Indexed OCR Text

Pages 121-140

وقد سبق إلى نحو ماذكرناه الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي رحمه
"الله . فإنه ذكر فيما روينا عنه تَوسُّع مَنْ تَوَسَّعَ في السماع من بعض
محدثي زمانه الذين لا يحفظون حديثهم ولا يحسنون قراءته من
كتبهم ، ولا يعرفون ما يُقْرَأ عليهم بعد أن يَكَون (١) القراءة عليهم من
أصل سماعهم .
ووَجَّة ذلك بأن الأحاديث التي قد صحت أو وقفت بين الصحة
والسُّقم قد دُوِّنت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث ،
ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم ، وإن جاز أن يذهب
على بعضهم ، لضمان صاحب الشريعة حفظها .
قال(٢): ((فمن جاء اليوم بحديثٍ لا يوجد عند جميعهم لم يُقبل
منه . ومن جاء بحديثٍ معروفٍ عندهم فالذي يرويه لا ينفرد
بروايته والحجة قائمة بحديثه برواية غيره . والقصد من روايته
والسَّماع منه أن يصير الحديث مسلسلاً ((بحدثنا وأخبرنا)) وتبقى
هذه الكرامة التي خُصت بها هذه الأمة شرفاً لنبيّنا المصطفى صلى
الله عليه وعلى آله وسلم ))، والله أعلم(٣).
الخامسة عشرة : في بيان الألفاظ المستعملة بين أهل هذا الشأن في
الجرح والتعديل . وقد رتبها أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم
(١) وفي ع وق ( تكون ) .
(٢) وفي ع ( قال البيهقي ) .
(٣) ليست في آ. أثبتناها في الأعلى لما جرى عليه المصنف من اختتام كل فقرة بذلك .
- ١٢١ -

الرازي في كتابه في الجرح والتعديل(١)، فأجاد وأحسن . ونحن
نرتبها كذلك ونورد ماذكره ونضيف إليه مابلغنا في ذلك عن غيره
إن شاء الله تعالى .
أما ألفاظ التعديل فعلى مراتب :
( الأولى): قال ابن أبي حاتم: ((إذا قيل للواحد إِنه (( ثقة أو
متقن )) فهو ممن يحتج بحديثه)).
قلت : وكذا إِذا قيل (( ثَبْتٌ أو حُجةٌ))، وكذا إِذا قيل في العدل
إِنه (« حافظ أو ضابط))(٢)، والله أعلم .
( الثانية): قال ابن أبي حاتم: ((إِذا قيل إنه ((صَدوق ، أو محله
(١) ٣٧:١/١. وانظر الكفاية ص٢٣ فقد نقله عنه بلفظه ثم أحال عليه في ص٨٦ .
(٢) وزاد الحافظ الذهبي في مطلع كتاب الميزان ثم العراقي في شرح الألفية ٢: ٣٧ . مرتبة
أعلى من الأولى عند ابن أبي حاتم وهي ماكرر فيه اللفظ من هذه المرتبة ، مثل : ( ثقة ثقة ) ،
أو ( ثقة حافظ ). ثم زاد الحافظ ابن حجر في شرح النخبة ص ٦٧ مرتبة أعلى وهي صيغة
التفضيل مثل ( أثبت الناس ) فصارت المراتب ستاً. وجعل في صدر تقريب التهذيب هذه
المرتبة مع سابقتها المؤكدة مرتبة واحدة ، وأضاف مرتبة سادسة هي مرتبة الصحابة ، وهذا
تصرف معقول ، لما هو معلوم من فضل الصحابة وشرفهم رضي الله عنهم .
لكن يجب أن تعلم أنه ليس بين هذه التقاسيم لمراتب الجرح والتعديل اختلاف في حكم
المراتب ، بل كلهم يبني على تقسيم الرازي ، إنما اختلافهم في زيادة تفصيل لها فقط ، على نحو
ما تجده في تعليقنا .
وقد بينا سلالم مراتب الجرح والتعديل عند العلماء في كتابنا ( منهج النقد في علوم
الحديث ) ص ١٠٥ - ١١٣ واستخلصنا منها تصنيفاً جامعاً لما تفرّق عندهم.
- ١٢٢ -

