Indexed OCR Text

Pages 401-420

٣٦ - كتاب الجزية / ١٤ - باب نصارى العرب - ٤.١
وصفت ، فأما ذبائحهم فلا أجيز أكلها خبراً عن عمر ، وعلي بن أبي طالب ،
وكذلك لا يحلُّ لنا نكاح نسائهم لأنَّ الله (جلّ ثناؤه ) إنما أحل لنا من أهل
الكتاب الذين عليهم نزل .. ، وبسط الكلام في ذلك . وجعلهم شبيها بالمجوس (١) .
١٨٦٢٧ - أخبرنا أبو بكر ، وأبو زكريا ، وأبو سعيد ، قالوا : حدثنا أبو
العباس ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا الثقة سفيان أو عبد الوهاب أو
هما ، عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة السلماني ، قال : قال علي بن
أبي طالب : لا تأكلوا ذبائح نصارى بني تغلب فإنهم لم يتمسكوا من نصرانيتهم أو
من دينهم إلا بشرب الخمر (٢).
١٨٦٢٨ - الشك من الشافعي .
١٨٦٢٩ - قال أحمد : رواه في كتاب تحريم الجمع ، عن الثقفي ، ولم يجاوز به
عبيدة ، وشك في تبليغه به علياً .
٠ ١٨٦٣ - ورواه في كتاب الضحايا عن الثقفي ، وقال : عن عبيدة ، عن علي
لم يشك فيه .
١٨٦٣١ - وهو فيما : أخبرناه أبو بكر ، وأبو زكريا ، وأبو سعيد ، قالوا :
حدثنا أبو العباس .. ، فذكروه بإسناده من غير شك، وقال: ((من دينهم ))، لم
يشك .
١٨٦٣٢ - وقد رواه هشام بن حسان عن ابن سيرين، عن عبيدة ، عن علي .
فهو عن علي صحيح .
١٨٦٣٣ - وذكره الشافعي في رواية أبي عبد الرحمن عنه من رواية هشام .
(١) قاله الشافعي في ((الأم)) (٤ : ٢٨١).
(٢) ((الأم)) ( ٤: ٢٨١)، وسنن البيهقي الكبرى (٩: ٢١٧)، وتفسير القرطبي ( ٦:
٧٨)، وأحكام الجصاص ( ٣: ٣٢٣)، وتفسير الطبري ( ٩: ٥٧٦).

٤.٢ - مَعْرِفَةُ السُّنْنِ وَآلآثَارِ / ج ١٣
١٨٦٣٤ - وذكر حديث ابن عُلية ، عن برد بن سنان ، عن عبادة بن نُسي ، عن
غضيف بن الحارث، قال: كتبت إلى عمر بن الخطاب في (( السَّامرة» أنهم
يسبتون السبت ، ويقرؤون التوراة ، ولا يؤمنون بالبعث ، فكتب عمر : إن كانوا
يقرأون التوراة ويسبتون السبت فهم أهل الكتاب (١) .
١٨٦٣٥ - قال الشافعي ( رحمه الله ) : أخبرنا مالك ، عن ثور بن زيد
الديلي : أنَّ ابن عباس سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال: ﴿ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ
فَإِنَّهِ مِنْهُمْ﴾ (٢) (الآية الكريمة ٥١ من سورة المائدة)).
١٨٦٣٦ - أخبرناه أبو زكريا بن أبي إسحاق ، أخبرنا أبو الحسن الطرائفي ،
حدثنا عثمان الدارمي ، حدثنا القعنبي فيما قرأ على مالك ، عن ثور بن زيد
الدِّيلَي، عن عبد الله بن عباس أنه سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى العَرَبِ؟ فَقَالَ: لاَ بَأْسَ
بها ، وَتَلاَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّه مِنْهُمْ﴾ (الآية الكريمة ٥١ من سورة
المائدة » (٣).
١٨٦٣٧ - وذكر الشافعي حديثاً رواه سريج بن يونس ، عن حماد بن زيد
وحماد بن سلمة ، عن أيوب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس مثله . ثم قال : جعل
الله المتولي للقوم منهم، فَمَنْ انتقل إلى اليهودية والنصرانية من العرب أخذت منه
الجزية وتؤكل ذبيحته .
١٨٦٣٨ - وقد رغب عن هذا في الجديد ، وقال في حديث ابن عباس ما :
أخبرنا أبو بكر ، وأبو زكريا ، وأبو سعيد ، قالوا : حدثنا أبو العباس ، أخبرنا
(١) مصنّف عبد الرزاق ( ٧ : ١٨٧).
(٢) ذكره الشافعي في ((الأم)) (٤: ٢٨١)، باب ((نصارى العرب)).
(٣) رواه مالك في كتاب الذبائح، رقم (٥)، باب ((ما يجوز من الذكاة في حال الضرورة)) ص.
(٢ : ٤٨٩)، والشافعي في ((الأم)) (٤: ٢٨١)، باب ((نصارى العرب))، والبيهقي في
سننه الكبرى ( ٩ : ٢١٧ ).

