Indexed OCR Text

Pages 81-100

الباب الرابعُ
النقد العقلي عند المحدثين
لقد اتهم بعض الناس المحدثين بأنهم حصروا عنايتهم في معرفة رواة الحديث
والبحث عن تاريخهم - حسب الإمكان - ولا عليهم بعد ذلك إن كان ما يصدر عن
هؤلاء الرواة صحيحاً في نفسه أو غير صحيح معقولا أو غير معقول(١).
المحدثون ومراعاتهم للعقل :
يبدو للوهلة الأولى أن جهود المحدثين كانت منصبة حول الأسانيد، وقلما تكلموا
على المتون ، أو بمعنى آخر قلما استعملوا عقولهم في نقد المتون . والأمر على عكس
ذلك إذ ما من عملية نقد لنص إلا وقد استعمل فيها العقل ، لكن ما كان اعتمادهم
على العقل فقط في قبول الحديث أو رده إلا في أقل النادر، ولا يمكن أن يكون المنهج
العلمي في نقد الأحاديث إلا هكذا . إذ من المستحيل استعمال العقل - من الناحية
العقلية نفسها - في تقويم كل حديث .
ولله در الشافعي حیث قال: « ولا يستدل علی أکثر صدق الحدیث وكذبه إلا
بصدق المخبر وكذبه ، إلا في الخاص القليل من الحديث. وذلك أن يستدل على
الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله ، أو ما يخالفه ما
هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه))(٢) .
(١) أضواء على السنة المحمدية. وقد نقل عنه المعلمي في الأنوار الكاشفة . .
(٢) الرسالة ٣٩٩.
- ٨١ -

وللتوضيح نقول : أنه لا يشك عاقل في وجود النبي صلى الله عليه وسلم من
الناحية التاريخية ، وأنه عاش على هذه الأرض. ومن طبائع البشر الأكل والشرب
والنوم وما إلى ذلك . فإذا ورد في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام كان يأكل بيمينه
ويشرب في ثلاثة أنفاس ويدعو كذا عند نومه وكذا عند استيقاظه، فكل هذا ممكن
عقلا ، كما أن ضده ممكن . وجائز لرجل أن يأكل بيمينه أو بيساره، ويمكن له أن
یشرب في نفس واحد ، أو نفسين أو ثلاثة أو أكثر، كذلك لا يستحيل دعاؤه ، لكنه
ليس هناك شيء يجبره على الدعاء أيضاً .
إذن من الناحية العقلية يحتمل هذا أو ذاك . يمكن أن يكون الشيء ويمكن أن
يكون ضده وعكسه، ولا يستطيع العقل أن يحكم لجانب على آخر، فالذي يرجح
صدق الخبر في هذه الحالات ليس هو العقل، لكن صدق الخبر. وإذا نظرنا إلى
دواوين السنة نجد جزءاً كبيراً منها يدخل في هذا النطاق .. من هنا يبدو أن ادعاء
المعترضين بأن المحدثين أهملوا العقل ادعاء في غير محله. بل إنهم استعملوا العقل،
لكن العقل حكم بنفسه بأن هذه القضايا خارجة عن دائرة حكمه .
ومن ناحية أخرى ان المحدثين لم يقفوا على الأسانيد فقط وأصدروا أحكامهم على
الأحاديث بل دائماً كانوا ينظرون إلى المتن حتى حكموا على الأحاديث بالبطلان بالرغم
من نظافة الأسانيد ومن أمثلة ذلك :
قال الذهبي :
١ - ((محمد بن علي بن الوليد السلمي البصري، عن العدني ومحمد بن عبد
الأعلى وعنه الطبراني وابن عدي .
روى البيهقي حديث الضب من طريقه بإسناد نظيف ، ثم قال البيهقي الحمل فيه
على السلمي هذا، وصدق البيهقي)) ().
٢ - ((محمد بن علي الشرابي شيخ تمام الرازي .
وضع على سند صحيح: ((أكذب الناس الصواغون والصباغون))(٤) .
(٣) المغني ٢ :٦١٦.
(٤) المغني ٣١٧:٢.
- ٨٢ -

٣ - ((محمد بن الفضل البخاري الواعظ، عن حاشد بن عبد الله.
[روى] بإسناد نظيف مرفوع: قيام الليل فرض على حامل القرآن، فكذا،
فلیکن الكذب)،(*) .
ولأجل ذلك قالوا : صحة الإسناد لا يلزم منها صحة المتن(٦).
ومن الشروط الأساسية للحديث الصحيح أن لا يكون شاذاً(٧) .
والشاذ هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه أو أكثر عدداً(4).
ولا تعرف المخالفة من الموافقة إلا بمقارنة المتون ومعانيها. ويدل هذا على أن
المحدث لا يستطيع أن يحكم على حديث بالصحة قبل أن يطمئن إلى عدم شذوذ
متنه ، الأمر الذي يفرض عليه النظر في المتن أيضاً .
...
ويمكننا أن نقول إن مراعاة المحدثين للعقل في دراسة الأحاديث النبوية وقبولها
ورفضها كان في كل خطوة ، حيث كان بالإمكان مراعاته .
قال المعلمي : إن المحدثين راعوا العقل في أربعة مواطن .
١ - عند السماع
٢ - عند التحديث
٣ - عند الحكم على الرواة
٤ - عند الحكم على الأحاديث .
١ - أما عند السماع، فقد قال الخطيب البغدادي («باب وجوب إخراج المنكر
والمستحيل من الأحاديث)).
ولا بد لقبول الخبر أن يكون الراوي وقت تحمل الحديث وسماعه مميزاً ضابطاً عالمً
بما يسمعه . فالمتثبتون إذا سمعوا خبراً تمتنع صحته أو تبعد لم يكتبوه ولم يحفظوه، فإن
.٠
(٥) المغني ٢ : ٦٢٤.
(٦) انظر الباعث الحثيث ص ٤٣، ولو أنني أرى أن القاعدة الكلية هي صحة الإسناد تستلزم صحة المتن. أما في
الأمثلة المذكورة أعلاه أو في أحاديث مماثلة فهي قضايا شاذة نادرة الوجود لذلك بالرغم من وجود هذا الأصل، لا يمكن
اعتباره كقاعدة .
(٧) الباعث الحثيث ٢١ .
(٨) الباعث الحثيث ص ٥٦ وما بعدها.
- ٨٣ -

