Indexed OCR Text

Pages 261-280

الرابع : من أنواعِ العُلُوّ : العُلُوُّ المستفاد من تقدم وفاة الراوي :
مثاله ما أرويه عن شيخ أخبرني به عن واحدٍ عن البيهقي الحافظ
عن الحاكم أبي عبد الله الحافظ أعلى من روايتي لذلك عن شيخٍ
أخبرني به عن واحدٍ عن أبي بكر بن خلف عن الحاكم ، وإن تساوى
الإسنادان في العدد ، لتقدم وفاة البيهقي على وفاة ابن خلف . لأنَّ
البيهقي مات سنة ثمانٍ وخمسين وأربعمئة ، ومات ابنُ خَلْفٍ سنة
سبعٍ وثمانين وأربعمئة .
روينا عن أبي يعلى الخليل بن عبد الله الخليلي الحافظ رحمه الله
قال(١): ((قد يكونُ الإسناد يعلو على غيره بتقدم موتٍ راويه وإن
كانا متساويين في العدد )» ، ومثّل ذلك من حديث نفسه بمثل
ما ذكرناه . ثم إن هذا كلامٌ في العلو المنبني على تقدم الوفاة المستفاد
من نسبة شیخ إلی شیخٍ وقیاس راوٍ براوٍ .
وأما العلو المستفاد من مجرد تقدُّم وفاة شيخك من غير نظرٍ إلى
قياسه براوٍ آخر فقد حدَّه بعض أهل هذا(٢) الشأن بخمسين سنة.
= الأول . وقد تعقب العراقي خدش المصنف هذا القسم من العلو فقال: ((لا يخدش في هذا النوع
مانبه عليه ، فقد يحصل لا بالنزول ، بأن تتأخر وفاة من سمعه من شيخ مسلمٍ مثلاً، ويسمع منه
من تتأخر وفاته ، فتحصل لك أنت الموافقة، وإن لم يكن هناك لمسلمٍ نزول)). انتهى من
هامش النسخة الأصل بخط العراقي .
(١) في كتابه (الإرشاد) ورقة ٨ آ. وفيه هنا القسم التالي أيضاً.
(٢) ((هذا)» ليس في ع .
- ٢٦١ -

وذلك ما رويناه عن أبي علي الحافظ النيسابوري قال سمعت أحمد بن
عُمَيْر الدمشقي(١) ، وكان من أركان الحديث ، يقول: إِسناد خمسين
سنة من موت الشيخ إسنادُ علوٍّ. وفيما يُرْوَي(٢) عن أبي عبد الله بن
منده الحافظ قال: ((إِذا مرَّ على الإسناد ثلاثون سنة فهو عالٍ)).
وهذا أوسع من الأول ؛ والله أعلم .
الخامس : العلو المستفاد من تقدم السماع : أنبؤنا عن محمد بن ناصر
الحافظ عن محمد بن طاهر الحافظ قال: ((من العلو تقدم السماع)).
قلت : وكثيرٌ من هذا يدخل في النوع المذكور قبله ، وفيه
ما لا يدخل في ذلك بل يمتاز عنه . مثل أنْ يسمعَ شخصان من شيخٍ
واحدٍ ، وسماعُ أحدِهما من ستين سنة مثلاً ، وسماع الآخر من أربعين
سنة . فإذا تساوى السند إليهما في العدد فالإسناد إلى الأول الذي
تقدم سماعه أعلى .
فهذه أنواع العلو على الاستقصاء والإيضاح الشافي ، ولله سبحانه
وتعالى الحمد كله(٣).
(١) ((حاشية: أحمد بن عُمير هذا هو ابن جوصا الحافظ، وكنيته أبو الحسن . والله
أعلم )) . هامش الأصل .
(٢) ضبطت في الأصل على الوجهين: ( نروي) و (يُروى). وفوقها ( معاً ) .
(٣) لكن نلاحظ أن فائدة العلو لاتظهر في القسمين الأخيرين ، أي : علوّ تقدم الوفاة ،
وعلو تقدم السماع ، إلا في بعض الصور التي تدخل في أنواع علوم أخرى من علوم الحديث ،
مثل ( معرفة من اختلط في آخر عمره ) ونحو ذلك . ولذلك لم يذكرهما بعض المحققين كالحافظ
ابن حجر في شرح النخبة ص ٦٠ - ٦١ . وانظر شرح الألفية ٣ : ١٠٥ وفتح المغيث ص ٣٤١.
- ٢٦٢ -

وأما ما رويناه عن الحافظ أبي الطاهر السّلَفيِّ رحمه الله من قوله
في أبیات له :
بل عُلُوُّ الحديثِ بين أولى الحِفْـ
ظِ والإتقان صحةُ الإسنادِ
وما رويناه عن الوزير نظام الملك من قوله: (( عندي أن
الحديث العالي ما صح عن رسول الله عَ ◌ٍّ وإن بلغت رواته
مائة)) . فهذا ونحوُه ليس من قبيل العلو المتعارف إِطلاقه بين أهل
الحديث ، وإنما هو عُلُوٌّ من حيث المعنى فحسب ، والله أعلم .
فصل
وأما النزول فهو ضد العلو. وما من قسم من أقسام العلو الخمسة
إلا وضده قسمٌ من أقسام النزول . فهو إِذاً خمسة أقسام ، وتفصيلُها
يُدْرَكُ من تفصيل أقسام العلو على نحو ما تقدم شرحه .
وأما قول الحاكم أبي عبد الله(١): ((لعل قائلاً يقول: النزول ضد
العلو، فمن عرف العلو فقد عرف ضده ، وليس كذلك ؛ فإن
للنزول مراتب لا يعرفها إلا أهل الصنعة ... إلى آخر كلامه ))، فهذا
ليس نفياً لكون النزول ضداً للعلو على الوجه الذي ذكرتُه ، بل نفياً
لكونه يعرف بمعرفة العلو. وذلك يليق بما ذكره هو في معرفة
العلو ، فإنه قَصَّر في بيانه وتفصيله ، وليس كذلك ما ذكرناه نحن
(١) في معرفة علوم الحديث ص ١٢.
- ٢٦٣ -

