Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢١ - كتاب قسم الفيء والغنيمة / ١٦ - باب تفريق ما أخذ من أربعة أخماس الفيء - ٢٨١
أخبرناه أبو عبد الله الحافظ في آخرين ، قالوا : حدثنا أبو العباس هو الأصمّ ،
أخبرنا ابن عبد الحكم ، أخبرنا ابن أبي فديك ، قال : حدثني ابن أبي ذئب ، فذكر
الحديث الأول دون حديث أبي قُرَةَ (١).
١٣١٧٦ - وذكر الشافعي حديث عمر في المماليك : أنه ليس لهم من هذا المال
حق ، واختار ذلك .
١٣١٧٧ - وأنبأني أبو عبد الله إجازة ، عن أبي العباس ، عن الربيع ، قال:
قال الشافعي رحمه الله (٢): ولم يختلف أحد لقيته في أنّ ليس للمماليك في
العطاء حق ، ولا للأعراب الذين هم أهل الصدقة ، واختلفوا في التفضيل على
السابقة والنسب ، فمنهم من قال : أساوي بين الناس ، ولا أفضل على نسب ، ولا
سابقة ، فإن أبا بكر ، حين قال له عمر : أتجعل الذين جاهدوا في اللّه بأموالهم
وأنفسهم، وهَجَرُوا ديارهم ، كمن إنما دخل في الإسلام كُرْهًا ؟
فقال أبو بكر : إنما عملوا لله، وإنما أجورهم على اللّه، وإنما الدنيا بلاغ ، وخير
البلاغ أوسعه .
قال : وسوَى عليّ بن أبي طالب بين الناس ، فلم يفضّل أحدًا علمناه .
١٣١٧٨ - قال الشافعي : وهذا الذي أختار ، وأسأل الله التوفيق (٣)، ثم
ذكر حجته في ذلك .
١٣١٧٩ - أخبرنا أبو بكر ، وأبو زكريا ، قالا : حدثنا أبو العباس ، أخبرنا
الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن الزهري ، عن
(١) رواه في الكبرى ( ٦: ٣٤٨).
(٢) في كتاب الأم ( ٤ : ١٥٥).
(٣) إلى هنا انتهى كلام الشافعي .

٢٨٢ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج ٩
مالك بن أوس : أن عمر رضي اللّه عنه قال: ما أحد إلا وله في هذا المال حقٌّ ؛
أُعْطِيَةٌ أو مُنِعَهُ إلا ما ملكت أيمانكم (١) .
١٣١٨٠ - وبهذا الإسناد: أخبرنا الشافعي ، أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن
محمد بن المنكدر ، عن مالك بن أوس ، عن عمر نحوه ، وقال : لئن عشت ليأتِيَنَّ
الراعي بسر وحمير حقّه (٢).
١٣١٨١ - قال الشافعي في رواية أبي عبد الله (٣): وهذا الحديث يحتمل
معاني ؛ منها أن يقول : ليس أحد يعطى بمعنى حاجة من أهل الصدقة ، أو بمعنى
أنه من أهل الفيء الذين يغزون إلاّ وله حق في مال الفيء ، أو الصدقة ، وهذا
كأنه أولى معانيه، واحتج بقول النبي # في الصدقة: «لا حَظَّ فيها لغَنِيُّ،
ولا لِذِي مِرَّةٍ مُكْتَسَب )) .
١٣١٨٢ - قال : والذي أحفظ عن أهل العلم ؛ أن الأعراب لا يعطون من
الفيء.
١٣١٨٣ - ثم ساق كلامه إلى أن قال: وأهل الفيء كانوا في زمان النبي #.
بمعزل عن الصدقة ، وأهل الصدقة بمعزل عن الفي. (٤).
١٣١٨٤ - ورواه في رواية المزني ، عن ابن عباس .
١٣١٨٥ - وروينا عن عثمان بن عفّان ما دلّ على ذلك.
(١) رواه الشافعي في الأم (٤: ١٥٥) باب ((إعطاء النساء والذرية)) ومن طريقه البيهقي في
الكبرى ( ٦ : ٣٤٧).
(٢) رواه الشافعي في الأم (١: ١٥٥) باب ((إعطاء النساء والذرية)).
(٣) في كتاب الأم (١ : ١٥٥ - ١٥٦).
(٤) انتهى كلام الشافعي .

- ٢١ - كتاب قسم الفيء والغنيمة / ١٦ - باب تفريق ما أخذ من أربعة أخماس الفيء - ٢٨٣
-
١٣١٨٦ - واستثنى الشافعي ( الشافعي في القديم ) أن لا يصاب أحد
المالَيْن وبالصنفين (١) إليه حاجة .
١٣١٨٧ - وقد أعان أبو بكر خالد بن الوليد في خروجه إلى أهل الردّة بما أتى
به عديّ بن حاتم من صدقة قومه ، فلم ينكر عليه ذلك ، إذا كانت بالقوم إليه حاجة
والفيء مثل ذلك (٢) .
(١) في (ح) : وبالعقيقين.
(٢) نقله عن الشافعي البيهقي في سننه الكبري ( ٦: ٣٥٢) وعزاه إلى كتاب السير القديم .

