Indexed OCR Text

Pages 281-300

وكان في قلبه من الخير ما يزن ذَرَّةَ))(١). قال فيه شعبة ((ذُرَةٍ))
بالضم والتخفيف ، ونُسِب فيه إلى التصحيف .
وفي حديث أبي ذر (( تُعِينُ الصانعَ )) . قال فيه هشام بن عروة
بالضاد المعجمة ، وهو تصحيف ، والصواب ما رواه الزهري
((الصانع)) بالصاد المهملة ضد الأخرق(٢).
وبلغنا عن أبي زُرْعَةَ الرازيّ أن يحيى بن سلام هو المفسّر حَدَّثَ
عن سعيد بن أبي عروبةَ عن قتادة في قوله تعالى: ﴿سأريكم دار
الفاسقين) قال: ((مصر))، واستعظم أبو زرعة هذا واستقبحه،
وذكر أنه في تفسير سعيدٍ عن قتادة ((مَصيرهم)»(١).
وبلغنا عن الدارقطني أن محمد بن المثنى أبا موسى العَنَزي حدّث
بحديث النبي ◌َّ: ((لا يأتي أحدُكُم يومَ القيامةِ ببقرةٍ لها خُوار)) (٤)
فقال فيه ((أو شاة تَنْعِرَّ)) بالنون، وإنما هو ((تَيْعِرَّ)) بالياء المثناة
من تحت. وأنه قال لهم يوماً ((نحنُ قومٌ لنا شرفٌ، نحن من عَنَزَةَ ،
قد صلى النبي ◌ُ ◌ّ إِلينا))، يريد ما رُوِيَ ((أن النبي ◌ُّ صلى إلى
٢
(١) أخرجه البخاري في الإيمان ١: ١٣ ومسلم ١ : ١٢٥ وذكر مسلم تصحيف شعبة.
(٢) الحديث أوله (( قلت : يا رسول الله أي العمل أفضل ؟ قال : إيمان بالله تعالى وجهاد
في سبيله ... )) البخاري أول العتق ٣ : ١٤٤، ومسلم في الإيمان ١ : ٦٢ .
(٣) وفي تفسير الطبري ١٣: ١١١ ((وقال آخرون: معنى ذلك: سأريكم دار قوم فرعون، -
وهي مصر)).
(٤) أخرجه البخاري في الأحكام ( باب هدايا العمال ) ٩: ٧٠ ومسلم في الإمارة ٦ : ١١.
- ٢٨١ _

عَنَزَةٍ))(١) تَوهّم أنه صلى إِلى قَبيلتهم ، وإنما العَنَزَةُ ههنا حَرْبَةٌ نُصِبت
بين يديه فصلى إليها . وأُطْرَفُ من هذا ما رويناه عن الحاكم أبي
عبد الله(٢) عن أعرابي زعم أنه التٍّ كان إذا صلَّى نُصبت بين يديه
شاة ، أي صحفها عَنْزَةً بإسكان النون .
وعن الدارقطني أيضاً أن أبا بكر الصولي أملى في الجامع حديث
أبي أيوب: ((مَنْ صامَ رمضانَ وأتبعه ستاً من شوال))(٢) فقال فيه
(( شيئاً )) بالشين والياء .
وأن أبا بكر الإسماعيلي الإمام(٤) كان فيما بلغهم عنه يقول في
حديث عائشة عن النبي ◌َِّّ في الكهان: ((قَرَّ الزجاجة)» بالزاي،
وإنما هو ((قَرَّ الدَّجاجة)) بالدال(٥) .
وفي حديث يروى عن معاوية بن أبي سفيان قال: ((لعن
رسول الله عَ لّ الذين يشققون الخُطَبَ تشقيق الشَّعْر))(٦). ذكر
(١) أخرجه البخاري ( أبواب سترة المصلي ) ١: ١٠٢ ومسلم ٢ : ٥٦ .
(٢) في ( معرفة علوم الحديث ) ص ١٤٨ .
(٣) أخرجه مسلم في الصوم ٣: ١٩٦، والترمذي ٣: ١٣٢، وأبو داود ٢ : ٣٢٤ ، وابن
ماجه ١ : ٥٤٧ .
(٤) الإمام ليس في ع .
(٥) أخرجه البخاري في الأدب ( باب قول الرجل للشيء ليس بشيء ) ٨ : ٤٧ ومسلم في
السلام ٧ : ٣٦.
(٦) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في الكبير كما في مجمع الزوائد ٢ : ١٩١، وأخرجه أحمد في
المسند ٤: ٩٨ ولفظه فيه: ((يشققون الكلام ... )).
- ٢٨٢ -