في معرفة العلو؛ فإنه مُفَصَّلٌ تفصيلاً مُفْهِماً لمراتب النزول، والعلم
عند الله تبارك وتعالى .
ثم إن النزول مفضول مرغوبٌ عنه والفضيلة للعلو على ما تقدم
بيانه ودليله ، وحكى ابن خلاَّد عن بعض أهل النظر أنه قال :
((التنزل في الإسناد أفضل)» واحتج له بما معناه أنه يجب الاجتهاد
والنظر في تعديل كل راوٍ وَتجريحه ، فكلما زادوا كان الاجتهاد أكثر
فكان(١) الأجر أكثر .
وهذا مذهبٌ ضعيفٌ ، ضعيفُ الحجة . وقد روينا عن علي بن
المديني وأبي عمرو المستملي النيسابوري أنهما قالا: ((النزول شؤم)) (٢).
وهذا ونحوه مما جاء في ذم النزول مخصوص ببعض النزول ، فإن
النزول إِذا تعين دون العلو طريقاً إلى فائدةٍ راجحةٍ على فائدة العلو
فهو مختارٌ غير مرذولٍ ، والله أعلم .
(١) وفي ع وق ( وكان) ولفظ عبارة الرامهرمزي في المحدث الفاصل: ((لأنه يجب على
الراوي أن يجتهد في متن الحديث وتأويله وفي الناقل وتعديله ، وكلما زاد به اجتهاداً زاد
صاحبه ثواباً)). ورقة ١٣ - ب من مخطوطة الظاهرية، وقارن بالمطبوعة ص ٢١٦ .
(٢) وقال العراقي في شرح الألفية ٣ : ٩٩: ((هذا بمثابة من يقصد المسجد لصلاة الجماعة ،
فيسلك طريقاً بعيدة لتكثر الخطا ، وإن أداه سلوكها إلى فوات الجماعة التي هي المقصود !! ))
انتهى .
- ٢٦٤ -

النوع الموفي ثلاثين
معرفة المشهور من الحديث
ومعنى الشهرة مفهوم(١) وهو منقسمٌ إلى صحيحٍ، كقوله ◌َ لّ:
((إنما الأعمال بالنيات)»(٢) وأمثاله؛ وإلى غير صحيح ، كحديث :
(( طلبُ العلم فريضةٌ على كل مسلم)) (٢). وكما بلغنا عن .
أحمد بن حنبلٍ رضي الله عنه أنه قال: ((أربعة أحاديث تدور عن
رسول الله عزوجلّ في الأسواق ليس لها أصل: ((من بشرني بخروج آذار
بشرته بالجنة))، و(( من آذى ذمياً فأنا خصمه يوم القيامة))،
(١) اختار الحافظ ابن حجر وغيره أن المشهور هو ما رُوي من ثلاثة أسانيد فأكثر بشرط
أن يكون عدد الأسانيد محصوراً معيناً ، خلافاً لما ذكر المصنف في النوع الآتي : إن المشهور ما !
رواه أكثر من ثلاثة . ويسمى المشهور المستفيض أيضاً ، وغاير بعض العلماء بينهما . انظر النخبة
وشرحها ص ١٨ - ٣١ والتدريب ص ٣٦٨ - ٣٦٩.
(٢) سبق تخريجه في ص ٧٧ .
(٣) أخرجه ابن ماجه في العلم ص ٨١ ، وضعفه النووي وغيره، وقال المزي: «روي من
طرق تبلغ رتبة الحسن)) قال السندي: ((رأيت له نحو خمسين طريقاً)). انظر حاشية السندي
على ابن ماجه ٩٩:١ ، والمقاصد الحسنة للسخاوي ص ٢٧٥ - ٢٧٧ .
فالمثال للمشهور غير الصحيح حديث: (( اطلبوا العلم ولو بالصين)). فقد ورد من طرق
متعددة ، لكن لم يخل طريق منها من مجروح جرحاً شديداً ، فهو مشهور ضعيف ، وقد ورد في
بعض طرقه مقترناً بحديث ((طلب العلم فريضة))، وكأنه لذلك ذكره ابن الصلاح هنا ، وقد
توسعنا في تخريج الحديثين والكلام على أسانيدهما في تعليقنا على كتاب ( الرحلة في طلب
الحديث ) للخطيب البغدادي ص ٧٢ - ٧٧ فانظره .
-
- ٢،٥ -