١٧ - العطاء الواجب من الفيء للبالغ
الذي يطيق مثله القتال (*)
١٣١٨٨ - أخبرنا أبو بكر ، وأبو زكريا قالا : حدثنا أبو العباس ، أخبرنا
الربيع ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا ابن عيينة ، عن عبيد اللّه بن عمر ، عن نافع ،
عن ابن عمر، قال: عُرِضْتُ على النبي ◌َِّ عام أُحُد ، وأنا ابن أربع عشرة
سنة فردّني ، ثمّ عُرِضْت عليه عام الخَبْدَقِ ، وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني .
(*) المسألة : ٨٨٦ - من استكمل خمس عشرة سنة أجريت عليه أحكام البالغين وأن لم يحتلم
؛ فيكلف بالعبادات وإقامة الحدود ، ويستحق سهم الغنيمة ، ويقتل إن كان حربيا ، ويفك عنه الحجر إن
أونس رشده وغير ذلك من الأحكام .
وقد عمل بذلك عمر بن عبد العزيز وأقره عليه راويه نافع .
وأجاب الطحاوي وابن القصار وغيرهما ممن لم يأخذ به بأن الإجازة المذكورة جاء التصريح بانها كانت
في القتال ، وذلك يتعلق بالقوة والجلد .
وأجاب بعض المالكية بأنها واقعة عين فلا عموم لها ، ويحتمل أن يكون صادف أنه كان عند تلك
السن قد احتلم فلذلك أجازه .
وتجاسر بعضهم فقال : إنما رده لضعفه لا لسنه، وانما أجازه لقوته لا لبلوغه . ويرد على ذلك ما
أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج ، ورواه أبو عوانة وابن حبان في صحيحيهما من وجه آخر عن ابن
جريج ((أخبرني نافع)) فذكر هذا الحديث بلفظ ((عرضت على النبي # يوم الخندق فلم يجزني ولم
يرني بلغت)) وهي زيادة صحيحة لا مطعن فيها ، لجلالة ابن جريج وتقدمه على غيره في حديث نافع ،
وقد صرح فيها بالتحديث فانتفى ما يخشى من تدليسه ، وقد نص فيها لفظ ابن عمر بقوله ((لم يرني
بلغت )) ، وابن عمر أعلم بما روى من غيره ولا سيما في قصة تتعلق به .
وللإمام أن يستعرض من يخرج معه للقتال قبل أن تقع الحرب فمن وجده أهلا اصطحبه وإلا رده ، قد
وقع ذلك للنبي # في بدر وأحد وغيرهما .
وعند المالكية والحنفية : لا تتوقف الإجازة للقتال على البلوغ ، بل للإمام أن يجيز من الصبيان من
فيه قوة ونجدة ، قرب مراهق أقوى من بالغ . وحديث ابن عمر حجة عليهم ولاسيما الزيادة التي ذكرتها
عن ابن جريج ، والله أعلم .
٢٨٤

٢١ - كتاب قسم الفيء والغنيمة / ١٧ - باب العطاء الواجب من الفيء - ٢٨٥
١٣١٨٩ - قال نافع : فحدثت بهذا الحديث عمر بن عبد العزيز ، فقال : هذا
فرق بين المقاتلة والذرية ، وكتب أن يُفرض لابن خمس عشرة سنة في المقاتلة ، ومن
لم يبلُغْها في الذُّرِيَّةِ .
أخرجاه في الصحيح من أوجه ، عن عبد الله بن عمر (١).
(١) رواه البخاري فى الشهادات (٢٦٦٤) باب ((ما يكره من الإطناب في المدح)) الفتح (٥ :
٢٧٦)، ومسلم في الإمارة (١٨٦٨) باب ((بيان سن البلوغ)) (١٤٩٠:٣).

(*)
١٨ - رزق الوالي
١٣١٩٠ - روينا عن البراء (١) قال: قال عمر بن الخطاب: إني أنزلت نفسي
من مال اللَّه ، بمنزلة والي اليتيم ، إن احتجت أخذت منه ، فإذا أيسرتُ رَدَدْتُه ،
وإن استغنيت استعففت .
أخبرناه عمر بن عبد العزيز ، أخبرنا أبو منصور النضروي ، حدثنا أحمد بن
نجدة، حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن
البراء (١)، فذكره (٢) .
١٣١٩١ - وأخبرنا أبو بكر ، أحمد بن عدي الحافظ ، حدثنا أبو عمرو بن
(*) المسألة : ٨٨٧ - أجرى الفاروق عمر الرواتب للولاة ، ولم يكن للعمال والموظفين رواتب
محددة في عصر الرسول & ولا في عهد أبي بكر الصديق ، وإنما كانوا يعطون بحسب الظروف
والأحوال .
وفي عهد الفاروق أصبح لكل موظف راتبا محددا ، يصرف سنويا ، فكان راتب معاوية ألف دينار
كل عام ، وراتب عثمان بن حنيف - عامل الفاروق على أموال العراق - خمسة آلاف درهم كل سنة .
أما أمير المؤمنين نفسه فلم يكن للفاروق حين ولي الخلافة عطاء معلوم من بيت مال المسلمين ، فقد
كان تاجرا ، يعمل في التجارة ويعيل نفسه وينفق على عياله مما تدره عليه تجارته ، وبقي كذلك إلى أن
فتحت القادسية ودمشق واتسعت رقعة الدولة ، وتنوعت مشاكلها ، فجمع الصحابة رضوان الله عليهم
وشاورهم في أمر تركه التجارة والتفرغ لتدبير أمر المسلمين وأن يفرضوا له راتبا يكفيه وأهله من بيت
مال المسلمين - أي من الفيء - وقال لهم : إني كنت امرما تاجرا وقد شغلتموني بأمركم ، فماذا ترون
أنه يحل لي من هذا المال . فأقروا أن يفرضوا له راتبا ستة آلاف درهم ، وهو الراتب الذي كان يتقاضاه
الخليفة قبله ، أبو بكر الصديق رضي الله عنه . واكتفى عمر رضي عنه بهذا الراتب عما عداه . فكان
لا يتقاضى من أموال المسلمين شيئا غيره للمهمة التي أنبطت به كأمير المؤمنين .
(١) في (ح) و (ص): البرقاء، وفي السنن الكبرى: ((اليرفأ)) في موضع، وفي آخر :
(( البراء)).
(٣) رواه في الكبرى (٦: ٣٥٤).
٢٨٦