الصدق ، أو لا بأس به(١))) فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه وهي
المنزلة الثانية )) .
قلت : هذا كما قال ، لأن هذه العبارات لا تُشْعِرُ بشريطة
الضبط ، فينظر في حديثه ويختبر حتى يُعرفَ ضبطُه . وقد تقدم
بيان طريقه في أول هذا النوع(٢).
وإن لم نَستوف(٢) النظر المعرِّف لكون ذلك المحدث في نفسه
ضابطاً مطلقاً واحتجنا إلى حديثٍ من حديثه اعتبرنا ذلك الحديث
ونظرنا هل له أصل من رواية غيره ، كما تقدم بيان طريق الاعتبار
في النوع الخامس عشر(٤).
ومشهور عن عبد الرحمن بن مهدي القدوة في هذا الشأن أنه
حدّث، فقال: ((حدثنا أبو خَلْدَةَ)) فقيل له ((أكان ثقة؟)) فقال
(( كان صدوقاً ، وكان مأموناً ، وكان خيراً ، وفي رواية وكان خياراً ،
الثقة شعبة وسفيان ))(٥) . ثم إن ذلك مخالف لما ورد عن ابن أبي
(١) وكذلك قولهم ((مأمون)) أو ((خيار الخلق))، أو ((ليس به بأس)).
(٢) ص ١٠٦ .
(٣) وفي ع وق ( يُسْتَوْف ) وضبط في الأصل على الوجهين .
(٤) ص ٨٢ .
(٥) وهذا نص واضح حاسم من ابن الصلاح في مرتبة الصدوق ، ولابأس به ، يرد على
من زعم أنه يحتج بهذه المرتبة بإطلاق ، دون حاجة للنظر في حديثه ، ويرد عليه زعمه أنه معنى
قولهم هنا: (( يكتب حديثه وينظر فيه )» أنه ينظر فيه لئلا يكون خالف الثقات . فقد فسره
ابن الصلاح وأئمة الاختصاص من بعده باختبار الضبط ، مما لا يدع مجالاً لقائل .
=
- ١٢٣ -

خيْثمة قال : قلت ليحيى بن معين : إِنك تقول : فلان ((لَيس به
بأس)) وفلان ((ضعيف))؟ قال: إِذا قلت لك: ((ليس به بأس))
فهو ثقة، وإذا قلت لك: ((هو ضعيف)) فليس هو بثقةٍ ،
لا تَكْتُبْ حديثه .
قلت : ليس في هذا حكاية ذلك عن غيره من أهل الحديث ،
فإنه نَسَبَهُ إلى نفسه خاصة(١) ، بخلاف ماذكره ابن أبي حاتم، والله
أعلم .
(الثالثة): قال ابن أبي حاتم: ((إذا قيل ((شيخ)) فهو بالمنزلة
الثالثة، يكتب حديثه وينظر فيه، إلا أنه دون الثانية(٢))).
( الرابعة): قال: إذا قيل ((صالح الحديث)) فإنه يكتب حديثه
وقد توسعنا في تحقيق هذه المسألة وأزحنا عنها غبار التقول والتظنن بتحقيق دقيق في
=
كتابنا ( ماذا عن المرأة ) ص ٩٣ - ٩٤ وص ١٨٦ - ١٩٦ الطبعة الثالثة . لمناسبة الرد على من استدل
بحديث الصدوق ( أسيد البراد ) على تحريم الذهب المحلق على النساء بزعمه الفاسد !! فارجع إليه
لزاماً .
(١) مراد المصنف رحمه الله أن ماذكره عن يحيى بن معين اصطلاح خاص لابن معين
فاحفظ ذلك وأمثاله ، وتنبه ، للاصطلاحات الخاصة في هذا الفن ، فإن ذلك على غاية الأهمية .
(٢) ومن المرتبة الثالثة: ((محله الصدق)) قال الذهبي والعراقي، ((إلى الصدق ماهو)) أي
قريب إلى الصدق ماهو ببعيد ، شيخ وسط ، وسط ، مكرر، جيد الحديث ، حسن الحديث ،
صدوق سيء الحفظ ، صدوق بهم ، صدوق له أوهام ، صدوق تغير بآخرة ، روى عنه الناس ،
مقَارِب الحديث)). بفتح الراء وكسرها على التحقيق . ويلحق بها من رمي ببدعة كالتشيع
ونحوه .
- ١٢٤ -

للاعتبار. قلت: وجاء(١) عن أبي جعفر أحمد بن سنان قال : كان
عبد الرحمن بن مهدي ربما جرى ذكر حديث(٢) الرجل فيه ضعف
وهو رجل صدوق فيقول رجل صالح الحديث ، والله أعلم(٢).
وأما ألفاظهم في الجرح فهي أيضاً على مراتب :
( أولاها ): قولهم ((لَيِّنُ الحديث)) (٤) . قال ابن أبي حاتم: إِذا
أجابوا في الرجل (( بلين الحديث)) فهو ممن يُكتب حديثه ويُنظر
فيه اعتباراً . قلت : وسأل حمزة بن يوسف السهمي أبا الحسن
الدارْقُطني الإمام ، فقال له: إِذا قلت ((فلان ليِّن)) أَيْشٍ تريد
صح
به ؟ قال : لا يكون ساقطاً متروك الحديث ولكن مجروحاً بشيء
لا يسقط عن العدالة .
(الثانية ): قال ابن أبي حاتم: إذا قالوا ((ليس بقوي )) فهو
بمنزلة الأول في كتب حديثه ، إلا أنه دونه .
( الثالثة ): قال: إِذا قالوا ((ضعيف الحديث)) فهو دون الثاني
لا يطرح حديثه بل يعتبر به .
(١) وفي ع ( جاء ) وفي ق ( وقد جاء ) .
(٢) قوله « حدیث » ليس في ع .
(٣) ومن المرتبة الرابعة في التعديل: ( صَدوق إن شاء الله ، أرجو أن لابأس به ،
صويلح ، مقبول ) .
(٤) ومثله : ( فلان فيه مقال ، فلان ضعف ، أو فيه ضعف ، وفلان تعرف وتنكر،
ليس بذاك ، أو بذاك القوى، ليس بالَرْضِي ، للضعف ماهو ، طعنوا فيه ، سيء الحفظ ) .
- ١٢٥ -