و ((نحركم يوم صومكم))، و«للسائل حقّ وإن جاء على فرسٍ(١))).
وينقسم من وجه آخر(٢) إلى ما هو مشهور بين أهل الحديث
وغيرهم(٢)، كقوله عَ لَّه ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه
ويده))(٤) ، وأشباهه ، وإلى ما هو مشهورٌ بين أهل الحديث خاصة
دون غيرهم ، كالذي رويناه عن محمد بن عبد الله الأنصاري ، عن
سليمان التيمي(٥)، عن أبي مِجْلَزٍ، عن أنس ((أن رسول الله علىالتل
(١) أما حديث ((من بشرني بخروج آذار)) فلا أصل له .
وأما حديث: (( من آذى ذمياً)) فأخرجه أبو داود في كتاب الخراج والإمارة ( باب تعشير
أهل الذمة) ١٧١:٣ ولفظه: ((ألا من ظلم مُعاهداً أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه
يوم القيامة)) وسكت عليه أبو داود. قال العراقي: ((إسناده جيد)).
وأما حديث: (( يوم نحركم )) فمن حديث الكذابين لا أصل له .
وأما حديث: ((للسائل حق)) فأخرجه أحمد في المسند ٢٠١:١ ، عن الحسين بن علي قال
رسول الله عْظَّ: ((للسائل ... ))، وأخرجه أبو داود عن الحسين وعن أبيه علي رضي الله عنهما في
الزكاة ١٢٦:٢ وإسناده جيد، وقد سكت عليه أبو داود ويروى أيضاً عن ابن عباس
والهرماس بن زياد، فالحديث قوي ، لذلك تعقب العراقي ابن الصلاح فقال: (( لا يصح هذا
الكلام عن الإمام أحمد ... إلخ ... )). انظر نكت العراقي ص ٢٢٣ - ٢٢٥ والمقاصد الحسنة ص
٣٩٢ و٤٨٠ و ٣٣٧ .
(٢) قوله ( من وجهٍ آخر ) ليس في ع .
(٣) (( وغيرهم)) يعني من العلماء والعامة ، وقد يراد بالمشهور ما اشتهر على الألسنة ، وهذا
يطلق على الحديث الذي يروى بإسناد واحدٍ فصاعداً ، بل يطلق أيضاً على الحديث الذي ليس
له إسناد أصلاً ، ولا ريب أن الأحاديث المنتشرة على الألسنة لها تأثير قوي في سلوك الأمة ،
لذلك عني العلماء ببيان حالها وألفت فيها كتب كثيرة من أهمها :
اً - المقاصد الحسنة للسخاوي .
٣ - كشف الخفاء ومزيل الإلباس لإسماعيل بن محمد العجلوني .
(٤) أخرجاه في ( الإِيمان ) البخاري ٧:١ ومسلم ٤٨:١ .
(٥) قوله ( التيمي ) ليس في ع .
- ٢٦٦ -

قنت شهراً بعد الركوع يدعو على رِعْلٍ وذَكْوان)) . فهذا مشهور بين
أهل الحديث مُخَرّجٌ في الصحيح ، وله رواةٌ عن أنسٍ غيرُ أبي
مِجْلَزٍ، ورواه عن أبي مجلز غيرُ التَّيْمِيّ، ورواه عن التيمي غيرُ
الأنصاري ، ولا يعلم ذلك إلا أهل الصنعة . وأما غيرهم فقد
يستغربونه من حيث إن التيي يروي عن أنس وهو (١) ههنا يروي
عن واحدٍ عن أنس .
ومن المشهور : المتواترُ الذي يذكره أهل الفقه وأصوله . وأهل
الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص ، وإن كان
الحافظ الخطيب قد ذكره ، ففي كلامه ما يشعر بأنه اتبع فيه غير
أهل الحديث ، ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم ولا يكاد يوجد
في رواياتهم ، فإنه عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصُل العلم
بصدقه ضرورة ، ولا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته
من أوله إلى منتهاه(٢).
(١) قوله (هو) ليس في ع. والحديث أخرجه البخاري في الوتر ٢: ٢٦ والمغازي
٥ : ١٠٥. ومسلم في الصلاة ٢ : ١٣٦.
(٢) المتواتر هو الخبر عن أمر حسي الذي ينقله جمع كثير يمتنع تواطؤهم على الكذب عن
مثلهم من أول السند إلى منتهاه .
والمراد بالأمر الحسي : الذي يستند فيه ناقله إلى الحواس كالسمع والبصر، لا تجرد إدراك
العقل ككون الواحد نصف الاثنين . فهذه من مدركات العقل لا تدخل في المتواتر .
ولا يشترط في رواة المتواتر ما يشترط في رواة الصحيح أو الحسن من العدالة والضبط ، بل
العبرة بكثرتهم كثرة تجعل العقل يحكم باستحالة تواطئهم على الكذب ، حتى لو أخبر أهل بلدة
كفار أنهم رأوا بأعينهم حريقاً كبيراً في بلدتهم أو انفجاراً حصل العلم اليقيني بصدقهم .
=
- ٢٦٧ -

