Indexed OCR Text
Pages 1-20
ن مفط 2 بن الصّلاح الإمام أبو عمر وعثمان بن عبد الرحمن الشُّهَرْ زَوي ولدسنة ٥٧٧ وتوفي سنة ٦٤٣ هـ رحمُ اللّه تعالى تحقيق وشرح نور الدين متر بسـِلِلَهِالرَّمِ الرَّحَيِمِ خُلُ الَّشَ لابن الصلاح د حـ صـ ر ر ع مفط و لابن الصلاح الإمامأبو عمر وعثمان بن عبد الرمز الشّهرْ زَوري ولدسنة ٥٧٧ وتوفي سنة ٦٤٣ هـ رحم الله تعالى تحقيق وشرح نورالدين متر أستاذ التفسير وعلوم القرآن والحديث وعلومه في كلية الشريعة جامعة دمشق دار الفكر تصوير ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م جميع الحقوق محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير ، كما يمنع الاقتباس منه ، والترجمة إلى لغة أخرى ، إلا بإذن خطي من دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر بدمشق سورية - دمشق - شارع سعد الله الجابري - ص.ب (٩٦٢) - س.ت ٢٧٥٤ هاتف ٢١١٠٤١، ٢١١١٦٦ - برقياً: فكر - تلكس Tx FKR 411745 Sy بسم الله الرحمن الرحيم تصدير المحقق الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب هداية مبينة ، ومعجزة باهرة إلى الأبد باقية ، وآتاه السنة مفَصِّلَةً للكتاب ، وشارحة له ، كما قال تعالى : وأَنْزَلْنا إليكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلناسِ ما نُزِّلَ إليهم﴾(١). وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين ، وعلى آله وصحبه ومَنْ تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد : فإنّ من خصوصيات هذه الأمة الإسلامية المشَرَّفة على غيرها من الأمم عنايتَها الفريدةَ بروايةٍ الحديث النبوي وحفظه وترجمته إلى عمل تطبيقي ، ولقد حاز حديثُ النبي ◌ُ ◌ّ لدى أمة الإسلام من الوقاية والمحافظة ومن التشبث بِهَدْيِهِ مالم يكنْ لحديث نبيٌّ من الأنبياء قطٌ . لكن الخصوصيةَ الأكبر لهذه الأمة في نقلها للحديث النبوي عنايتها العظمى بصيانة الحديث من التحريف فيه والدخيل عليه ، وذلك بما توصلت إليه من قوانين للرواية ، هي أصح وأدق طريق علمي في نقل الروايات واختبارها ، حتى كان علم النقد التاريخي الحديث مديناً للمسلمين ، بل إنه مقتبس عن أصول مصطلح الحديث الإسلامي . (١) الآية ٤٤ من سورة النحل . - 5 - وإنّ أحسنَ كتاب صنفه أئمتنا السابقون في هذا العلم العظيم هذا الكتابُ ، الذي اشتهر بـ ((مقدمة ابن الصلاح))، للإمام أبي عَمْرٍو عثمانَ بنِ الصلاح الشهرزوي ، الذي أبان أصول هذا العلم تبياناً لم يُسْبَقْ لمثله ، حتى صار كتابُه مرجعاً أصلياً لكل من اشتغل بعلم الحديث أو صنف في أصوله من بعده . وقد رأينا - بعد إصدار طبعة هذا الكتاب التي حققناها - أن نتابع السعي لخدمة الكتاب خدمة أتمّ وأكمل ، وقد وفقنا الله تعالى - وله الحمد - إلى نسخةٍ ((أمّ ))، هي أصحُّ ما يتوصل إليه التحقيق ، هي نسخة عليها خط المؤلف في مواضع كثيرة ، وقد تم نسخها ومقابلتها في آخر حياته ، مما يجعلها آخر عرض للكتاب على المؤلف رحمه الله تعالى ورضي عنه . وقد أعدنا تحقيق الكتاب على هذه النسخة كأصلٍ ، واكتفينا من النسخ التي حققنا عليها الطبعة السابقة بأعلى تلك النسخ وأصحها . كذلك أعدنا العمل في التعليق على الكتاب ووسعناه ، حتى جاء بمثابة شرح واف للكتاب ، لكن حرصنا على أن نصوغه بطريقة تجعل الكتاب صالحاً لطبقات المشتغلين بهذا العلم ، من عالم راغب في التوسع ، أو مقتصد ، أو متعلم . والله تعالى أسأل ، وإليه بكل وسيلة أتوسل أن يعمم النفع بهذه الخدمة الجديدة ، ويجعلها في حرز القبول ومضاعفة المثوبة ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . کتبه نور الدين عتر خادم القرآن وعلومه والحديث وعلومه جامعة دمشق - كلية الشريعة - 6 - الإمام أبو عمرو بن الصلاح هو العَلَم الذي امتد صيته في البلاد ، واتخذه الناس إماماً حافظاً ، ورفعهُ علمه فكان المفتي وشيخ الإسلام : أبو عمرو تقي الدين عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكردي الشهرزوري الشرخاني المحدث الحجة ، الفقيه الأصولي الشافعي البارع في أصناف العلوم . مولده ونشأته : ولد سنة ٥٧٧ هـ ( ١١٨١ م ) في شرخان : قرية قريبة من شهرزور التابعة لاربل شمالي العراق ، فنسب إليها ، لكن اشتهرت نسبته إلى شهرزور ، وكان والده عبد الرحمن يلقب صلاح الدين ، فنسب إليه وعرف بابن الصلاح . نشأ ابن الصلاح في بيت علم ورئاسة ، كان أبوه صلاح الدين عالماً جليلاً ، فقيهاً متبحراً في فقه الإمام الشافعي ، تولى الإفتاء وعرف بالعلم والفضل ، فكان لذلك أثره في تكوين ابنه عثمان ، فأكب على الدرس وطلب العلوم والمعارف وكان له في توجيه والده وشخصيته خير عون وتشجيع فقرأ عليه الفقه ، وحسبك به فقيهاً كان يشار إليه ، وحسبك بأبي عمرو تلميذاً نابهاً ، فما لبث أن رسخ في الفقه قدمه ، وإذا هو يدرس كتاب المهذب في فقه الشافعي وأدلته ويكرره مرتين ، وما زال يافعاً لم يطر شاربه . ثم أرسله والده إلى الموصل يطلب العلم على شيوخها ، فحصل العلوم بأنواعها : الفقه ، والأصول ، والتفسير ، والحديث واللغة وغيرها . -7 - رحلاته في طلب العلم : ثم رحل إلى البلاد الإسلامية لطلب العلم ، كما هي سنة علماء هذه الأمة ، خصوصاً علماء الحديث الذين بلغ بهم الأمر أن يرحلوا من قطر إلى قطر آخر لسماع حديث واحد ، كما سجله لنا بالأسانيد الموثقة الإمام الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي ، في تأليف خاص أفرده لهذه المنقبة العلمية والحضارية لهذه الأمة الإسلامية(١). وقد جاء في كتاب ابن الصلاح هذا مانصه(٢) : ((وإذا فرغ من سماع العوالي والمهمات التي ببلده فليرحل إلى غيره : روينا عن يحيى بن معين أنه قال: ((أربعة لاتُؤْنِس منهم رُشْداً: حارسُ الدرب ، ومنادي القاضي ، وابن المحدث ، ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث ))(٣) . وروينا عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه قيل له: ((أيرحل الرجل في طلب العلو؟))