( الرابعة): قال: إِذا قالوا ((متروك الحديث ، أو ذاهب
الحديث ، أو كذاب )) فهو ساقط الحديث لا يكتب حديثه وهي
المنزلة الرابعة (١) .
قال الخطيب أبو بكر : أرفع العبارات في أحوال الرواة أن
يقال: ((حجة أو ثقة))، وأُدْوَنها أن يقال: ((كذاب، ساقط)) (٢).
أخبرنا أبو بكر بن عبد المنعم الصاعدي الفراوي قراءة عليه
بنيسابور ؛ أنا محمد بن إسماعيل الفارسي ؛ أنا أبو بكر أحمد بن الحسين
(١) وقد رتب الذهبي والعراقي مراتب الجرح ترتيباً جديداً، وجعلاها خمس مراتب أردؤها
((دجال، كذاب، وضاع ، .... )).
ثم رتبها الحافظ ابن حجر ترتيباً آخر مستقلاً أيضاً ، وزاد عليها رتبة أخرى ، هي صيغة
المبالغة مثل ((أكذب الناس)). وتابعه السخاوي على ذلك فصارت مراتب الجرح ستاً أيضاً ،
نسوق لك تقسيها المختار فيما يلي :
المرتبة الأولى : أسهل مراتب التجريح مثل : فيه مقال ، أو فيه ضعف ... لين الحديث
ليس بقوي .
المرتبة الثانية : لا يحتج به ، ضعفوه ، ضعيف ، منكر الحديث ، واه ، مضطرب الحديث ،
مجهول .
المرتبة الثالثة : ضعيف جداً ، ليس بثقة ، واه بمرة ...
المرتبة الرابعة : يسرق الحديث ، متهم بالكذب ، ساقط .
المرتبة الخامسة : كالدجال ، والكذاب ، يكذب .
المرتبة السادسة : ما يدل على المبالغة ... مثل : أكذب الناس ، إليه المنتهى في الكذب .
وحكم المرتبتين الأولى والثانية أن يُعْتَبَر بحديث من قيلت فيه، وأما المراتب الأربع -
الأخيرة فالحكم فيها (( أنه لا يحتج بواحد من أهلها ولا يستشهد به ولا يعتبر به)) كما بين السخاوي
في فتح المغيث ص ١٦٠ .
(٢) (( ساقط الحديث)) ق. والمثبت موافق لنص الخطيب في الكفاية ص٢٢ .
- ١٢٦ -

البيهقي الحافظ ، أنا أبو الحسين(١) بن الفضل، أنا عبد الله بن
جعفر ، ثنا يعقوب بن سفيان ، قال سمعت أحمد بن صالح قال :
لا يترك حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه . قد يقال :
((فلان ضعيف))، فأما أن يقال ((فلان متروك)) فلا ، إلا أن يجمع
الجميع على ترك حديثه .
ومما لم يشرحه ابن أبي حاتم وغيره من الألفاظ المستعملة في هذا
الباب قولهم: (( فلان قد روى الناس عنه ، فلان وسط ، فلان
مقارب الحديث ، فلان مضطرب الحديث ، فلان لا يحتج به ، فلان
مجهول، فلان لاشيء، فلان ليس بذاك))، وربما قيل (( ليس بذاك
القوي))، ((فلان فيه أو في حديثه ضعف)). وهو في الجرح أقل
من قولهم: ((فلان ضعيف الحديث)). ((فلان ماأعلم به بأساً))،
وهو في التعديل دون قولهم: (( لابأس به)) ومامن لفظة منها ومن
أشباهها إلا ولها نظير شرحناه أو أصل أصلناه يتنبه إن شاء الله
تعالى به عليها (٢) والله أعلم .
(١) ((أبو)) ليس في ق .
(٢) وقد بينا مراتبها في تعليقاتنا، فانظرها. وانظر للاستزادة في إيضاح عباراتهم في
الجرح والتعديل ودفع ما ورد عليها من توهم في كتابنا ( منهج النقد في علوم الحديث )
ص ١١٣ - ١١٥. وانظر الموضوع بتمامه في كتابنا ( علم الجرح والتعديل ).
- ١٢٧ -