الدارقطني عن وكيع أنه قاله مرةً بالحاء المهملة وأبو نعيم شاهدٌ فرده
عليه بالخاء المعجمة المضمومة . وقرأت بخط مُصَنَّفٍ أن ابن شاهين
قال في جامع المنصور في الحديث: ((أن النبي ◌َُّّ نهى عن تَشْقِيق
الحَطَب)) فقال بعض الملاحين : يا قوم ! فكيف نعمل والحاجة
ماسة !! .
قلت : فقد انقسم التصحيف إلى قسمين : أحدهما في المتن ، والثاني
في الإسناد .
وينقسم قسمة أخرى إلى قسمين : أحدهما تصحيف البصر ، كما سبق
عن ابن لهيعة وذلك هو الأكثر، والثاني تصحيف السمع ، نحو
حديث ( لعاصم الأحول) رواه بعضهم فقال (( عن واصل الأحدب ))
فذكر الدارقطني أنه من تصحيف السمع لا من تصحيف البصر، كأنه
ذهب والله أعلم إلى أن ذلك مما لا يشتبه من حيث الكتابةُ وإِنما
أخطأ فيه سَمْعُ مَنْ رواه .
وينقسم قسمة ثالثة : إلى تصحيف اللفظ وهو الأكثر، وإِلى
تصحيف يتعلق بالمعنى دون اللفظ ، كمثل ما سبق عن محمد بن المثنى
في الصلاة إلى عَنْزة(١).
(١) وقسمه شيخ الإسلام ابن حجر قسمة رابعة إلى قسمين : أحدهما ما غير فيه النقط فهو
الْمُصَحَّف ، والآخر ما غير فيه الشكل مع بقاء الحروف فهو المحرف ، انظر نزهة النظر شرح نخبة
الفكر ص ٣٥ وتدريب الراوي ص ٣٨٦ .
- ٢٨٣ -

وتسمية بعض ما ذكرناه تصحيفاً مجاز(١).
وكثيرٌ من التصحيف المنقول عن الأكابر الجلَّة لهم فيه أعذارٌ لم
ينقلها ناقلوه ، ونسأل الله التوفيق والعصمة ، وهو أعلم(١) .
النوع السادس والثلاثون
معرفة مُخْتَلِف الحديث
وإِنما يَكْمُلُ للقيام به الأئمة الجامعون بين صناعتي الحديث والفقهِ
الغواصون على المعاني الدقيقة(٣).
اعلم أن ما يُذكرُ في هذا الباب ينقسم إلى قسمين :
أحدهما : أن يمكنَ الجمعُ بين الحديثين ولا يتعذرَ إبداء وجهٍ ينفي
تنافِيَّهُما ،فيتعين حينئذ المصير إلى ذلك والقولُ بهما معاً .
ومثاله: حديث: ((لا عدوى ولا طِيَرَةَ))، مع حديث
((لا يورَدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ))، وحديث ((فِرَّ من المَجْذُومِ فرارَك
(١) في ع وق هنا زيادة ( والله أعلم ) .
(٢) وفي ع وق ( والله أعلم ) .
(٣) مختلف الحديث : هو ما تعارض ظاهره مع القواعد فأوهم معنى باطلاً ، أو تعارض مع
نص شرعي آخر. وربما سماه المحدثون ( مشكل الحديث ) .
- ٢٨٤ -

من الأسد))(١). وجه الجمع بينهما أن هذه الأمراض لا تُعدي بطبعها
ولكن الله تبارك وتعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سبباً
لإِعْدائِهِ مَرَضَه . ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في سائر الأسباب ،
ففي الحديث الأول نفى ظلّ ما كان يعتقده الجاهلي من أن ذلك
يُعْدي بطبعه، ولهذا قال: ((فَمَنْ أعدى الأول ؟ )) . وفي الثاني أعلَمَ
بأن الله سبحانه جعل ذلك سبباً لذلك وحذَّر من الضرر الذي
يَغْلب وجودُه عند وجودِهِ بفعل الله سبحانه وتعالى .
ولهذا في الحديث أمثالٌ كثيرة . و( كتاب مُخْتَلِفِ الحديث )
لابن قُتَيْبَةَ في هذا المعنى إن يكن قد أحسن فيه من وجهٍ فقد أساء
في أشياءَ منه قَصْرَ باعه فيها وأتى بما غيرُه أولى وأقوى(٢).
وقد روينا عن محمد بن إسحاق بن خزيمة الإمام أنه قال :
((لا أعرف أنه رُويَ عن النبي ◌َّ حديثان بإسنادين صحيحين
مُتضادّيْنِ ، فمن كان عنده فليأتني بَهَ لأَؤُلِّفَ بينهما )).
(١) حديث ((لا عدوى)) وحديث ((لا يورد ممرض)) متفق عليهما: البخاري في
( الطب ) ٧: ١٣٨ و١٣٩، ومسلم في (السلام) ٧ : ٣٠ - ٣٤، وحديث ((فر من المجذوم))
أخرجه البخاري في الطب ( باب الجذام ) ٧ : ١٢٦ . والطيرة : التشاؤم بالطيور، والجذام : داء
تتساقط أعضاء من يصاب به .
(٢) ومن المصنفات في هذا الفن: ( مشكل الآثار) للمحدث الفقيه أبي جعفر أحمد بن
سلامة الطحاوي (٣٢١ هـ ) وهو أوسع كتب هذا الفن ، و ( مشكل الحديث ) لأبي بكر محمد بن
الحسن بن فُورَك ( ٤٠٦ هـ) .
- ٢٨٥ -