٣٦ - كتاب الجزية / ١٤ - باب نصارى العرب - ٤.٣
الربيع ، أخبرنا الشافعي ، قال : والذي يروى من حديث ابن عباس وإحلال ذبائحهم
إنما هو من حديث عكرمة ، أخبرنيه ابن الدراوردي ، وابن أبي يحيى عن ثور
الدِّيلي ، عن عكرمة، عن ابن عباس أنَّ سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى العَرَبِ ؟ فَقَالَ
قَوْلاً حكياه هو إحلالها ، وتلا : ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم ﴾ ( الآية الكريمة
٥١ من سورة المائدة ) .
١٨٦٣٩ - ولكن صاحبنا سكت عن اسم عكرمة ، وثور لم يلق ابن
عباس (١) .
. ١٨٦٤ - قال أحمد: يريد بصاحبنا مالك بن أنس.
١٨٦٤١ - وقد رواه ابن وهب عن مالك فذكر فيه عكرمة .
أخبرناه أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو بكر بن بالويه ، حدثنا أحمد بن علي
الخزاز ، حدثنا خالد بن خداش ، حدثنا عبد الله بن وهب ، أخبرني مالك .. ،
فذكره .
١٨٦٤٢ - وكأنه لم يَرَ الاحتجاج برواية عكرمة فلم يذكر اسمه في الموطأ وهو
إن صح فقد عارضه قول علي وعمر .
١٨٦٤٣ - أخبرنا أبو سعيد في كتاب الضحايا ، حدثنا أبو العباس ، أخبرنا
الربيع ، قال : قال الشافعي : وهو لو ثبت عن ابن عباس كان المذهب إلى قول عمر
وعلي أولى ، ومعه المعقول .
١٨٦٤٤ - فأما ﴿ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّه مِنْهُمْ﴾ فمعناها على غير حكمهم .
(١) نقله البيهقي في سننه الكبرى ( ٩ : ٢١٧).

١٥ - الصدقة
١٨٦٤٥ - أخبرنا أبو سعيد ، حدثنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا
سفيان ، عن أبي إسحاق الشيباني ، عن رجل ؛ أنَّ عمر صَالَحَ نصارى بني تغلب
على أنْ لا يصبغوا أبناءهم ولا يُكرهوا على غير دينهم ، وأنْ تُضاعف عليهم
الصدقة (١).
١٨٦٤٦ - قال أحمد : هكذا رواه . ورواه غيره عن أبي إسحاق الشيباني ، عن
السفاح - هو ابن مطر - ، عن داود بن كردوس ، عن عمر .
١٨٦٤٧ - أخبرناه أبو سعيد ، حدثنا أبو العباس الأصم ، حدثنا الحسن بن
علي بن عفان ، حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا أبو معاوية عن أبي إسحاق .. ، فذكره
بإسناده ومعناه، إلا أنَّه قال: ((لا يصبغوا في دينهم صبياً )) (٢).
١٨٦٤٨ - وقد ذكره الشافعي (رحمه الله) في رواية أبي عبد الرحمن عنه
فيما بلغه عن أبي معاوية إلا أنه قال : عن داود بن كردوس ، عن أبيه .
١٨٦٤٩ - ورواه عبد السلام بن حرب ، عن أبي إسحاق ، عن السفاح ، عن
داود بن كردوس ، عن عبادة بن النعمان التغلبي أنه قال لعمر بن الخطاب : يا أمير
المؤمنين إن بني تغلب مَنْ قد علمت شوكتهم وإنهم بإزاء العدو ، فإن ظاهروا عليك
العدو واشتدت مؤنتهم فإن رأيت أن تعطيهم شيئاً فافعل، قال: فصالحهم (٣).
(١) قاله الشافعي في ((الأم)) (٤: ٢٨١)، وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٩ : ٢١٦).
(٢) ((الأم)) ( ٤: ٢٨١)، والسنن الكبرى (٩ : ٢١٦).
(٣) ((الأم)) (٤: ٢٨٢)، والسنن الكبرى (٩ : ٢١٦).
٤.٤

٣٦ - كتاب الجزية / ١٥ - الصدقة - ٤٫٥
. ١٨٦٥ - أخبرنا أبو سعيد ، حدثنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع ، قال : قال
الشافعي : وهكذا حفظ أهل المغازي وساقوه أحسن من هذا السياق ، فقالوا :
راضهم . فقالوا : نحن عرب لا نؤدي ما يؤدي العجم ، ولكن خذ منا كما يأخذ
بعضكم من بعض - يعنون الصدقة ، فقال عمر : لا . هذا فرض على المسلمين .
فقالوا : زد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية ، ففعل . فتراضى هو وهم على أنْ
ضعف عليهم الصدقة (١) .
(١) ((الأم)) (٤: ٢٨٢)، باب (الصدقة))، وسنن البيهقي الكبرى (٩ : ٢١٦).

١٦ - باب المهادنة
١٨٦٥١ - أخبرنا أبو سعيد ، حدثنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع ، قال : قال
الشافعي ( رحمه الله) : فَرَضَ الله تعالى قتال غير أهل الكتاب حتى يسلموا ،
وأهل الكتاب حتى يعطوا الجزية (١).
١٨٦٥٢ - وقال: ﴿لا يُكُلّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ( ختام سورة البقرة ).
١٨٦٥٣ - فهذا فرض على المسلمين ما أطاقوه فإذا عجزوا عنه كلفوا منه ما
أطاقوه .
١٨٦٥٤ - فلا بأس أنْ يكفوا عن قتال الفريقين من المشركين وأنْ يهادنوهم .
١٨٦٥٥ - وقد كفَّ رسول اللـه & عن قتال كثير من أُهْلِ الأوثان بلا مهادنة إذا
انتاطت دورهم عنه مثل : بني تميم ، وربيعة ، وأسد وطيئ ، حتى كانوا هم الذين
أسلموا .
١٨٦٥٦ - وهادن رسول الله #& ناساً .
١٨٦٥٧ - ووادَعَ حين قدم المدينة يهوداً على غير خرج أخذه منهم .. ، وبسط
الكلام فيه (٢) .
(١) ذكره الشافعي في ((الأم)) (٤: ١٨٨)، باب ((المهادنة)).
(٢) وذلك في ((الأم)) (٤: ١٨٨)، باب ((المهادنة)).
٤.٦
،

