليه
وسلم ، والذي أسره المسلمون فكان عليه أن يفدى .
الحديث رقم (٨) :
روى اسماعيل بن ابراهيم بن عقبة ( المتوفى في حدود ١٦٠ هـ)، هذا الحديث عن
سالم بن عبد الله ( المتوفى ١٠٦ هـ) مباشرة ، ولم يروه عن طريق موسى بن عقبة .
ولسد هذه الهوة الزمنية أدخل اسم موسى بن عقبة فيما بينهما كما نرى عند البخاري
مثلاً، وبالطبع أدخل هذا التحسين في الإسناد في وقت متأخر. لذلك لا يمكننا أن
نعتبر هذا الحديث جزءاً أصيلاً من كتاب المغازي الأصلي لموسى بن عقبة .
الحديث رقم (٩):
ينكر هذا الحديث الامتيازات لسلالة النبي صلى الله عليه وسلم في القانون الجزائي
- قانون العقوبات - لذلك يعتبر هذا الحديث ضد العلويين .
- ١٣٦ -

الحديث رقم (١٠):
يمدح هذا الحديث حزب الأنصار الذي كان موالياً للحكام وفي صف العباسيين .
وعلى هذا الأساس لا تصح نسبة هذه الأحاديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
ولكن يا ترى هل هذا الاستنتاج العقلي والنقد المبني على ((الحقائق التاريخية))
متفق عليه بين المستشرقين أم ثمة استنتاج آخر يعارض ما ذهب إليه شاخت؟
نقد البروفسور غيوم هذا المنتخب من مغازي موسى بن عقبة :
يقول غيوم معلقاً على كتاب ((المنتخب من مغازي موسى بن عقبة)): من
الواضح أن موسى بن عقبة يتعاطف مع آل الزبير والأنصار فقط، بينما العلويون في
نظره ليسوا أحسن من أحد ، أما الأمويون فيستحقون عنده اللوم من أجل مذبحة
الحرة . ويقدم العباس ثائراً ومتمرداً على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يجبر على دفع
الفدية إلى قصارى جهده بسبب مخالفته النبي (صلى الله عليه وسلم) (٤٣) .
الرد على نقد المستشرقين :
الرد على نقد الحديث رقم (٦):
نرى - في ضوء ما نقلنا من قبل - أن غيوم يستنتج من الحديث رقم ٦ الخاص
بأسر العباس أن هذا الحديث موجه ضد العباسيين ، بينما يجد فيه شاخت روحاً موالية
للعباسيين . ولا نستطيع أن نوفق فيما بين استنتاجاتهما، إذ لا يمكن الجمع بين
النقيضين .. وهذا أول دليل ضد المنهج الذي ينادون به .
ومن الناحية الثانية أن العباس بن عبد المطلب كان عم النبي صلى الله عليه
وسلم ، والعم صنو الأب . ومكانته معروفة في الشرق بأكمله، وكان من الممكن أن
يعفو عنه النبي صلى الله عليه وسلم كما رغب فيه الأنصار أيضاً ، ولكن النبي صلى الله
عليه وسلم رفض قائلاً: ((لا والله، ولا تذروا درهماً)). إذن لم يظهر النبي صلى الله
عليه وسلم أي عطف على العباس في هذه الحادثة . لذلك كان قول شاخت بأن فيه
Guillaume, A. The Life of Muhammad, Introduction, p. xlvii. ( Er)
- ١٣٧ -

ميلًا نحو العباسيين كلام يناقض العقل والمنطق . علاوة على ذلك إن كان هذا
الحديث من نسيج الخيال ، وقد وضع في عهد العباسيين ، وذلك لمصلحتهم وبعد
مضيّ فترة من حكمهم، فلمّ لم يحاول العباسيون قلب الحادث رأساً على عقب؟
ولمّ لم يفكر العباسيون في تبييض صحيفة جدهم؟ وعلى الأقل كان من الممكن
حذف الكلمة : لا والله لا تذروا درهماً، حتى لا يرى الناس العباس - جد الخلفاء
العباسيين - مضطراً إلى دفع آخر درهم .
وإذا كان الأمر - كما يدعي شاخت - أن هذه الأحاديث إنما وضعت في عهد
العباسيين ضد العلويين، فلمَ لا يكون الوضع في القرن الأول نفسه عندما اشتد
الخلاف بين العلويين والأمويين. أو لم يكن الزهري يشتغل مع الأمويين؟ فإذن ما
المانع أن يكون الحديث وضع في القرن الأول؟ لذلك يمكننا أن نتساءل ما هو السبب
الوجيه الذي يدفعنا إلى أن نقبل هذا الادعاء بأن هذا الحديث جاء إلى عالم الوجود
في النصف الثاني من القرن الثاني ولا يمكن أن يكون معروفاً قبل ذلك؟ .
الحديث رقم (٨) :
لقد أنکر شاخت أن یکون هذا الحديث في أصل كتاب موسى بن عقبة ، وبنى
هذا الحكم على وجود خطأ في الإسناد ، وفي الواقع ليس هذا الخطأ في الإسناد ،
لكنه في نسخ الإسناد .
أولا : أن هذه المخطوطة ليست بخط موسى بن عقبة بل إنها انتخبت في القرن
الثامن. ثم لا توجد من هذا المنتخب إلا نسخة واحدة اعتمد عليها المحقق في
طبعها .
والمعروف لكل من يشتغل في التحقيق أن النظر ينخدع في نقل الجمل والكلمات
خاصة إذا كانت متكررة . وبما أن الراوي هو اسماعيل بن إبراهيم بن عقبة والمؤلف
موسى بن عقبة فتكرار كلمة عقبة كاف لارتكاب هذا النوع من الخطأ. أو كانت
العبارة الأصلية : اسماعيل بن ابراهيم عن ابن عقبة فسقطت كلمة عن ، والاحتمال
الأول أرجح. على كل، هذا النوع من الخطأ معروف لدى المحققين كافة ، فالبناء
على هذا الخطأ في النسخ للرد على هذا الحديث بناء تعسفي ، وكلام غير علمي إلا إذا
- ١٣٨ -
٠
٧
٢

