Indexed OCR Text
Pages 321-340
٢٢ - كتاب قسم الصدقات / ٢ - باب فرض الصدقات - ٣٢١ الصدقات بأن قال : إن طاووساً روى أن معاذ بن جبل قال لبعض أهل اليمن : ائتوني بعرض ثياب آخذها منكم مكان الشعير والحنطة ، فإنّه أهون عليكم ، وخير للمهاجرين بالمدينة . ١٣٢٨٥ - قال الشافعي: صَالَحَ رسول اللّه ◌َ﴾ أهل ذمَّة اليمن على دينار على كلِّ واحدٍ كلِّ سنةٍ ، وكان في سُنَّتِه ؛ أن يؤخذ دينار أو قيمته من المعافير ، فلعلٌ معاذا - لو أُعْسِروا بالدنانير - أخذ منهم الشعير والحنطة ؛ لأنه أكثر ما عندهم . ١٣٢٨٦ - وإذا جاز أن يترك الدينار لعرض ، فلعله جاز عنده أن يأخذ منهم طعاما وغيره من العرض بقيمة الدينار ، فأسرعوا إلى أن يعطوه من الطعام لكثرته عندهم ، فيقول : الثياب خير للمهاجرين بالمدينة ، وأهون عليكم ؛ لأنه لا مؤنة كبيرة في المحمل للثياب إلى المدينة ، والثياب بها أغلى منها باليمن . ١٣٢٨٧ - واستدلَّ على هذا بما روي من قضاء معاذ في العشر والصدقة (١) . ١٣٢٨٨ - قال : ومعاذ إذ حكم بهذا كان من أن ينقل صدقة المسلمين من أهل اليمن الذين هم أهل الصدقة إلى أهل المدينة الذين أكثرهم أهل الفيء أبعد . ١٣٢٨٩ - قال أحمد : وقد روي في حديثهم ؛ آخذها منكم مكان الصدقة ، وقد حمله بعض أصحابنا على ما كان يؤخذ منهم باسم الصدقة . ١٣٢٩٠ - قال الشافعي وطاوس: لو ثبت عن معاذ شيء لم نخالفه إن شاء الله ، وطاوس يحلف ، ما يحل بيع الصدقات قبل أن تُقْبَض ، ولا بعد أن تُقْبَض، ولو كان ما ذهب إليه من احتج علينا بأن معاذا باع الحنطة والشعير الذي يؤخذ من المسلمين بالثياب ، كان بيع الصدقة قبل أن تقبض ؛ ولكنه عندنا على ما ذكرنا . ١٣٢٩١ - قال أحمد : وكلا الحديثين عن معاذ منقطع ، والله أعلم . (١) تقدم تخريجه قبل حاشية . ٣٢٢ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَآلآثَارِ / ج ٩ ١٣٢٩٢ - قال الشافعي : فإن قال قائل : كان عديّ بن حاتم جاء أبا بكر بصدقات ، والزبرقان بن بدر ، فهما وإن جاءا بما فضل عن أهلها إلى المدينة ، فيحتمل أن تكون المدينة أقرب الناس نسبا ودارا ممن يحتاج إلى سعة ، من مُضَر وطيء من اليمن (١) . ١٣٢٩٣ - ويحتمل أن يكون من حولهم ارتدّ ، فلم يكن لهم حقٌّ في الصدقة ، ويكون بالمدينة أهل حق ، هم أقرب من غيرهم . ١٣٢٩٤ - ويحتمل أن يؤتى بها أبو بكر الصديق ، ثم يأمر بردِّها إلى غير أهل المدينة . ١٣٢٩٥ - وليس في ذلك خبر نصير إليه . ١٣٢٩٦ - فإن قال قائل : فإن عمر كان يحمل على إبل كثيرة إلى الشام والعراق . قلت : ليست من نعم الصدقة ؛ لأنه إنما يحمل على ما يحتمل من الإبل ، وأكثر فرائض الإبل لا يحمل أحدا . ١٣٢٩٧ - قال الشافعي : أخبرنا مالك ، عن زيد بن أسلم ، أظنه عن أبيه ، أن عمر بن الخطاب ، قال : كان يؤتى بنعم كثيرة من نعم الجزية . ١٣٢٩٨ - قال الشافعي : أخبرنا بعض أصحابنا ، عن محمد بن عبد الله بن مالك الدار ، عن يحيى بن عبد اللّه بن مالك ، عن أبيه ، أنه سأله : ١٣٢٩٩ - أرأيت الإبل التي كان يحمل عليها عمر الغزاة وعثمان بعده ؟ ١٣٣٠٠ - قال : أخبرني أبي أنها إبل الجزية التي كان بعث بها معاوية ، وعمرو بن العاص . (١) رواه البيهقى من حديث ابن إسحاق ( ٧ : ١٠ - ١١). ٢٢ - كتاب قسم الصدقات / ٢ - باب فرض الصدقات - ٣٢٣ ١٣٣.١ - قلت: وممن كانت تؤخذ ؟ ١٣٣.٢ - قال: من جزية أهل الذّمّة ، وتؤخذ من صدقات بني تغلب فرائض على وجوهها ، فبيعت بها إبل جلّة ، فنبعث بها إلى عمر فيحمل عليها (١) . ١٣٣.٣ - قال الشافعي: أخبرنا الثقة من أصحابنا ، عن عبد الله بن أبي يحيى ، عن سعيد بن أبي هند ، قال : بعث عبد الملك بن مروان بعض الجماعة بعطاء أهل المدينة ، وكتب إلى والي اليمامة أن يحمل من اليمامة إلى المدينة ألف ألف درهم يُتِمُّ بها عطاءهم، فلمّا قَدِمَ المال إلى المدينة أبوا أن يأخذوه ، وقالوا : أتطعمنا أوساخ الناس ، وما لا يصلح لنا أن نأخذه أبداً ؟ ! فبلغ ذلك عبد الملك فردّه ، وقال : لا يزال في القوم بقيّة ما فعلوا هكذا . ١٣٣.٤ - قال: قلت لسعيد بن أبي هند ، ومن كان يومئذ يتكلّم ؟ ١٣٣.٥ - قال : أولهم سعيد بن المسيب ، وأبو بكر بن عبد الرحمن ، وخارجة ابن زيد ، وعبيد الله بن عبيد الله بن عتبة في رجال کثیر (٢). ١٣٣.٦ - قال الشافعي: وقولهم: لا يصلح لنا، أي: لا يحلُّ لنا أن نأخذ الصدقة ، ونحن أهل الفيء ، وليس لأهل الفيء في الصدقة حقٌّ ، ومن أن لا ينقل(٣) عن قوم إلى غيرهم (٤). ١٣٣.