٢١ - کتاب الفيء والغنيمة / ١٨ - باب رزق الوالي - ٢٨٧
حمدان ، حدثنا الحسن بن سفيان ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا وكيع ،
حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن حارثة بن مضرب العبدي ، قال : قال عمر :
إنّي أنزلت نفسي من مال اللَّه بمنزلة مال اليتيم ، إن استغنيت استعففت ، وإن
افتقرت أكَلْتُ بالمعروف .
١٣١٩٢- وذكر الشافعي في القديم حديث ابن عيينة ، عن أيوب ، وابن عون ،
وهشام ، عن ابن سيرين ، عن الأحنف بن قيس ، أن عمر قيل له في أُمّةٍ مرّت ،
فقال : إنّها لا تحلُّ لي؛ إنها من مال اللّه، وقال: أخبركم بما أستحلّ من مال اللّه
أو قال : بما تحلُّ لي استحلت منه حُلِيَّائي؛ حُلُةُ الشتاء، وحُلُةُ القيظِ ، وما أحجج
عليه وأعتمر ، وقوتي ، وقوت عيالي ، كقوت رجل من قريش ، لا من أغنيائهم ،
ولا من فقرائهم ، ثُمَّ أنا بعد رجل من المسلمين ، يصيبني ما أصابهم .
١٣١٩٣ - وقد رويناه في كتاب السنن من حديث سفيان بن عيينة ، عن
أيوب(١) ، وروينا فيه بإسناد آخر .
١٣١٩٤ - وروينا عن أبي بكر الصديق: أنه لما استُخْلِفَ عَبَرَ (٢) إلى السوق
فقال عمر : أين تريد ؟
قال : السّوق .
قال : قد جاءك ما يشغلك عن السّوق .
قال : سبحان الله ، يشغلني عن عيالي ! .
قال : تُفْرَضُ (٣) بالمعروف .
(١) الكبري (٦ : ٣٥٣).
(٢) في ( ص) والكبري: ((غدا)).
(٣) في (ص)، والكبري: ((تعرض)).

٢٨٨ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَآلآثَارِ / ج ٩
١٣١٩٥- فذكروا في هذا الحديث إنفاقه في سنتين ، وبعض أخرى ثمانية آلاف
درهم ، ووصيته بردِّها من ماله إلى بيت المال ، وقول عمر : رَحِمَ اللَّه أبا بكر ؛ لقد
أتعب مَنْ بَعْدَهُ تعبًا شديدًاً (١).
(١) رواه في الكبرى (٦ : ٣٥٣).

١٩ - التعجيل بقسمة مال الفيء إذا اجتمع (*)
١٣١٩٦ - أنبأني أبو عبد الله إجازة ، أن أبا العباس حدثهم قال : أخبرنا
الربيع، قال : أخبرنا الشافعي ، قال : أخبرنا غير واحد من أهل العلم أنه لما قُدِمَ
على عمر بن الخطّاب بما أصيب العراق (١) ، قال له صاحب بيت المال : أنا أدخله
بيت المال .
قال : لا ورَبِّ الكعبة ، لا يؤوي تحت سقف بيت حتى أقسمه ، فأمَرَ به ، فوُضعِ
في المسجد، ووُضِعَتْ عليه الأنطاع، وحَرَسَهُ رجال من المهاجرين والأنصار ،
فلما أصبح غدا معه العباس بن عبد المطلب ، وعبد الرحمن بن عوف ، أخذ بيد
أحدهما ، أو أحدهما أخذ بيده ، فلما رأوه كشفوا الأنطاع عن الأموال ، فرأى
منظرا، لم يُرَ مثله؛ رأى الذهب فيه ، والياقوت ، والزبرجد ، واللؤلؤ يتلألأ،
فبكى ، فقال له أحدهما : إنه ، واللّه ما هو بيوم بكاء ، ولكنّه يوم شكر ،
وسرور ، فقال : إني والله ما ذهبتُ حيث ذهبت ، ولكنه ، ما كثر هذا في قوم قط
(*) المسألة : ٨٨٨ - يرى جمهور الفقهاء : أنه يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب بعد انهزام
العدو، بل إنه يستحب؛ لأن النبي # اعتمر من الجعرانة (موضع بين مكة والطائف ) حيث قسم
غنائم حنين ( واد بينه وبين مكة ثلاثة أميال ) وقسم الرسول عليه السلام الغنائم بذي الحليفة ( ميقات
أهل المدينة ) وافتتح بلاد بني المصطلق ، فقسم الرسول أموالهم في دارهم .
ويقول الحنفية : لا يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب ، حتى يخرج الجيش إلى دار الإسلام . هذا
إذا كان المكان غير متصل بدار الإسلام ، فإن كان متصلا بها ، ففتح وأجري عليه حكم الإسلام، كما
هو شأن غنائم حنين ، فلا بأس بالقسمة . والسبب في عدم جواز القسمة عندهم هو أن ملكية الغنائم لا
تتم إلا بالاستيلاء، ولا يتم الاستيلاء إلا بالإحراز في دار الإسلام، ومع هذا إذا قسم الإمام الغنائم
بدار الحرب عن اجتهاد ، أو لحاجة المجاهدين ، فتصح القسمة ، أو للإيداع فتحل إذا لم يكن عند الإمام
وسائط نقل أو حمولة .
(١) في (ص): ((بالعراق)) وفي الكبرى: ((من العراق)).
٢٨٩