، فقال: (( بلى والله شديداً، لقد كان علقمة والأسود يبلغهما الحديث عن عمر رضي الله عنه فلا يقنعها حتى يخرجا إلى عمر فيسمعانه (٤) منه )» (٤) . (١) وهو كتاب ((الرحلة في طلب الحديث)) أي الحديث الواحد ، وقد صدرنا الكتاب بدراسة هامة عن الرحلة وأهدافها ، وعلقنا على الكتاب وزدنا عليه فوائد تكمل هدفه ، لإحياء همم الشباب ، فانظره لزاماً . (٢) النوع الثامن والعشرون ((معرفة آداب طالب الحديث)) ص ٢٤٦. (٣) وأخرجه الخطيب بسنده في كتاب: (( الرحلة في طلب الحديث)) ص ٨٩ . (٤) هذان الإمامان الجليلان : علقمة بن قيس النخعي والأسود بن يزيد النخعي من ائمة التابعين يخرجان من العراق إلى المدينة مسيرة شهر ليسمعا من عمر حديثاً بلغها عنه . -8 - وقال ابن الصلاح في الإسناد العالي(١) : ((وطلب العلو فيه سنة أيضاً ، ولذلك استحبت الرحلة فيه على ما سبق ذكره (٣) ، قال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف)). انتهى . وقد كانت رحلات ابن الصلاح واسعة شملت معظم عواصم الإسلام العلمية : رحل إلى بغداد ، ثم إلى بلاد خراسان ، ثم إلى بلاد الشام ، وذاكر العلوم وتلقى عن الشيوخ ، وعني في رحلته هذه بعلم الحديث وفنونه عناية خاصة فسمع من أئمة هذا الشأن ، حتى رسخ قدمه فيه . قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: (( وسمع - يعني بالموصل - من عبيد الله بن السمين ونصر الله بن سلامة، ومحمود بن علي الموصلي ، وعبد المحسن بن الطوسي ، وارتحل إلى بغداد فسمع من أبي أحمد بن سكينة ، وعمر بن طبرزذ ، وبهمذان من أبي الفضل بن المعزم ، وبنيسابور من منصور والمؤيد ، وبمرو من أبي المظفر بن السمعاني ، وجماعة ، وبدمشق من جمال الدين عبد الصد ، والشيخ موفق الدين المقدسي ، وفخر الدين بن عساكر ، وبحلب من أبي محمد بن علوان، وبحرَّان من الحافظ عبد القادر)). اهـ. وقد وجد أبو عمرو بن الصلاح في عصر متميز ، هو عصر السلاطين الأيوبيين الذين سجلوا بطولتهم العظمى في التاريخ في يوم حطين المشهود ، وقد تولى هؤلاء القادة حكم أقاليم الإسلام ، وقاموا فيها بالإصلاح والعدل ، ووجدوا بنظرتهم الثاقبة أنه لا يكمل نصرهم العسكري إلا برفع صرح الحضارة (١) النوع التاسع والعشرون ((معرفة الإسناد العالي والنازل)) ص ٢٥٦ . (٢) أي في الموضع السابق الذي نقلناه . - 9 - التي قوامها العلم ، فعنوا عناية كبيرة بالعلوم والمعارف ، وشيدوا في كل مكار المدارس والمعاهد ، الأمر الذي أتاح لهذا العصر بعد تلك المحن أن يتابع خطى حضارة الأمة الإسلامية وتقدمها في العلوم ، فظهرت نخبة من الأئمة في مختلف العلوم سجلوا في العلم جديداً وكمالاً ، نذكر منهم هنا في الحديث النبوي خاصة أمثال : عبد الغني المقدسي المتوفى سنة ( ٦٠٠ هـ ) ، وابن الأثير الجزري المتوفى سنة (٦٠٦ هـ ) ، وابن عساكر القاسم بهاء الدين أبو محمد الدمشقي المتوفى سنـ (٦٠٠ هـ)، وغيرهم كثير(١). وكانت بلاد الشام ذاخرة بمعاهد العلم وجامعاته ، وقد ترسخت فيه مدرسة فن الحديث وعلومه بفضل أئمة كبار سابقين ، في مقدمتهم الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي المتوفى سنة ( ٤٦٣ هـ ) ، الذي كار هاجر من بغداد وحمل معه مؤلفاته ونفائس كتبه إلى دمشق ، ليضع غرس على الحديث الذي نما وترعرع من بعد ، وتكامل ، حتى كان من سمات