٧ - قال أحمد: وذكر الشافعي ما روي عن عمر أنه كان يؤتى بنعم من نعم الصدقة ، وحمل ذلك على أنه كان يؤتى بها من أطراف المدينة ، ولعلهم استغنوا ، فنقلها إلى أقرب الناس بهم دارا ونسبا . * k (١) رواه الشافعي في الأم (٤ : ٩٢). (٢) رواه الشافعي في الأم ( ٤ : ٩٢). (٣) في الأم: ((ينقل)» بدلا من ((لا ينقل)). (٤) إلى هنا انتهى كلام الشافعي في كتابه الأم من باب ((الاختلاف)) (٢ : ٩٢). ٣ - بيان أهل الصدقات (*) ١٣٣.٨ - قال الشافعي رحمه اللّه: الفقير - والله أعلم - : من لا مال له، ولا حرفة ، يقع منه موقعا ، زمنا كان ، أو غير زمن ، سائلا كان أو متعففا . والمسكين : من له مال أو حرفة ، يقع منه موقعا ، ولا يغنيه ، سائلا كان أو غير سائل (١) . ١٣٣.٩ - قال أحمد: وقوله في كتاب قسم الصدقات : الفقراء الزمناء الضعاف ، الذين لا حرفة لهم ، لا يخالف هذا ، فقد أردفه بقوله : وأهل الحرفة الضعيفة ، الذين لا تقع حرفتهم موقعا من حاجتهم ، فالزّمانة ليست بشرط في الاستحقاق ، إلا أنه قال : ولا يسألون الناس . ١٣٣١٠ - وقال في كتاب فرض الزكاة : سائلا كان ، أو متعفّقًا . ١٣٣١١ - قال المزني : هذا أشبه . ١٣٣١٢ - قال الشافعي : وإذا كان فقيرا ، أو مسكينا ، فأغناه وعياله كسبه، أو حرفته ، فلا يُعطِى في واحد من وجهين شيئا ؛ لأنه غني بوجه (٢). ١٣٣١٣ - أخبرنا أبو بكر ، وأبو زكريا ، قالا : حدثنا أبو العباس ، قال : أخبرنا الربيع ، قال : أخبرنا الشافعي ، قال : أخبرنا سفيان بن عيينة ، عن هشام، يعني ابن عروة ، عن أبيه ، عن عبد اللَّه بن عدي بن الخيار ، أن رجلين أخبراه (*) المسألة : ٨٩٤ - انظر المسألة السابقة . (١) قاله في الأم (٢ : ٧١ ). (٢) قاله في الأم ( ٢ : ٧١). ٣٢٤ ٢٢ - كتاب قسم الصدقات / ٣ - باب بيان أهل الصدقات - ٣٢٥ أنهما أُتّيا رسول الله ﴾ فسألاه من الصدقة، فصعَّدَ فيهما، وصوّب، فقال: ((إن شئتما، ولا حَظَّ فيها لغنيّ، ولا لذي قوة مُكْتَسِب) (١). ١٣٣١٤ - قال الشافعي في رواية أبي عبد الله: رأى رسول الله # صحة وجلدا ، يشبه الاكتساب ، فأعلمهما أنه لا يصلح لهما مع الاكتساب الذي يستغنيان به أن يأخذا ، ولا يُعلّم أمكتسبين أم لا ؟ فقال : إن شئتما بعد إذ عَلَّمْتُكُما أن لا حَظّ فيها لغنيّ ، ولا مكتسب فعلتُ؛ وذلك أنهما يقولان : أعطنا فإنا ذوا حظّ ، بأنا لسنا غنيين ، ولا مكتسبين كسبا يُغني. ١٣٣١٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قراءة عليه ، أن أبا العباس حدثهم ، قال: أخبرنا الربيع ، قال : أخبرنا الشافعي ، قال : وأخبرنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ريحان بن يزيد ، قال : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: ((لا تصلُحُ الصدقة لغنيّ، ولا لِذِي مِرَّةٍ قويٍّ)) (٢). ١٣٣١٦ - قال الشافعي : وقد رفع هذا الحديث عن سعد غير ابنه ، غير أنه قال: «سوي » . ١٣٣١٧ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الرحمن السلمي ، قالا : حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ ، قال : حدثنا السرى بن خزيمة ، قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عن ريحان بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي # قال: ((لا تحلّ الصدقة لغنيّ، ولا لذي مِرَّةً سَوِيّ)) (٣) . (١) رواه الشافعي في الأم ( ٢: ٧٣)، وأبو داود في كتاب الزكاة (١٦٣٣) باب ((من يعطى من الصدقة ( ٢ : ١١٨). (٢) رواه الشافعي في الأم (٢: ٧٣) باب ((من طلب من أهل السهمان)). (٣) رواه أبو داود في الزكاة (١٦٣٤) باب ((من يعطى من الصدقة)) (٢: ١١٨)، والترمذي في الزكاة (٦٥٢) باب ((ما جاء من لا تحل له الصدقة)) (٣: ٤٢) وحسنه، والدارمي في سننه في كتاب الزكاة ( ١٦٤٦) باب ((من تحل له الصدقة)) (١: ٣٢٥). ٣٢٦ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج ٩ ١٣٣١٨ - وتابعه شعبة ، عن سعد في رفعه ، وقيل : عن كل واحد منهما : ((ولا لذي مرَّةٍ سوي))، وقيل: «ولا لذي مِرَّةٍ قويّ)». والمِرَّةَ : القُوَّةُ، وأصلها : من شدّة فَتْلِ الحبل. ١٣٣١٩ - وروي أيضا عن أبي هريرة ، عن النبي ١٣٣٢٠ - والمراد بهذه القوة؛ قوة الاكتساب، وبيان ذلك في حديث عبد الله ابن عدي بن الخيار . ١٣٣٢١ - جاء من يدَّعي تسوية الأخبار على مذهبه ، وزعم أن ليس هذا على أنه لا محالة حرام له ؛ بل حلال له أن يأخذ الصدقة ، فيردف حديث رسول اللّه ﴾: ((لا يحلُّ ما بها))، فتجرد الخلاف من غير أن يعطى له، حالة