حفظوه لم يحدثوا به . فإن ظهرت مصلحة لذكره ، ذكروه مع القدح فيه وفي الراوي
الذي عليه تبعته .
٢ - أما مراعاتهم للعقل عند التحديث فإنه لا يجيز المحدثون رواية حديث
ضعيف فضلاً عن الموضوع إلا ببيان ضعفه .
أما مراعاتهم للعقل عند الحكم على الرواة ، فإننا نجد أنهم كثيراً ما يجرحون
الراوي بخبر واحد منكر جاء به فضلاً عن خبرين أو أكثر (٩).
وقال ابن رجب : اختلاف الرجل الواحد في الإسناد إن كان متهماً فإنه ينسبه إلى
الكذب ، وإن كان سيء الحفظ نسب به إلى الاضطراب وعدم الضبط (١) بل يحكمون
بالوضع في الحديث إذا كان الراوي سرق الحديث وجاء بإسناد غير صحيح ولو كان
المتن صحيحاً ثابتاً .
قال معاذ بن معاذ، قلت لعوف بن أبي جميلة ، إن عمرو بن عبيد حدثنا عن
الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حمل علينا السلاح فليس منا ،
قال: كذب والله عمرو، ولكنه أراد أن يحوزها إلى قوله الخبيث(١١).
لقد ذكر الإمام مسلم رحمه الله هذه الرواية في تكذيب عمرو بن عبيد، علماً بأن
مسلماً نفسه ذكر هذا الحديث في صحيحه: ((عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: من حمل علينا السلاح فليس منا))(١٢).
ومراد مسلم رحمه الله بإدخال هذا الحديث هنا بيان أن عوفاً جرح عمرو بن عبيد
وقال : كذاب، وإنما كذبه مع أن الحديث صحيح لكونه نسبه إلى الحسن ، وكان
عوف من كبار أصحاب الحسن والعارفين بأحاديثه، فقال: كذب في نسبته إلى
الحسن، أو لم يسمعه هذا من الحسن . وليس هذا هو المثال الوحيد ، بل هناك أمثلة
كثيرة من هذا النوع .
(٩) الأنوار الكاشفة ٦ - ٧ .
(١٠) شرح علل الترمذي ٣٠ ب.
(١١) مقدمة صحيح مسلم ٢٢ .
(١٢) م الإيمان ١٦١.
- ٨٤ -

لقد حكم المحدثون على نسخة بشر بن حسين الأصبهاني عن زكريا بن عدي عن
أنس بن مالك بالوضع ، علماً أن جزءاً غير قليل من أحاديثها موجود في
الصحيحين(١٣). ففي الواقع كان معيار المحدثين دقيقاً وشديداً. فما كانوا يقبلون شيئاً
نظيفاً إلا من يد نظيفة ، لذلك كانوا ينظرون أولا إلى الرواة فإذا ثبت فيهم الضعف
رموا بالحديث ولم يقبلوه ولو كان المتن صحيحاً ، لأنه يجب في نظرهم لقبول الرواية
أن يكون شطرا الرواية الإسناد والمتن كلاهما صحيحين، ولا يكفي صحة أحدهما
لقبولها .
أما مراعاتهم للعقل عند الحكم على الأحاديث فقد أعطوا العقل حقه كما يجب .
ولقد مر بنا قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (( ولا يستدل على أكثر صدق
الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه ، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك
أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله))(١٤)
وليس هذا إلا تحكيماً للعقل في محله .
وقال ابن أبي حاتم الرازي: ((تعرف جودة الدينار بالقياس إلى غيره ، فإن تخلف
عنه في الحمرة والصفا علم أنه مغشوش . ويعلم جنس الجوهر بالقياس إلى غيره فإن
خالفه في الماء والصلابة علم أنه زجاج ، ويقاس صحة الحديث بعدالة ناقليه وأن
يكون كلاماً يصلح أن يكون من كلام النبوة ... ))(١٥) وليس هذا إلا تحكيماً للعقل في
محله .
وقال الخطيب البغدادي: (( والأخبار كلها على ثلاثة أضرب ، فضرب منها يعلم
صحته، وضرب منها يعلم فساده، وضرب منها لا سبيل إلى العلم بكونه على واحد
من الأمرين دون الآخر ... وأما الضرب الثاني وهو ما يعلم فساده فالطريق إلى
معرفته أن يكون مما تدفع العقول صحته بموضوعها والأدلة المنصوصة فيها ... أو
يكون مما يدفعه نص القرآن أو السنة المتواترة ، أو أجمعت الأمة على رده أو يكون
(١٣) لمزيد من التفصيل انظر (305 .Studies in Early Hadith Literature, p)
(١٤) الرسالة ٣٩٩.
(١٥) تقدمة الجرح والتعديل ٣٥١.
- ٨٥ -