العلم بهذه البلاد حرسها الله تعالى(٣) . وهكذا ألقى ابن الصلاح عصا الترحال في الشام ومكث في بلادها ، ولعله كان مع والده حينئذ ، حيث نصوا على أن والده انتقل إلى حلب وتولى التدريس بالمدرسة الأسدية بحلب ( نسبة إلى أسد الدين شيركوه ) وتوفي بحلب سنة ( ٦١٨ هـ ) . وقد أقام أبو عمرو عثمان في دمشق ، وهناك بزغ نجمه وظهر للعيان فضله ، فأكب على نشر العلم ، وكتابة التصانيف النافعة ، في مختلف العلوم ، (١) انظر تراجم أعلامهم في الطبقة السابعة عشرة والثامنة عشرة من تذكرة الحفاظ للذهبي ج ٤ ص ١٣٣٩ - ١٤٤٤ . (٢) انظر بيان ذلك في تصديرنا لكتاب ((الرحلة في طلب الحديث)) للخطيب البغدادي - ٤١ - ٤٢ . - 10 - وألقت إليه الرئاسة العلمية مقاليدها وأسلست له القياد ، فكان إماماً في الفقه والأصول وصار مفتي المسلمين ، وشيخ الإسلام ، كما تفوق في التفسير وسائر العلوم ، وكان في الحديث واحد زمانه ، وفذ أقرانه ، فأخذ عنه المحدثون والحفاظ ورحلوا إليه ، حتى أصبح لإحاطته واكتماله في الحديث وفنونه (( ... · إذا أطلق الشيخ في علماء الحديث فالمراد به هو (١) ، وإلى ذلك أشار العراقي صاحب الألفية بقوله فيها : وكلما أطلقت لفظ ((الشيخ)) ما أريد إلا (ابن الصلاح)) مبهماً)) وهكذا اكتملت له الإمامة في العلوم ، وتولى رئاسة تدريسها ، لاسيما الحديث وعلومه . قال ابن خلكان: (( وتولى التدريس بالمدرسة الناصرية(٢) ، المنسوبة إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب رحمه الله ، وأقام بها مدة ، واشتغل الناس عليه وانتفعوا به ، ثم انتقل إلى دمشق وتولى التدريس بالمدرسة الرواحية(٣) التي أنشأها الزكي أبو القاسم هبة الله بن عبد الواحد بن رواحة الحموي ، وهو الذي أنشأ المدرسة الرواحية بحلب أيضاً . ولما بنى الملك الأشرف ابن الملك العادل بن أيوب رحمه الله تعالى دار الحديث(٤) بدمشق فوض تدريسها إليه ، واشتغل الناس عليه بالحديث ، ثم تولى تدريس مدرسة ست الشام زمرد خاتون بنت أيوب ، - وهي شقيقة شمس الدولة توران شاه بن أيوب المقدم ذكره - التي هي داخل البلد قبلي (١) قال علي القاري في شرح الشرح ص ٣: ((الشيخ هو الكامل في فنه ولو كان شاباً)). (٢) وهي بمدينة القدس . (٣) تقع شرق مسجد ابن عروة قرب الجامع الأموي ، لكنها الآن صارت داراً !. (٤) وتقع في أوائل سوق العصرونية من الجانب الغربي . - 11- البيمارستان النوري(١) ، وهي التي بنت المدرسة الأخرى ظاهر دمشق ، وبها قبرها وقبر أخيها المذكور وزوجها ناصر الدين بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص ، فكان يقوم بوظائف الجهات الثلاث من غير إخلال بشيء منها إلا بعذر ضروري لابد منه)). وقال الذهبي في العبر: (( ودرس بالرواحية وولي مشيخة دار الحديث ثلاث عشرة سنة)) .