١٧ - المهادنة على النظر للمسلمين
١٨٦٥٨ - قال الشافعي (رحمه الله ) في الإسناد الذي ذكرنا : قامَتِ الحربُ
بين رسول الله ﴾ وقريش ، ثم أغارت سراياه على أهل نجد حتى توقى الناس لقاء
رسول الله & خوفاً للحرب دونه من سراياه ، وإعداد من يعدله من عدوه بنجد ،
ومنعت منه قريش أهل تهامة ومنع أهل نجد منه أهل نجد والمشرق .
١٨٦٥٩ - ثم اعتمر رسول اللـه 4 عمرة الحديبية في ألف وأربع مئة،
فسمعت به قريش ، فَجَمَعَتْ له ، وجدّت على منعه ، ولهم جموع أكبر ممن خرج فيه
رسول الله بأبي وأمي هو، فتداعوا الصلح، فهادنهم رسول الله ﴾ إلى
مدة ، ولم يهادنهم على الأبد . لأن قتالهم حتى يسلموا فرض عليهم إذا قَوِيَ
عليهم ، وكانت الهدنة بينه وبينهم عشر سنين ، ونزل عليه في سفره في أمرهم (١):
﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحَا مُبِينًا ﴾ ( أول سورة الفتح ) .
.١٨٦٦ - قال ابن شهاب: فما كان في الإسلام فتحٌ أعظم منه ، كانت الحرب
قد أحجزت الناس ، فلما أُمِنُوا لم يُكُلِّم بالإسلام أحدٌ يعقل إلا قَبِلَهُ ، فلقد أسلم في
سنتين من تلك الهدنة أكثر ممن أُسْلمَ قبل ذلك .
١٨٦٦١ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس بن يعقوب ، حدثنا
أحمد بن عبد الجبار ، حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق : حدثني الزُّهْري ،
عن عُروة بن الزبير ، عن مروان بن الحكم والمِسْور بن مَخْرَمَةً في قصة الحديبية ،
قال : فَدَعَتْ قريش سهيل بن عمرو ، فقالوا : اذهبْ إلى هذا الرجل فصالحهُ ، ولا
يكن في صلحه إلا أنْ يرجع عنا عامه هذا ، لا يحدّث العرب أنَّهُ دَخَلَ علينا عنوة ،
فخرج سهل من عندهم ، فلما رآه رسول الله ﴾ مقبلاً قال: قد أراد القوم الصلح
(١) قاله الشافعي في ((الأم)) (٤: ١٨٩)، باب ((المهادنة على النظر للمسلمين)).
٤.٧

،
٤.٨ - مَعْرِفَةُ السُنَّنِ وَآلآثَارِ / ج ١٣
حين بعثوا هذا الرجل ، فلما انتهى إلى رسول اللـه ﴾ جرى بينهما القول حتى وَقَعَ
الصلح على أنْ توضع الحرب بينهما عشر سنين ، وأنْ يأمن الناس بعضهم من بعض
وأنْ يرجع عنهم عامهم ذلك حتى إذا كان العام المقبل قدمها خُلُوا بينه وبين مكة ،
فأقامَ بها ثلاثاً ، وأنه لا يدخلها إلا بسلاحِ الراكب والسيوف في القُرُب ، وأنه من
أتانا من أصحابك بغير إذن وليه لم نردّهُ عليك ، وأنه مَنْ أتاك منا بغير إذن وليه
رددته علينا ، وأنَّ بيننا وبينك عيبة مكفوفة ، وأنه لا إسلال ولا إغلال ..
١٨٦٦٢ - وذكر الحديث بطوله. وفيه: ثم انصرف رسول الله # راجعاً فلما
أنْ كان بين مكة والمدينة نزلت عليه سورة الفتح من أولها إلى آخرها : ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا
لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾ وكانت القصة في سورة الفتح وما ذكر من بيعة رسوله تحت
الشجرة ، فلما أمن الناس وتفاوضوا لم يُكلّم أحدٌ بالإسلام إلا دخل فيه فلقد دخل
في تينك السنتين في الإسلام أكثر مما كان دخل فيه قبل ذلك ، وكان صلح الحديبية
فتحاً عظيماً (١).
١٨٦٦٣ - قال أحمد : رجعنا إلى إسناد أبي سعيد ، قال الشافعي : ثم نقض
بعض قريش ولم ينكر عليه غيره ولم يعتزل داره فغزاهم رسول الله - عام الفتح
مخفياً لوجهه ، ليصيبَ منهم غرة (٢) .
١٨٦٦٤ - قال الشافعي : وليس للإمام أنْ يهادن على النظر إلى غير مدة ،
ولكن يهادنهم على أنَّ الخيار إليه متى شاء أنْ ينبذ إليه نبذاً ؛ افتتحَ رسول الله
(١) الخبر بطوله في صحيح البخاري في كتاب المغازي، باب ((الحديبية)). فتح الباري ( ٧ :
٤٤٤)، وانظر في تاريخ خروج النبي# إلى الحديبية: طبقات ابن سعد (٢: ٩٥)، سيرة ابن
هشام ( ٣ : ٢٦٥)، مغازي الواقدي (١: ٣٨٣)، تاريخ الطبري (٦٢٠:٢)، الدرر لابن
عبد البر (١٩١)، ابن حزم (٢.٧)، دلائل النبوة للبيهقي (٩٠:٤) وما بعدها، البداية
والنهاية ( ٤ : ١٦٤)، نهاية الأرب (١٧: ٢١٧)، عيون الأثر (٢: ١٤٨)، شرح المواهب
(٤ : ١٦٤)، السيرة الشامية (٥: ٥٥).
(٢) ذكره الشافعي في ((الأم)) (٤: ١٨٩)، باب ((المهادنة على النظر للمسلمين)).