خبراً عن أمر من أمور الدين يلزم المكلفين علمه وقطع العذر فيه ، فإذا ورد وروداً لا
يوجب العلم من حيث الضرورة أو الدليل على بطلانه ... ))(١٦) كما عقد الخطيب باباً
آخر في كتابه ، عنونه («باب في وجوب اطراح المنكر والمستحيل من الأحاديث)»(١٧).
وقال الخطيب في مكان آخر: ((ولا يقبل خبر الواحد في منافاة حكم العقل
وحكم القرآن الثابت المحكم والسنة المعلومة والفعل الجاري مجرى السنة وكل دليل
مقطوع به ، وإنما يقبل به فيما لا يقطع به ما يجوز ورود التعبد به كالأحكام التي تقدم
ذكرنا لها وما أشبهها مما لم نذكره)»(١٨).
وأنقل هنا مثالا واحداً من كتابات ابن القيم في استعمال العقل في نقد المتون .
ذكر الشيخ ابن القيم رحمه الله: حديث ((لكل أمة مجوس ومجوس هذه الأمة
الذين يقولون : لا قدر)) ثم قال :
هذا المعنى قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر،
وحذيفة ، وابن عباس ، وجابر بن عبد الله ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن عمرو بن
العاص ، ورافع بن خديج .
فأما حديث ابن عمر وحذيفة : فلهما طرق، وقد ضعفت .
وأما حديث ابن عباس : فرواه الترمذي من حديث القاسم بن حبيب وعلي بن
نزار عن نزار عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
((صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: القدرية والمرجئة)) قال هذا حديث
حسن غريب .
ورواه من حديث محمد بن بشر أخبرنا سلام بن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن
عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وأما حديث جابر : فرواه ابن ماجه في سننه عن محمد بن المصفى عن الأوزاعي
عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر - يرفعه - نحو حديث ابن عمر.
(١٦) الكفاية ١٧ .
(١٧) الكفاية ٤٢٩ .
(١٨) الكفاية ٤٣٢.
- ٨٦ -

فلو قال بقية ((حدثنا الأوزاعي)) مشى حال الحديث، ولكن عنعنه، مع كثرة
تدليسه .
وأما حديث أبي هريرة : فروى عبد الأعلى بن حماد حدثنا معتمر بن سلمان
سمعت أبي يحدث عن مكحول عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
فذكره. رواه عن عبد الأعلى جماعة . وله علتان .
إحداهما : أن المعتمر بن سليمان رواه عن أبي الحر حدثني جعفر بن الحارث عن
يزيد بن ميسرة عن عطاء الخراساني عن مكحول عن أبي هريرة عن النبي صلى الله
عليه وسلم .
والعلة الثانية : أن مكحولا لم يسمع من أبي هريرة .
وأما حديث عبد الله بن عمرو : فيرويه عمرو بن مهاجر عن عمر بن عبد العزيز
عن يحيى بن القاسم عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو - يرفعه - ((ما هلكت أمة
قط إلا بالشرك بالله عز وجل . وما أشركت قط إلا كان بدء إشراكها : التكذيب
بالقدر » .
وهذا الإسناد لا يحتج به .
د
وأجود ما في الباب : حديث حيوة بن شريح : أخبرني ابن صخر حدثني نافع
((أن ابن عمر جاءه رجل. فقال: إن فلاناً يقرأ عليك السلام. فقال: إنه قد
بلغني أنه قد أحدث . فإن كان قد أحدث فلا تقرئه مني السلام . فإني سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول : يكون في هذه الأمة - أو أمتي - الشك منه -
خسف، ومسخ، أو قذف في أهل القدر)) قال الترمذي : حديث حسن صحيح
غريب .
والذي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ذمهم من طوائف أهل البدع : هم
الخوارج. فإنه قد ثبت فيهم الحديث من وجوه كلها صحاح. لأن مقالتهم حدثت في
زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وكلّمه رئيسهم .
وأما الإِرجاء، والرفض ، والقدر، والتجهم ، والحلول وغيرها من البدع : فإنها
حدثت بعد انقراض عصر الصحابة .
- ٨٧ -

وبدعة القدر: أدركت آخر عصر الصحابة . فأنكرها من كان منهم حياً،
كعبد الله بن عمر، وابن عباس، وأمثالهما رضي الله عنهم، وأكثر ما يجيء من
ذمهم : فإنما هو موقوف على الصحابة : من قولهم فيه .
ثم حدثت بدعة الإرجاء بعد انقراض عصر الصحابة . فتكلم فيها كبار التابعين
الذین ادرکوها ، کما حکیناه عنهم .
ثم حدثت بدعة التجهم بعد انقراض عصر التابعين . واستفحل أمرها ،
واستطار شرها في زمن الأئمة ، كالإِمام أحمد وذويه .
ثم حدثت بعد ذلك بدعة الحلول، وظهر أمرها في زمن الحسين الحلاج .
وكلما أظهر الشيطان بدعة من هذه البدع وغيرها : أقام الله لها من حزبه وجنده
من يردها، ويحذر المسلمين منها ، نصيحة لله ولكتابه ولرسوله ، ولأهل الإسلام.
وجعله ميراثاً يعرف به حزب رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي سننه من حزب
البدعة وناصرها))(١٩)
ولقد سئل ابن القيم : هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر
في سنده، فأجاب رحمه الله قائلاً: ((إنما يعلم ذلك من تضلع في معرفة السنن
الصحيحة ، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص
شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه فيما
يأمر به وينهى عنه ، ويخبر عنه ويدعو إليه ، ويحبه ويكرهه ويشرعه للأمة ، بحيث كأنه
مخالط للرسول صلى الله عليه وسلم كواحد من أصحابه)) (٢٠).
ثم ذكر ابن القيم أموراً كلية يعرف بها كون الحديث موضوعاً (٢١) منها :
(١) اشتماله على المجازفات التي لا يقول مثلها رسول الله صلى الله عليه وسلم
كقوله في الحديث المكذوب: ((من قال لا إله إلا الله، خلق الله من تلك الكلمة
طائراً له سبعون ألف لسان ... )).
(١٩) تهذيب سنن أبي داود ٧: ٦٠ - ٦١ .
(٢٠) المنار المنيف ٤٤ .
(٢١) انظر المنار المنيف من الصفحة ٥٠ وما بعدها.
- ٨٨ -