. القسم الثاني : أن يتضادا بحيث لا يمكن الجمع بينهما ، وذلك على
ضربين :
أحدهما : أن يظهرَ كونُ أحدهما ناسخاً والآخر منسوخاً، فيعمل
بالناسخ ويترك المنسوخ .
والثاني : أن لا تقوم دلالة على أن الناسخ أيُّهما والمنسوخ
أيُّهما ، فَيُفْزَعُ حينئذٍ إلى الترجيح ويُعْمَلُ بالأرجح منهما والأثبت ،
كالترجيح بكثرة الرواة أو بصفاتهم في خمسين وجهاً من وجوه
الترجيحات وأكثر، ولتفصيلها موضع غير ذا، والله سبحانه أعلم (١).
النوع السابع والثلاثون
معرفة المزيد في متصل الأسانيد(٢)
مثاله : ما روي عن عبد الله بن المبارك ، قال حدثنا سفيان عن
عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال حدثني بُسْرُ بنُ عُبيدِ الله ، قال
سمعت أبا إدريس يقول سمعتُ واثلة بن الأسقع يقول سمعت أبا
(١) وقد توسعنا في بحث هذا الفن والرد على من انتقد المحدثين بسبب توهمه التعارض بين
بعض الأحاديث في كتابنا ( منهج النقد في علوم الحديث ) ص ٢٣٧ - ٣٤١ وبينًا تفصيل صور
التعارض ، ورجوع كل منها إلى قاعدة نوع من علوم الحديث تعالج إشكاله .
(٢) هو أن يزيد راو في الإسناد المتصل رجلاً لم يذكره غيره . اختصار علوم الحديث
ص ١٧٦. زدنا عليه كلمة ( المتصل ) لأن الزيادة في غير المتصل لا تدخل في هذا النوع .
- ٢٨٦ -

مَرْثَد الغَنُوي يقول سمعتُ رسول الله صَ لٍّ، يقول (( لا تجلسوا على
القبور ولا تصلوا إليها)) (١).
فذِكْرُ سفيان في هذا الإسناد زيادةٌ ووهم ، وهكذا ذِكْرُ أبي
إدريس . أما الوهم في ذكر سفيان فيِمَّنْ دون ابن المبارك ، لأن
جماعة ثقاتٍ رووه عن ابن المبارك عن ابن جابر نفسه ، ومنهم مَنْ
صرَّح فيه بلفظ الإخبار بينهما .
وأما ذِكْرُ أبي إدريس فيه فابن المبارك منسوبٌ فيه إلى الوَهْم ،
وذلك لأن(٣) جماعةً من الثقاتِ رووه عن ابن جابر فلم يذكروا
أبا إدريس بين بُسْرٍ وواثلة . وفيهم مَنْ صَرَّحَ فيه بسماع بُشْرٍ من
واثلةَ .
قال أبو حاتم الرازي: (( يُرَوْنَ أن ابن المبارك وَهِمَ في هذا،
قال: وكثيراً ما يحدّث بُشْرٌ عن أبي إدريسَ ، فغلط ابن المبارك
وظن أن هذا مما رَوى عن أبي إدريسَ عن واثلةَ ، وقد سمع هذا
بُسْرٌ من واثلةَ نفسِهِ)).
قلت : قد ألّف الخطيب الحافظ في هذا النوع كتاباً سماه (( كتاب
تمييز (٣) المزيد في متصل الأسانيد )»، وفي كثير مما ذكره نظر، لأن
الإسناد الخالي عن الراوي الزائد إن كان بلفظة ((عن)» في ذلك
(١) أخرجه مسلم في الجنائز ٣: ٦٢، والترمذي ٣: ٣٦٧. كلاهما على الوجهين: زيادة
أبي إدريس وعدمها، وعند أبي داود ٣: ٢١٧ (( ... عن بسر قال سمعت واثلة ... )).
(٢) ((لأن )) سقط من ع.
(٣) قوله ( تمييز ) ليس في ع .
- ٢٨٧ -

فينبغي أنْ يُحْكَمَ بإرساله ، ويجعلَ مُعَلَّلاً بالإسناد الذي ذُكِرَ فيه
الزائد ؛ لما عُرِفَ في نوع المعلل(١)، وكما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى
في النوع الذي يليه(٢). وإن كان فيه تصريح بالسماع أو بالإخبار
كما في المثال الذي أوردناه ، فجائزٌ أن يكون قد سمع ذلك من رجلٍ
عنه ثم سمعه منه نفسِه ، فيكون بُشْرٌ في هذا الحديث قد سمعه من
أبي إدريسَ عن واثلةَ ، ثم لقي واثلةَ فسمعه منه كما جاء مثلُهُ مُصَرَّحاً
به في غير هذا .
اللهم إلا أن توجدَ قرينةٌ تدل على كونه وهماً، كنحو ما ذكره
أبو حاتم في المثال المذكور. وأيضاً فالظاهر ممن وقع له مثل ذلك
أن يذكر السماعين ، فإذا لم يجيء عنه ذكر ذلك حملناه على الزيادة
المذكورة ، والله أعلم(٣).
النوع الثامن والثلاثون
معرفة المراسيل الخفيِّ إرسالُها
هذا نوع مهم عظيم الفائدة ، يُدْرَكُ بالاتساعِ في الرواية والجمع
(١) ص ٩٠.
(٢) ص ٢٨٩ - ٢٩٠.
(٣) انتقد الحافظ ابن رجب في شرح العلل ص ٤٢٨ عمل الخطيب في كتابه ( تمييز
المزيد ) بالتناقض ، وأوضحنا الجواب عنه في التعليق ، وشرحنا هذا النوع وحققناه في كتابنا
( منهج النقد ) ص ٣٤١ - ٣٤٢، وبينا صلته بالمدرج والفرق بينه وبين المرسل الخفي ، فانظر
ذلك كلَّه لِزاماً.
- ٢٨٨ -