٣٦ - كتاب الجزية / ١٧ - المهادنة على النظر للمسلمين - ٤.٩
4 أموال خيبر عنوة ، وكان رجالها وذراريها إلا أهل حصن واحدٍ صلحا ،
فصالحوه على أنْ يقرهم ما أقرهم الله يعملون له وللمسلمين بالشطر من التمر (١).
١٨٦٦٥ - فإن قيل : ففي هذا نظر للمسلمين ؟ قيل : نعم . كانت خيبر وسط
مشركين وكانت يهود أهلها ومخالفين للمشركين حولها وأقوياء على منعها منهم ،
وكانت وبئة لا توطأ إلا من ضرورة فكفوهم المؤنة ولم يكن بالمسلمين كثرة فينزلها
منهم من يمنعها ، فلما كثر المسلمون أمَر رسولَ الله # بإجلاء يهود الحجاز ، فثبت
ذلك عند عمر فأجلاهم (٢)
١٨٦٦٦ - فإن قيل: فلِمَ لا يقول: أقركم ما أقركم الله ؟ قيل : الفرق بينه
وبين رسول الله ﴾ في أنَّ أمر الله عز وجل كان يأتي رسوله بالوحي، ولا يأتي
أحداً غيره بوحيٍ .. ، وبسط الكلام في خلال ما نقلت ، وإنما نقلت ما عقله بالخبر ،
وهذا اللفظ: ((نُقِرُكُمْ مَا أُقَرِكُم اللَّهُ)) (٣) . في رواية مالك، عن نافع، عن ابن
عمر ، عن النبي
١٨٦٦٧ - وروي أيضاً في غير هذه الرواية .
١٨٦٦٨ - وقد روينا في حديث موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنَّ
عمر بن الخطاب أجلى اليهود من أرض الحجاز وكان رسول الله # لما ظهر على
خيبر أراد إخراج اليهود منها ، وكانت الأرضُ حينَ ظَهَرَ عليها لله ولرسوله
وللمسلمينَ ، فأرادَ إخراجَ اليهودِ منها: فَسَأَلْتِ اليهودُ رسولَ الله ◌َ أنْ يُقِرَّهُمْ
بها على أنْ يُكفوا عملها ولهم نصف التمر. فقال لهم رسول اللـه ه: ((نُقِرَكُمْ
(١) قاله الشافعي في ((الأم)) في الموضع السابق .
(٢) ذكره الشافعي في ((الأم)) (٤: ١٨٩)، باب ((المهادنة على النظر للمسلمين)).
(٣) طرف من حديث تقدّم في باب ((سكنى الحجاز))، وانظر فهرس أطراف الأحاديث النبوية
الشريفة، وذكره الشافعي في ((الأم)) (٤ : ١٩٠).

٤١٠ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج ١٣.
بها عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْتَا )) ، فقروا بها حتى أجلاهم عمر في إمارته إلى تيما
وأريحا (١).
أخبرناه أبو طاهر الفقيه ، أخبرنا أبو بكر القطان ، حدثنا أبو الأزهر ، حدثنا
محمد بن شرحبيل ، أخبرنا ابن جريج ، حدثنا موسى بن عقبة .. ، فذكره .
أخرجاه في الصحيح .
١٨٦٦٩ - وروي ذلك أيضاً عن غير موسى ، عن نافع .
(١) قاله الشافعي في ((الأم)) (١٩٠:٤)، باب ((المهادنة على النظر للمسلمين)).

١٨ - مهادنة مَنْ يقوى على قتاله
١٨٦٧٠ - أخبرنا أبو سعيد ، حدثنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع ، قال : قال
الشافعي ( رحمه الله ) : لما قَوِيّ أهلُ الإسلام أنزل الله تعالى على نبيه تمّ
مَرْجِعَهُ من تبوك: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّه وَرَسُولِهِ .. ﴾ (سورة براءة) فأرسل بهذه الآيات
مع علي بن أبي طالب فقرأها على الناس في الموسم ، وكان فرضاً أنْ لا يُعطي
لأحدٍ مُدَّةً بعد هذه الآيات إلا أربعة أشهر ، لأنها الغاية التى فرضها الله ( عز
وجل ) ، وجعل النبي ◌ّ لصفوان بن أمية بعد فتح مكة أربعة أشهر لم أعلمه زاد
أحداً بعد ، إذ قوي المسلمون على أربعة أشهر (١).
فقيل : كان الذين عاهدوا النبي # قوماً موادعين إلى غير مدة معلومة فجعلها
الله تعالى أربعة أشهر، ثم جعلها رسوله & كذلك (٢).
١٨٦٧١ - وأمر الله نبيه » في قوم عاهدهم إلى مدة قبل نزول الآية أن يتم
إليهم عهدهم إلى مدتهم ما استقاموا له ، ومَنْ خاف منه خيانة نبذ إليه أنْ يستأنف
مدة بعد نزول الآية ، وبالمسلمين قوة أكبر من أربعة أشهر لما وصفت من فرض الله
فيهم وما جعل رسوله ﴾ (٣).
ومدة من أمر أنْ يتم إليه عهده إلى
قال : ولا أعرف كم كانت مدة النبي
مدته .. ، وبسط الكلام فيه (٤) .
(١) ذكره الشافعي في ((الأم)) (١٩٠:٤)، باب ((مهادنة مَنْ يقوي على قتاله)).
(٢) ((الأم)) في الموضع السابق.
(٣) ((الأم)) ( ٤ : ١٩٠).
(٤) ((الأم)) في الموضع السابق.
٤١١