(٢) تكذيب الحس له كقولهم : الباذنجان لما أكل له .
(٣) سماجة الحديث وكونه مما يسخر منه كحديث لو كان الأرز رجلًا لكان
حليماً ، ما أكله جائع إلا أشبعه .
(٤) مناقضته لما جاءت به السنة الصريحة مناقضة بينة ، كأحاديث في مدح من
اسمه محمد وأحمد .
٠
(٥) أن يدعي على النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل أمراً ظاهراً بمحضر من
الصحابة كلهم وأنهم اتفقوا على كتمانه ولم ينقلوه. كما يزعم أكذب الطوائف أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع : هذا وصيي وأخي والخليفة
بعدي .
(٦) أن يكون الحديث باطلاً في نفسه كقولهم: إذا غضب الله تعالى أنزل
الوحي بالفارسية .
(٧) أن يكون كلامه لا يشبه كلام الأنبياء فضلاً عن كلام رسول الله صلى الله
عليه وسلم .
(٨) أن يكون الحديث بوصف الأطباء والطرقية أشبه، كقولهم: أكل السمك
یوهن الجسد .
(٩) مخالفة الحديث صريح القرآن .
(١٠) ركاكة ألفاظ الحديث وسماجتها
في ضوء هذه النصوص ، يفهم بوضوح أن المحدثين راعوا العقل وأعطوه حقه في
كافة منازل الرواية والراوي. وعلى هذا يمكن القول بكل وثوق أن منهجهم علمي
بكل معنى الكلمة . ولا يبدو أن منهج النقد في العالم تمكن حتى الآن من أن يضيف
إليه شيئاً قيماً. لكن الذين يرون عكس ذلك يدعون إلى الاستفادة من مناهج
المؤرخين وتطبيق قواعدهم .
قال طه حسین : « وما ينبغي كذلك أن نصدق کل ما یروی ، أو نكذب كل ما
يروى : وإنما الرواة أنفسهم ناس من الناس يجوز عليهم الخطأ والصواب ، ويجوز
عليهم الصدق والكذب . والقدماء أنفسهم قد عرفوا ذلك وتهيئوا له ووضعوا قواعد
- ٨٩ -

التعديل والتجريح والتصديق والتكذيب ، وترجيح ما يمكن ترجيحه ، وإسقاط ما
يمكن إسقاطه ، والشك فيما يجب الشك فيه ، فليس علينا بأس من أن نسلك الطريق
التي سلكوها وأن نضيف إلى القواعد التي عرفوها ما عرف المحدثون من القواعد
الجديدة التي يستعينون بها على تحقيق النصوص وتحليلها وفقهها))(٢٧).
ولأجل تقويم هذا الكلام نوازن إن شاء الله تعالى بين منهج المحدثين ومنهج نقد
المؤرخين . لأن بين التاريخ والحديث نوعاً من التشابه خلافاً للأدب .
٠٠
(٢٢) انظر أضواء على السنَّة المحمدية ٣٦١ - ٣٦٢.
- ٩٠ -

البابُ الخامِسُ
المقارنة بين مناهج نقد الحديث والتاريخ
لقد رأينا من قبل أن المحدثين راعوا العقل في عملية النقد وكانت لهم موازين
خاصة استعملوها في تمييز الأحاديث الصحيحة من الضعيفة وفي اختبار الرواة لمعرفة
الثقات من الضعفاء وكان ذلك قبل ثلاثة عشر قرناً على وجه التقريب .
ونشاهد الآن قفزة كبيرة في دنيا العلم ويحاول كل فرع من فروع المعرفة أن يقف
على رجليه ويدخل في زمرة العلم Science ولم يكن بدعاً أن يحاول التاريخ أو أن يحاول
المؤرخون إدخال هذه المادة في مصاف العلم . ووجدت هناك مدارس عديدة في فرنسا
وألمانيا وإنجلترا وبلاد غربية أخرى حاولت أن تخطط منهجاً سليماً يجب على المؤرخ أن
يتبعه . وبما أن بين الحديث والتاريخ نوعاً من الصلة لأن كليهما يبحثان في الوثائق عن
الأيام الماضية لذلك يستحسن بنا أن نقارن منهج المؤرخين في النقد لوثائقهم بنقد
المحدثين للأحاديث النبوية لنستطيع أن نعرف هل يمكن للحديث الاستفادة من منهج
البحث التاريخي كما يدعي بعض الباحثين أم أن الأمر على عكس ذلك .
النقد عند المؤرخين :
من الأقوال المشهورة في علم التاريخ: ((إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ))
والآثار عن السلف تسمى ((الأصول)). والأصول لدى المؤرخ هي جميع الآثار التي
خلفها السلف. يقول أسد رستم في مثال ذلك : إن الرسائل الواردة والصادرة إلى
محمد باشا هي أصول لتاريخ هذه الحقبة ، وكذلك مجموعة المدافع والأسلحة من
- ٩١ -