٢٩٠ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَآلآثَارِ / ج ٩
إلا وقع بأسهم بينهم ، ثمّ أقْبَلَ على القِبْلَة ، ورفع يديه إلى السماء ، وقال : اللهم
إني أعوذ بك أن أكون مُسْتَدْرَجًا، فإني أسمعك تقول: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا
يَعْلَمُونَ ... ﴾ (سورة القلم: ٤٤)، ثم قال ابن سراقة بن جعشم، فأتِيَ
بأشعر(١) الذِّراعَيْنِ دقيقهما، فأعطاه سُوَرَيْ كِسْرَى، فقال: البسْهُمَا ، ففعل ،
فقال: قل اللَّه أكبر، قال: اللَّه أكبر، قال: قل: الحمد لله الذي سَلْبَهُمَا كِسْرَى
ابن هُرْهُزُ ، وَأَلْبَسَهُمَا سُرَاقَةَ بن جُعْشم أعرابيا من بني مدلج ، وجعل يقلّب بعض
ذلك بعضًا (٢) ، فقال: إن الذي أدّى هذا لأمين، فقال له رجل : أنا أخبرك ، أنت
أمين اللّه، وهم يؤدّون إليك ما أديت إلى اللّه، فإذا رفعت رفعوا (٣) ، قال:
صدقت ، ثم فرَّقَهُ (٤) .
١٣١٩٧ - قال الشافعي: وإنما ألبسهما سراقة ؛ لأن النبي عليه قال لسراقة،
ونظر إلى ذراعيه: ((كَأنَّ بِكَ قَدْ لَبِسْتَ سُوَارَيْ كِسْرَى))، قال: ولم يجعل له إلا
سُواْرَيْنِ .
١٣١٩٨ - قال الشافعي : أخبرنا الثقة من أهل المدينة ، قال : أنفق عمر بن
الخطاب على أهل الرَمَادَة حتى وقع مطر ، فترحّلُوا ، فخرج عمر إليهم ، راكبا
فرسا ينظُرُ إليهم ، وهم يترحّلون بظعائنهم ، فدَمَعَتْ عيناه ، فقال رجل من بني
محارب بن خصفة : أُشْهَدُ أنها انحسرت عنك، ولست بابن أُمَيَّةً ، فقال عمر :
ويُلَك ، ذلك لو كنت أنفقت عليهم من مالي ، أو مال الخطاب ، إنما أنفقت عليهم
من مال اللَّه عزّ وجلّ (٥).
(١) في ( ص)، والكبرى: ((به أشعر)).
(٢) في الأم: ((بعصا)).
(٣) في الأم وكذلك السنن الكبري: ((فإذا رتعت رتعوا)).
(٤) ذكره الشافعي في الأم (٤: ١٥٧)، ورواه عنه البيهقي في الكبري ( ٦: ٣٥٧).
(٥) ذكره الشافعي في الأم (٤: ١٥٧)، ورواه عنه البيهقي في الكبري ( ٦: ٣٥٧-٣٥٨).

٢٠ - باب ما لم يُوجف عليه من الأرضين
بخیْلٍ ولا رِگاب (×)
١٣١٩٩ - قال الشافعي في رواية أبي عبد الله (١) : الدُّور والأرضون مما
تصالحوا عليه ، وَقْفٌ للمسلمين ، تُسْتَغَلُّ، ويقسم الإمام غلتها في كل عام .
١٣٢٠٠ - قال: وأحسب ما ترك عمر رضي الله عنه من بلاد أهل الشرك
هكذا ، أو شيئا استطاب أنفس من ظهر عليه بخيل وركاب فتركوه ، كما استطاب
رسول الله ﴾ أنفسَ أهل سبي هوازن، فتركوا حقوقهم .
(*) المسألة : ٨٨٩ - جرى العمل فى هذه الأراضي منذ عهد النبوة ، على اعتبارها غنيمة،
وكانت تقسم بين المجاهدين بعد أخذ خمسها للدولة ، لتكون ملكية عامة للمسلمين وقد فعل ذلك رسول
اللّه # في خيبر فلما كان عمر لم يقسم ما فتحه الله عنوة على المسلمين ، بل وقفه عليهم ،
لمصلحة رآها رضي اللّه عنه ، فقد روى أبو عبيد في الأموال أن عمر بن الخطاب قدم الجابية فأراد
قسمة الأرض بين المسلمين فقال له معاذ : والله ليكونن ما تكره ، إنك إن قسمتها اليوم صار الربع
العظيم في أيدي القوم ، ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد والمرأة ، ثم يأتي بعدهم قوم يسدون
من الإسلام مسدا ، وهم لا يجدون شيئا ، فانظر أمرا يسع أولهم وآخرهم ، فصار عمر إلى قول معاذ .
وذكر أبو يوسف في الخراج أن الذي أشار على عمر بترك قسمة أراضي العراق والشام هو عبد الرحمن
ابن عوف ، ولا مانع أن يكون كل منهما قد أشار عليه بذلك ، وكتب عمر بذلك إلى سعد بن أبي
وقاص : انظر ما جلب الناس عليك إلى العسكر من كرائم أو مال فاقسمه بين من حضر من المسلمين ،
واترك الأرضين والأنهار لعمالها فيكون ذلك من أعطيات المسلمين ، فإنك إن قسمتها بين من حضر لم
يكن لمن بقي بعدهم شيء وعارض بلال رضي اللّه عنه في ذلك عمر ، وطلب منه أن يقسم الأراضي
المفتوحة عنوة بين المحاربين بعد تخميسها ، ولكن لم يحل الحول حتى توفي بلال وانطفأت المعارضة
ووقف عمر جميع الأراضي التي فتحت عنوة ، الشام ، والعراق ، ومصر ، وسائر ما فتحه ، وقال كلمته
المشهورة (لولا آخر الناس لقسمت الأراضي كما قسم رسول الله # خيبر)).
(١) في كتاب الأم ( ٤ : ١٥٧ - ١٥٨).
٢٩١