ومن سئل عن إبراز مثالٍ لذلك فيما يُرْوَى من الحديث أعياه
تطلُّبُه(١) .
وحديث: ((إنما الأعمالُ بالنيَّات )» ليس من ذلك بسبيل ، وإِنْ
نقله عدد التواتر وزيادة ، لأن ذلك طرأ عليه في وسط إسناده ولم
=
والأحاديث المتواترة كثيرة - وإن كانت أقل من المشهورة - وهي قسمان : متواتر لفظي :
وهو ما تواترت روايته على لفظٍ واحدٍ، كحديث (( من كذب عليّ متعمداً)). رواه بهذا اللفظ
بضعة وسبعون صحابياً . ومتواتر معنوي : وهو أن ينقل جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب
وقائع مختلفة تشترك في أمرٍ معينٍ فيكون هذا الأمر متواتراً . كأحاديث رفع اليدين في الدعاء ،
فقد ورد عنه عَ لّ نحو مئة حديث ذكر فيها رفع يديه في الدعاء، لكنها في وقائع مختلفة .
والتحقيق أن الأحاديث المتواترة كثيرة خلافاً لما ذكره المصنف ، وقد جمعها العلماء في تأليف
خاصة منها :
١ - الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة للإمام السيوطي .
أً - نظم المتناثر من الحديث المتواتر لأبي عبد الله محمد بن جعفر الكتاني. اشتمل على
أحاديث كتاب السيوطي وزاد عليه . وانظر النخبة وشرح شرحها ص ٢٩ - ٣٠ والتدريب ص
٣٧٠ - ٣٧٥ .
(١) هكذا يرى المصنف رحمه الله تعالى ندرة الحديث المتواتر، وبالغ غيره أكثر فنفى
وجود المتواتر . لكن العلماء رفضوا ذلك وردوه بأنه ناشىء من قلة الاطلاع على كثرة الطرق .
وأثبت الحافظ ابن حجر كثرة وجود المتواتر بطريقة واضحة ميسرة فقال في شرح النخبة
ص ٦ - ٧: (( ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجوداً وجود كثرة في الأحاديث أن الكتب
المشهورة المتداولة بين أهل العلم المقطوع بصحة نسبتها إلى مصنفيها ، إذا اجتمعت على إخراج
حديث وتعددت طرقه تعدداً تحيل العادة تواطؤهم على الكذب أفاد العلم اليقيني بصحة نسبته
إلى قائله ، ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير ».
ويمكن أن نوفق بأن ما قاله ابن الصلاح أراد به المتواتر اللفظي ، وظاهر أنه قليل
الوجود ، وما قاله الحافظ ابن حجر أراد به المتواتر الذي يشمل المعنوي وهو كثير .
وأما القول بعدم وجود المتواتر فهو كما قال فيه الحافظ ناشىء من قلة الاطلاع . والله
أعلم .
- ٢٦٨ -

يوجد في أوائله على ما سبق ذكره(١) .
نعم حديث (( من كذب عليَّ متعمداً فليتبوّأْ مقعده من النار))
نُراه مثالاً لذلك ، فإنه نقله من الصحابة رضي الله عنهم العددُ الجمُّ ،
وهو في الصحيحين مروي عن جماعة منهم . وذكر أبو بكر البزَّار
الحافظ الجليل في مسنده أنه رواه عن رسول الله صَ لّ نحو من
أربعين رجلاً من الصحابة. وذكر بعض الحُفَّاظ ((أنه رواه عنه عَّ له
اثنان وستون نفساً من الصحابة ، وفيهم العشرة المشهود لهم بالجنة .
قال : وليس في الدنيا حديثٌ اجتمع على روايته العشرة غيره ، ولا
يُعرف حديثٌ يُروى عن أكثر من ستين نفساً من الصحابة عن
رسول الله عَلَّ إِلا هذا الحديث الواحد (٢).
قلت : وبلغ بهم بعض أهل الحديث أكثر من هذا العدد ، وفي
بعض ذلك عدد التواتر . ثم لم يزل عدد رواته في ازدياد ، وهلم جراً
على التوالي والاستمرار ، والله أعلم .
(١) سبق تخريجه في ص ٧٧ ، مع التنبيه على ما أشار إليه المصنف هنا : أن أول الإسناد
فرد . وانظر تنبيهاً وتصحيحاً هاماً في بيان مراد المصنف في ( منهج النقد ) ص ٤٠٦ تعليقاً .
(٢) تعقب العراقي في النكت ص ٢٣٠ هذا الكلام بأنه منقوض بحديث المسح على الخفين
فقد ذكر أبو القاسم بن منده في كتاب المستخرج عدة من رواه من الصحابة فزادوا على الستين .
- ٢٦٩ -

النوع الحادي والثلاثون
معرفة الغَريبِ والعَزيزِ من الحديث
روينا عن أبي عبد الله بن منده الحافظ الأصبهاني أنه قال :
(( الغريبُ من الحديث كحديث الزُّهْري وقتادة وأشباههما من الأئمة
ممن يُجْمَعُ حديثُهم ، إذا انفرد الرجل عنهم بالحديث يسمى غريباً .
فإذا روى عنهم رجلان وثلاثة واشتركوا في حديثٍ يسمى عزيزاً .
فإذا روى الجماعة عنهم حديثاً سمي مشهوراً))(١).
قلت : الحديث الذي يتفرد به بعض الرواة يوصف بالغريب(٢) ،
وكذلك الحديث الذي يتفرد فيه بعضهم بأمر لا يذكره فيه غيره إِما
في مَتْنِه وإما في إِسناده . وليس كل ما يُعَدُّ من أنواع الأفراد
معدوداً من أنواع الغريب ، كما في الأفراد المضافة إلى البلاد على ما
سبق شرحه(٣) .
ثم إِن الغريب ينقسم إلى صحيحٍ ، كالأفراد المُخَرَّجة في الصحيح ،
(١) وانظر فتح المغيث ص ٣٤٤ وشرح الشرح ص ٤٧ - ٤٨ فقد تعرضا لاعتبار العدد في
الصحابي أو عدم اعتباره في الحكم على الحديث أنه غريب أو عزيز أو مشهور .
وقوله: ((رجلان وثلاثة)) اختار الحافظ ابن حجر وغيره أن العزيز ما رواه اثنان ،
والمشهور ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين ولم يبلغ درجة التواتر .
(٢) أي سواء تفرد الراوي بالحديث عن إمام يجمع حديثه أو عن غير إمام ، وهو الفرد
المطلق ، فإنه يدخل في الغريب أيضاً .
(٣) ص ٨٨ - ٨٩ .
- ٢٧٠ -