النوع الرابع والعشرون
معرفة كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
أعلم أن طرق نقل الحديث وتحمله على أنواع متعددة ، ولنقدم
على بيانها بيان أمور :
أحدها : يصح التحمل قبل وجود الأهلية فتقبل رواية من تحمل
قبل الإسلام وروى بعده ، وكذلك رواية من سمع قبل البلوغ
وروى بعده .
ومنع من ذلك قوم فأخطؤوا ، لأن الناس قبلوا رواية أحداث
الصحابة كالحسن بن علي ، وابن عباس ، وابن الزبير ، والنعمان بن
بشير ، وأشباههم ، من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وما بعده .
ولم يزالوا قديماً وحديثاً يُحْضِرون الصبيان مجالس التحديث والسماع
ويعتدون بروايتهم لذلك ، والله أعلم .
الثاني: قال أبو عبد الله الزبيري: ((يُستَحَبُّ كَتْبُ الحديث في
العشرين، لأنها مجتمع العقل)). قال (( وأحب أن يشتغل دونها
بحفظ القرآن والفرائض)). وورد عن سفيان الثوري قال: ((كان
الرجل إذا أراد أن يطلب الحديث تعبد قبل ذلك عشرين سنة)).
وقيل لموسى بن إسحاق: (( كيف لم تكتب عن أبي نعيم ؟ ))
- ١٢٨ -

فقال: (( كان أهل الكوفة لا يخرجون أولادهم في طلب الحديث
صغاراً حتى يستكملوا عشرين سنة )) . وقال موسى بن هارون :
(( أهل البصرة يكتبون لعشر سنين ، وأهل الكوفة لعشرين وأهل
الشام لثلاثين )» ، والله أعلم(١).
قلت : وينبغي بعد أن صار الملحوظُ إِبقاء سلسلة الإِسناد أن
يُبَكَّر ياسماع الصغير في أول زمان يصح فيه سماعه . وأما الاشتغال
بكَتْبه الحديثَ ، وتحصيله ، وضبطه ، وتقييده ، فمن حين يتأهل
لذلك ويستعدُّ له . وذلك يختلف باختلاف الأشخاص ، وليس
ينحصر في سن مخصوص كما سبق ذكره آنفاً عن قوم ، والله أعلم .
الثالث : اختلفوا في أول زمان يصح فيه سماع الصغير . فروينا
عن موسى بن هارون الحمّال أحد الحفاظ النقاد أنه سئل : متى يسمع
الصبي الحديث ؟ فقال: ((إِذا فرق بين البقرة والدابة)) ، وفي رواية
((بين البقرة والحمار))(٢).
وعن أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه سئل: (( متى يجوز سماع
الصبي للحديث؟)) فقال: ((إِذا عقل وضبط )). فَذُكِرَ له عن
(١) انظر تخريج هذه الآثار بأسانيدها في ( المحدث الفاصل بين الراوي والواعي)
للرامهرمزي ص ١٨٦ - ١٨٨، والكفاية ص ٥٤ - ٥٥ ، وانظر ( الإلماع إلى معرفة أصول الرواية
وتقييد السماع ) للقاضي عياض ص ٦٤ - ٦٥ .
(٢) أخرجه الخطيب في الكفاية ص ٦٥ .
علوم الحديث (١٢)
- ١٢٩ -

رجل أنه قال: ((لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة))،
فأنكر قوله وقال: (( بئس القول!)).
وأخبرني الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله الأسدي عن أبي محمد
عبد الله بن محمد الأشيري عن القاضي الحافظ عياض بن موسى السَبْتي
اليَخْصُبي قال(١): ((قد حدد أهل الصنعة في ذلك أن أقله سن محمود بن
الربيع)). وذكر رواية البخاري في صحيحه بعد أن ترجم ((متى يصح
سماع الصغير؟))(٢) بإسناده عن محمود بن الربيع، قال: ((عقلت من
النبي ◌َ ◌ّ مَجَّة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو)) ، وفي رواية
أخرى أنه كان ابن أربع سنين . ( والله أعلم)(٢).
قلت : التحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث
المتأخرين ، فيكتبون لابن خمس فصاعداً ( سمع ) ، ولمن لم يبلغ
خمساً ( حضر) ، أو ( أحضر) . والذي ينبغي في ذلك أن تَعْتَبَرَ في
كل صغير حاله على الخصوص ، فإن وجدناه مرتفعاً عن حال من لا
يعقل فهماً للخطاب ورداً للجواب ونحو ذلك صححنا سماعه وإن
كان دون خمسٍ ، وإن لم يكن كذلك لم نصحح سماعه وإن كان ابن
خمسٍ بل ابن (٤) خمسين .
(١) في كتابه ( الإلماع) ص ٦٢ .
(٢) ١ : ٢٢ .
(٣) من نسخة الأصل .
(٤) قوله ((ابن)) ليس في ق .
- ١٣٠ -