اهـ . وقد آتاه الله تعالى القبول في الناس ووضع الانتفاع به فتخرج به علماء أئمة في العلوم عامة ، والفقه والحديث خاصة . قال الذهبي : (( تفقه به الأئمة شمس الدين عبد الرحمن بن نوح ، وكمال الدين سلار ، وكمال الدين إسحاق ، وتقي الدين بن رزين ، والقاضي وغيرهم )» . وقال: (( حدث عنه فخر الدين عمر الكرجي ، ومجد الدين بن المهتار ، والشيخ تاج الدين عبد الرحمن ، والشيخ زين الدين الفارقي ، والقاضي شهاب الدين الجوري والخطيب شرف الدين الفراوي ، والشهاب محمد بن شرف ، والصدر محمد بن حسن الأرموي ، والعماد ابن البالسي ، والسرف محمد بن الخطيب الأبادي ، وناصر الدين محمد بن المهتار ، والقاضي أبو العباس أحمد بن علي الجيلي ، والشهاب أحمد بن العفيف وآخرون .. )). ابن الصلاح في حياته العامة : نشأ أبو عمرو بن الصلاح على التقى والديانة ، وبها أخذ نفسه ، ولقد عْرفَ رحمه الله بالجد في طلب العلم ، والبراعة في اختيار الأنفع الأقدم منه ، (١) وهي المدرسة العادلية الصغرى في الجانب الشمالي من سوق العصرونية . - 12 - وبتحقيق ما يدرس وتدقيقه ، حتى صار يضرب به المثل في ذلك كله . وكان ورعاً زاهداً في الدنيا وحطامها ، ثم هو كثير العناية بمظهره وأناقة ملبسه ، تجملاً وتكريماً لمكان العلم الذي يحمله . وكان رضي الله عنه سالكاً مسلك الصوفية أهل العلم والعمل ، فكان متعبداً مجاهداً نفسه على الإخلاص والتجرد عن القصد لغير ذات الله تعالى ، فأحب علم الحديث وعُنِيَ به . ومن قوله في كتابه ((علوم الحديث))(١): ((علم الحديث علم شريف يناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم ، ... ، وهو من علوم الآخرة لا من علوم الدنيا ، فمن أراد التصدي لإسماع الحديث ... فليقدم تصحيح النية وإخلاصها )». ويذكر عن شيوخه أنهم يقولون: (( دليل طول عمر الرجل اشتغاله بأحاديث الرسول ◌َ ◌ّ ويصدقه التجربة ؛ فإن أهل الحديث إذا تتبعت أعمارهم تجدها في غاية الطول ))(٢) . لكنه لم يكن زهده عن ضعف ، كما يتوهم - خطأ - كثير ممن لا يفهم حقيقة الزهد ، بل كان قوة واستعلاءاً على الضرورات المادية أن توهن من عزمه ، فكان قائماً بأمر الله تعالى ، آمراً بالمعروف ، ناهياً عن المنكر ، لا تأخذه في ذلك لومة لائم ، فكساه الله ثوب المهابة والوقار ، فعظمه الجميع ، وأجله السلطان وأولو الأمر . ولقد تخلى عن أطماع الدنيا ليتفرغ للعلم ونشره ، فجد وبذل غاية وسعه في الإفادة ، والإفتاء ، والتحديث ، ووسع صدره لطلاب العلم فكان أحدهم (١) ص ٢٣٦ . (٢) كشف الظنون : ٣١٧/١ . - 13 - يرحل إليه يقيم عنده ويلازمه الشهور العديدة يأخذ عنه العلم ، والعمل ، والورع ، وأكب على التصنيف فحرر ماصنفه واجتهد فيه باجتهاده الخاص ، فعم نفعه ، وتخرج به الأئمة في العلم . ثناء العلماء على ابن الصلاح : ولقد أثنى عليه العلماء ، وأشاد به الفضلاء : يقول تلميذه ابن خلكان: ((كان أحد فضلاء عصره في التفسير ، والحديث ، والفقه وأسماء الرجال وما يتعلق بعلم الحديث ، ونقل اللغة ، وكانت له مشاركة في فنون عديدة ، وكانت فتاويه مسددة وهو أحد أشياخي الذين انتفعت بهم )). قال: (( وكان من العلم والدين على قدم عظيم ، وقدمت عليه في أوائل شوال سنة اثنتين وثلاثين وستمائة وأقمت عنده بدمشق ملازمَ الاشتغال مدة سنة ونصف». ويقول الإمام أبو حفص بن الحاجب: «إمام ورع ، وافر العقل حسن السمت ، متبحر في الأصول