وإلى غير صحيحٍ ، وذلك هو الغالب على الغرائب ، روينا عن
أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه قال غير مرة: (( لا تكتبوا هذه
الأحاديث الغرايب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء )) .
وينقسم الغريب أيضاً من وجهٍ آخر :
فمنه ما هو ( غريبٌ متناً وإسناداً ) وهو الحديث الذي تفرد
برواية متنه راوٍ واحد .
ومنه ما هو ( غريب إسناداً لا متناً ) كالحديث الذي متنه
معروفٌ مرويّ عن جماعةٍ من الصحابة إذا تفرد بعضهم بروايته عن
صحابي آخر كان غريباً من ذلك الوجه مع أن متنه غيرُ غريب .
ومن ذلك غرائب الشيوخ في أسانيد المتون الصحيحة . وهذا(١) الذي
يقول فيه التَّرْمِذي: ((غريبٌ من هذا الوجه)).
ولا أرى هذا النوع ينعكس ، فلا يوجد إِذاً ما هو غريبٌ متناً
وليس غريباً إسناداً إِلا إِذا اشتهر الحديث الفرد عمن تفرد به فرواه
عنه عددٌ كثيرون فإنه يصير غريباً مشهوراً، وغريباً متناً وغير
غريب إسناداً ، لكن بالنظر إلى أحد طرفي الإسناد ، فإن إسناده
متصف بالغرابة في طرفه الأول متصف بالشهرة في طرفه الآخرِ ،
كحديث ((إنما الأعمال بالنيّات))، وكسائر الغرائب التي اشتملت
(١) وفي ع ( وهو ) .
- ٢٧١ -

عليها التصانيف المشتهرة ، والله أعلم (١).
النوع الثاني والثلاثين
معرفة غريب الحديث
وهو عبارة عما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة
البعيدة من الفهم ، لقلة استعمالها .
هذا فنّ مهمٌ يقبح جهله بأهل الحديث خاصّةً ثم بأهل العلم
عامةً ، والخوض فيه ليس بالهين ، والخائض فيه حقيقٌ بالتحري
جديرٌ بالتوقي .
روينا عن الميموني قال سئل أحمد بن حنبل عن حرفٍ من غريب
الحديث ، قال(٢): ((سلوا أصحاب الغريب ، فإني أكره أن أتكلم في
قول رسول الله عَ﴿ل بالظن، فسأخطىء))(٣).
(١) فهذا في الحقيقة (غريب سنداً ومتنا) فتكون الغرابة قسمين فقط، وكذلك فعل
الترمذي فقم في علل الجامع الغريب إلى القسمين الأولين ، وابن سيد الناس جعله خمسة أقسام .
انظر شرح الألفية ٥:٢. وكلها ترجع إلى القسمين الأولين، كما ذكرنا. وقد فصل الترمذي
صور الحديث الغريب في كتاب العلل ، وتوسع الحافظ ابن رجب في شرحها وشرح أمثلتها في
شرحه لعلل الترمذي فأفاد فوائد جديرة بالعناية ، فارجع إليه لزاماً ص ٤٠٦ - ٤٤٧، ولاحظ
بحثه فيها ( زيادة الثقة)، و( المزيد في متصل الأسانيد ).
وقد صنف العلماء في الحديث الغريب تصانيف ، منها : ( غرائب مالك ) للدارقطني .
و ( غرائب شعبة ) لابن منده .
(٢) وفي ق ( فقال ) .
(٣) وفي ع ( فأخطئ ) .
- ٢٧٢ -