٤
قلنا : إن الإنسان لا يخطئ أبداً. وإذا اعتبرنا هذا المبدأ صحيحاً فيقع البروفسور
شاخت في مشكلة كبيرة .
فمثلاً : نقل سيخو - عند نشره لهذا المنتخب - إن الله لا يؤيد هذا الدين
بالرجل الفاجر، بينما في صورة المخطوطة التي نشرها مع المقال : إن الله ليؤيد هذا
الدين بالرجل الفاجر .
يا ترى هل كان هذا عمداً منه، للبروفسور شاخت أن يقول ذلك ، أما أنا
فأقول إنه خطأ في النسخ لا غير. بل البروفسور شاخت يقع في مشكلة أخرى أكبر
من ذي قبل .
٢
قال شاخت :
إن ابراهيم النخعي يعرف أن القنوت في الصلاة بدعة استحدثت بعد وفاة النبي
صلى الله عليه وسلم بفترة في عهد علي ومعاوية . ويؤكد ابراهيم هذه الحقيقة بأنه ليس
هناك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أبي بكر وعمر بهذا الصدد . كما
يظهر بمراجعة كتاب الآثار لأبي يوسف(٤٤) .
ومن الغريب في الموضوع أننا نجد في كتاب الآثار المشار إليه عكس ما يدعيه
شاخت . فهناك حديث متصل الإسناد إلى النبي صلى الله عليه وسلم لإثبات القنوت
وحديث آخر مرسل .
لا ندري أي موقف يختار شاخت لنفسه الآن . هل كان متعمداً أم مخطئاً في
النقل، على كل له كامل الحرية إن أراد أن يختار الشق الأول، أما أنا فأقول: إنه
ربما كان مخطئاً، والخطأ والسهو والنسيان من فطرة الإِنسان . وإذا كان الأمر هكذا
فالكلام نفسه يقال عن الخطأ الواقع في نسخ إسناد الحديث رقم / ٨.
ثانياً : الحديث رقم / ٩ الذي يذكر إسناد موسى عن سالم فهو في الواقع جزء
من الحديث رقم / ٨ وليس حديثاً منفصلاً، كما سنرى بعد قليل .
. :
The Origins of Muhammadan Jurispridence, p. 60. ( 1)
- ١٣٩ -

الحديث رقم (٩):
يقول شاخت : الحديث رقم / ٩ ضد العلويين ، لأنه ينكر امتياز العلويين في
القانون الجنائي . ولكن هل طلب النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه امتيازاً في القانون
الجنائي ، ألم يقدم النبي صلى الله عليه وسلم نفسه للقصاص ؟ وهل هناك إشارة -
ولو من بعيد - يفهم منها أن النبي صلى الله عليه وسلم أو سلالته فوق التشريع؟ ألم
يقل: ((والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)). أليست مساواة الناس
كلهم أمام القضاء وأمام الشريعة شيئاً مطلوباً وأمراً حسناً؟ بدلا من أن يرى شاخت
في هذا الحديث مساواة المسلمين كافة أمام الشريعة إذا هو يجد فيه عناصر ضد
العلويين . وهل ادعى علي رضي الله عنه نفسه يوماً ما أنه فوق الشريعة؟ إذن على
أي أساس يعتبر هذا الحديث ضد العلويين ؟
من ناحية أخرى فإن شاخت لم يفهم معنى الحديث نفسه . إذ هذا الحديث لا
صلة له بالنظام الجزائي وقانون العقوبات . وفي الواقع الحديث رقم / ٩ ليس حديثاً
مستقلاً بل هو جزء من الحديث رقم / ٨. وقد أخطأ سخاو - بسبب تكرار السند
- فعده حديثاً ثانياً مستقلاً. وتبعه شاخت في خطئه بدون أن يمعن النظر. وهذا
الحديث لا يشير لا من قريب ولا من بعيد إلى قوانين العقوبات ، بل يشير بكل
بساطة إلى إمارة أسامة واعتراض بعض الناس عليها. فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: ((أسامة أحب الناس إلي)).
أضاف إليه ابن عمر قائلاً، عندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أسامة
أحب الناس إلي)) لم يستثن فاطمة ولا غيرها .
ولقد روى الطيالسي هذا الجزء من الحديث عن طريق حماد عن موسى بن عقبة ،
وفيه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أسامة أحب الناس إلي ، ولم يستثن
فاطمة ولا غيرها(٤٥). كذلك يوجد هذا الحديث بشطريه في مصادر أخرى .
(٤٥) للتفصيل انظر دراسات في الحديث النبوي ٤٦٧ - ٤٦٨ .
- ١٤٠ -