لطرق الأحاديث مع المعرفة التامة ، وللخطيب الحافظ فيه (( كتاب
التفصيل لمبهم المراسيل )).
والمذكور في هذا الباب : منه ماعُرِفَ فيه الإرسال بمعرفة عدم
السماع من الراوي فيه أو عدم اللقاء (١)،
(١) نذكر ههنا أربعة أنواع من علوم الحديث ينبغي التمييز بينها، وهي : الإرسال
الخفي ، الإرسال الظاهر ، التدليس ، الانقطاع .
أما الإرسال الخفي : فهو الانقطاع في أي موضع من السند بين راويين متعاصرين لم يلتقيا ،
وكذا لو التقيا ولم يقع بينهما سماع .
وأما الإرسال الظاهر فهو: قول التابعي: قال رسول الله مخائيل .
وأما المدلس : فقد توسع فيه المصنف ص ٧٣ ، والتحقيق أنه : رواية الراوي عمن سمع منه
مالم يسمع منه بصيغة محتملة للسماع .
وأما المنقطع فهو: ما سقط من إسناده راو أو أكثر، فكل من الإرسال الخفي والتدليس
نوعان خاصان من الانقطاع .
والفرق بين المرسل الخفي والمدلس من وجهين :
الوجه الأول: أن التدليس إيهام سماع مالم يسمع ، وليس في الإرسال إيهام ، فلو بين
المدلس أنه لم يسمع الحديث من الذي دلسه عنه لصار الحديث مرسلاً لا مدلساً ، كما نبه عليه
الأئمة المحققون، كالخطيب في الكفاية ص ٣٥٧ ، وابن عبد البر في التمهيد ١٦:١، وانظرفتح
المغيث للسخاوي ص ٧٣ - ٧٤ .
الوجه الثاني : قال الحافظ إبراهيم بن محمد بن خليل سبط ابن العجمي المعروف ببرهان
الدين الحلبي في كتابه (« التبيين في أسماء المدلسين »:
(( الفرق بين التدليس وبين الإرسال الخفي: أن الإرسال رواية الشخص عمن لم يسمع
منه، قال الحافظ أبو بكر البزار: ((إن الشخص إذا روى عمن لم يدركه بلفظ موهم ، فإن ذلك
ليس بتدليس على الصحيح المشهور ((انتهى)). والتدليس إذا روى بـ ((عن))، أو ((أن))، أو
((قال))، وكان قد عاصر المروي عنه أو لقيه ولم يسمع منه ، أو سمع منه ولم يسمع منه ذلك
الحديث الذي دلَّسه عنه .
وقد حكى ابن عبد البر في التمهيد عن قوم الذي ذكرته في الإرسال أنه تدليس ، فجعلوا =
- ٢٨٩ -
علوم الحديث (٢٢)

﴾(١) في الحديث المروي عن العوَّام بن حَوْشَبٍ عن عبد الله بن أبي
أَوْفَى قال: ((كان النبي ◌ِّ إِذا قال بلال : قد قامتِ الصلاةُ نهض
= التدليس أن يحدث الرجل عن الرجل بما لم يسمعه منه بلفظ لا يقتضي تصريحاً بالسماع ، وإلا
لكان كذباً .
والصحيح الأول، وهو الفرق بين التدليس والإرسال الخفي ، والله أعلم ))، انتهى كلام
البرهان الحلبي . وفيه توسع حيث أدخل في التدليس رواية من عاصر الراوي ولم يسمع منه ،
ورواية من لقيه ولم يسمع منه . وهما من الإرسال .
وقد حقق الحافظ العلائي الرد على مذهب من يقول كل من روى عن الرجل مالم يسمع
منه فهو تدليس سواء سمع منه أم لا ، لقيه أم لم يلقه ، فقال في جامع التحصيل ص
١٠٩ - ١١٠: ((قال أبو عمر - يعني ابن عبد البر - فإن كان هذا تدليساً فما أعلم أحداً من العلماء
سلم منه في قديم الدهر ولا حديثه ، اللهم إلا شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان فإنها ليس
يوجد لهما شيء من هذا ، لاسيما شعبة .
وقالت طائفة ليس هذا بتدليس ، وإنما هذا إرسال ، وكما جاز أن يرسل سعيد بن المسيب عن
النبي عَظٍّ وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما وهو لم يسمع منها، ولم يسم أحد من أهل العلم ذلك
تدليساً ، كذلك مالك في سعيد بن المسيب انتهى كلامه .
والقول الأول ضعيف ، لأن التدليس أصله التغطية والتلبيس ، وإنما يجيء ذلك فيما أطلقه
الراوي عن شيخه بلفظ موهم للاتصال وهو لم يسمعه منه ، فأما إطلاقه الرواية عمن يُعْلَمُ أنه لم
يلقه أو لم يدركه أصلاً فلا تدليس في هذا يوهم الاتصال ، وذلك ظاهر، وعليه جمهور العلماء .
والله أعلم )) انتهى كلام العلائي .
وقد زلق بعض الكاتبين فظن أن قول ابن عبد البر: ماسلم من التدليس أحد ... )) يعني
كثرة التدليس وانتشاره ، وذلك توهم محض ، إنما أراد ابن عبد البر أن يرد على من توسع في
التدليس بأنه يؤدي إلى الباطل وهو الحكم بالتدليس على جملة الرواة وذلك باطل ، وما أدى إلى
الباطل فهو باطل . انظر نص كلامه وسياقه في التمهيد: ١ ص ١٥ - ١٦، وانظر للاستزادة في
الرد بالاستناد إلى إحصاء عدد المدلسين : منهج النقد ص ١٣٩ فإنه هام . وانظر كذلك فصل
الإرسال الخفي في جامع التحصيل ص ١٤٥ - ١٦٢ فإنه مفيد جداً .
(١) وفي ع ((كما جاء في)).
- ٢٩٠ -