وقد بلغنا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: (( رأيت صبياً ابن
أربعِ سنين قد حُمِلَ إلى المأمون قد قرأ القرآن ونظر في الرأي غير
أنه إذا جاع يبكي(١))).
وعن القاضي أبي محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني قال: (( حفظت
القرآن ولي خمس سنين ، وحُملت إلى أبي بكر بن المقرئ لأسمع منه
ولي أربع سنين . فقال بعض الحاضرين : لا تُسَبِّعُوا له فيما قرئ فإِنه
صغير. فقال لي ابن المقرئ اقرأ سورة الكافرين فقرأتُها ، فقال اقرأ
سورة التكوير فقرأتها ، فقال لي غيره اقرأ سورة والمرسلات فقرأتها
ولم أغلط فيها . فقال ابن المقرئ: سمعوا له والعهدة عليّ))(٢).
وأما حديث محمود بن الربيع فيدل على صحة ذلك من ابن خمس
مثل محمود ، ولا يدل على انتفاء الصحة فين لم يكن ابن خمس ، ولا
على الصحة فيمن كان ابن خمس ولم يميِّزْ تمييزَ محمود رضي الله عنه ،
والله أعلم .
(١) الكفاية ص ٦٤ قال العراقي في شرح الألفية ٢: ٤٦: ((والذي يغلب على الظن عدم
صحة هذه الحكاية ، .. وفي سندها أحمد بن كامل القاضي ، وكان يعتمد على حفظه فَيَهِمْ ، قال
الدارقطني : كان متساهلاً)) .
(٢) أوردها الخطيب في الكفاية ص ٦٤ - ٦٥ بسماعه من القاضي الأصبهاني فهي صحيحة
جداً . وفي كتاب الكفاية روايات كثيرة معبرة عن روح المجتمع الإسلامي الحضارية . وتنافس
المجتمع في العلم والمعالي .
- ١٣١ -

بيان أقسام طرق نقل الحديث وتحمله
ومجامعها ثمانية أقسام :
القسم الأول
السَّماع من لفظ الشيخ . وهو ينقسم إلى إملاء ، وتحديث من غير
إملاء ، وسواء كان من حفظه أو من كتابه . وهذا القسم أرفع
الأقسام عند الجماهير(١).
وفيما نرويه عن القاضي عياض بن موسى السبتي أحد المتأخرين
المطلعين قوله(٢): ((لا خلاف أنه يجوز في هذا أن يقول السامع
منه: (( حدثنا ، وأخبرنا ، وأنبأنا ، وسمعت فلاناً يقول ، وقال لنا
فلان ، وذكر لنا فلان )) .
قلت : في هذا نظر، وينبغي فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ
مخصوصاً بما سمع من غير لفظ الشيخ - على ما نبينه إن شاء الله
(١) انظر النقول عن العلماء في ذلك في الإلماع ص ٦٩ والكفاية ص ٢٧١ - ٢٧٤ .
(٢) في ( الإلماع ) ص ١٣٥. وانظر فصولاً مطولة في هذا في المحدث الفاصل ص ٤٧٢ وما
بعد ، وفي الكفاية ص ٢٨٣ وما بعد .
- ١٣٢ -

تعالى - أن لا يُطلَقَ فيما سمع من لفظ الشيخ لما فيه من الإيهام
والإلباس ، والله أعلم .
وذكر الحافظ أبو بكر الخطيب(١) أن أرفع العبارات في ذلك
((سمعت)) ثم (( حدثنا وحدثني))، فإنه لا يكاد أحد يقول :
((سمعت)) في أحاديث الإِجازة والمكاتبة ولا في تدليس ما لم
يسمعه .
وكان بعض أهل العلم يقول فيما أجيز له ((حدثنا)).
وروي عن الحسن أنه كان يقول (( حدثنا أبو هريرة )) ويتأول أنه
حدث أهل المدينة ، وكان الحسن إِذْ ذاك بها إلا أنه لم يسمع منه
شيئاً .
قلت : ومنهم من أثبت له سماعاً من أبي هريرة ، والله أعلم(٢).
(١) ((الكفاية)) ص ٢٨٤.
(٢) وإلى ذلك ذهب أحمد شاكر رحمه الله في شرحه لمسند الإمام أحمد ، فأثبت بالبحث
سماع الحسن من أبي هريرة فانظره .
وأنكر الحافظ العلائي نسبة هذا التدليس إلى الحسن بتحقيق قيم فقال في جامع التحصيل
ص ١٣٢ - ١٣٣ .
فيه نظر من وجوه :
أحدها : أنه لا نعلم أحداً من المدلسين المقبول قولهم أطلق حدثنا أو أخبرنا فيما لم يتحمله
من شيخه ، وقد اتفق أئمة الحديث قاطبة على قبول ما قال فيه المُدَلِّس الثقة حدثنا أو أخبرنا ،
فمتى تطرق وهم التدليس إلى هاتين اللفظتين أدى ذلك إلى أنه لا يقبل من مدلس خبر أبداً ،
والإجماع على خلافه .
=
- ١٣٣ -