وبلغنا عن التاريخي محمد بن عبد الملك قال حدثني أبو قِلاَبَةَ عبدُ
الملك بن محمد قال قلت للأصمعي : ياأبا سعيد ! ما معنى قول
رسول الله عَ الٍ ((الجار أحق بسَقَبه))(١). فقال: أنا لاأفسر حديث
رسول الله عَّ ولكنَّ العربَ تزمُ أن السَّقَبَ الَّذِيقُ.
ثم إِن غير واحدٍ من العلماء صنفوا في ذلك فأحسنوا . وروينا
عن الحاكم أبي عبد الله الحافظ قال (٢): (( أول من صنف الغريب في
الإسلام النضر بن شُمَيْل)). ومنهم من خالفه فقال: ((أول من
صنف فيه أبو عبيدة مَعْمَر بن المثَنَّى)) ، وكتاباهما صغيران .
وصنف بعد ذلك أبو عُبَيْد القاسم بن سَلاَّم كتابه المشهور ، فجمع
وأجاد واستقصى ، فوقع من أهل العلم بموقعٍ جليلٍ ، وصار قُدوة في
هذا الشأن . ثم تتبع القُتَبِي(٣) مافات أبا عُبَيد فوضع فيه كتابه
المشهور ، ثم تتبع أبو سليمان الخطابي مافاتها فوضع في ذلك كتابه
المشهور. فهذه الكتب الثلاثة أمهات الكتب المؤلفة في ذلك .
ووراءها مجامع تشتمل من ذلك على زوائدَ وفوائد كثيرة . ولا ينبغي
أن يُقَلَّد منها إلا ما كان مصنفوها أئمة حِلَّةً(٤).
(١) أخرجه البخاري في الشفعة ٣: ٨٧ وأبو داود ٣: ٢٨٦، والنسائي ٢: ٢٣٤ ، وابن
ماجه ٢ : ٨٣٣ ٠
(٢) معرفة علوم الحديث ص ٨٨ .
(٣) المراد أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة .
(٤) لم يخل عصر ممن جمع في هذا الفن ، وأهم هذه الكتب وأجمعها :
١ - ((الفائق في غريب الحديث)) للزمخشري ، ويمتاز بما يورده أحياناً من نكات بلاغية . =
علوم الحديث (٢١)
- ٢٧٣ -

وأقوى ما يُعْتَمَدُ عليه في تفسير غريب الحديث أنْ يُظْفَرَ به
مُفَسَّراً في بعض روايات الحديث ، نحو ما رُوي في حديث ابن صيَّاد
أن النبيّ مَ ◌ّ قال له: «قد خَبَأْتُ لك خَبِيئاً، فما هو ؟ قال :
الدُّخْ(١) )). فهذا خفي معناه وأعضل. وفسَّره قومٌ بما لا يصح .
وفي معرفة علوم الحديث للحاكم(٢) أنه الدَّخ بمعنى الزّخ الذي هو
الجماع ، وهذا تخليطٌ فاحشّ يغيظ العالم والمؤمن . وإنما معنى
الحديث أن النبي ◌ُّ قال له: قد أضمرتُ لك ضميراً، فما هو ؟
فقال : الدُّخُّ ، بضم الدال ، يعني الدُّخَان ، والدخ هو الدخان في
لغة ، إذ في بعض روايات الحديث مانصه ثم قال رسول الله عالمٍ:
((إِني قد خبأت لك خبيئاً، وخبأ له : يوم تأتي السماء بدخانٍ
مبين؟)). فقال ابن صياد: هو الدخ. فقال رسول الله صَلى الّ ،
((اخسأ! فلن تَعْدوَ قَدرك)) . وهذا ثابت صحيح خرَّجه التِّرْمِذي
وغيره ، فأدرك ابن صياد من ذلك هذه الكلمة فحسبُ على عادة
الكهان في اختطاف بعض الشيء(٢) من الشياطين من غير وقوفٍ
٢ - ((النهاية في غريب الحديث))، لابن الأثير المتوفى سنة (٦٠٦ هـ). وقد جمع
=
ما تفرق في غيره ، فكان أوسع مصادر هذا الفن .
(١) الحديث متفق عليه؛ البخاري في (الأدب) (قول الرجل اخسأ) ٨: ٤٠ ومسلم في
الفتن ٨ : ١٨٩، وانظر ( الفتن ) في الترمذي ( باب ماجاء في ذكر ابن صائد ) ٤ : ٥١٦.
(٢) ص٩١ ، وننبه إلى أن في طبعة المعرفة سقط ظاهر حيث لم نجد فيها إلا هذا البيت
من الشعر :
طوبى لمن كانت له مِزَخَّة يَزْخُّها ثم ينام الفَخَّة
(٣) قوله ( من الشياطين ) ليس في ع .
- ٢٧٤ -

على تمام البيان . ولهذا قال له: ((اخسأ ! فلن تعدو قدرك ))، أي
فلا مزيد لك على قدر إدراك الكهان ، والله أعلم .
النوع الثالث والثلاثون
معرفة الْمُسَلْسَلِ من الحديث
التسلسل من نعوت الأسانيد ، وهو : عبارة عن تتابع رجال
الإسناد وتواردهم فيه واحداً بعد واحدٍ على صفةٍ أو حالةٍ واحدة .
وينقسم ذلك إلى ما يكون صفة للرواية والتحمل وإلى ما يكون
صفةً للرواة أو حالةً لهم . ثم إِن صفاتهم في ذلك وأحوالهم أقوالاً
وأفعالاً ونحو ذلك تنقسم إلى مالا نحصيه . ونوّعه الحاكم أبو عبد الله
الحافظ(١) إِلى ثمانية أنواع، والذي ذكره فيها إنما هو صورٌ وأمثلةٌ
ثمانية . ولا انحصار لذلك في ثمانيةٍ كما ذكرناه .
ومثال ما يكون صفة للرواية والتحمل ما يتسلسل بـ ( سمعت
فلاناً قال سمعت فلاناً ) إلى آخر الإسناد . أو يتسلسل بـ ( حدثنا )
أو ( أخبرنا) إلى آخره. ومن ذلك ((أخبرنا والله فلان ، قال
أخبرنا والله فلان )) إلى آخره .
ومثال ما يرجع(٢) إلى صفات الرواة وأقوالهم ونحوها إسناد
(١) ((معرفة علوم الحديث)) ص ٢٩ - ٣٤.
(٢) وفي ع ( يُرَد ) .
- ٢٧٥ _