لا يحلُّ له فيها الصدقة ، فيكون قد قال ببعض ما قال . ١٣٣٢٢ - ثمّ زعم أن قوله: ((ولا لقويُّ مكتسب»، فذلك على أنه لا حقّ فيها للقوي المكتسب من جميع الجهات التي بها يجب الحق فيها ، ولا تفكر في نفسه إذا كانت فيه جهة يجب له فيها الحق فيها ، فلا يقول رسول الله # الذي إليه بيان الشرع، وعن قوله تؤخذ الأحكام: ((لا حظّ له فيها ))، ولا يطلق ذلك. ١٣٣٢٣ - ثم أوردَ أخبارا ؛ أعطى رسول اللَّه # فيها من سأله الصدقة ، من غير اعتبار الزّمانة ، ونحن لا نعتبر الزمانة ، وإنما نعتبر ما اعتبره اللّه تعالى من الفقر والمسكنة . ١٣٣٢٤ - ومن كان له مال يغنيه ، ويغني عياله ، أو حرفة تكفيهما ، فهو خارج من معنى الفقر والمسكنة ، فلم يستحق بها شيئا ، والله أعلم . ١٣٣٢٥ - والذي ذكر من حديث قبيصة بن مخارق ، عن النبي #& فيمن حلّت له المسألة: ((رجل تحمّل حَمَالَة، حلّت له المسألة حتى يؤدّيها ثم يمسك ، ورجل أصابته جائحة ، فاجتاحت ماله ، حلّت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ، أو سداداً من عيش ، ثم يُمْسِك ، ورجل أصابته حاجة ، أو فاقة ؛ حتى تكلم ثلاثة من ٢٢ - كتاب قسم الصدقات / ٣ - باب بيان أهل الصدقات - ٣٢٧ ذوي الحجا من قومه ، فقد حلّت له المسألة ، فما سوى ذلك من المسائل فهو سحت». ١٣٣٢٦- فقد أخبرناه أبو محمد بن يوسف ، أخبرنا سعيد بن الأعرابي ، قال : حدثنا سعدان بن نصر ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، قال : حدثنا هارون بن رياب، عن كنانة بن نعيم ، عن قبيصة بن المخارق ، قال : أتيت النبي # أسأله في حمالة ، فقال: ((إنّ المسألة حُرِّمَتْ إلا في ثلاث)) فذكرهنّ (١). ١٣٣٢٧ - أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن علي بن يعقوب الإيادي المالكي ببغداد ، قال : أخبرنا أبو بكر أحمد بن يوسف بن خلاد النصيبي ، قال : حدثنا الحارث بن محمد ، قال : حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، قال : أخبرنا أخضر بن عجلان ، قال : حدثني أبو بكر الحنفي ، عن أنس بن مالك الأنصاري ، قال : جاء رجل إلى النبي ◌َّ فشكا إليه الفاقة، ثم عاد ، فقال : يا رسول اللّه لقد جئتك من عند أهل بيت ما أراني أرجع إليهم حتى يموت بعضهم، فقال له: (( انطلق فهل تجد من شيء ؟)) قال : فذهب ، فجاء بِحِلْسٍ وَقَدَحٍ ، فقال : يا نبي الله هذا الحلس كانوا يفترشون بعضه ويلبسون بعضه ، وهذا القدح كانوا يشربون فيه ، فقال : « من يأخذهما منّي بدرهم؟ » فقال رجل: أنا آخذهما بدرهمين ، فقال : («هما لك))، ثم دعا الرجل، فقال: ((اشْتَرِ بدرهم طعاما لأهلك ، واشتر بدرهم فأسا، ثم ائتني))، فأتاه، فقال: ((انطلق إلى هذا الوادي ، فلا تَدَعْ فيه شوكا ولا حاجا ولا حطبا ، ولا تأتني خمس عشرة » فانطلق الرجل ، (١) رواه مسلم في كتاب الزكاة (١.٤٤) باب ((من تجل له المسألة)) (٢ : ٧٢٢)، وأبو داود في الزكاة (١٦٤٠) باب ((ما تجوز فيه المسألة)) (٢: ١٢٠)، والنسائي في الزكاة (٥: ٨٨ - ٨٩) باب ((الصدقة لمن تحمل بحمالة)). ٣٢٨ - مَعْرِفَةُ السُّنْنِ والآثارِ / ج ١ فأصاب عشرة ، فاشترى طعاما بخمسة وكسوة بخمسة ، ثم رجع إلى النبي # ، فقال : لقد بارك اللّه عزّ وجلّ لي فيما أمرتني به ، فقال : وهذا خير لك من أن تجيء يوم القيامة وفي وجهك نكتُ المسألة»، ثم قال: «إن المسألة لا تحلّ إلا لثلاثة، لذي دَمٍ مُوجِعٍ، أو غُرْمٍ مُفْظع، أو فقر مُدْفِعٍ))(١). ١٣٣٢٨ - قال أحمد : وهذا الحديث المشهور المخرج في كتاب أبي داود يوافق حديث ابن الخيار في أن الصدقة لا تصلح بالفقر لمن له كسب يقوم بكفايته ، ويوافق حديث قبيصة في أن المسألة تصلح لمن حمل حمالة في دم أو لزمه غرم في مال ، إلا أنه في حديث أنس رأى في الرجل الذي سأله قوة على الكسب ، فأمره به ، ولم يرخِّص له في المسألة بالفاقة مع القدرة على الكسب ، وأباحها لذي فقر مُدْفِعٍ ، وذلك إذا عجز عن الكسب ، ولا يكون له مال يقوم بكفايته وكفاية عياله ، فتكون له المسألة بالحاجة . ١٣٣٢٩ - وفي حديث قبيصة بن مخارق تنبيه على ذلك ، وهو أنه إنما أباح له المسألة عند تحقق الفاقة ، وإنما تتحقق فاقته إذا لم يكن له مال يغنيه ويغني عياله، ولا كسب يقوم بکفایته وكفاية عياله ، فإذا كان له أحدهما فلا تتحقق فاقته . ١٣٣٣٠ - وأباح له المسألة في الجائحة تصيب ماله فتجتاحه حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ، فبيّن بذلك أن المعنى فيه كفايته وكفاية عياله ، فإذا كان له كسب يقوم بكفايته وكفاية عياله ، فقد أصاب قواما من عيش ، فلم يجز له أخذ الصدقة بالفاقة ، وإذا كان له كسب ضعيف لا يقوم بكفايته وكفاية عياله أو مال ، فإن بلغ نصابا لا يقوم بكفايته وكفاية عياله فله أخذ الصدقة من غير تقدير ، حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش . (١) رواه أبو داود في الزكاة (١٦٤١) باب ((ما تجوز فيه المسألة)) (١٢٠:٢)، والترمذي في البيوع (١٢١٨) باب «ما جاء في بيع من يزيد)) (٣: ٥٢٢)، وقال: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان، والنسائي أيضا في البيوع (٢٥٩:٧) باب ((البيع فيمن يزيد))، وابن ماجه في التجارات (٢١٩٨) باب ((بيع المزايدة)) (٢ :٧٤٠ - ٧٤١). ٢٢ - كتاب قسم الصدقات / ٣ - باب بيان أهل الصدقات - ٣٢٩ ١٣٣٣١ - والذي ذكر من حديث ابن مسعود عن النبي #: «من سأل وله مال يغنيه جاء يوم القيامة وفى وجهه خموش أو خدوش أوكدوح )) فقيل : وما الغنى يارسول الله؟ قال: ((خمسُون درهماً أوقيمتُها من الذّهَبِ))(١). ١٣٣٣٢ - تَفرد به حكيم بن جبير وليس بالقوى . ١٣٣٣٣ - وقد رواه الشافعي في كتاب حرملة عن سفيان ، عن عمار بن رزيق عن حكيم بن جبير ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن ابن مسعود، قال: قال رسول #: ((مَا مِنْ أحدٍ لهُ خمسُون درهماً أو عدله مِنَ الذّهَبِ تَحِلُّ له الصَّدَقَةُ ». ١٣٣٣٤ - وهو إن صح لم يخالف ما قلنا لأنه اعتبر في الابتداء ما يغنيه ، فدخل فيه الكسب والمال بوقوع الغنى بكل واحد منها ، ثم حين سئل عن الغنى فسره بخمسين درهماً ، وإنما أراد من لا كسب له يقوم بكفايته حتى يكون معه خمسون درهماً . ١٣٣٣٥ - ألا تراه قال في حديث آخر «من سَأَلَ ولَهُ أوقية أوعدلُها فقد سألَ إِلْحَافاً)) والأوقية أربعون درهماً (٢). (١) رواه أبو داود فى الزكاة (١٦٢٦) باب ((من يعطى من الصدقة)) (٢: ١١٦)، والترمذي في الزكاة (٦٥٠، ٦٥١) باب ((ما جاء من تحل له الزكاة)) (٤٠:٣ - ٤١)، قال حسن ، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث ، والنسائى فى الزكاة (٥ : ٩٧) باب ((حد الغنى))، ابن ماجه في الزكاة (١٨٤٠) باب ((من سأل عن ظهر غنى)) (٢ : ٥٨٩ ) . (٢) هو من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، رواه أبو داود في كتاب الزكاة ( ١٦٢٨) باب ((من يعطى من الصدقة وحد الغنى)) (٢: ١١٦ - ١١٧)، والنسائي في الزكاة أيضا (٥ : ٩٨) باب ((من الملحف». ٣٣٠ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج ١ ١٣٣٣٦ - وفي حديث آخر : قيل : وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة ؟ قال: (( أنْ يكونَ له شبعُ يومٍ وليلةٍ))(١) . ١٣٣٣٧ - وكل ذلك متفق في المعنى ، وهو أنه أعتبر الغنى وهي الكفاية ، ثم إنها تختلف باختلاف الناس ، فمنهم من يغنيه خمسون ، ومنهم من يغنيه أربعون ، ومنهم من له کسب یدر علیه کل یوم ما یغدیه ویعشیه ، ولا عیال له فهو مستغن به ، فلا يكون له أخذ الصدقة . ١٣٣٣٨ - وفى مثل هذا المعنى ورد قوله: ((للسائلِ حقٍّ وإنْ جاء على فرسٍ(٢))). (٢) فقد يكون كثير العيال ولا کسب له يقوم بكفايتهم فيجوز إعطاؤه حتى يصيب قواماً من عيش ، وهو أقل ما يكفيه ويكفي عياله . ١٣٣٣٩ - وفي مثل هذا المعنى ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : إن اللَّهِ فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم . .١٣٣٤ - فاعتبر الكفاية ، فالاعتبار بها في حالتي الإعطاء والمنع وبالله التوفيق . قال الشافعي رحمه الله : والعاملون عليها من ولاء الوالي قبضها وقسمها ، ثم ساق الكلام ، إلى أن قال : فأما الخليفة ووالي الإقليم العظيم الذي تولى أخذها عامل دونه ، فليس له فيها حق . ١٣٣٤١ - أنبأني أبو عبد الله الحافظ إجازة عن أبي العباس ، عن الربيع ، عن (١) هو من حديث سهل بن الحنطلية رضي الله عنه، رواه أبو داود في كتاب الزكاة ( ١٦٢٨) باب ((من يعطى من الصدقة وحد الغنى)) (٢: ١١٦ - ١١٧). (٢) هو من حديث الحسين بن علي عن النبي ﴾، ومن طريق آخر عنه عن علي رضي الله عنه، رواهما أبو داود في كتاب الزكاة (١٦٦٥، ١٦٦٦) باب ((حق السائل)) (٢: ١٢٦). ٢٢ - كتاب قسم الصدقات / ٣ - باب بيان أهل الصدقات - ٣٣١ الشافعي ، قال : أخبرنا مالك ، عن زيد بن أسلم ، أن عمر رضي اللَّهِ شرب لبناً فأعجبه ، فسأل الذي سقاه : من أين لك هذا اللبن ؟ فأخبره أنه ورد على ماءٍ قد سماه ، فإذا بنعم من نعم الصدقة وهم يسقون فحلبوا لي من ألبانها فجعلته في سقائي فهو هذا ، فأدخل عمر أصبعه فاستقاء» . ١٣٣٤٢ - قال الشافعي : والعامل عليها يأخذ من الصدقة بقدر غنائه لا يزاد عليه ، وإن كان العامل موسراً إنما يأخذه على معنى الإجارة . ١٣٣٤٣ - قال أحمد : قد روينا عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: للعاملين عليها بقدر عمالتهم . ١٣٣٤٤ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ قراءة عليه، قال : أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الله البستي بمرو ، قال : حدثنا أبو الموجه ، قال : حدثنا عبدان ، قال : حدثنا عبيد اللّه بن الشميط (٢) ، قال أبي، والأخضر بن عجلان، عن عطاء بن زهير العامري ، عن أبيه ، قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: إن للعاملين عليها - يعني على الصدقة - حقا ؟ فقال للعاملين عليها بقدر عمالتهم (٣). ١٣٣٤٥ - وأنبأني أبو عبد الله إجازة عن أبي العباس، عن الربيع، عن الشافعي ، قال : أخبرنا مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، أن رسول اللّه ﴾ قال: ((لا تحلُّ الصدقةُ لغنيٌّ إلا لخمسة: غازٍ في سبيل اللَّهِ، أو لعاملٍ عليها ، أو لغَارِمٍ، أو لرجلٍ اشتراها بمالهِ، أو لرجلٍ له جارٌ مسكينٌ فتصدَّقَ على المسكينِ فأهدَى المسكينُ للغني ». (١) رواه مالك في موطئه في الزكاة (٣١) باب ((ما جاء في أخذ الصدقات والتشديد فيها)) (١: ٢٦٩ ) . (٢) هو عبيد اللّه بن الشميط بن عجلان البصري: وثقه: ابن معين ، وأبو داود ، وابن حبان ، وقال غيرهم : لابأس به وفاته سنة ( ١٨١)، التهذيب ( ٧ : ١٨ - ١٩). (٣) رواه البيهقي في الكبرى(٧: ١٥) باب ((العامل على الصدقة)). ٣٣٢ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج ١ ١٣٣٤٦ - قال أحمد: هكذا رواه مالك في الموطأ مرسلاً (١). ١٣٣٤٧ - وقد رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء ابن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، قال: قال رسول # :... فذكر معناه موصولاً(٢). أخبرناه أبو محمد عبد الله بن يحيي السكري ، قال : أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار ، قال : حدثنا أحمد بن منصور، قال: حدثنا عبد الرزاق ... فذكره (٣). ١٣٣٤٨ - قال الشافعي (٤): والمؤلفةُ قلوبهم في متقدم الأخبار ضربان : ضرب مسلمون أشراف مطاعون يجاهدون مع المسلمين فيقوى المسلمون بهم ولا يرون من شأنهم ما يرون من ثبات غيرهم . ١٣٣٤٩ - فإذا كانوا هكذا فجاهدوا المشركين ، فأرى أن يعطوا من سهم النبي # وهو خُمسِ الخُمسِ ما يتألفون به سوى سهمانهم مع المسلمين إنْ كانت في المسلمين . ٠ ١٣٣٥ - وذلك أنَّ اللّه تعالى جعل هذا السهم خالصاً لنبيه ٤ في مصلحة المسلمين . ١٣٣٥١ - وقال رسول اللَّهِ ﴾: ((مَاليٍ مِنَّا أفاءَ اللَّهُ عليكم إلا الخمسَ، والخمسُ مردودٌ فيكم (٥))) يعني بالخمس: حقه من الخمس، وقوله: «مردود فيكم )» يعني في مصلحتكم . (١) في كتاب الزكاة (٢٩) باب ((أخذ الصدقة ومن يجوز له أخذها)) (١ : ٢٦٨). (٢) رواه عبد الرزاق في مصنفه () باب ((كتاب الزكاة)) ()، ومن طريقه رواه أبو داود في كتاب الزكاة ( ١٦٣٦) باب ((من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني)) (٢ : ١١٩)، وأيضا من طريقه رواه ابن ماجه في الزكاة (١٨٤١) باب ((من تحل له الصدقة)) (١: ٥٩٠). (٣) في الكبرى ( ٧ : ١٥). (٤) نقله عنه المزني في مختصره ص ( ١٥٦). (٥) تقدم تخريجه وانظر فهرس الأطراف . ٢٢ - كتاب قسم الصدقات / ٣ - باب بيان أهل الصدقات - ٣٣٣ ١٣٣٥٢ - قال الشافعي : أخبرني من لا أتهم ابن أبي يحيي ، عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن أبيه ، أن رسول اللّه ◌ّ أعطى المؤلفة قلوبهم يوم حنين من الخمس . ١٣٣٥٣ - قال الشافعي: وهم مثل عيينة والأقرع وأصحابهما ولم يعط النبي عباس بن مرداس ، وقد كان شريفاً عظيم الغناء حتى أستعتب فأعطاه (١). ١٣٣٥٤ - قال الشافعي رحمه الله في كتاب حرملة : أخبرنا سفيان ، قال : أخبرنا عمر بن سعيد ، عن أبيه ، عن عباية بن رفاعة ، عن رافع بن خديج ، قال : أعطى رسول اللَّه 4 يوم حنين أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائةً مائةً من الإبلِ ، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك . ١٣٣٥٥ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ قال : حدثنا أبوبكر بن إسحاق الفقيه ، قال : أخبرنا بشر بن موسى ، قال : حدثنا الحميدي ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ... فذكره . وزاد قال : قال سفيان : فقال عمر بن سعيد أوغيره في هذا الحديث فقال عباس بن مرداس : أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عُينيةَ والأقرّعِ يفوقان مِرْدَاسَ في المجمع فما كانَ بدرٌ ولا حابسٌ ومن یخفض الیوم لا يرفع وما كنت دون امرئ منهما قال: فأتم له رسول اللّه ◌ُ﴾ مئة . أخرجه مسلم في الصحيح من حديث سفيان(٢). (١) تقله عنه المزني في مختصره ص ( ١٥٦). (٢) في كتاب الزكاة (.