والفروع بارع في الطلب حتى صار يضرب به المثل ، واجتهد في نفسه في الطاعة والعبادة )). وقال الإمام الذهبي : (( الإمام المفتي شيخ الإسلام تقي الدين أبو عمرو ... )) . قال: ((وكان وافر الجلالة ، حسن البزة كثير الهيبة ، موقراً عند السلطان والأمراء». (( .. صنف وأفتى وتخرج به الأصحاب وكان من أعلام الدين ». - 14 - وقال السخاوي في مطلع كتابه ((فتح المغيث)): ((العلامة الفقيه حافظ الوقت مفتي الفرق شيخ الإسلام تقي الدين أبو عمرو عثمان ابن الإمام البارع صلاح الدين ... كان إماماً بارعاً حجة ، متبحراً في العلوم الدينية ، بصيراً بالمذهب ووجوهه ، خبيراً بأصوله ، عارفاً بالمذاهب ، جيد المادة من اللغة والعربية ، حافظاً للحديث متقناً فيه حسن الضبط ، كبير القدر ، وافر الحرمة ، عديم النظير في زمانه ، مع الدين والعبادة والنسك والصيانة ، والورع والتقوى ، انتفع به خلق وعولوا على تصانيفه )) . وفاته : وهكذا ظل مدة حياته إلى أن انتقل إلى ربه راضياً مرضياً ، سنة ٦٤٣ هـ ( ١٢٤٥ م ) . قال ابن خلكان: ((ولم يزل أمره جارياً على السداد والصلاح والاجتهاد في الاشتغال والنفع إلى أن توفي يوم الأربعاء وقت الصبح وصُلِّيَ عليه بعد الظهر، وهو الخامس والعشرون من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وستمائة بدمشق ، ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر رحمه الله تعالى ورضي عنه)) . مؤلفاته : ترك لنا أبو عمرو بن الصلاح تصانيف كثيرة في أنواع من العلوم ، أبدى فيها جميعاً تحقيقات جيدة ، وفوائد بديعة ، فعول عليها العلماء من بعد واعتمدوها ، ومن أهمها مما وقفنا على ذكره : ١ - طبقات الفقهاء الشافعية . ٢ - الأمالي . - 15 - ٣ - فوائد الرحلة: كتاب ممتع جمع فوائد في علوم متنوعة قيدها في رحلته إلى خراسان . ٤ - أدب المفتي والمستفتي. ٥ - صلة الناسك في صفة المناسك : جمع فيه جملة من المسائل النافعة التي يحتاج إليها الناس في مناسك حجهم . ٦ - شرح الوسيط في فقه الشافعية: أبدى فيه انتقادات علمية واجتهادات دقيقة . ٧ - الفتاوى: جمعه بعض أصحابه ، له فيه اجتهادات تدل على إمامته في الفقه وما يتصل به من علوم التفسير والحديث ، طبع في مجلد . ٨ - شرح صحيح مسلم : ذكره السيوطي في التدريب(١) وقد عثرنا على قطعة منه صورناها ، وهي من أول الكتاب إلى أثناء كتاب الإيمان . ٩ - المؤتلف والمختلف في أسماء الرجال : مخطوط في دار الكتب الظاهرية . ١٠ - علوم الحديث : أحسن كتب هذا الفن وفاتحة عهد جديد في تدوین علوم الحديث(٢) . ونفصل القول عنه فيما يلي : (١) ص ٥٩ . (٢) انظر ترجمة ابن الصلاح في المراجع الآتية : وفيات الأعيان لابن خلكان : ٣١٢/١، وتذكرة الحفاظ : ص ١٤٣٠ ، والعبر في أخبار من بر : ق ١٩٠ ب، وتراجم رجال القرنين السادس والسابع لأبي شامة المقدسي: ص ١٧٥ - ١٧٦ ، طبقات الشافعية للسبكي : ١٣٧/٥، وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي : ٢٢١/٥ ، وكشف لمنون: ٣١٧/١، ومواضع أخرى. والأعلام لخير الدين الزركلي : ٣٦٩/٤ ، ومعجم المؤلفين لعمر ضا كحالة : ٢٥٧/٦ . - 16 - كتاب علوم الحديث وضع أبو عمرو هذا الكتاب وقد تقدمت سنه ، واكتمل وبلغ أشده في العلم ، وراعى في تصنيفه الأناة والتبصر، فأملاه في مجالس كثيرة ، تخللتها فترات ، وقد جاء في آخر النسخة التي عليها خط الحافظ أحمد ابن العراقي : (( رأيت في النسخة الثانية التي كملت منها هذه النسخة مامثاله : فرغ مصنفه من تصنيفه وإملائه بين صلاتي يوم الجمعة ، آخر المحرم من سنة أربع وثلاثين وستمائة ، سوى ما بعد الحمدلة من صفة الكتاب ، فإنه أملاه يوم الأحد ثاني صفر سنة أربع وثلاثين أملاه أجمع بدار الحديث الملكية الأشرفية ، غفر الله لواقفها ولوالديه في مدة تخللتها فترات ، صادف أولها يوم الجمعة السابع من شهر رمضان سنة ثلاثين وستمائة وآخرها يوم الجمعة المذكور قبيل ، وكان فتح الدار للتحديث وأول مجلس حدث فيه مصنفها أول شهر رمضان المذكور ولله الحمد كله ، ومنه الخير كله ، وله الكمال كله ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم » . وقد مهد المؤلف بمقدمة بين فيها مزية هذا الفن ، وإلحاف الحاجة إليه ، وقال: ((فحين كاد الباحث عن مشكله لا يُلْفِي له كاشفاً ، والسائل عن علمه لا يلقى به عارفاً، منَّ الله الكريم - تبارك وتعالى عليّ وله الحمد أجمع - بكتاب معرفة أنواع علم الحديث ، هذا الذي باح بأسراره الخفية ، وكشف عن مشكلاته الأبية )). ثم سرد مضامين الكتاب فذكر خمسة وستين نوعاً من علوم الحديث . فكان ذلك بمثابة الفهرس لكتابه . ويلاحظ المتأمل أن الأنواع لم ترتب على نظام معين ، فتراه يبحث في نوع يتعلق بالسند مثلاً ، ثم ينتقل إلى نوع يتعلق بالمتن ، أو بهما معاً . وقد نبه العلماء على ذلك ، وكشف العلامة البقاعي سر ذلك فقال(١): (١) كشف الظنون: ٣٦/٢ . علوم الحديث (٢) - 17 - (( قيل : إن ابن الصلاح أملى كتابه إملاء ، فكتبه في حال الإملاء جمع جم ، فلم يقع مرتباً على ما في نفسه ، وصار إذا ظهر له أنّ غيرَ ما وقع له أحسنُ ترتيباً يراعي ماكُتِبَ من النسخ ، ويحفظ قلوب أصحابها فلا يغيرها ، وربما غاب بعضهم ، فلو غير ترتيب غيره تخالف النسخ ، فتركها على أول حالها)) . اهـ. لكن العلماء في تآليفهم تابعوه على هذا الترتيب كما فعل النووي في ((التقريب )) والعراقي والسيوطي في ألفيتيهما، وغيرهم ، لأن الكتاب أصبح القدوة في هذا الفن . طريقة ابن الصلاح في كتابه : وجد الإمام أبو عمرو لديه تراثاً كبيراً خلفه العلماء في علوم الحديث ، إلا أنه لم يستكمل أركان التصنيف متكاملة ، فطائفة وهي الأكثر دونت على طريقة الحديث في تأليفها ، فهي تجمع بأسانيدها أقوال أئمة الفن في كل مسألة من مسائل الكتاب وتضع لها عنواناً يدل القارئ على مضمون ما تحته من الأخبار ، وتترك له فهمها ، سوى شيء يسير من الإيضاح أو المناقشة ، كما هي طريقة الخطيب البغدادي . وطائفة قصدت ضبط قواعد الفن لكن فاتها كثير من تهذيب العبارات وضبط التعاريف حتى يتضح المراد ، ويزول اللبس ، وذلك وصف كتاب ((معرفة علوم الحديث )) للحاكم النيسابوري . فأكب ابن الصلاح على هذه الذخائر يفحصها بعين الفقيه المتعمق