وكَبَّر )). رُويَ فيه عن أحمد بن حنبل أنه قال: ((العوَّامُ لم يلقَ ابنَ
أبي أُوْفَى )).
ومنه ما كان الحكم بإرساله مُحالاً على مجيئه من وجهٍ آخر بزيادة
شخصٍ واحدٍ أو أكثر في الموضع المدعى فيه الإرسال ، كالحديث الذي
سبق ذكره في النوع العاشر(١) عن عبد الرزاق عن الثوري عن أبي
إسحاق ، فإنه حكم فيه بالانقطاع والإرسال بين عبد الرزاق
والثوري ، لأنه رُويَ عن عبد الرزاق قال حدثني النعمان بن أبي
شيبة الجَنَدِيُّ عن الثوري(٢) عن أبي إسحاق . وحكم أيضاً فيه
بالإرسال بين الثوري وأبي إسحاق . لأنه روي عن الثوري عن
شريكٍ عن أبي إسحاق .
وهذا وما سبق في النوع الذي قبله يتعرضان ، لأن يعترض بكل
واحدٍ منهما على الآخر على ما تقدمت الإشارة إليه ، والله أعلم .
النوع التاسع والثلاثون
معرفة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين
هذا علٌّ كبيرٌ قد ألَّف الناس فيه كتباً كثيرة ، ومن أحلاها(٣)
(١) ص ٥٧ .
(٢) قوله ((الثوري)) سقط من ع .
(٣) وفي ع (( ومن أجلها )).
- ٢٩١ -

وأكثرها فوائد ((كتاب الاستيعاب)» لابن عبد البر، لولا ما شانه به
من إيراده كثيراً مما شجر بين الصحابة وحكاياته عن الأخباريين لا
المحدثين . وغالبٌ على الأخباريين الإكثارُ والتخليطُ فيا يروونه(١).
(١) وثمة كتب أخرى هامة في معرفة الصحابة هي :
١ - كتاب «أُشْد الغابة في معرفة الصحابة)»، للإمام المحدث الحافظ عز الدين
علي بن محمد الجزري المعروف بابن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠ هـ .
جمع في كتابه هذا بين الكتب التي هي غاية ماانتهى إليه الجمع في الصحابة حتى عهده ،
فاجتمع له من الصحابة / ٧٥٠٠٪ . وعُنِيَ - كما ذكر في مقدمته - بترتيبه على الأحرف ترتيباً أدق
من كتاب الاستيعاب ، فجاء كتاباً عظيماً حافلاً. قال الحافظ: ((إلا أنه تبع من قبله ، فخلط
من ليس صحابياً بهم، وأغفل كثيراً من التنبيه على كثير من الأوهام الواقعة في كتبهم».
الإصابة ١ : ٤ .
٢ - كتاب ((الإصابة في تمييز الصحابة)» للإمام الحافظ البحر الحجة أحمد بن علي بن حجر
العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ .
جمع في كتابه ما كتبه السابقون ، وأعاد النظر في مراجع الصحابة الأولى من كتب السنة
وتاريخ الرواة والسير والمغازي ، فاستخرج منها أسماء صحابة فاتت غيره .
وقد رتب الكتاب على أحرف المعجم وقسم كل حرف أربعة أقسام ، عُني فيها بتمييز من
ثبت لقاؤه للنبي ◌ّ ممن لم يثبت ، ونبه فيه على ما ذكر في الكتب السابقة على سبيل الوهم
والغلط ، وهذا زبدة ما يمخضه من هذا الفن اللبيب الماهر، وقد وقع فيه التنبيه على عجائب
يستغرب وقوع مثلها . كما ذكر في تقدمته ١ : ٦ - ٩ .
٣ - كتاب ((حياة الصحابة)) للعلامة الداعية المحدث الشيخ محمد يوسف
الكاندهلوي - الهندي المتوفى سنة ١٣٨٣ تغمده الله برحمته .
وهو كتاب بديع جداً في هذا الفن ، تناول فيه سيرة الصحابة رضي الله عنهم من حيث
كونهم أمثلة عليا في تطبيق هذا الدين ، ومن حيث كونهم قدوة تحتذى في العلم والعمل والتقى
والورع ، فجمع فيه أخبارهم مرتبة على الأبواب لا الأسماء. مثل: (( باب تحمل الشدائد في
الله))، ((باب الهجرة))، ((باب الجهاد )) وهكذا ...
والكتاب بهذا عدة هامة ، وسلاح ماض للداعية لا يستغنى عنه .
- ٢٩٢ -