حديث ((اللهم أعِنِّي على شُكْرِكَ وذِكْرِكَ وحُسْن عبادتك )) المتسلسل
بقولهم : إني أحبك فقل(١) ، وحديث التشبيك باليد ، وحديث العد
في اليد ، في أشباه لذلك نرويها وتروى كثيرة .
وخيرها ما كان فيه دلالةٌ على اتصال السماع وعدم التدليس .
ومن فضيلة التسلسل اشتماله على مزيد الضبط من الرواة .
وقلما تَسْلَمُ المسلسلات(٢) من ضعفٍ ، أعني في وصف التسلسل لا
في أصل المتن . ومن المسلسل ما ينقطع تسلسُلُه في وسط إِسناده
وذلك نقصٌ فيه ، وهو كالمسلسل بأول حديث سمعته ، على ما هو
الصحيح في ذلك ، والله أعلم(٣) .
النوع الرابع والثلاثون
معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه
هذا فنّ مُهِمٌّ مُسْتَصْعَبٌ . روينا عن الزهري رضي الله عنه أنه
قال: (( أعي الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله
(١) أخرجه أبو داود في الوتر ( باب الاستغفار) ٢: ٨٦ مسلسلاً لراويين فقط والنسائي
في الصلاة ( باب الدعاء بعد الذكر ) ١ : ١٩٢ . غير مسلسل .
(٢) وفي ع ( المتسلسلات ).
(٣) ومن الكتب المصنفة في الحديث المسلسل كتاب الحافظ السخاوي ، جمع فيه مئة
حديث ، وكتاب العلامة المحدث محمد عبد الباقي الأيوبي ( المناهل السلسلة في الأحاديث
المسلسلة) ، ( مطبوع) فيه /٢١٢/ حديثاً، وهو أوسع ما وقفنا عليه في هذا الفن .
- ٢٧٦ _

مَ الٍّ من منسوخه)). وكان للشافعي رضي الله عنه فيه يَدٌ طولى
وسابقةٌ أولى . روينا عن محمد بن مسلم بن وارةَ ، أحد أئمة الحديث ،
أن أحمد بن حنبل قال له وقد قدم من مصر: ((كَتَبْتَ كُتَبَ
الشافعي؟)) فقال: لا. قال: ((فرطتَ، ما علمنا المُجْمَلَ من
المفسَّر ولا ناسخَ حديث رسول الله عَلٍّ من منسوخه حتى جالسنا
الشافعي )) . وفين عاناه من أهل الحديث من أدخل فيه ما ليس
منه لخفاء معنى النسخ وشرطه .
وهو : عبارة عن رفع الشارع حكماً منه متقدماً بحكم منه متأخر .
وهذا حَدٌ - وقع لنا - سالمٌ من اعتراضاتٍ وَرَدَتْ على غيره .
ثم إن ناسخ الحديث ومنسوخه ينقسم أقساماً :
فمنها ما يُعْرَف بتصريح رسول الله عَ لّ به. كحديث بُرَيْدَةً
الذي أخرجه مسلم في صحيحه، أن رسول الله عَ الٍ قال: ((كنتُ (١)
نهيتُكُمْ عن زيارةِ القُبُورِ فَزُورُوها » في أشباهٍ لذلك .
ومنها ما يُعرف بقول الصحابي ، كما رواه الترمذي (٢) وغيره عن
أبَيِّ بن كعب أنه قال: (( كان الماءُ من الماءِ رُخصةً في أول الإسلام
ثم نُهِيَ عنها))، وكما خرّجه النسائي(٣) عن جابر بن عبد الله قال:
(١) أخرجه مسلم ٣: ٦٥، وأبو داود ٣: ٢١٨، والترمذي ٣: ٣٧٠، والنسائي ١: ٢٨٥ ،
وابن ماجه ١ : ٥٠١ .
(٢) الترمذي ١: ١٨٣. وأبو داود ١: ٥٥ وابن ماجه ١ : ١٩٩.
(٣) النسائي ١ : ٤٠ وأبو داود ١ : ٤٩ .
- ٢٧٧ -