را
٢٩٢ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَآلآثَارِ / ج ١
١٣٢.١ - قال: وفي حديث جرير بن عبد الله، عن عمر: أنه عَوَّضَهُ من حقّه
وعوَّضَ امرأة من حقّها بميراثها من أبيها ؛ كالدليل على ما قلت (١) .
١٣٢.٢ - ويشبه قول جرير عن عمر: لولا أنّي قاسم مسئول ، لتركتكم على
ما قسم لكم ، أن يكون قَسَمَ لهم بلاد صلح مع بلاد إيجاف ، فردّ قسم الصلح ،
وعوّض من بلاد الإيجاف بالخيل والركاب (٢).
(١) ذهب جماعة منهم ابن حزم إلى أن عمر لم يوقف هذه الأراضي إلا بعد أن استطاب نفوس
الغانمين وأرضاهم ، واستدلوا على ذلك بأن جرير بن عبد الله البجلي لما قدم على عمر من قومه يريد
الشام وجهه عمر إلى الكوفة بعد مقتل أبي عبيد ، وقال له : هل لك في الكوفة وأنفلك الثلث بعد
الخمس ، من كل أرض أوشيء ؟ قال : نعم ، فبعثه وكانت بجيلة ربع الناس يوم القادسية ، فجعل عمر
لهم ربع السواد ، فأخذوه سنتين أوثلاثا - فوفد عمّار بن ياسر إلى عمر، ومعه جرير بن عبد الله
البجلي ، فقال عمر لجرير: يا جرير ، لولا أني قاسم مسؤول لكنتم على ما جعل لكم ، وأرى الناس قد
كثروا فأرى أن ترده عليهم ، ففعل جرير ذلك ، فأجازه عمر بثمانين دينارا ، وقالت أم كرز البجلية :
يا أمير المؤمنين إن أبي هلك وسهمه ثابت في السواد ، وإني لن اسلّم ، فقال لها عمر : يا أم كرز إن
قومك قد صنعوا ما قد علمت . فقالت : إن كانوا صنعوا ما صنعوا - أي سلموا أراضيهم - فإني
لست أسلم حتى تحملني على ناقة ذلول عليها قطيفة حمراء ، وتملأ كفي ذهبا ، ففعل عمر ، فكان
الذهب الذي أعطاها نحوا من ثمانين دينارا .
قال ابن حزم: فهذا أصح ما جاء عن عمر في ذلك ، وهو قولنا ، فإنه لم يوقف حتى استطاب نفوس
الغانمين وورثة من مات منهم .
وروى الإمام أحمد في مسنده وابن حزم في المحلى رجوع عمر بن الخطاب عن هذا التصرف - وهو
إيقاف الأراضي - وأنه قال : لو عشت إلى هذا العام المقبل ، لا تفتح للناس قرية إلا قسمتها بينهم
کما قسم رسول اللَّه خيبر .
ومهما يكن من أمر فإن عمر لم ينقض ما صنعه من وقف الأراضي المفتوحة عنوة ولم يقسم بعد ذلك
أرضا فتحت عنوة .
(٢) الأم للشافعي ( ٤ : ١٥٨).

٢١ - باب تعريف العرفاء وعقد الألوية (*)
١٣٢.٣ - أنبأني أبو عبد الله إجازة ، عن أبي العباس، عن الربيع، عن
الشافعي (١) قال: قال اللّه تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ... ﴾ (الحجرات: ١٣).
١٣٢.٤ - قال: ورَوَى الزُّهْرِيُّ: أن رسول اللّه ◌َيُ عرَّف عام حنين على كل
عشرة عريفا .
١٣٢.٥ - قال الشافعي: وجعل رسول اللَّه عَّ للمهاجرين شعارا، وللأوس
شعارا ، والخزرج شعارا ، وعقد رسول اللّه ٤ الألوية عام الفتح، فَعَقَدَ للقبائل ؛
قبيلة قبيلة ؛ حتى جَعَلَ في القبيلة ألوية ، كل لواء لأهله ، وكل هذا ليتعارف الناس
في الحرب وغيرها ، فتخف المؤنة عليهم باجتماعهم، وعلى الوالي كذلك (١) .
ثم بسط الكلام فيه .
٦. ١٣٢ - وأسانيد هذه الآثار قد ذكرناها في كتاب السنن (٣).
(*) المسألة: ٨٩٠ - من صفات القائد الناجح تنظيم جيشه، ووضع الألوية لهم والشعارات
ليتعارف الناس في الحرب ، ويكون لكل فرقة مهمة منوطة بهم ، وهكذا كانت سنة النبي # في
جهاده ، ففي فتح مكة فرق الجيش أربع فرق ، وأموها جميعا ألا تقاتل وألا تسفك دما إلا إذا أكرهت
على ذلك إكراها واضطرت إليه اضطراراً . وجعل الزبير ابن العوام على الجناح الأيسر من الجيش وأمره
أن يدخل مكة من شمالها ، وجعل خالد بن الوليد على الجناح الأيمن وأمره أن يدخل من أسفل مكة ،
وجعل سعد بن عبادة على أهل المدينة ليدخلوا مكة من جانبها الغربي . أما أبو عبيدة بن الجراح فجعله
محمد على المهاجرين ، وسار وإياهم ليدخلوا مكة من أعلاها في حذاء جبل هند .
(١) مختصر المزني ص ( ١٥٤).
(٢) إلى هنا انتهى كلام الشافعي رحمه الله .
(٣) الكبرى (٣٦٠:٦) باب ((ما جاء في تعريف العرفاء)).
٢٩٣

٢٩٤ - مَعْرِفَةُ السُّنَّنِ والآثارِ / ج ٩
١٣٢.٧ - وروينا عن عروة بن الزبير أنه قال: جعل رسول اللّه # شعار
المهاجرين يوم بدر (( يا بني عبد الرحمن))، وشعار الخزرج ((يا بني عبد اللّه))،
وشعار الأوس ((يا بني عبيد اللّه))، وسمَى خَيْلَهُ ((خيل اللَّه)) (١).
١٣٢.٨ - وقد قيل غير ذلك .
(١) وهذا مرسل، ورواه البيهقي في الكبرى عن عائشة (٦: ٣٦١).