وأنا أورد نُكَتاً نافعةً إن شاء الله تعالى قد كان ينبغي لمصنفي
كتب الصحابة أن يتوّجوها بها مُقَدّمينَ لها في فواتحها :
إحداها : اختلف أهل العلم في أن الصحابي مَن ؟ فالمعروف من
طريقة أهل الحديث أن كل مسلمٍ رأى رسول الله مع قم فهو من
الصحابة .
قال البخاري في صحيحه (١): ((من صحب النبي ◌َ ◌ّ أو رآه من
المسلمين فهو من أصحابه )) . وبلغنا عن أبي المظفر السمعاني المروزي
أنه قال: ((أصحاب الحديث يطلقون اسم الصحابة على كلِّ مَنْ روى
عنه حديثاً أو كلمة ، ويتوسّعون حتى يَعُدُّونَ مَنْ رآه رؤية من
الصحابة ، وهذا لشرف منزلة النبي صلّ ، أعطوا كل من رآه حكم
الصحبة )) .
وذكر أن اسم الصحابي من حيثُ اللغةُ ، والظاهرُ يقع على من
طالت صحبته للنبي عَظِلّ وكَثُرَتْ مجالسته له على طريق التبع له
والأخذ عنه. قال: ((وهذا طريق الأصوليين)).
قلت : وقد روينا عن سعيدٍ بن المسيَّب أنه كان لا يَعُدَّ الصحابيّ
إلا من أقام مع رسول الله عَّ سنةً أو سنتين وغزا معه غزوةً أو
غزوتين . وكأن المراد بهذا إن صح عنه راجعٌ إِلى المَحْكِيِّ عن
الأصوليين .
(١) في أول فضائل الصحابة ٥ : ٢ .
- ٢٩٣ -

ولكنْ في عبارته ضيقٌ يوجب ألاّ يُعَدَّ من الصحابة جَرِيرُ بن
عبد الله البَجَلِيّ ومن شاركه في فقد ظاهر ما اشترطه فيهم ممن لا
نعرف خلافاً في عَدِّه من الصحابة . وروينا عن شعبة عن موسى
السَّبَلاني وأثنى عليه خيراً قال أتيت أنس بن مالك فقلت : هل بقي
من أصحاب رسول الله مُ فٍ أحدٌ غيرك؟ قال: (( بقي ناسٌ من
الأعراب قد رأوه ، فأما من صحبه فلا)). إسناده جيد، حدَّث به
مسلم بحضرة أبي زرعة .
ثم إن كون الواحد منهم صحابياً تارةً يعرف بالتواتر، وتارةً
بالاستفاضة القاصرة عن التواتر ، وتارةً بأن يُروى عن آحاد الصحابة
أنه صحابي(١) ، وتارةً بقوله وإخباره عن نفسه - بعد ثبوت عدالته -
بأنه صحابي(٢) ، والله أعلم .
الثانية : للصحابة بأسرهم خَصِيصَةٌ وهي أنه لا يسأل عن عدالة
أحدٍ منهم ، بل ذلك أمرٌ مفروغ منه لكونهم على الإطلاق مُعَدَّلين
بنصوص الكتاب والسُّنَّة وإجماع مَنْ يُعْتَدُّ به في الإجماع من الأمة .
قال الله تبارك وتعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾(٣)
(١) وكذا ((أن يروى عن أحد التابعين أن فلاناً له صحبة)). زاده ابن حجر في ديباجة
الإصابة ١ : ١٤، وقال فيه وفي سابقه: (( إنها بناء على قبول التزكية من واحد، وهو
الراجح)) .
(٢) ويشترط أيضاً لقبول هذا أن يكون في المدة الممكنة ، وأقصاها مئة سنة بعد وفاته
عَ لٍ. انظر الإصابة ١: ١٤ - ١٥ والكفاية ص ٥٢ وغيرهما .
(٣) سورة آل عمران، الآية : ١١٠.
- ٢٩٤ -