ثم يتلو ذلك قول: ((أخبرنا)) وهو كثير في الاستعمال ، حتى أن
جماعة من أهل العلم كانوا لا يكادون يخبرون عما سمعوه من لفظ من
حدثهم إلا بقولهم: ((أخبرنا))، منهم حماد بن سلمة ، وعبد الله بن
المبارك ، وهُشَيْم بن بشير ، وعبيد الله بن موسى ، وعبد الرزاق بن
هَمَّامٍ ، ويزيد بن هارون ، وعمرو بن عون ، ويحيى بن يحيى
التميمي ، وإسحاق بن راهُؤْيَه ، وأبو مسعود أحمد بن الفُرات ،
ومحمد بن أيوب الرازيّان ، وغيرهم .
وذكر الخطيب(١) عن محمد بن رافع قال : كان عبد الرزاق يقول :
=
وثانيها : أن ما ذكره عن الحسن من قوله حدثنا أبو هريرة فلا يرد على ذلك لأحد
وجهين : إما أن يثبت للحسن السماع من أبي هريرة رضي الله عنه كما قاله بعضهم ، وإما أن
يكون ذلك من غلط الرواة عنه ، اعتقدوا أنه سمع منه فغيَّروا لفظة ( عن ) بـ ( حدثنا ) . وهذا
هو اختيار أبي زرعة يقول لم يسمع الحسن من أبي هريرة ولم يره. فقيل له : فمن قال عنه
حدثنا أبو هريرة ؟ قال : يخطئ .
قال : وسمعت أبي وذكر حديثاً حدثه مسلم بن إبراهيم ثنا ربيعة بن كلثوم سمعت الحسن
يقول حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي عَّ بثلاث ، قال: لم يعمل
ربيعة بن كلثوم شيئاً ، لم يسمع الحسن من أبي هريرة . فقلت لأبي : إن سالماً الخياط روى عن
الحسن قال سمعت أبا هريرة؟ قال: هذا مما يبين ضعف سالم)). انتهى كلام العلائي. وفي
هامش النسخة الأصل من إملاء ابن الصلاح ما يلي :
((حاشية: ((قال الشيخ رضي الله عنه : ذكر علي بن المديني قول الحسن : خطبنا ابن
عباس بالبصرة ، فقال إنما هو كقول ثابت : قدم علينا عمران بن حصين ، ومثل قول مجاهد خرج
علينا عليّ .
وقال عليّ : - يعني ابن المديني - الحسن لم يسمع من ابن عباس وما رآه قط ، كان
بالمدينة أيام كان ابن عباس على البصرة . والله أعلم)). انتهى ما في هامش النسخة الأصل وقد
عرفت طريق ذلك في ضوء ما سبق . وانظر ما ذكره المصنف في العلل لابن المديني ص ٥٥ .
(١) «الكفاية)» ص ٢٨٥.
- ١٣٤ -

(( أنا )) حتى قدم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فقالا له :
قل: ((حدثنا))، فكل ما سمعت مع هؤلاء قال ((حدثنا)) وما كان
قبل ذلك قال ((أنا)). وعن محمدٍ بن أبي الفوارسِ الحافظ قال:
هُشَيْم ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق لا يقولون إِلا ((أخبرنا))
فإذا رأيت ((حدثنا)) فهو من خطأ الكاتب ، والله أعلم .
خف
قلت : وكان هذا كلَّه قبل أن يَشِيع تخصيصُ ( أخبرنا ) بما قرئ
على الشيخ، ثم يتلو قولَ ((أخبرنا)) قولُ ((أنبأنا)) و((نبأنا))(١)
وهو قليل في الاستعمال .
قلت : ( حدثنا، وأخبرنا ) أرفع من ( سمعت ) من جهة
أخرى ، وهي أنه ليس في ( سمعت ) دلالة على أن الشيخ رؤَّاه
الحديث وخاطبه به ، وفي ( حدثنا ، وأخبرنا ) دلالة على أنه خاطبه
به ورواه له أو هو ممن فَعل به ذلك .
سأل الخطيب أبو بكر الحافظ (٢) شيخه أبا بكر البَرْقاني الفقيه
الحافظ رحمهما الله تعالى عن السر في كونه يقول فيما رواه لهم عن
أبي القاسم عبد الله بن إبراهيم الجرجاني الآبندوني(٣) ((سمعت)) ولا
يقول (( حدثنا ، ولا أخبرنا )» فذكر له أن أبا القاسم كان مع ثقته
وصلاحه عَسِراً في الرواية ، فكان البَرْقاني يجلس بحيث لايراه أبو
(١) قوله: ((ونبأنا)) ليس في ق .
(٢) انظر ( الكفاية ) ص ٢٨٧ .
(٣) آبندون قرية من قرى جرجان كذا في هامش ع .
- ١٣٥ -