٤١٢ - مَعْرِفِة السُّنَنِ والآثارِ / ج ١٣
١٨٦٧٢ - قال أحمد : إنما بلغني في هذا ما : أخبرنا أبو عبد الرحمن بن
مجبور الدهان ، أخبرنا الحسن بن محمد بن هارون ، حدثنا أحمد بن محمد بن نصر
اللباد ، حدثنا يوسف بن بلال ، حدثنا محمد بن مروان ، عن الكلبي ، عن أبي
صالح ، عن ابن عباس في التفسير ، قال: أمر الله نبيه ه أنْ ينظر ، فمن كان
عهده أربعة أشهر أنْ يقره إلى أنْ يمضي أربعة أشهر من يوم النحر ، ومَنْ كان له
من العهد أكبر من أربعة أشهر ومَنْ كان له من العهد أقل من أربعة أشهر أنْ يرفعه
له فيجعله أربعة أشهر ، ومَنْ لم يكن له عهد أنْ يجعله خمسين ليلةً إلا حيًّا واحداً
من بني كنانة ثم من بني ضمرة كان بقي لهم من عهدهم تسعة أشهر لم ينقضوه ،
فأمر الله نبيه » أنْ يتم إليهم عهدهم إلى مدتهم، وكانوا عاهدوا رسول الله تمّ
في العمرة التي أخليت له فيها مكة بعد الحديبية بسنة ، عاهدوه في تلك الأيام
عند البيت (١) .
١٨٦٧٣ - قال الشافعي : ولا خير في أنْ يعطيهم المسلمون شيئاً بحال على أنْ
يكفوا عنهم ، واستثنى حال الضرورة ، واحتج بحديث عمران بن حصين أنّ النّبِيّ
◌َّ فَدَ رَجُلاً بِرَجُلَيْنٍ (٢).
١٨٦٧٤ - واحتجّ أصحابنا بما ذكر محمد بن إسحاق بن يسار ، عن عاصم بن
عمر بن قتادة: أنَّ رسول الله تَّ بَعَثَ إلى عُيَيْنَةً بن حَصَن وَالْحَارِثِ بْنِ عَوْفٍ
- قائدي غطفان - في حرب الخندق فَأَعْطَاهُمَا ثُلُثَ ثِمَارِ المَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَا ومَنْ
مَعَهُمَا لِيَكْسِرَ عَنْ أُصْحَابِهِ شَوْكَتَهُمْ حِينَ رَمْيِهِمُ العَرَبَ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى سَمِعَ
مِنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَوْلَه: وَاللَّهِ لاَ نُعْطِيهِمْ إِلَّ السَّيْفَ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَا وَبَيْتَهُمْ .
فَقَالَ «فَأَنْتَ وَذَكَ )) فَتَنَاوَلَ سَعْدُ الصَّحِيفَةَ فَمَحَاهَا (٣).
(١) تقدم في باب ((المشرك لا يدخل الحرم))، وانظر فهرس أطراف الأحاديث.
(٢) حديث عمران بن حصين تقدم، وانظر فهرس الأطراف، وذكره الشافعي في((الأم)) (٤ :
١٩٠)، باب (مهادنة من يقوى على قتاله)).
(٣) سيرة ابن هشام (١٧٠:٣)، والدرر لابن عبد البر ص ( ١٧٣ - ١٧٤)، ودلائل النبوة
للبيهقي ( ٣ : ٣٩٨ - ٣٩٩).

٣٦ - كتاب الجزية / ١٨ - مهادنة من يقوى على قتاله - ٤١٣
وَذَلِكَ قَبْلَ عَزِمَةِ الصُّلْحِ .
أخبرناه أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس ، حدثنا أحمد بن عبد الجبار ،
حدثنا يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق .. ، فذكره في قصة طويلة .
١

١٩ - جماع الهدنة على أنْ يرد الإمام مَنْ جاء
بلده مسلمًا من المشركين
١٨٦٧٥ - أخبرنا أبو سعيد ، حدثنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع ، قال : قال
الشافعي (رحمه الله ): ذكر عدد من أُهْلِ العلمِ بالمغازي: أنَّ رسول الله تجّ
هَادَنَ قُرَيْشًا عام الحديبية على أنْ يأمن بعضهم بعضاً ، وأنَّ مَنْ جاء قريشاً من
المسلمين مرتداً لم يردوه عليه، ومَنْ جاء النبي & بالمدينة منهم رده عليهم ولم
يعطهم أنْ يرد عليهم من خرج منهم مسلماً إلى غير المدينة في بلاد الإسلام أو
الشركِ وإنْ كان قادراً عليه (١).
١٨٦٧٦ - قال : ولم يذكر أحد منهم أنه أعطاهم في مسلم غير أهل مكة شيئاً
من هذا الشرط، وذكروا أنه أنزل عليه في مهادنتهم: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا
مُبِينًا ﴾ ( سورة الفتح) فقال بعض المفسرين: قَضَيْنَا لَكَ قَضَاءً مُبيناً (٢).
١٨٦٧٧ - قال الشافعي: فتم الصلح بين النبي #& وبين أهل مكة على هذا؛
حتى جاءته أم كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيْطِ (٣) مُسْلِمَةً مهاجرة، فَتَسَخّ اللـه
(١) ذكره الشافعي في ((الأم)) (٤: ١٩١)، ((في جماع الهدنة على أن يرد الإمام مَنْ جاء
بلده مسلماً أو مشركاً )).
(٢) أورده الشافعي في ((الأم)) في الموضع السابق.
(٣) هي أم كلثوم بنت عقبة ابن أبي معيط، واسم أبي معيط: أبان بن أبي عمرو ، واسم أبي
عمرو : ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، وأمها : أروى بنت كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن
عبد شمس ، وقد أسلمت أم كلثوم بنت عقبة بمكة قبل أن يأخذ النساء في الهجرة إلى المدينة ، ثم
هاجرت وبايعت ، فهي من المهاجرات المبايعات ، وقيل : هي أول مَنْ هاجر من النساء ، كانت هجرتها
في سنة سبع في الهدنة التي كانت بين رسول الله #& وبين المشركين من قريش، وكانوا صالحوا رسول
اللـه على أن يردّ عليهم من جاء مؤمنا، وفيها نزلت الآية القرآنية التالية بالمتن.
٤١٤