عهده الموجودة بسراي عابدين ، وكذلك جامعه ، وكذلك الجبرتي المؤرخ وكتابه(١) .
ويقول كولنجود : ما كتبه البابليون عن حروبهم التي اشتغلت معهم آلهتهم ليست
كتابة تاريخية لكن بموت أصحابها تكتسب طابع الوثائق التاريخية . وعلى هذا الأساس
ننظر إلى مثل هذه المخلفات على أنها تاريخ، وذلك هو موقفنا من الألواح والأواني
الرومانية التي هي مخلفات عصر ما قبل التاريخ والتي تصبح مخلفات تاريخية بعد موت
أصحابها . فتكتسب هذه المخلفات طابع الوثائق التاريخية ، لا لأن أصحابها قصدوا
من ورائها شيئاً، ولكن لأننا ننظر إليها نظرة الوثائق التاريخية(٢).
خطوات المؤرخ في جمع المواد :
لقد مر بنا قبل قولهم ((إذا ضاعت الأصول ضاع التاريخ)).
لذلك يقوم المؤرخ بالخطوات التالية :
(١) يحاول المؤرخ أن يجمع كل الأصول التي يمكن التوصل إليها .
(٢) بعد جمع الأصول يقوم بنقدها وتمحيصها لإثبات صحتها .
أول مرحلة من مراحل نقد الأصول التاريخية هي إثبات صحتها . لأنه إذا كان
الأصل أو المصدر كله أو بعضه مزيفاً أو منتحلاً فلا يمكن الاعتماد عليه على وجه
العموم(٣) وحينما يثبت للباحث في التاريخ أن الأصل أو المصدر التاريخي صحيح وغير
مزيف ، فليس معنى ذلك أن المعلومات الواردة به ذات قيمة تاريخية كبيرة بل لا بد
من نقد الأصل التاريخي من نواح أخرى(٤).
يقول حسن عثمان إنه بعد التأكد من صحة الأصل ينبغي على المؤرخ أن يحاول
معرفة الزمن الذي دون فيه الأصل التاريخي ، إذ بعد الزمن بين وقوع الحادث ورؤيته
وبين تدوين أخباره قد ينقص من قيمته التاريخية ، لأن الذاكرة تخون ، وكلما بعد
بالكاتب العهد عن زمن وقوع الحادث تعرض لأن يفوته قليل أو كثير من التفاصيل
(١) مصطلح التاريخ .
(٢) كولنجود، فكرة التاريخ ٤٦.
(٣) حسن عثمان، منهج البحث ٨٢ .
(٤) حسن عثمان، منهج البحث ٨٧ .
- ٩٢ -

الخاصة مهما كانت رغبته في قول الصدق قوية ومهما حاول استرجاع الماضي(٥)،
وكذلك ينبغي عليه معرفة مكان تدوين الحوادث ، فهل دون شاهد العيان أخبار
الحوادث في مكان حدوثها أم في مكان بعيد عنه اعتماداً على الذاكرة والخيال في سرد
الوقائع (( ... ويتدخل القرب والبعد عن مكان الحوادث في تقدير المعلومات الواردة
في الأصل التاريخي وإن لم يكن ذلك من الأدلة القاطعة على مدى الصدق بها))(٦) .
بعد التأكد من صحة نسبة الوثيقة وجمع المعلومات عن الظروف التي أحاطت
بتدوين تلك الوثيقة من الناحيتين الزمانية والمكانية يلجأ المؤرخ إلى عملية
التحليل Analysis وهنا يستعمل المؤرخون - أو على الأقل المفروض أن يستعملوا -
نوعين من النقد :
١ - النقد الباطني الإيجابي للتحقق من معنى الألفاظ ومن قصد المؤلف بما
کتبه .
٢ - النقد الباطني السلبي لإثبات صحة المعلومات المدونة .
النقد الباطني الإيجابي :
يقول حسن عثمان: ((النقد الباطني الإيجابي عبارة عن تحليل الأصل التاريخي
بقصد تفسيره وإدراك معناه)»(٧) ولهذا الغرض يجب على المؤرخ أن يراعي عدة
اعتبارات في تفسيره للأصل .
أولا -
تتغير اللغة من عصر إلى عصر لذلك يجب معرفة معاني الكلمات
المستعملة في عصر المؤلف .
تختلف معاني الكلمات من مكان لآخر فينبغي معرفة اللهجة المحلية
ثانياً -
التي دون بها الأصل التاريخي .
ثالثاً -
أسلوب الكتاب يختلف من كاتب لآخر لذلك يجب الالمام بلغة
الكاتب وأسلوبه .
(٥) حسن عثمان، منهج البحث ١٠٠ .
(٦) حسن عثمان، منهج البحث ١٠١ .
(٧) حسن عثمان، منهج البحث ١١٦ .
- ٩٣ -