القاسم ولا يعلم بحضوره ، فيسمع منه ما يحدث به الشخص الداخل
إليه، فلذلك يقول ((سمعت)) ولا يقول ((حدثنا، ولا أخبرنا))
لأن قصده كان الرواية للداخل إليه وحده .
وأما قوله ((قال لنا فلان، أو ذكر لنا فلان)) فهو من قبيل
قوله ((حدثنا فلان)) غير أنه لائق بما سمعه منه في المذاكرة وهو به
أشبه من ( حدثنا ). وقد حكينا في فصل التعليق(١) عقيب النوع
الحادي عشر عن كثيرٍ من المحدثين استعمال ذلك معبرين به عما جرى
بينهم في المذاكرات والمناظرات .
وأوضع العبارات في ذلك أن يقول: ((قال فلان ، أو ذكر
فلان)) من غير ذكر قوله: (( لي ولنا )» ونحو ذلك .
وقد قدمنا في فصل الإسناد المعنعن (٢) أن ذلك وما أشبهه من
الألفاظ محمول عندهم على السماع إِذا عرف لقاؤه له وسماعه منه على
الجملة ، لاسيما إِذا عرف من حاله أنه لايقول ((قال فلان)) إِلا فيما
سمعه منه .
وقد كان حجاج بن محمد الأعور يروي عن ابن جريج كتبه
ويقول فيها: ((قال ابن جريج)) فحملها الناس عنه واحتجوا
برواياته وكان قد عرف من حاله أنه لا يروي إلا ما سمعه .
(١) ص ٦٩ - ٧٠ .
(٢) ص ٦١ .
- ١٣٦ -

وقد خصص الخطيب أبو بكر الحافظ(١) القول بجمل ذلك على
السماع بمن عُرِفَ من عادته مثل ذلك ، والمحفوظ المعروف ما قدمنا
ذكره ، والله أعلم .
القسم الثاني
من أقسام الأخذ والتحمل : القراءة على الشيخ :
وأكثر المحدثين يسمونها ( عرضاً) ، من حيث إن القارئ يعرض
على الشيخ ما يقرؤه كما يُعْرَضُ القرآنُ على المقرئ . وسواء كنت
أنت القارئ ، أو قرأ غيرك وأنت تسمع أو قرأت من كتاب أو من
حفظك ، أو كان الشيخ يحفظ ما يُقْرأ عليه أو لا يحفظه لكن
يمسك أصله هو أو ثقة غيره .
ولا خلاف أنها رواية صحيحة إلا ما حُكي عن بعض من لا يُعتَّدُّ
بخلافه ، والله أعلم(٢) .
واختلفوا في أنها مثل السماع من لفظ الشيخ في المرتبة أو دونه أو
فوقه : فنقل عن أبي حنيفة وابن أبي ذئب وغيرهما ترجيحُ القراءة
على الشيخ على السماع من لفظه ، وروي ذلك عن مالكٍ أيضاً ،
وروي عن مالكٍ وغيره أنهما سواء . وقد قيل إن التسوية بينهما
(١) ((الكفاية)) ص ٢٨٩ .
(٢) أنظر قصة طريفة في ذلك في ( المحدث الفاصل ) ص ٤٢٣ - ٤٢٤ و ( الكفاية ) ص
٧٣ - ٧٤ وفيها قول الإمام مالك لمن لم يقبل منه العرض: ((إني أرى به لَمَّمَا)).
- ١٣٧ -