١.٦) باب ((إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام)) (٧٣٧:٢-٧٣٨). ٣٣٤ - مَعرِفُ السُّنَنِ والآثارِ / ج١ ١٣٣٥٦ - ثم أردفه الشافعي في كتاب حرملة بأن قال : أخبرنا سفيان ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عامر بن سعد . عن سعد، قال : قسم رسول اللَّه * قسماً، فقلت : يارسول اللّه أعط فلاناً فإنه مؤمن، فقال النبي #: ((أومسلم)) فقلت يارسول اللّه أعط فلاناً فإنه مؤمن، فقال النبي ◌ِّي: ((أو مسلم)) ثم قال: (إني لأعطِي الرجلَ، وغيرُهُ أحبُّ إليَّ منه مخافةَ أن يكبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ ». أخبرناه أبو عبد الله الحافظ ، قال: حدثنا أبوبكر بن إسحاق ، قال : أخبرنا بشر ابن موسى ، قال : حدثنا الحميدي ، قال: حدثنا سفيان بإسناده نحوه (١). ورواه مسلم بن الحجاج عن ابن أبي عمر ، عن سفيان ، عن الزهري دون ذكر معمر فيه (٢) ، والأول أصح . ١٣٣٥٧ - ثم أردفه الشافعي بحديث أنس ، وهو فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو عبد اللّه بن يعقوب ، قال : حدثنا محمد بن نعيم وأحمد ابن سهل ، قالا : حدثنا ابن أبي عمر قال : حدثنا سفيان ، عن مصعب بن سليم ، عن أنس بن مالك، قال: أتي رسول اللّهِ ﴾ بتمر فجعل النبي ◌ّه يقسمهُ وهو محتفز يأكل منه أكلاً ذريعاً . رواه الشافعي عن سفيان ، ورواه مسلم عن ابن أبي عمر (٣). (١) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة ( ١٤٧٨) باب ((قول الله تعالى: ﴿ لا يسألون الناس إلحافا))) الفتح (٣٤٠:٣ - ٣٤١)، وفي الإيمان ( ٢٧) باب ((إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة)) الفتح (١: ٧٩)، ورواه مسلم في كتاب الزكاة (١٥٠) باب ((إعطاء من يخاف على إيمانه)) ( ٢ : ٧٣٢ - ٧٣٣)، ورواه أيضا أبو داود في السنة والنسائي في كتاب الإيمان وفي التفسير في الكبرى على ما جاء في التحفة (٣: ٢٩٨). (٢) في كتاب الإيمان (١٥٠) باب ((تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه)) (١: ١٣٢). (٣) في كتاب الأشرية (٢.٤٤) باب ((استحباب تواضع الآكل، وصفة قعوده)) (٣: ١٦١٦ - ١٦١٧ ) . ٢٢ - كتاب قسم الصدقات / ٣ - باب بيان أهل الصدقات - ٣٣٥ ١٣٣٥٨ - قال الشافعي في رواية الربيع على حديث عباس بن مرداس (١): ولما أراد ما أراد القوم احتمل أن يكون رسولُ اللَّهِ عَّي دخل منه شيء حين رَغِبَ عما صنع بالمهاجرين والأنصار ، فأعطاه على معنى ما أعطاهم ، واحتمل أن يكونَ رأى أن يُعطِيَهُ من مالهِ مالَه أن يعطِيهَ حيثُ رأى ، لأنه له خالصاً ، ويحتمل أن يعُطي على التقوية بالعطية، ولا نرى أن قد وُضعِ من شرفه، فإنهً ي قد أعطى من خمُس الخمس النفل وغير النفل ، لأنه له # ، وقد أعطى النبي #٤ صفوان بن أمية قبل أن يُسلم ، ولكنه أعار رسولُ اللَّه ج أراه (٢) سلاحاً، وقال فيه عند الهزيمة أحسن مما قال بعض من أسلم من أهل مكة عام الفتح ، وذلك أن الهزيمة كانت في أصحاب النبي #& يوم حنين في أول النهار ، فقال له رجل : غلبت هوازن وقتل محمد ، فقال صفوان : بفيك الحجر ، فواللَّه لرب من قريش أحب إلي من رب من هوازن وأسلم قومه من قريش ، وكان كأنه لايشك في إسلامه والله أعلم . ١٣٣٥٩ - فإذا كان مثل هذا رأيت أن يعطى من سهم النبي #& ، وهذا أحب إلي للاقتداء بأمر رسول اللّهِ ﴾. ١٣٣٦٠ - قال الشافعي : ولو قال قائلٌ : كان هذا السهم لرسول الله ټّ فكان له أن يضعَ سهمه حيث رأى فقد فعل ج هذا مرَّةً، وأعطى من سهمه بخيبر رجالاً من المهاجرين والأنصار ، لأنه ماله يضعه حيث رأى فلا يعطى أحد اليوم على هذا المعنى من الغنيمة ، ولم يبلغنا أن أحداً من خلفائه أعطى أحداً بعده ، وليس للمؤلفة في قسم الغنيمة سهم مع أهل السهمان إن كان مذهباً والله أعلم . ١٣٣٦١ - قال الشافعي : وللمؤلفة قلوبهم في قسم الصدقات سهم ، والذي أحفظ فيه من متقدم الخبر أن ، عدي