يجب أن تفسر الكلمة في نطاق السياق العام للنص التاريخي .
رابعاً -
وعندما يصل الباحث إلى المعنى الحقيقي للنص التاريخي فإن عملية
التحليل أو التفسير الايجابي تكون قد انتهت(٨) .
وبعد الانتهاء من النقد الباطني الايجابي يخطو المؤرخ خطوة أخرى ، فيبدأ بالنقد
الباطني السلبي . وهي عملية ضرورية لتصفية الحقائق واستبعاد الزائف منها بقدر
المستطاع (٩) .
ولقد أورد شارل لانجلوا قائمتين من الأسئلة يستطيع المؤرخ عن طريق استعمالها
الوصول إلى النتيجة المطلوبة ، والهدف منهما ذو شقين :
أولا - التثبت من صدق المؤلف وعدالته .
ثانياً - التثبت من صدق المعلومات التي أوردها ومبلغ دقتها .
أولا - التثبت من صدق المؤلف وعدالته :
ولهذا الغرض يذكر شارل لانجلوا عدة استفسارات يجب على المؤرخ أن يجريها
على كاتب الأصل .
أ - بما أنه جائز جداً أن يكذب المؤلف لسبب ما، لذلك :
ينبغي أن نعرف ما هو غرض المؤلف من تدوين الأصل التاريخي
كوحدة عامة .
وماذا يمكن أن يكون هدفه من تدوين جزئياته المعينة .
وما مصلحته الشخصية إن كانت له مصلحة ؟
ب - ينبغي أن نعرف هل وجد كاتب الأصل التاريخي في مركز اضطره إلى
الكذب ومخالفة الحقيقة؟ وهل وجدت ظروف فوق طاقته اضطرته إلى
ذلك ؟
جـ - قد يكون لكاتب الأصل التاريخي ميل إلى أسرة أو حزب أو طبقة
(٨) حسن عثمان، منهج البحث ١١٩ .
(٩) حسن عثمان، منهج البحث ١٢٢ .
- ٩٤ -

اجتماعية، أو شعب أو دولة، أو مدينة معينة أو .. أو .. فهل أعطى
الكاتب معلومات خاطئة ليخدم المصلحة المعينة ؟
هل غروره أدى إلى كتابة تلك الواقعة ونسب شيئاً ما إلى نفسه؟
-
د
هـ - هل قصد إرضاء الجمهور أو مداراته أو على الأقل تعمد عدم ازعاج
الرأي العام .
هل كتب بأسلوب أدبي لارضاء الجمهور على حساب الحقيقة التاريخية
و -
تاركاً بعضها آخذاً ببعض آخر؟؟
وفي ضوء إجابة هذه الأسئلة يستطيع المؤرخ أن يكوّن رأيه في صدق مؤلف
الوثيقة التاريخية وعدالته أو على عكس ذلك .
وعندما تثبت المؤرخ من صدق مؤلف الوثيقة التاريخية وعدالته يبدأ بالنقد الباطني
السلي للتثبت من صدق المعلومات .
النقد الباطني السلبي :
وللنقد الباطني السلبي يذكر شارل لانجلوا نوعين من الاستفسار :
أ - هل تمتع الراوي أو كاتب الأصل التاريخي بحواس سليمة وبعقل سليم
فاستطاع أن يعطي معلومات صحيحة مما شهده وسمعه بنفسه؟
ب - هل تمتع الراوي أو كاتب الأصل التاريخي بجميع الشروط الواجب
توفرها حتى تتحقق المشاهدة العملية ؟
وهذا هو آخر مطاف بالنسبة للمؤرخ في جمع أصوله ونقد كاتبها لمعرفة عدالة
ناقلها وصحة المعلومات الواردة فيها ، ثم عليه أن يبني على تلك الأسس القويمة
الثابتة :
(١) جمع كافة الأصول التي يمكن التوصل إليها .
(٢) إثبات صحة تلك النصوص .
(٣) تحليل النصوص وعملية النقد الباطني الايجابي للتحقق من معنى الألفاظ
ومن قصد المؤلف بما كتبه .
(٤) النقد الباطني السلبي وهو يتضمن على نقطتين :
- ٩٥ -

أ - التثبت من صدق المؤرخ وعدالته .
ب- التثبت من صدق المعلومات التي أوردها المؤلف ومبلغ دقتها .
المقارنة بين المنهجين :
مقارنة الخطوة الأولى: جمع الأصول كافة .
إذا كانت الخطوة الأولى عند المؤرخ هي جمع كل الأصول التي يمكن التوصل إليها
فهي ليست خاصة بالمؤرخ ، بل يشترك فيها المحدث أيضاً، وربما تكون هذه الخطوة
نظرية لدى المؤرخين أو على الأقل في ٩٩٪ من القضايا التاريخية ، بينما قام المحدثون
فعلًا بهذه الخطوة وحتى الآن بعد مرور الزمن نجد حديثاً واحداً أو بلغة المؤرخين
وثيقة واحدة لدى أربعين أو خمسين، أو أقل أو أكثر، من المحدثين . وأذكر للتوضيح
بعض الأمثلة :
(أ ) سمع ابن حنبل الموطأ من بضعة عشر رجلاً من حفاظ أصحاب مالك ثم
أعاده على الشافعي(١١) أو بتعبير آخر اجتمع لدى الإمام أحمد بضعة عشر وثيقة
لأصل واحد .
(ب) قرأ يحيى بن معين كتب حماد بن سلمة على ثمانية عشر من تلامذته(١١) أو
بمعنى آخر حصل ابن معين على ١٨ نسخة من مراجع مختلفة لوثيقة واحدة .
(جـ) سمع علي بن الحسن من ابن المبارك كتبه أربع عشرة مرة(١٢) وكان يكنفي
علي بن الحسين أن يسمع مرة واحدة أو بلغة المؤرخين أن يحصل على الوثيقة في
قراءته على المؤلف في المرة الأولى ، لكنه قرأ أربع عشرة مرة لزيادة التأكد من جهة
ولأخذ الابرازات من جهة أخرى . وهذه ليست حوادث فردية بل كان منهجهم
ويتبين هذا بجلاء في كلام ابن معين : ((لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهاً ما
عقلناه))(١٣) .
(١٠) الزرقاني على الموطأ ١ - ١.
(١١) المجروحين لابن حبان ١١ - أ، المدخل للحاكم ٩.
(١٢) تهذيب ٢٩٩:٩ .
(١٣) المجروحين من المحدثين ١١ - أ، المدخل ٩.
- ٩٦ -