٣٦ - كتاب الجزية / ١٩ - جماع الهدنة على أن يرد الإمام ... - ٤١٥
الصلحَ في النساء، وَأُنْزَّلَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُوا إِذَ جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ
فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُن إِذا
مَا تَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَفِرِ وأَسْتَلُوا مَا أُنْفَقْتُم وليَسأَلُوا مَا
أُنْفَقوا ﴾ (الآية الكريمة ١٠ من سورة الممتحنة ) يعني المهور إذا كانوا أعطوهنّ
إياها (١) .
١٨٦٧٨ - قال: وجاء أخواها (٢) يطلبانها فمنعهما منها، وأخبر أنّ
الله ( تبارك وتعالى ) نَقَضَ الصُّلْحَ في النساء ، وحكمَ فيهنَّ غيرُ حُكْمِهِ في
الرجال (٣).
١٨٦٧٩ - قال : وإنما ذهبتُ إلى أنّ النساءَ كُنَّ في الصلح بأنه لو لم يدخل
ردهن في الصلح ، لم يُعْطَ أزواجهن فيهن عوضاً ، والله أعلم .
١٨٦٨٠ - قال الشافعي: وبهذه الآية مع الآية في براءة قلنا: إذا صالح
الإمام على مالا يجوز ، فالطاعة نقضه (٤).
١٨٦٨١ - ثم ساق الكلام إلى أنْ قال: وبهذا قلنا: إذا ظَفَرَ المشركونَ برجلٍ
من المسلمين فَأَخَذُوا عليه عهوداً وأيْماناً أنْ يأتيهم أو يبعث إليهم بكذا ، فحلالُ أنْ
لا يعطيهم قليلاً ولا كثيراً، لأنها أيمانٌ مُكْرَھَةٌ، وكذلك لو أعطى الإمام عليه أنْ
یرده عليهم إن جاءء (٥) .
= وقد هاجرت أم كلثوم ماشية على قدميها من مكة إلى المدينة ، فلمّا قدمت المدينة تزوجها زيد بن
حارثة فقتل عنها يوم مؤتة ، فتزوجها الزبير بن العوام فولدت له زينب ، ثم طلقها ، فتزوجها عبد
الرحمن بن عوف فولدت له : إبراهيم وحميداً ، ولما مات عنها عبد الرحمن تزوجها عمرو بن العاص
فمكثت عنده شهراً وماتت . وانظر في خبرها وإسلامها: دلائل النبوة للبيهقي (٤ :١٧٠)، باب
(« إسلام أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وهجرتها إلى رسول الله ـ في الهدنة)).
(١) قاله الشافعي في ((الأم)) (٤: ١٩١)، في باب ((جُمَاع الهدنة)».
(٢) أخراها هما : عمارة ، والوليد ابنا عقبة.
(٣) ذكز ذلك الشافعي في الأم ( ٤ : ١٩١).
(٤) ((الأم)) ( ٤ : ١٩١).
(٥) قاله الشافعي في ((الأم)) (٤: ١٩٢)، في باب ((أصل نقض الصلح فيما لا يجوز)).

٤١٦ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالآثَارِ / ج ١٣ .
١٨٦٨٢ - فإن قال قائل: ما دلَّ على هذا ؟ قيل له: لم يمنع رسولُ الله
أبا بصير (١) من وليه حين جاءاه فذهبا به، فَقَتَلَ أحدهما ، وهربَ منه الآخر ، فلم
ينكر ذلك عليه رسول الله على ، بل قال قولاً يشبه التحسين له (٢) ..
١٨٦٨٣ - ثم ساق الكلام إلى أنْ قال: حال الأسير وأموال المسلمين في أيدي
المشركين خلاف ما أعطى النبي # أهل الحديبية من رد رجالهم الذين هم أبناؤهم
وإخوتهم وعشائرهم الممنوعون منهم ومِنْ غيرهم أنْ يُنالوا بتلف .
١٨٦٨٤ - فإن ذهب ذاهب إلى رد أبي جندل بن سهيل إلى أبيه ، وعياش بن
أبي ربيعة إلى أهله بما أعطاهم قيل له : آباؤهم وأهلوهم أشفق الناس عليهم ،
وأحرصه على سلامتهم ، ولعلهم كانوا سَيَقُونَهُمْ بأنفسهم مما يؤذيهم ، فضلاً عن أنْ
يكونوا مهتمين على أنْ ينالوهم بتلفٍ ، أو أمر لا يحتملونه من عذاب ، وإنما نقموا منهم
(١) هو أبو بُصَيْر بن أسيد بن جارية الثقفي، أتى رسولَ الله ◌َّ مسلما مهاجراً لما رجع رسول الله
** إلى المدينة بعد صلح الحديبية، فبعث الأخنس بن شريق رجلين في إثره ، وجعل لهما في طلب أبي
بصير جُعلاً، فقدما على رسول الله ﴾ فدفع أبا بصير إليهما، فخرجا به حتى إذا كانا بذي الحليفة
سلّ أحدهما سيفه قائلاً: لأضربن بسيفي هذا في الأوس والخزرج يوماً إلى الليل ، فقال له أبو بصير :
أو صارمُ سيفك هذا ؟ قال: نعم ، قال: ناولنيه أنظر إليه، فناوله إيّاه، فلمّا قبض عليه ضربه به
حتى برد، وطلب الآخر فهرب مذعوراً حتى دخل المسجد ورسول الله ـ جالس فيه، فقال رسول الله
ج حين رآه: لقد رأى هذا ذعراً، فأقبل حتى استغاث برسول الله &، وجاء أبو بصير يتلوه فسلم
أبو بصير على النبي #& وقال: وفت ذمتك ، دفعتني إليهما، فعرفتُ أنهم سيعذبونني ويفتنونني عن
ديني، فقتلت أحدهما وأفلت هذا، فقال النبي : ((ويل أمه مُسَعِّر حرب، لو كان معد أحد)).
ولما جاء أبو بصير بسلب المقتول إلى رسول الله & ليخمسه، قال له النبي #&: إني إذا خمسته لم
أوفٍ لهم بالذي عاهدتهم عليه ، ولكن شأنك بسلب صاحبك ، واذهب حيث شئت ، فخرج أبو بصير معه
خمسة نفر كانوا قدموا معه مسلمين من مكة حتى إذا كانوا بين العيص وذي المروة من أرض جهينة مما
يلى سيف البحر ، فكانوا لا يمر بهم عبر من قريش إلاّ أخذوها وقتلوا أصحابها ، ثم انفلت أبو جندل بن
سهيل بن عمرو في سبعين راكباً أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بُصير وكرهوا أن يقدموا على رسول الله
في هدنة المشركين .
(٢) ذكره الشافعي في ((الأم)) (٤: ١٩٢) في أصل نقض الصلح فيما لا يجوز.