٢٢ - إعطاء الفيء على الديوان (*)
(*) المسألة : ٨٩١ - كان الفاروق عمر يرى تخميس الفيء ، وكأن عمر في تلاوته لآية الغنيمة
التي في سورة الأنفال يذهب إلى أن قوله تعالى في سورة الحشر: ﴿ ما أفاء اللَّه على رسوله من
أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ . منسوخ بآية الأنفال الخاصة
بالغنيمة ، لأن مقتضى آية الحشر أن الفيء لا يخمس ، وقد نصت آية الأنفال على التخميس: ﴿ فإن
لله خمسه وللرسول و ... ﴾ ولذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخمس الفيء كما يخمس
الغنيمة .
وقد أسقط أبو بكر الصديق ومن بعده عمر بن الخطاب سهم رسول اللَّه #& بموته ، وأنفقاه في
الكراع والسلاح، ولم يورثا أقاربه منه شيئا لقول رسول اللّه : ((نحن الأنبياء لا نورث، ما
تركناه صدقة )) .
وتنفق الأربعة الأخماس الباقية من الفيء فيما يلي : عطاء أمير المؤمنين : لم يكن لعمر بن الخطاب
رضي الله عنه حين ولي الخلافة عطاء معلوم من بيت مال المسلمين ، فقد كان تاجرا ، يعمل في
التجارة ويعيل نفسه وينفق على عياله مما تدره عليه تجارته ، وبقي كذلك إلى أن فتحت القادسية
ودمشق واتسعت رقعة الدولة ، وتنوعت مشاكلها ، فجمع الصحابة رضوان الله عليهم وشاورهم في
أمر تركه التجارة والتفرغ لتدبير أمر المسلمين وأن يفرضوا له راتبا يكفيه وأهله من بيت مال المسلمين -
أي من الفي - . وقال لهم: إني كنت امرءا تاجرا وقد شغلتموني بأمركم ، فماذا ترون أنه يحل لي من
هذا المال . فأقروا أن يفرضوا له راتبا قدره ستة آلاف درهم ، وهو الراتب الذي كان يتقاضاه الخليفة
قبله ، أبو بكر الصديق رضي الله عنه . واكتفى عمر رضي عنه بهذا الراتب عما عداه . فكان لا
يتقاضى من أموال المسلمين شيئا غيره للمهمة التي أنبطت به كأمير المؤمنين .
عطاء موظفي الدولة : - لم يكن العمال والموظفين رواتب محددة في عصر الرسول # ولا في عهد
أبي بكر الصديق رضي الله عنه وإنما كانوا يعطون بحسب الظروف والأحوال .
ولما كان عمر رضي الله عنه حددت الرواتب - وأصبح لكل موظف راتباً معينا ، فبعض الرواتب
كان يصرف سنويا كراتب معاوية بن أبي سفيان والي الشام ، وقد كان راتبه الف دينار كل عام ، وراتب
عثمان بن حنيف - عامل عمر على أموال العراق - وكان راتبه خمسة آلاف درهم ، بالإضافة إلى راتب
يومي يصرف له يوميا وهو ربع شاة وخمسة دراهم .
=
٢٩٥
٠٢

٢٩٦ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَآلآثَارِ / ج ٩
= وبعض هذه الرواتب يصرف شهريا ، كراتب عمار بن ياسر والي الكوفة ، وقد كان راتبه ستمائة
درهم كل شهر . وعبد اللّه بن مسعود قاضي الكوفة وقد كان راتبه مائة درهم بالإضافة إلى راتب
يومي قدره ربع شأة ، وراتب شريح ، قاضي الكوفة ، وكان راتبه مائة درهم وعشرة أجربة في الشهر ،
وراتب سليمان بن ربيعة الباهلي ، وكان راتبه خمسمائة درهم في كل شهر .
وبعض هذه الرواتب كان يصرف يوميا ، كراتب عياض بن غنم والي حمص وكان راتبه اليومي دينارا
وشاة ومدا .
مما تقدم نرى أن هذه الرواتب لم تكن واحدة ، ولكنها تختلف حسب المنصب وخطورته ، والموظف
وكفاءته .
وقد اهتم عمر رضي اللّه عنه اهتماما خاصا برواتب القضاة ، فأعطاهم بسخاء ليظهر القاضي
بالمظهر اللائق ، ولئلا يحتاج إلى أحد ، ولئلا يطمع في رشوة أو هدية ، فقد كتب إلى معاذ بن جبل
وأبي عبيدة بن الجراح حين بعثهما إلى الشام : أن انظروا رجالا من صالحي من قبلكم فاستعملوهم على
القضاء ، وأوسعوا عليهم ، وارزقوهم ، واكفوهم من مال الله .
عطاء الجند :
لم يكن للجند في عهد الرسول #& ولا في عهد أبي بكر ، ولا في صدر خلافة عمر عطاء مقرر
ثابت ، بل كان إذا أتى رسول اللَّه مال قسمه من فوره بين من حضر من المسلمين ، وكلهم كانوا في
عداد الجند ، ولعل مبرر ذلك أن الجند كانوا معروفين ، والفيء محدود .
ولكن حدث في عهد عمر أن توسعت الفتوحات وكثر الفيء والجند ، فأشير على عمر بتدوين
الدواوين ، وضبط الموارد المالية ، وضبط المستحقين للعطاء ، ومقدار ما يعطي لكل واحد منهم ، وذلك
على أثر حادثة مشهورة وهي :
أنه لما أتى عمر بكنوز كسرى قال له عبد اللَّه الأرقم الزهري: ألا تجعلها في بيت المال حتى
تقسمها ؟ قال : لا يظلها سقف حتى أمضها ، فأمر بها فوضعت في صرح المسجد ، فباتوا
يحرسونها ، فلما أصبح أمر بها فكشف عنها ، فرأي فيها من الحمراء والبيضاء ما يكاد يتلألأ منه
البصر، قال: فبكى عمر، فقال له عبد الرحمن بن عوف: ما يبكيك يا أمير المؤمنين ، إن كان هذا
ليوم شكر ، ويوم سرور ، ويوم فرح ؟ فقال عمر : كلا إن هذا لم يعطه قوم إلا ألقي بينهم العداوة
والبغضاء ثم قال : أنكيل لهم بالصاع أم نحثو فقال علي : بل احثوا لهم ، فدعا حسن بن علي فحثا
له ، ثم دعا حسينا ، ثم أعطى الناس ، ودون الدواوين .
=