وقال أبو حاتم الرازي : لو لم نكتب الحديث من ستين وجهاً ما عقلناه(١٤) .
وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري : « كل حديث لم يكن عندي من مائة وجه فأنا
فيه يتيم))(١٠) .
وما نقلناه عن هؤلاء ليس ادعاء ولا كلاماً نظرياً، بل رغم اندثار مئات من
كتب الحديث بعد اكتفاء العلماء بالكتب المتقنة الصنع ، حتى الآن نجد حديثاً في
عشرات المواضع أو بتعبير تاريخي نجد وثيقة واحدة لدى عشرات الأشخاص(١٦).
وكتاب الإمام مسلم رحمه الله ((التمييز)) خير شاهد على هذا.
مقارنة الخطوة الثانية : إثبات صحة النصوص :
إذا كانت الخطوة الثانية عند المؤرخ هي إثبات صحة النصوص فهذا الأمر واضح
جداً عند المحدثين ، وهو مبين تماماً في محادثة ابن معين مع التبوذكي ، وكذلك صنيع
الإمام مسلم ومنهجه في كتابه التمييز يلقي مزيداً من الضوء على هذا المنهج .
وبعد هذا التشابه الظاهري بين منهج المؤرخين والمحدثين فهناك فرق جوهري
بينهما . إذ لا يمكن اعتبار حديث ما أو كتاب ما ، أو بلغة المؤرخين وثيقة ما، قابلة
للاعتناء بالبحث إذا لم تكن الوثيقة قد وصلت إلينا بالإسناد المتصل إلى مؤلف
الأصل . ثم لا يمكن الاعتماد عليها إذا لم يكن جميع الأشخاص الوارد ذكرهم في
سلسلة الإسناد من المعروفين بالصدق والعدالة ، أما إذا وجدت الوثيقة أو الكتاب
دون استيفاء هذه الشروط فلا يمكن اعتبارها وثيقة المحدثين . وكانت نظرتهم في هذا
المجال في غاية الدقة . وما كانوا يقبلون الوثيقة عن يد كل واحد بل أغلبيتهم كانت
تبحث فحصاً مبدئياً عن حامل تلك الوثيقة. قال الحسن بن صالح (١٠٠ -
١٦٠ هـ) إذا أردنا أن نكتب عن الرجل سألنا عنه حتى يقال لنا : أتريدون أن
تزوجوه(١٧) .
(١٤) التبصرة والتذكرة للعراقي ٢٣٣:٢.
(١٥) الميزان ٣٥:١.
(١٦) لتفصيل ذلك وللتأكد منه، انظر دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه القسم العربي من ١ - ٩٢ - ٣٢٥.
(١٧) الكفاية ٩٣ .
- ٩٧ -

ومن لم يكن متيقظاً في اختيار مشايخه كانوا يطعنون فيه . بل بعد اختيار المحدث
كانوا ينظرون على طريقة حصوله على تلك الوثيقة. قال شعبة: ((كنت أنظر إلى فم
قتادة، فإذا قال حدثنا كتبت وإذا لم يقل لم أكتب))(١٨). وكان من مبدئهم عدم أخذ
العلم عن الصحفيين(١٩) أي الذين تلقوا العلم عن الصحف ولم يتحملوها بالطرق
المعتبرة الجيدة عند المحدثين . وفي الوقت ذاته كانوا يحصلون على الأحاديث المكذوبة
والنسخ غير الثابتة والأجزاء الموضوعة من كتب الحديث أو بتعبير آخر على الوثائق
المزورة، لا للاستفادة منها بل لأجل العلم والمعرفة لئلا ينخدعوا. ((رأى أحمد بن
حنبل رحمة الله عليه يحيى بن معين في زاوية بصنعاء وهو يكتب صحيفة معمر عن
أبان عن أنس ، فإذا طلع عليه إنسان كتمه ، فقال أحمد بن حنبل رحمه الله : لم
تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس وتعلم أنها موضوعة ؟ فلو قال لك القائل :
أنت تتكلم في أبان ثم تكتب حديثه على الوجه؟ قال : رحمك الله يا أبا عبد الله ،
أكتب هذه الصحيفة عن عبد الرزاق عن معمر عن أبان عن أنس وأحفظها كلها
وأعلم أنها موضوعة حتى لا يجيء بعدنا إنسان فيجعل بدل أبان ثابتاً ، ويرويها عن
معمر عن ثابت عن أنس. فأقول له كذبت، إنما هي أبان، لا ثابت))(٢٠).
ومن هنا يثبت بأن شروط المحدثين أقوى وأشد وأصعب بكثير من شروط
المؤرخين . وإذا قسنا على هذا المنهج فلا تكاد تقف وثيقة تاريخية مما يعتبره المؤرخون
صحيحاً على رجليها ولا تثبت صحتها .
ومن ناحية أخرى، فإن المنهج الذي اختاره المحدثون قد نفذوه وطبقوه على
بحوثهم ودراساتهم ونقدهم. بينما يكاد يكون كلام المؤرخين كلاماً نظرياً خيالياً، ولم
يطبق إلا في أضيق الحدود في حوادث نادرة جداً. وهذا فرق جوهري آخر بين عمل
المحدثين والمؤرخين .
وفي إثبات صحة الأصول ينظر المؤرخ أحياناً إلى نوع الحبر والورق والخط
المستعمل في كتابة وثيقة ما ، وربما يتراءى لبعض الباحثين أن هذا المنهج جديد
(١٨) المدخل ٢١ .
(١٩) انظر كتاب التمييز ٧ ب. (ص ١٨٨ من هذه المجموعة).
(٢٠) المجروحين ١٠ - أ.
- ٩٨ -