الآية . قيل : اتفق المفسرون على أنه وارد في أصحاب رسول الله
مَّ ◌ٍُّ. وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ
علىّ النَّاس﴾(١) ، وهذا خطاب مع الموجودين حينئذٍ . وقال
سبحانه وتعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِيْنَ مَعَهُ أُشِدَّاء عَلى
الكُفَّارِ ) الآية(٢).
وفي نصوص السنة الشاهدة بذلك كثرةٌ ، منها حديث أبي سعيدٍ
المتفق على صحته(٢) أن رسول الله علىالتعٍ قال: (( لا تسبوا أصحابي.
فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أُحدٍ ذهباً ما أدرك مُدَّ
أحدهم ولا نَصِيفَه » .
ثم إن الأمة مجمعةٌ على تعديل جميع الصحابة ، ومن لابس الفتن
منهم فكذلك بإجماع العلماء الذين يُعْتَدُّ بهم في الإجماع ، إِحساناً
الظن بهم ونظراً إلى ما تَمهّد لهم من المآثر، وكأن الله سبحانه
وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشريعة ، والله أعلم .
الثالثة : أكثر الصحابة حديثاً عن رسول الله عَّم أبو هريرة .
رُوِيَ ذلك عن سعيدٍ بن أبي الحسن وأحمد بن حنبل ، وذلك من
الظاهر الذي لا يخفى على حديثي ، وهو أول صاحب حديث .
بلغنا عن أبي بكر بن أبي داود السجستاني قال : « رأيتُ أبا هريرة
(١) سورة البقرة . الآية : ١٤٣ .
(٢) سورة الفتح الآية : ٢٩ .
(٣) البخاري في فضائل أصحاب النبي عَ ◌ّر ٦: ٨. ومسلم ٧ : ١٨٨.
- ٢٩٥ -

في النوم وأنا بسجستان أصنّف حديث أبي هريرة ، فقلت : إني
لأحبك ، فقال : أنا أول صاحب حديثٍ كان في الدنيا)).
وعن أحمد بن حنبل أيضاً رضي الله عنه قال : (( ستة من
أصحاب النبي ◌ُ ◌ّ أكثروا الرواية عنه وعُمّروا: أبو هريرة ، وابن
عمر، وعائشة ، وجابر بن عبد الله ، وابن عباس ، وأنس . وأبو
هريرة أكثرهم حديثاً وحمل عنه الثقات)).
ثم إِن أكثر الصحابة فتياً تروى ابن عباس . بلغنا عن أحمد بن
حنبل قال: ((ليس أحد من أصحاب النبي عَ لَّ يُروى عنه في
الفتوى أكثر من ابن عباس )) .
وَرُوِّينا عن أحمد بن حنبل أيضاً أنه قيل له: ((مَن العَبادلة؟))
فقال: (( عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن
الزبير، وعبد الله بن عمرو)). قيل له: ((فابن مسعود ؟)) قال :
((لا ، ليس عبد الله بن مسعود من العبادلة)). قال الحافظ أحمد
البيهقي فيما رويناه عنه وقرأته بخطه: (( وهذا لأن ابن مسعود تقدم
موته ، وهؤلاء عاشوا حتى احتيج إلى علمهم ، فإذا اجتمعوا على شيءٍ
قيل : هذا قول العبادلة ، أو: هذا فعلهم)) .
قلت : ويلتحق بابن مسعود في ذلك سائر العبادلة المسمين
بعبد الله من الصحابة ، وهم نحو مئتين وعشرين نفساً ، والله أعلم .
ورَوَينا عن علي بن عبد الله المديني قال: (( لم يكن من أصحاب
- ٢٩٦ -

النبي ◌ُ ◌ّ أحد له أصحاب يقومون بقوله في الفقه إلا ثلاثة: عبدُ
الله بن مسعود ، وزيدٌ بن ثابت ، وابنُ عباس ، رضي الله عنهم .
كان لكل رجل منهم أصحاب يقومون بقوله ويفتون الناس )).
وروينا عن مسروقٍ قال: ((وجدت علم أصحاب النبي عد اله
انتهى إلى ستة : عمر، وعلي ، وأبيّ ، وزيد ، وأبي الدرداء ،
وعبد الله بن مسعود . ثم انتهى علم هؤلاء الستة إلى اثنين : علي ،
وعبد الله )). وروينا نحوه عن مطَرِّف عن الشعبي عن مسروق ،
لكن ذَكَرَ أبا موسى بدل أبي الدرداء .
وروينا عن الشعبي قال: ((كان العلم يؤخذ عن ستة من أصحاب
رسول الله صَ لٍّ، وكان عمر، وعبد الله، وزيد ، يشبه علم بعضهم
بعضاً ، وكان يقتبس بعضهم من بعض ؛ وكان عليّ ، والأشعري ،
qu
وأبيّ ، يشبه علم بعضهم بعضاً ، وكان يقتبس بعضهم من بعض)).
وروينا عن الحافظ أحمد البيهقي أن الشافعي ذكر الصحابة في
رسالته القديمة وأثنى عليهم بما هم أهله ، ثم قال: (( وهم فوقنا في كل
علم ، واجتهاد ، وورع ، وعقل ، وأمر اسْتُدْرِكَ به علم واستنبط به ،
وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا))، والله أعلم .
الرابعة : روينا عن أبي زرعة الرازي أنه سئل عن عدة من روى
عن النبي صَ لّ، فقال: ومن يضبط هذا؟ شهد مع النبي عَ له
حَجَّةَ الوداع أربعون ألفاً ، وشهد معه تبوكَ سبعون ألفاً .
- ٢٩٧ -