مذهب معظم علماء الحجاز والكوفة ، ومذهب مالك وأصحابه
وأشياخه من علماء المدينة ، ومذهب البخاري وغيرهم(١).
والصحيح ترجيح السماع من لفظ الشيخ . والحكم بأن القراءة عليه
مرتبة ثانية ، وقد قيل إن هذا مذهب جمهور أهل المشرق ، والله
أعلم(٢) .
وأما العبارة عنها عند الراوية بها فهي على مراتب :
أجودها وأسلمها أن يقول: ( قرأت على فلان ، أو قُرِئ على فلان
وأنا أسمع فأُقَرَّ به ) فهذا سائغ من غير إشكال . ويتلو ذلك ما يجوز
من العبارات في السماع من لفظ الشيخ مطلقة إذا أتى بها ههنا
مقيدة بأن يقول ( حدثنا فلان قراءة عليه ، أو أخبرنا قراءة
عليه ) . ونحو ذلك .
وكذلك ( أنشدنا قراءة عليه ) في الشعر .
وأما إطلاق ( حدثنا ، وأخبرنا ) في القراءة على الشيخ فقد
اختلفوا فيه على مذاهب :
(١) في هامش النسخة الأصل بخط العراقي: (ومن جوَّز إطلاق (( ثنا)» في ذلك عطاء،
والحسن ، وأبو حنيفة ، وصاحباه ، ومنصور. وقال الثوري لما سئل عن ذلك أيقول : سمعت
فلاناً ؟ قال : نعم . ذكره الرامهرمزي ) . انتهى. وانظر ( المحدث الفاصل ) ص ٤٢٠ - ٤٢٢ .
(٢) ويمكن أن نوفق بين الآراء فنقول برجحان العرض إذا كان الطالب يستطيع إدراك
الخطأ فيما يقرأ والشيخ حافظ متيقظ، كما بيّناه في ( منهج النقد ) ص ٢١٤ - ٢١٥، وعبارات
أصحاب هذا الرأي تشير لذلك . وانظر المرجعين السابقين في مسألة العرض .
- ١٣٨ -

فَمِنْ أهل الحديث مَنْ منع منهما جميعاً ، وقيل إنه قول ابن
المبارك ، ويحيى بن يحيى التميمي ، وأحمد بن حنبل ، والنسائي ،
وغيرهم .
ومنهم من ذهب إلى تجويز ذلك ، وأنه كالسماع من لفظ الشيخ
في جواز إطلاق ( حدثنا ، وأخبرنا ، وأنبأنا ) وقد قيل إن هذا
مذهب معظم الحجازيين ، والكوفيين ، وقول الزُهري . ومالك ،
وسفيان بن عيينة ، ويحيى بن سعيد القطان في آخرين من الأئمة
المتقدمين ، وهو مذهب البخاري صاحب الصحيح في جماعة من
المحدثين . ومن هؤلاء من أجاز فيها أيضاً أن يقول ( سمعت فلاناً ) .
والمذهب الثالث : الفرق بينهما في ذلك، والمنع من إطلاق
( حدثنا ) وتجويز إطلاق ( أخبرنا ) وهو مذهب الشافعي
وأصحابه ، وهو منقول عن مسلم صاحب الصحيح ، وجمهور أهل
المشرق .
وذكر صاحبُ ( كتاب الإنصاف ) محمدُ بن الحسن التميمي الجوهري
المصري أن هذا مذهب الأكثر من أصحاب الحديث الذين لا يحصيهم
أحد، وأنهم جعلوا ( أخبرنا) عَلَماً يقوم مقام قول قائله: ((أنا قرأته
عليه لا أنه لَفَظَ به لي)). قال: (( وممن كان يقول به من أهل
زماننا أبو عبد الرحمن النسائي في جماعةٍ مثله من محدثينا)).
قلت : وقد قيل إن أول من أحدث الفرق بين هذين اللفظين
- ١٣٩ -

ابنُ وَهْب بمصر. وهذا يدفعه أن ذلك مروي عن ابن جريج
والأوزاعي ، حكاه عنهما الخطيب أبو بكر (١)، إلا أن يعني أنه أول
من فعل ذلك بمصر، والله أعلم .
قلت : الفرق بينهما صار هو الشائع الغالب على أهل الحديث ،
والاحتجاج لذلك من حيث اللغةُ عناءً وتكلف . وخير ما يقال فيه
إنه اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين ثم خُصِّص النوع
الأول بقول ((حدَّثنا)) لقوة إِشعاره بالنطق والمشافهة ، والله أعلم .
ومن أحسن ما يحكى عمن يذهب هذا المذهب ما حكاه الحافظ أبو
بكر البرقاني عن أبي حاتم(٢) محمد بن يعقوب المَرَوي أحد رؤساء أهل
الحديث بخراسان أنه قرأ على بعض الشيوخ عن الفِرَبْرِي صحيح
البخاري وكان يقول له في كل حديث: ((حدثكم الفربري)) فلما
فرغ من الكتاب سمع الشيخ يذكر أنه إنما سمع الكتاب من الفربري
قراءة عليه ، فأعاد أبو حاتم قراءة الكتاب كله وقال له في جميعه :
(( أخبركم الفربري))، والله أعلم(٣).
(١) في الكفاية ص ٣٠٢.
(٢) انظر القصة في الكفاية ص ٣٠٣ .
(٣) انظر التوسع في العبارة عما تحمله بالعرض والفرق بين ( حدثنا) و ( أخبرنا ) المحدث
الفاصل ( باب في القراءة على المحدث ) ص ٤٢٠ وما بعد ، والكفاية ص ٢٩٦ وما بعد . وقد
صنف الإمام الطحاوي جزءاً مفرداً للفرق بين ( حدثنا ) و (أخبرنا). منه نسخة خطية في دار
الكتب الظاهرية .
- ١٤٠ -