٣٦ - كتاب الجزية / ١٩ - جماع الهدنة على أن يرد الإمام ... - ٤١٧
خلافهم دينهم ودين آبائهم ، وكانوا يشددون عليهم ليتركوا دين الإسلام وقد وضع
الله عنهم المأثم في الإكراه، فقال: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالإِيمَانِ﴾ (١)
( الآية الكريمة ١.٦ من سورة النحل ) .
١٨٦٨٥ - ومَنْ أُسَرَ مسلماً من غير قبيلته ، أو قرابته فقد يقتله بألوان القتل
ويَبْلوهُ بالجوعِ والجهد، وليس حالهم واحدة . ويقال له أيضاً : ألا ترى أنّ الله نَقَضَ
الصُّلْحَ في النساء إذا كنّ إذا أريدت بهنّ الفتنة ضعفن عن عرضها عليهن ، أو لم
يفهمن فَهْمَ الرجال بأنَّ التقيةَ تسعهنَّ في إظهارِ ما أرادَ المشركون من القول ، وكان
فيهن أُنْ يصيبهن أزواجهن وهن حرامٌ ، فأسرى المسلمين في أكثر من هذه الحال ،
إلا أنَّ الرجال ليس ممن يُنكح ، وربما كان في المشركين من يفعل فيما بلغنا ، والله
أعلم (٢) .
١٨٦٨٦ - قال أحمد: وإنما نقلت كلام الشافعي (رحمه الله ) في الفرق بين
حال أبي جندل وغيره من أهل مكة حيث شَرَطَ رسول الله ◌ّ في الصلح ردّهم
ووفى بما شرط ، وحال غيرهم مما لا يكون له حيث يرد إليه عشيرة ومنعة لغلط
جماعة من السلف بحديث أبي جندل .
١٨٦٨٧ - وكان الشافعي أيضاً يذهب في الأسير إلى أنه ييسر له ما شرطوا
عليه من المال وإلا رجع إليهم .
١٨٦٨٨ - هكذا رواه عنه أبو عبد الرحمن البغدادي ، واستدل بحديث الليث
عن عقيل عن ابن شهاب في أمر أبي جندل وهو فيما : أخبرناه أبو الحسن بن عبدان ،
أخبرنا أحمد بن عبيد ، حدثنا عبيد بن شريك ، حدثنا يحيى ، حدثنا الليث ، عن
(١) ذكره الشافعي في ((الأم)) (٤: ١٩٣)، وانظر أيضا في حديث أبي جندل وأبي بصير
رضي الله عنهما: الدرر لابن عبد البر (١٩٥)، ودلائل النبوة للبيهقي (٤: ١٧٢ وما بعدها)،
والبداية والنهاية (٤: ١٧٦)، والسير الشامية (٥: ٩٨ - ١.٣).
(٢) ذكره الشافعي في ((الأم)) (١٩٣:٤)، في باب ((الأصل نقض الصلح فيما لا يجوز)).

٤١٨ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالآثَارِ / ج ١٣
عقيل عن ابن شهاب أنه قال : أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان بن الحكم
والمسور بن مخرمة يخبران عن أصحاب رسول الله & أنّ رسول الله ﴾ لما كاتب
سُهيل بن عمرو يومئذٍ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على رسول الله #: «إنّه
لاَ يَأْتِيكَ مِنَّا أُحَدٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلاَّ رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا فَخَلَيْتَ بَيْتَنَا وَبَيْنَهُ))؛ فَكَرِهَ
المُؤْمِنُونَ ذَلِكَ وَأَلْغَطُوا بِهِ وَأَبَي سُهَيلٌ إلا ذَلِكَ. فَكَاتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ عَّهِ، وَرَدَّ يَوْمَئِذٍ
أَبَا جَنْدَلٍ إِلى أَبِيهِ سُهِيْلٍ بْنِ عَمْرو، وَلَمْ يَأْتِهِ أَحَدٌ مِنْ الرِّجَالِ إلَّ ردّه فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ .
وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا - وَجَاءَ الْمُؤْمِنَاتُ وكَانَت أُمُ كُلُومٍ بِنْتُ عُقْبَةُ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ مِمَّنْ
خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ لَ﴾ِ وَهِي عَاتِقٌ، فَجَاءَ أُهْلُهَا يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهُ لَّه يُرْجِعَهَا
إِلَيْهِمْ فَلَمْ يُرجِعَهَا إلَيْهِمْ لِمَا أُنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ
فَامْتَحِتُوهُنَّ اللَّهُ أُعْلَمُ بِإِيمَانِهِنّ﴾ ( الآية الكريمة.١ من سورة الممتحنة).
أخرجه البخاري في الصحيح ، عن يحيى بن بكير (١) .
١٨٦٨٩ - وقد أخرجه أيضاً من حديث معمر عن الزهري ، إلا أنه قال في هذه
القصة: ((فقال سهيل: عَلَى أنْ لاَ يَأْتِيكَ مِنَّا رَجُلٌ - وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ - إلاَّ
رَدَدْتَهُ إِلَيْنَا » .
٠ ١٨٦٩ - فمن زعمَ أنَّ النساء لم يدخلن في الصلح احتجَّ بهذه الرواية.
١٨٦٩١ - وروينا في إسناد حديث محمد بن إسحاق بن يسار عن الزهري ، عن
عُروة ، عن مروان والمسور بن مخرمة في هذه القصة بنحو من معنى رواية عقيل ،
وقال : فإنَّ الصحيفة لتكتب إذ طلع أبو جندل بن سهيل يرسف في الحديد وقد كان
أبوه حبسه فأفلتَ ، فلما رآه سُهيل ، قال: يا محمد لقد ولجت القضية بيني وبينك
قبل أنْ يأتيك هذا. قال: ((صَدَقْتَ))، وصاح أبو جندل بأعلى صوته : يا معشر
المسلمين أأرَدّ إلى المشركين يفتنوني في ديني ؟ فقال رسول الله ﴾ لأبي جندل:
(١) تقدم حديث المسور في صلح الحديبية ، وانظر فهرس أطراف الأحاديث النبوية الشريفة.