وخاص بالمؤرخين لكن الأمر ليس كذلك . بل قد تنبه إليه المحدثون منذ اثني عشر
قرناً .
أمثلة من فحص المحدثين للورق والحبر:
(١) قال زكريا بن يحيى الحلواني: ((رأيت أبا داود السجستاني قد جعل
حديث يعقوب بن كاسب وقايات على ظهور كتبه ، فسألته عنه ، فقال :
رأينا في مسنده أحاديث أنكرناها فطالبناه بالأصول فدافعنا ، ثم أخرجها
بعد فوجدنا الأحاديث في الأصول مغيرة بخط طري ، كانت مراسيل
فأسندها وزاد فيها))(٢١) .
(٢) قال ابن عدي: محمد بن محمد بن الأشعث أبو الحسن الكوفي كتبت عنه.
أخرج لنا نسخة قريباً من ألف حديث عن موسى بن اسماعيل بن موسى
ابن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده إلى أن ينتهي إلى علي والنبي صلى
الله عليه وسلم، كتاب أخرجه إلينا بخط طري على كاغد جديد فيها
مقاطيع ، وعامتها مسندة مناكير ... وفيها أخبار ما يوافق متونها متون أهل
الصدق، وكان متهماً في هذه النسخة(٢٢).
(٣) محمد بن جابر بن سيار بن طلق السحيمي .
قال عنه اسحاق بن عيسى: ((حدثت محمداً يوماً بحديث، قال، فرأيت
في كتابه ملحقاً بين سطرين بخط طري))(٢٣).
(٤) قطن بن إبراهيم القشيري النيسابوري، قال عنه الذهبي: ((إنما نالوا منه
بروايته عن حفص بن عبد الله ، حدثنا إبراهيم بن طهمان ، عن أيوب
عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً: أيما إهاب دبغ فقد طهر، يقال: إنه
سرقه من محمد بن عقيل، فطالبوه بأصله ، فأخرج جزءاً وقد كتبه على
حاشيته، فتركه لهذا مسلم)) (٢٤) .
(٢١) ميزان الاعتدال ٤: ٤٥١؛ أيضاً الضعفاء للعقيلي ٤: ٤٤٦ - ٤٤٧؛ تاريخ ابن معين ٢: ٦٨١.
(٢٢) الكامل لابن عدي ١٢٥:٣ ب؛ المغني في الضعفاء للذهبي ٦٢٩:٢.
(٢٣) تهذيب التهذيب ٩٠:٩.
(٢٤) ميزان الاعتدال ٣٩١:٣.
- ٩٩ -

مقارنة الخطوة الثالثة : تحليل النصوص للتحقق من معنى الألفاظ، ومن
مراد المؤلف .
في هذا المجال لقد انقسم المحدثون إلى فئات عدة، فكان بعضهم يتخصص في
نقل تلك الوثائق ، وكان البعض الآخر يبحث في معاني الكلمات وهم خاصة علماء
الغريب من الحديث واللغة . وكانت هناك فئة تقوم بإثبات صحة النصوص، وهم
النقاد ، وكانت تجتمع هذه الصفات في بعض المحدثين، ولكن كثيراً ما كان العمل
قائماً بالتخصص الضيق . ولا يوجد لهذه الدراسات نظير في نقد التاريخ .
مقارنة الخطوة الرابعة : مرحلة النقد السلبي لمعرفة صدق المؤرخ وعدالته .
لا شك أن المحدثين فاقوا المؤرخين كثيراً في هذا المجال . لأن أول شرط لقبول
الرواية أن يكون راويها عدلا ثقة عاقلاً بالغاً خالياً من أسباب الفسق وخوارم المروءة .
فإن كذب المحدث في حديث عادي لا يقبل حديثه ولو أنه لم يكذب في حديث النبي
صلى الله عليه وسلم. وقد كانوا متشددين جداً في هذه الناحية بحيث لم يكن من
السهل غشهم. وهم لم ينظروا فقط إلى صلاح الرجل وتقواه فإذا كان صالحاً تقياً
قبلوا كلامه دون نظر، لا ، لم يكونوا كذلك ، بل كانوا يَزنون الرجال الوزن
الدقيق ، وكانت لديهم مقاييس أخرى في ذلك . وهذا عمر - رضي الله عنه -
يعطينا درساً نظرياً وعملياً بعدم الانخداع بالظاهر في توثيق الناس. (( ... روى بلال
بن الحارث - وكانت له صحبة - أنه سمع عمر بن الخطاب يقول : لا يغرنكم صلاة
امرئ ولا صيامه ولكن انظروا من إذا حدث صدق، وإذا ائتمن أدى ، وإذا
أُشفی ورع ))(٢٥).
وقال خرشة بن حر ((شهد رجل عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه بشهادة ،
فقال له : لست أعرفك، ولا يضرك أن لا أعرفك ، اثت بمن يعرفك . فقال رجل
من القوم : أنا أعرفه . قال : بأي شيء تعرفه؟ قال: بالعدالة والفضل . فقال : هو
جارك الأدنى الذي تعرفه ليله ونهاره، ومدخله ومخرجه؟ قال : لا. قال: فمعاملك
(٢٥) الزهد لابن المبارك ٣٥٧ .
- ١٠٠ -