وروينا عن أبي زرعة أيضاً أنه قيل له: (( أليس يقال : حديث
مَّالّ أربعة آلاف حديث؟)) قال: ((ومن قال ذا قَلْقَلَ الله
النبي عَّ
أنيابه ! هذا قول الزنادقة ، ومن يحصي حديث رسول الله مالے
قُبضَ رسولُ الله ◌َ ◌ّ عن مئة ألف وأربعة عشر ألفاً من الصحابة
ممن روى عنه وسمع منه، وفي رواية: ممن رآه وسمع منه)). فقيل
له : يا أبا زرعة! هؤلاء أين كانوا وأين سمعوا منه؟ قال: ((أهل
المدينة ، وأهل مكة ، ومن بينهما ، والأعراب(١) ، ومن شهد معه
حجة الوداع ، كلٌّ رآه وسمع منه بعرفة )).
قلت : ثم إنه اخْتُلِفَ في عدد طبقاتهم وأصنافهم ، والنظر في ذلك
إلى السبق بالإسلام والهجرة وشهود(٢) المشاهد الفاضلة مع رسول الله
عَّ بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا هو عَ لّه. وجعلهم الحاكم أبو عبد الله(٣)
اثنتي عشرة طبقة ، ومنهم من زاد على ذلك ، ولسنا نطول بتفصيل
ذلك ، والله أعلم .
الخامسة : أفضلهم على الإطلاق أبو بكر، ثم عمر ، ثم إِن جمهور
السلف على تقديم عثمان على عليّ ، وقدم أهل الكوفة من أهل السنّة
علياً على عثمان ، وبه قال منهم سفيان الثوري أولاً ثم رجع إلى
تقديم عثمان ، روى ذلك عنه وعنهم الخطابيُّ . ومن نَقِلَ عنه من
(١) وروي: ((ومن بينهما من الأعراب)) حاشية بهامش الأصل.
(٢) وفي ق: (( في شهود )).
(٣) معرفة علوم الحديث ص ٢٢ .
- ٢٩٨ -

أهل الحديث تقديمُ عليٍّ على عثمان محمد بن إسحاق بن خُزَيْمةَ .
وتقديم عثمان هو الذي استقرت عليه مذاهب أصحاب الحديث وأهل
السُّنة .
وأما أفضل أصنافهم صَنْفاً : فقد قال أبو منصور البغدادي
التميمي : أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة ، ثم الستة
الباقون إلى تمام العشرة ، ثم البدريون ، ثم أصحاب أحد ، ثم أهل
بيعة الرضوان بالحُدَيْبيَّةِ .
قلت : وفي نص القرآن تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين
والأنصار وهم الذين صلوا إلى القبلتين في قول سعيد بن المسيب
وطائفة . وفي قول الشعبي : هم الذين شهدوا بيعة الرضوان . وعن
محمد بن كعب القرظي وعطاء بن يسار أنهما قالا : هم أهل بدر ،
روى ذلك عنهما ابن عبد البر(١) فيما وجدناه عنه، والله أعلم .
السادسة : اختلف السلف في أولهم إسلاماً ، فقيل : أبو بكر
الصديق ، رُويَ ذلك عن ابن عباس ، وحسان بن ثابت ، وإِبراهيم
النخعي ، وغيرهم . وقيل : عليَّ أول من أسلم ، رُوِيّ ذلك عن
زيد بن أرقم ، وأبي ذر ، والمقداد ، وغيرهم .
وقال الحاكم أبو عبد الله (٢): ((لا أعلم خلافاً بين أصحاب
(١) ((الاستيعاب)) ١ : ٧ .
(٢) ((معرفة علوم الحديث)) ص ٢٢ - ٢٣ .
- ٢٩٩ -

التواريخ أنَّ علي بن أبي طالب أولهم إِسلاماً)) . واسْتُنْكِرَ هذا من
الحاكم . وقيل : أول من أسلم زيد بن حارثة . وذكر معمر نحو ذلك
عن الزهري . وقيل : أول من أسلم خديجة أم المؤمنين ، روي ذلك
من وجوه عن الزهري ، وهو قول قتادة ، ومحمد بن إسحاق بن
يسار، وجماعة . ورُويَ أيضاً عن ابن عباس .
وادعى الثعلبي المفسر فيما رويناه أو بلغنا عنه اتفاق العلماء على
أن أول مَنْ أسلم خديجة ، وأن اختلافهم إنما هو في أول مَنْ أسلمَ
بعدها .
والأورع أن يقال : أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر ،
ومن الصبيان أو الأحداث عليّ ، ومن النساء خديجة ، ومن الموالي
زيد بن حارثة(١) ، ومن العبيد بلال ، والله أعلم .
السابعة: آخِرُهُمْ على الإطلاق موتاً أبو الطَّفَيْل عامر بن واثلة ،
..
مات سنةَ مئةٍ من الهجرة(٢).
وأما بالإضافة إلى النواحي ، فآخر من مات منهم بالمدينة
جابر بن عبد الله ، رواه أحمد بن حنبل عن قتادة ، وقيل :
سهل بن سعد ، وقيل : السائب بن يزيد ، وآخر من مات منهم
(١) ((ابن حارثة)) ليس في ق وآ.
(٢) التحقيق أنه مات سنة عشر ومائة ، كما صحح ابن حجر في تقريب التهذيب
١ : ٣٨٩، وسبق لذلك الذهبي أيضاً . انظر التدريب ص ٤١٢ .
- ٣٠٠ -