((كان آخِرُ الأمرينِ من رسولِ الله ◌َ ◌ّ تركَ الوضوء مما مسَّت
النار )) في أشباهٍ لذلك .
ومنها ما عرف بالتاريخ ، كحديث شداد بن أوس وغيره أن
رسول الله عَّةٍ قال: ((أَقْطَرَ الحاجمُ والَحْجُومُ))، وحديث ابن
عباس ((أن النبي ◌ُّ احتجم وهو صائم))، بَيّن الشافعي أن الثاني
ناسخٌ للأول من حيث إنه رُويَ في حديث شّدادٍ أنه كان مع النبي
عَُّ زمانَ الفتحِ فرأى رجلاً يحتجم في شهر رمضان فقال: ((أَفْطَرَ
الحاجمُ والَحْجومُ)). وَرُوِيَ في حديث ابن عباس ((أنه مُّ ◌ُّ احتجمَ
وهو محرمٌ صائمٌ )) ، فبان بذلك أن الأول كان زمن الفتح في سنة
ثمانٍ ، والثاني في حَجّةِ الوَداع في (١) سنةٍ عشر(٢).
ومنها : ما يُعْرَفُ بالإجماع ، كحديث قتل شارب الخمر في المرة
الرابعة (٣) فإنه منسوخٌ عُرِفَ نسخُه بانعقاد الإجماع على ترك العمل
به ، والإجماعُ لا يَنْسَخ ولا يُنْسَخُ ، ولكن يدل على وجود ناسخِ
غيره ، والله أعلم بالصواب(٤).
(١) قوله ( في ) ليس في ع .
(٢) حديث ((أفطر الحاجم .. )) أخرجه الترمذي في الصوم ٣: ١٤٤ وأبو داود ٢: ٣٠٨،
وابن ماجه ١: ٥٣٧ . وحديث ((احتجم وهو صائم)) أخرجه البخاري في الطب ٧ : ١٢٥،
وحديث ((احتجم وهو محرم صائم)) أخرجه الترمذي ٣: ١٤٦ وقال (( حسن صحيح)) وأبو داود
٢ : ٣٠٩ وابن ماجه ١ : ٥٣٧ .
(٣) أخرجه الترمذي في الحدود ٤ : ٤٨ - ٤٩، وأبو داود ٤: ١٦٤، وابن ماجه ٢: ٨٥٩ .
وانظر في الترمذي الاستدلال على نسخ الحديث .
(٤) أشهر المؤلفات في ناسخ الحديث ومنسوخه كتاب ( الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من
الآثار ) للإمام أبي بكر محمد بن موسى الحازمي .
- ٢٧٨ -

النوع الخامس والثلاثون
معرفة المصحَّف من أسانيد الأحاديث ومتونها
هذا فن جليل إنما يَنْهَضُ بأعبائه الْحُذَّاق من الحفاظ .
والدارَقُطنيُّ منهم، وله فيه تصنيفٌ مفيدٌ(١). وروينا عن أبي
عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه قال: (( ومَنْ يَعْرَى من
الخطأ والتصحيف !؟)).
فمثال التصحيف في الإسناد : حديثُ شعبةَ عن العَوّام بن مُراجِم
عن أبي عثمان النَّهْدِي عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله عد اله
((لَتُؤَدُّنَّ الحقوقَ إِلى أهلها ... الحديث)) (٢) ، صحف فيه يحيى بن
معين فقال ((ابن مُزاحم)) بالزاي والحاء، فَرُدَّ عليه، وإنما هو (( ابن
مُراجِم )) بالراء المهملة والجيم .
ومنه ماروينا [٥] عن أحمد بن حنبل قال حدثنا محمد بن جعفر
قال حدثنا شعبة عن مالك بن عُرْفُطَةَ عن عبد خير عن عائشة
(رضى الله عنها) ((أن رسول الله عَ لّ نهى عن الدُّبَاء والْمُزَفَّت))(٢)،
(١) وللخطابي أيضاً كتاب ( إصلاح خطأ المحدثين ) مطبوع.
(٢) أخرجه مسلم في البر ٨ : ١٨، والترمذي في صفة القيامة ٤: ٦١٤ كلاهما عن أبي
هريرة . وهو في المسند ١ : ٧٢ عن شعبة بسنده غيره مصحف .
(٣) أخرجه البخاري في الأشربة ٧ : ١٠٧ ، ومسلم ٦ : ٩٣ ، وذكر الإمام أحمد التصحيف
في ( العلل ) ١ : ١٨٢.
- ٢٧٩ -

قال أحمد: ((صحف شعبة فيه وإنما هو خالدٌ بن علقمة)). وقد
رواه زائدة بن قدامة وغيره على ماقاله أحمد .
وبلغنا عن الدارَقُطني أن ابن جرير الطبري قال فين روى عن
النبي ◌ٍَّ من بني سُليم: ((ومنهم عتبة بن البُذّر))، قاله بالباء
والذال المعجمة وروى له حديثاً، وإنما هو ((ابن النَّدَّر)) بالنون
والدال غير المعجمة .
ومثال التصحيف في المتن : ما رواه ابن ◌َهيعة عن كتاب موسى
ابن عقبة إليه بإسناده عن زيد بن ثابت ((أن رسول الله صَ كافيه
احتجم في المسجد))، وإنما هو بالراء ((احتجر في المسجد بخُصِّ أو
حصير حُجْرَةً يصلي فيها))(١) . فصحّفه ابن لهيعة لكونه أخذه من
كتابٍ بغير سماع . ذكر ذلك مسلمٌ في كتاب التمييز له .
وبلغنا عن الدارقطني في حديث أبي سفيان عن جابر قال
(رُمِيَ أَبِيٌّ يومَ الأحزاب على أَكْحَلِه فكواه رسول الله عَّ اللّ)) أن
غندراً قال فيه ((أَبِيْ))، وإنما هو ((أُبَيِّ ))، وهو ابن كعب (٢).
وفي حديث أنس (( ثم يُخْرَجُ مِن النار مَنْ قال لا إله إلا الله ،
(١) أخرجه البخاري في ( باب صلاة الليل) ١: ١٤٣ وفي الأدب ( الغضب لأمر الله )
٨ : ٢٨ ومسلم في المسافرين ٢ : ١٨٨. ورواية ابن لهيعة في المسند ٥: ١٨٥.
(٢) وفي ع (وهو أُبَيّ بن كعب) .. هـ. والحديث أخرجه مسلم في (السلام) ٧ : ٢٢
وابن ماجه في ( الطب ) ٢ : ١١٥٦.
- ٢٨٠ -