في الفهم والاستنباط ، ويزن عباراتها بميزان الأصول الضابط للحدود والتعاريف . وحسبك به فقيهاً وأصولياً محققاً ، فجاء كتابه متكاملاً في فن التصنيف ، جامعاً لما تفرق في الكتب الكثيرة السابقة . - 18- خصائص كتاب ابن الصلاح : وامتاز في منهجه على ما سبقه من التصانيف بمزايا جعلته عمدة هذا الفن ، نذكر منها : ١ - الاستنباط الدقيق لمذاهب العلماء وقواعدهم من النصوص والروايات المنقولة عن أئمة الحديث في مسائل علوم الحديث ، والاكتفاء بذكر حاصلها ، ولم ينقل من تلك الأخبار إلا القدر المناسب للمقام . ٢ - ضبط التعاريف التي سبق بها ووضع تعاريف لم يصرح بها مَن قبله . ٣ - تهذيب عبارات السابقين والتنبيه على مواضع الاعتراض فيها. ٤ - إيجاد نموذج في ترتيب أنواع علوم الحديث وقوانينه ، وهو عمل هام ، لأن المراجع السابقة على هذا الكتاب - باستثناء كتاب معرفة علوم الحديث الحاكم النيسابوري - لم تلتزم ترتيباً أو تقسيماً ما لهذه الأصول ، على الرغم مما ضمته من العلوم والمعارف الجليلة ، وهذا يدل على الجهد الضخم الذي بذله الإمام ابن الصلاح في تنسيق التأليف في هذا العلم ، إضافة إلى ما اشتمل عليه عمله من التحقيق في أصوله ومسائله كذلك . ٥ - التعقيب على أقوال العلماء بتحقيقاته واجتهاده ، ويصدر ذلك عادة بلفظ ((قلت ))، ويشعر قارئ الكتاب أن مصنفه قد رصد مسائل العلم بدقة ، وحققها تحقيقاً جعل شخصيته تتفوق على كل مَنْ سبقه ، إذ لا يكاد يمر بصفحة إلا ويجد للمؤلف كلاماً واجتهاداً يبدؤه بعبارة: ((قلت)). ويلاحظ أيضاً أن التواضع والاحتياط غلب عليه - رحمه الله - فختم كل فقرة من كتابه بقوله: ((والله أعلم )). - 19 - ثناء العلماء على الكتاب : طارت شهرة كتاب ابن الصلاح بين العلماء منذ ظهوره ، وتمّ الثناء عليه فیھم ، حتى صار صاحبه يُعَرَّفُ به : قال الذهبي في ترجمة ابن الصلاح من تذكرته(١): (( .. صاحب كتاب علوم الحديث ... )). وقال الإمام الحافظ عبد الرحيم بن الحسين العراقي في مطلع شرحه للكتاب: (( .. فإن أحسن ماصنف أهل الحديث في معرفة الاصطلاح كتاب علوم الحديث لابن الصلاح )) . وقال الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني(٢): (( ... جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو ... فجمع لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور، فهذب فنونه وأملاه شيئاً بعد شيء ، فلهذا لم يحصل ترتيبه على الوضع المتناسب واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة ، فجمع شتات مقاصدها وضم إليها من غيرها نخب فوائدها ، فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره ؛ فلهذا عكف الناس عليه ، وساروا بسيره ... )). وقال الشيخ العلامة برهان الدين الإيناسي: ((إن كتابه هذا أحسن تصنيف فيه - أي في علوم الحديث - )» . أثر الكتاب العلمي : وفي الحق أن تأليف أبي عمرو بن الصلاح كتابه هذا في علوم الحديث ، كان فتحاً في تدوين هذا العلم ، وابتداء عهد جديد ، تميز بالنضج والاكتمال في (١) ص ١٤٣٠. (٢) نزهة النظر شرح نخبة الفكر: ص ٣. - 20 -