٢١ - كتاب الفيء والغنيمة / ٢٢ - باب إعطاء الفيء على الديوان - ٢٩٧
= وفي رواية أخرى : أن أبا هريرة قدم على عمر من البحرين . فقال: قدمت على عمر فصليت معه
العشاء فلما رآني سلمت عليه فقال : ما قدمت به ؟ قلت : قدمت بخمسمائة ألف درهم وفي رواية
بثمانمائة ألف ، قال : تدري ما تقول ؟ قلت : مائة ألف ومائة ألف ومائة ألف ومائة ألف ومائة ألف ،
قال إنك ناعس . ارجع إلى بيتك ، فنم ثم أغد علي ؟ ، فغدوت عليه فقال ؟ : ما جئت به ؟ قلت
بخمسمائة ألف قال : أطيب ؟ قلت نعم ، لا أعلم إلا ذاك ، فقال للناس : انه قدم علي مال كثير ، فإن
شئتم أن نعده لكم عدا وإن شئتم أن نكيله لكم كيلا ، فقال رجل : يا أمير المؤمنين إني رأيت هؤلاء
الأعاجم يدونون ديوانا يعطون الناس عليه ، فدون الديوان ، وفي رواية أنهم قالوا : لا تفعل يا أمير
المؤمنين ، إن الناس يدخلون في الإسلام ، ويكثر المال ، ولكن أعطهم على كتاب - أي ديوان - فكلما
كثر الناس وكثر المال أعطيتهم عليه .
واستشار عمر الصحابة رضوان الله عليهم فيمن يقدم في هذا الديوان ومن يؤخر ، فقال لهم :
أشيروا علي بمن أبدا منهم؟ قالوا: بك يا أمير المؤمنين، إنك ولي ذلك الأمر، فقال: لا. ولكني
أبدأ بال رسول الله # .
وبدأ عمر بآل رسول اللَّه #& ، وقدم منهم بني هاشم والمطلب ، فإذا كان السن في الهاشمي قدمه
على المطلبي ، وإذا كان في المطلبي قدمه على الهاشمي ، ثم بني عبد شمس ، ثم ببني نوفل ، ثم بيني
عبد العزي ، ثم ببني عبد الدار ، ثم ببني زهرة ، تم تيم ، ثم بني مخزوم ، ثم بني جمح ، ثم ببني عدي
ثم بني سهم .
ولما استقر ترتيب الناس في الديوان على تعدد النسب المتصل برسول اللّه & فضل منهم في
العطاء على قدر السابقة في الإسلام والقرب من رسول اللّه ، وكان أبو بكر يسوي بينهم في العطاء
ولا يرى التفضيل بالسابقة ، وكذلك كان رأي على في خلافته .
ثم تلا ذلك زوجات رسول اللّه ففرض لكل واحدة منهن اثني عشر ألف درهم إلا صفية
وجويرية ، فقد فرض لكل واحدة منهما ستة آلاف درهم . وفي رواية أن جعل عطاء عائشة اثني عشر
ألفا ، وجعل عطاء جويرية وصفية ستة آلاف ستة آلاف وجعل عطاء باقي زوجات الرسول # عشرة
آلاف عشرة آلافٍ .
ثم تلا ذلك بقية الجند وقد جعلهم عمر على طبقات ، وفضل بعضهم على بعض في العطاء ، بينما
كان رسول اللّه وأبو بكر من بعده يسوي بينهم في العطاء وقد اعترض عمر على أبي بكر في
هذه التسوية فلم يلتفت أبو بكر إلى اعتراض عمر ، فقد روى البيهقي أن أبا بكر لما قسم الفيء أول ما
قسم . قال له عمر : فضل المهاجرين الأولين وأهل السوابق . فقال: اشترى منهم سابقتهم ؟! فقسم =

٢٩٨ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج ٩
= فسوى . وفي رواية أن عمر قال لأبي بكر حينما سوى بين الناس في العطاء : ياخليفة رسول اللّه
الجعل الذين جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ، وهجروا دياركم كمن دخل في الإسلام كرها ؟
فقال له أبو بكر: إنما عملوا للَّه، وإنما أجورهم على اللَّه، وإنما الدنيا بلاغ، فلما ولي عمر فاضل
بينهم . وقسمهم إلى طبقات . وقال: لا أجعل من قال رسول اللّه كمن قاتل معه وجعل : الطبقة
الأولى : هي طبقة أهل بدر ، وهذه الطبقة مقسومة إلى فئتين :
الفئة الأولى : فئة المهاجرين من البدربين وقد فرض عمر لكل واحد منهم خمسة آلاف درهم كل عام ،
وفي رواية أنه فرض لهم ستة آلاف درهم .
والفئة الثانية : فئة الأنصار من البدريين ، قد فرض عمر لكل واحد منهم أربعة آلاف درهم كل عام
. وقال عمر فى هذه الطبقة - طبقة البدرين - والله لأفضلنهم على من بعدهم ،
الطبقة الثانية : هي طبقة المهاجرين الذين لم يشتركوا في بدر واشتركوا فيما بعدها من الغزوات ،
وقد فرض عمر لكل واحد منهم أربعة آلاف درهم إلا عبد الله بن عمر فقد فرض له ثلاثة آلاف
وخمسمائة ، فقيل له هو من المهاجرين فلم نقصته عن أربعة آلاف ؟ فقال : إنما هاجر به أبوه .
ولكن أسامة بن زيد كان يعدل في السن عبد الله بن عمر ، وقد هاجر به أبوه أيضا ، ومع ذلك
فإن عمر لم ينقص عطاءه عن الخمسة آلاف درهم كما أنقص عطاء عبد الله بن عمر ، وبذلك يكون قد
فضله على ابنه عبد الله بن عمر ، وقد بدا للناس واضحا ، وظهر ذلك لعبد الله بن عمر واضحا
أيضا . ولذلك فإن الناس اقبلوا على عبد الله بن عمر، فلم يزالوا به حتى كلم عمر فقال عبد اللّه
ابن عمر لأبيه عمر بن الخطاب : أتفضل علي من ليس بأفضل مني ولم يسبقني إلى شيء ؟ فقال عمر :
ذلك لأن زيد بن حارثة كان أحب إلى رسول اللّه من عمر، وإن أسامة كان أحب إلى رسول اللّه من عبد
الله بن عمر .
الطبقة الثالثة : طبقة الأنصار الذين لم يشتركوا في بدر واشتركوا فيما بعدها وقد فرض عمر لكل
واحد منهم ثلاثة آلاف .
الطبقة الرابعة : طبقة الذين شهدوا الحديبية وفتح مكة والمشاهد التي تلت إلى القادسية واليرموك
وقد فرض لكل واحد منهم ألفي درهم ، فقد كتب إلى عمرو بن العاص أن أنظر من كان قبلك ممن بايع
النهي تحت الشجرة فأتم له العطاء مائتي دينار وهي تساوي الفي درهم ، وفي سنن البيهقي أن عمر
فرض لأبناء المهاجرين والأنصار ألفي درهم ، وذكر ابن قدامة في المغني أن عمر فرض لكل من شهد
فتح مكة ألفي درهم .