بن حاتم جاء أبا بكر الصديق أحسبه قال (١) في كتاب الأم ( ٢ : ٨٤ - ٨٥)، وكذلك نقله عنه المزني في مختصره ص ( ١٥٦ - ١٥٧) . (٢) في (ص) وكذلك في الأم: ((أداة)). ٣٣٦ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج ٩ بثلاث مئة من الإبل من صدقات قومه ، فأعطاه أبوبكر منها ثلاثين بعيراً وأمره أن يلحق بخالد بن الوليد بمن أطاعه من قومه فجاءه بزهاء ألف رجل ، وأبلى بلاءً حسناً . ١٣٣٦٢ - قال : وليس في الخبر من إعطائه إياها غير أن الذي يكاد أن يعرف القلب بالاستدلال بالأخبار والله أعلم أنه أعطاه إياها من سهم المؤلفة ، فإما زاده ليرغبه فيما صنع ، وإما أعطاه ليتألف به غيره من قومه ممن لا يثق منه بمثل ما يثق به من عدي بن حاتم . ١٣٣٦٣ - قال الشافعي: فأرى أن يعطى من سهم المؤلفة قلوبهم في مثل هذا المعنى، إن نزلت نازلة بالمسلمين ، ولن تنزل إن شاء الله ، ثم بسط الكلام في بيان النازلة . ١٣٣٦٤ - ثم قال : فإن لم يكن مثل ما وصفت مما كان في زمان أبي بكر من امتناع أكثر العرب بالصدقة على الردة وغيرها لم أر أن يعطى أحد منهم من سهم المؤلفة قلوبهم ، ورأيت أن يرد سهمهم على السهمان معه ، وذلك أنه لم يبلغني أن عمر ولا عثمان ولا علياً أعطوا أحداً تألفاً على الإسلام، وقد أعز (١) اللَّهِ - فله الحمد - الإسلام عن أن يتألف الرجل عليه . ١٣٣٦٥ - قال الشافعي : وقوله : في الرقاب ، يعني المكاتبين والله أعلم . ١٣٣٦٦ - قال أحمد : روينا عن معقل بن عبيد الله أنه سأل الزهري عن قوله : ((وفي الرقاب))، قال : المكاتبين . ١٣٣٦٧ - وروي ذلك عن الضحاك ومقاتل بن حيان . ١٣٣٦٨ - قال الشافعي: ((والغارمون)) صنفان: صنف دانوا في مصلحتهم أو معروف وغير معصيةٍ ثم عجزوا عن أداء ذلك في العرض والنقد فيعطون في (١) في ( ص ) ، والأم : أغنى . ٢٢ - كتاب قسم الصدقات / ٣ - باب بيان أهل الصدقات - ٣٣٧ غرمهم لعجزهم ، وصنف دانوا في حمالات وصلاح ذات بينٍ ومعروفٍ ولهم عروض تحمل حمالاتهم أو عامتها ، وإن بيعت أضر ذلك بهم ، وإن لم يفتقروا فيعطى هؤلاء وتوفر عروضهم كما يعطى أهل الحاجة من الغارمين حتى يقضوا غرمهم . ١٣٣٦٩ - قال الشافعي : أخبرنا سفيان بن عيينة ، عن هارون بن رباب ، عن كنانة بن نعيم ، عن قبيصة بن المخارق الهلالي ، قال : تحملت بحمالة ، فأتيت رسول اللّه تَ﴾ فسألته فقال : « نُؤدّيهَا عنكَ أو نخرجُهَا عنكَ إذا قَدِمَ نَعَمُ الصَّدَقَةِ ، يا قبيصةُ ، المسألةُ حُرّمت إلا في ثلاثٍ : رجلٍ تحمل بحمالة فحلّت له المسألةُ حتى يؤدّيها ثم يُمْسِك ، ورجلٍ أصابتهُ فاقةٌ أو حاجةٌ حتَّى شَهِدَ أو تكلم ثلاثةٌ من ذوي الحجا من قومِهِ أنَّ به حاجةً أو فاقةً فحلّت له المسألةُ حتى يُصيبَ سداداً من عيشٍ أو قواماً من عيشٍ ، ثم يُمْسك ، ورجلٍ أصابتهُ جائحةٌ فاجتاحت مالَه فحلّت له المسألةُ حتى يصيب سداداً من عيشٍ أو قواماً من عيشٍ ثم يُمسك ، فما سوى ذلك من المسألة فهو سُحْتٌ )) . أخبرناه أبو بكر وأبو زكريا ، قالا : حدثنا أبو العباس قال : أخبرنا الربيع ، قال: أخبرنا الشافعي بهذا الحديث . أخرجه مسلم في الصحيح من حديث حماد بن زيد ، عن هارون بن رياب (١) . ١٣٣٧٠ - قال الشافعي في رواية أبي عبد اللَّهِ: وبهذا نأخذ وهو معنى ما قلت في الغارمين . وقول النبي #: ((تحلُّ المسألةُ في الفاقةِ والحاجةِ )) يعني والله أعلم من سهم الفقراء والمساكين لا الغارمين . ١٣٣٧١ - وقوله: ((حتى يصيبَ سداداً من عيشٍ )) يعني واللَّهِ أعلم أقل اسم الغنا وبذلك نقول ، وذلك حين يخرج من الفقر والمسكنة . (١) تقدم تخريجه وأنظر فهرس الأطراف . ٣٣٨ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج ٩ - ١٣٣٧٢ - قال الشافعي : وسهم سبيل اللَّهِ يعطى منه من أراد الغزو من جيران الصدقة فقيراً كان أو غنياً (١). ١٣٣٧٣ - واحتج بحديث عطاء بن يسار ، وقد مضى ذكره . ١٣٣٧٤ - قال : وابن السبيل من جيران الصدقة الذين يريدون السفر في غير معصية فيعجزون عن بلوغ سفرهم إلا بمعونة على سفرهم . ١٣٣٧٥ - وقال في القديم - رواية الزعفراني - : وقال بعض أصحابنا في سهم ابن السبيل : هو لمن مر بموضع المصدق [ ممن يعجز عن بلوغ حيث يريد إلا بمعونة المصدق من أهل الصدقة كان أو غيرهم إذا كان حراً مسلماً . ١٣٣٧٦ - قال الشافعي : وهذا مذهب والله أعلم . ١٣٣٧٧ - قال أحمد : وروينا في حديث سلمان بن عامر الضبي أن رسول الله ◌َ﴾ قال : صدقتُكَ على المسكين صدقةٌ، وإنها على ذِي رحمٍ لئنَتانِ: صدقةٌ وصلةٌ(٢) )). ١٣٣٧٨ - وروى الشافعي في كتاب حرملة عن سفيان ، عن الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أن رسول الله ﴾ قال: «إنّ أفضلَ الصدقةِ على ذِي الرحمِ الكَاشِحِ ». أخبرناه أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو بكر بن إسحاق ، قال : أخبرنا (١) إلى هنا ينتهي كلام الشافعي في الأم (٢: ٨٥). (٢) رواه الترمذي في كتاب الزكاة (٦٥٨) باب ((ما جاء في الصدقة على ذي القرابة)) (٣: ٤٦ - ٤٧)، والنسائي في الزكاة (٥: ٩٢) باب ((الصدقة على الأقارب))، والدارمي في سننه من كتاب الصوم ( ١٦٨٧، ١٦٨٨) باب ((الصدقة على القرابة)) (١: ٣٣٤). ٢٢ - كتاب قسم الصدقات / ٣ - باب بيان أهل الصدقات - ٣٣٩ بشر بن موسى ، قال : حدثنا الحميدي ، قال : حدثنا سفيان ... فذكره بإسناده مثله (١) . ١٣٣٧٩ - قال أحمد : وهذا إذا لم يكن ممن يلزمه نفقة من والديه وأولاده ، فإنْ كانَ أُحَدَ هؤلاء ، لم يُعطه من سهم الفقراء والمساكين شيئاً لاستغنائه به . ١٣٣٨٠ - وروينا عن عبد الله بن المختار، قال: قال علي بن أبي طالب: ليس لولد ولا لوالدٍ حق في صدقةٍ مفروضةٍ (٢). ١٣٣٨١ - قال الشافعي : ولا يعطي زوجته لأنَّ نفقتها تلزمه . ١٣٣٨٢ - قال أحمد : وروينا عن زينب امرأة ابن مسعود ، أنها قالت : يا رسول اللَّه أيجزئ عنا أن نجعلَ الصدقةَ في زوجٍ فقيرٍ وابنِ أخٍ أيتامٍ في حُجُورنا ؟ فقال رسولُ اللّهِ تَّه: ((لَكِ أُجْرُ الصَّدَقَةِ وَأُجْرُ الصَّةِ (٣))). ١٣٣٨٣ - وفي هذا دلالة على جواز دفع زكاتها إلى زوجها إذا كان محتاجاً . ١٣٣٨٤ - قال الشافعي: وهذا كله إذا كانوا من غير آل محمد # ، فأما آل محمد الذين جعل لهم الخمس عوضاً من الصدقة فلا يعطون من الصدقات المفروضات شيئاً . قال : وهم أهل الشعب وهم صلبية بني هاشم وبني المطلب . ١٣٣٨٥ - قال: ولا يحرم على آل محمد * صدقةُ التطوع ، إنما يحرمُ عليهم المفروضة ، وذكر حكاية أبي جعفر : إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة ، وذكر (١) رواه البيهقي في الكبرى (٧: ٢٧) باب ((الرجل يقسم صدقته على قرابته وجيرانه))، وقد روي بهذا المتن عن حكيم بن حزام ، رواه الدارمي في سننه في كتاب الزكاة ( ١٦٨٦) باب «الصدقة على القرابة)) (١ : ٣٣٤) والكاشح: هو الذي يضمر لك العدواة . (٢) رواه البيهقي في الكبرى ( ٧ : ٢٧). (٣) رواه البخاري في الزكاة (١٤٦٦، ١٤٦٧) باب ((الزكاة على الزوج والأيتام)) الفتح (٣: ٣٢٨)، ومسلم في الزكاة (١٠٠٠) باب ((فضل النفقة والصدقة)) (٢: ٦٩٢ - ٦٩٣). ٣٤٠ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالْآثَارِ / ج ٩ صدقة علي وفاطمة على بني هاشم وبني المطلب وذكر قبول النبي # الهدية من صدقةٍ تصدّق بها على بريرة . وقد مضى جميع ذلك في آخر كتاب الهبات (١) . ١٣٣٨٦ - قال الشافعي في رواية أبي عبد الرحمن البغدادي عنه - : اختلف أصحابنا في الموالي - يعني موالي بني هاشم وبني المطلب - فقال بعضهم : يعطون من الخمس مع مواليهم بدلاً من الذي حرم عليهم من الصدقة ، وقال غيره من أصحابنا : لا شيء لهم ، وإنما الخمس للصلبية دون الموالي . ١٣٣٨٧ - قال الشافعي : والقياس في ذلك أن الصلبية والموالي فيه سواء ، لأن رسولَ اللَّهِ عَّي حرم على مواليه من الصدقة ما حرَّم على نفسه، فكذلك الخمسُ والموالي والصلبية فيهم سواء ، وكلهم في تحريم الصدقة سواء . ١٣٣٨٨ - غير أني لم أر الناس قبلنا أعطوا الموالي من ذلك شيئاً ، والقياس أن يعطوا . ١٣٣٨٩ - قلت : والأصل في تحريم الصدقة عليهم حديث أبي رافع أن رسول اللَّهِ ﴾ بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة ، فقال لأبي رافع اصحبني كيما نصيب منها فقال: لا ، حتى آتي رسولَ اللَّهِ ﴾ فانطلق إلى النبي # فسأله، فقال: ((إنَّ الصَّدَقَةَ لا تحلُّ لنا ، وإنَّ مَوَآلي القومِ من أُنْفُسِهِم ». أخبرناه أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو بكر بن محمد بن أحمد بن بالويه قال : حدثنا إسحاق بن الحسن بن ميمون ، قال : حدثنا عفان بن مسلم ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن ابن أبي رافع، عن أبيه ... فذكره (٢) . (١) قاله في الأم ( ٢: ٨١). (٢) رواه أبو داود في الزكاة (١٦٥٠) باب ((الصدقة على بني هاشم)) (٢: ١٢٣)، والترمذي أيضا في الزكاة (٦٥٧) باب ((ما جاء في كراهية الصدقة للنبي )) (٣: ٤٥)، والنسائي أيضا في الزكاة (٥: ١٠٧) باب ((مولى القوم منهم)).