٣٦ - كتاب الجزية / ١٩ - جماع الهدنة على أن يرد الإمام ... - ٤١٩
((أبا جندل! اصْبِرْ، وَحْتَسِبْ فَإنَّ اللَّه جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا
وَمَخْرَجًا » .
أخبرناه أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو العباس ، حدثنا العطاردي ، حدثنا
يونس عن ابن إسحاق .. ، فذكره .
١٨٦٩٢ - ثم إنَّ الشافعي في الجديد رجع عن هذا ، وفرق بين الحالين بما
نقلناه .
١٨٦٩٣ - وأما ما ذكر من حديث عياش أو أبي عياش، فهو عياش بن أبي
ربيعة فيما أعلم وإنما الشك من جهة الربيع ، والغلط من جهة المزني حيث قال في
بعض النسخ: ((ابن عياش))، وذاك أنَّ عياش بن أبي ربيعة هاجَرَ إلى المدينة في
أول ما هاجر إليها رسول الله #&، فجاءه أبو جهل بن هشام وهو أخوه لأمه ورجل
آخر معه ، فقال له : إنّ أمك تناشدك رحمها وحقها أنْ ترجع إليها . فأقبل
معهما ؛ فريطاه ، حتى قدما به مكة .
١٨٦٩٤ - هكذا ذكره مجاهد ، ومحمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي .
١٨٦٩٥ - ولا نرجع فيما نظن إلا بإذن النبي # كان المعني فيه ما في أبي
جندل من رجوعه إلى عشيرته إلا أنَّ ذلك كان قبل الصلح ، ولعله رجع بنفسه فلم
يمنعه رسول الله ي للمعني الذي ذكرنا، والله أعلم.
١٨٦٩٦ - وأما ما ذكر من حديث أبي بصير فهو في الإسناد الذي ذكرناه عن
محمد بن إسحاق ، عن عروة ، عن مروان والمسور بمعناه وأتم منه .
١٨٦٩٧ - أخبرنا أبو سعيد ، حدثنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع ، قال : قال
الشافعي : قال الله تبارك وتعالى للمسلمين: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ ﴾.

٠ ٤٢ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَآلآثَارِ / ج ١٣
١٨٦٩٨ - فأبانهن من المسلمين، وأبانَ رسول اللـهُ﴾ أنَّ ذلك بمضي العدة،
فكان الحكم في إسلام الزوج الحكم في إسلام المرأة لا يختلفان (١) .
١٨٦٩٩ - وقال: ﴿واسْأَلُوا مَا أُنْفَقْتُم وَلَيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ﴾ يعني - والله
أعلم - أزواج المشركات من المؤمنين إذا منعهن المشركون إتيان أزواجهن بالإسلام
أتوا ما دفع إليهن الأزواج من المهور كما يؤدي المسلمون ما دفع أزواج المسلمات
من المهور وجعله الله حكما بينهم .
٠٠ ١٨٧ - ثم حَكَمَ لهم في مثل ذلك المعني حكماً ثابتاً، فقال: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ
شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ .. ﴾ كأنه - والله أعلم - يريد فلم يعفوا
عنهم إذا لم يعفو عنكم مهور نسائكم ﴿ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أُنْفَقُوا ﴾
( الآية الكريمة ١١ من سورة الممتحنة ) كَأنَّهُ يعني من مهورهن إذا فاتت امرأة
مشركة أتتنا مسلمة قد أعطاها مئة في مهرها ، وفاتت امرأة مشركة إلى الكفار
قد أعطاها مئة حسبت مئة المسلم بمئة المشرك ، فعل تلك العقوبة ، ويكتب بذلك
إلى أصحاب عهود المشركين حتى يعطي المشرك ما قصصناه به من مهر امرأته
للمسلم الذي فاتت امرأته إليهم ، ليس له غير ذلك (٢) .. ،
١٨٧.١ - ثم بسط الكلام في التفريع (٣).
(١) ذكره الشافعي في ((الأم)) (٤: ١٩٣) في ((جماع الصلح في المؤمنات)).
(٢) ((الأم)) ( ٤ : ١٩٤).
(٣) في تفريع أمر نساء المهادتين من كتاب ((الأم)) (٤ : ١٩٤).