٢١ - كتاب الفيء والغنيمة / ٢٢ - باب إعطاء الفيء على الديوان - ٢٩٩
١٣٢.٩ - أخبرنا أبو بكر، وأبو زكريا، قالا: حدثنا أبو العباس ، قال :
أخبرنا الربيع ، قال : أخبرنا الشافعي ، أخبرنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن
أبي جعفر محمد بن علي ،
أن عمر رضي الله عنه لما دَوَّن الدواوين .
فقال : بمن ترون أن أبدأ ؟
فقيل له : ابدأ بالأقرب ، فالأقرب بك .
قال: بل أبدأ بالأقرب فالأقرب برسول الله ﴾ (١).
١٣٢١٠ - وأنبأني أبو عبد الله، إجازة، عن أبي العباس، عن الربيع ، قال:
قال الشافعي : أخبرني غير واحد من أهل العلم ، من قبائل قريش ، أن عمر بن
الخطّاب لما كثر المال في زمانه ، أجمع على أن يدوِّن الدواوين ، فاستشار ، فقال:
بمن ترون أن أبدأ ؟
فقال له رجل : ابدأ بالأقرب فالأقرب بك .
= الطبقة الخامسة : طبقة الذين اشتركوا فى فتح القادسية واليرموك وقد فرض لكل واحد منهم ألفا
وخمسمائة درهم . وقد فرض لمن أبلى منهم البلاء الحسن ألفين ثم تلا ذلك طبقات أعطاها عمر عطاءات
تتناسب معها .
وفرض عمر رضي الله عنه لأناس رواتب خاصة لاعتبارات فيهم رآها جديرة بالتقدير ، ففرض عمر
رضي الله عنه لكل من الحسن والحسين أبناء علي بن أبي طالب رضي عنه خمسة آلاف درهم رغم أنهما
لم يكونا من أهل بدر . لأنهما سيدا شباب أهل الجنة وريحانتا فؤاد الرسول #& . وفرض لعمير بن
وهب الجمعي وعثمان بن قيس السهمي مائتي دينار لأنهما أصحاب قرى وأضياف وفرض لبسر بن أبي
أرطأة مائتي دينار لأنه صاحب سيف ، وفرض لخارجة بن حذافة لشجاعته وشرفه ، وفرض لآخرين .
وفرض لكل من أسماء بنت عميس وأسماء بنت أبي بكر وأم عبد اللّه بن مسعود ألف درهم ،
لأنهن كن من المهاجرات الأوليات وفرض للهرمزان ألفي درهم ، لرأيه
(١) رواه الشافعي في الأم (٤: ١٥٨)، ومن طريقه البيهقي في الكبري ( ٦: ٣٦٤).

٣٠٠ - مَعْفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج ٩
قال: ذكرتموني ، بل أبدأ بالأقرب فالأقرب برسول اللّه # ، فبدأ ببني
هاشم(١).
١٣٢١١ - قال الشافعي (٢) : وأخبرني غير واحد من أهل العلم والصدق من
أهل المدينة ومكة ، من قبائل قريش ومن غيرهم ، وكان بعضهم أحسن اقتصاصا
للحديث من بعض ، وقد زاد بعضهم على بعض في الحديث : أن عمر رضي اللّه
عنه لما دوّن الدواوين قال: أبدأ ببني هاشم، ثمّ قال: حضرتُ رسول اللّه عَ﴾
يعطيهم ، وبني المطلب ، فإذا كانت السنُّ في الهاشمي قدَّمَهُ على المُطَّلِي ، وإذا
كانت في المُطْلِي قدّمَه على الهاشمي .
فوضع الديوان على ذلك ، وأعطاهم عطاء القبيلة الواحدة ، ثم استوت له عبد
شمس ، ونوفل في جذم النسب .
فقال : عبد شمس أخوة النبي # لأبيه وأمّه دون نوفل، فقَدِّمهم، ثُمّ دعا بني
نوفل يتلونهم ، ثُمّ استوت له عبد العُزَّى ، وعبد الدار ، فقال : في بني أسد بن
عبد العُزَى، أصهار النبي ◌َ﴾، وفيهم أنهم من المطيبين.
وقال بعضهم: هم حلف من الفضول ، وفيهما كان رسول اللّه عليه .
وقد قيل : ذكر سابقة فقدمهم على بني عبد الدار ، ثم دعا بني عبد الدار
يتلونهم ، ثم انفردت له زهرة فدعاها تتلو عبد الدار ، ثم استوت له بنو تيم
ومخزوم، فقال في تيم : إنهم من حلف الفضول والمطيبين ، وفيهما كان رسول اللّه
وقيل : ذكر سابقة ، وقيل : ذكر صهرا ، فقدّمَهم على مخزوم ، ثُمّ دعا مخزومًا
يتلونهم ..
(١) رواه الشافعي في الأم ( ٤: ١٥٨).
(٢) في الأم ( ٤ : ١٥٨ - ١٥٩) ونقله المزني في مختصره ص (١٥٤) والبيهقي في الكبرى
( ٦ : ٣٦٤ - ٣٦٥).