Indexed OCR Text

Pages 201-220

١٣ - كتاب البيوع / ٥٩ - باب السلم في المسك والعنبر - ٢٠١
المسك ، وابن عباس بالعالية قبل أن يُحْرِمِ وفيها المسك ولم أُرَ الناس اختلفوا في
إباحته (١).
١١٦٤٣ - قال أحمد: وروينا عن أبي سعيد الخدري، عن النبي #ّ أنه قال:
(«المسكُ أطيبُ الطيبِ)) (٢)
١١٦٤٤ - أخبرنا أبو سعيد ، قال : حدثنا أبو العباس ، قال : أخبرنا الربيع ،
قال : أخبرنا الشافعي (٣)، قال : فقال لي : خَبُرْتُ أن العنبر شيء ينبذه حوت
من جوفه فكيف أحللت ثمنه ؟ .
فقلت : أخبرني عدةٌ مِمِّنْ أُثِقُ بخبره ، أن العنبر نباتٌ يخلقه اللَّه في حشاف في
البحر ، قال لي منهم نفر : حجبتنا الربح إلى جزيرة فأقمنا بها ونحن ننظر من
فوقها إلى حَشَفَةٍ خارجة من الماء منها ، عليها عنبرة أصلها مستطيل كعنق الشاة ،
والعنبرة ممدودة في فرعها ثم كنا نتعاهدها فنراها تَعْظُم ، فأخّرْنا أخْذها رجاء أن
يزيد عظمها فهبّتْ ريح فحركت البحر فقطعتها ، فخرجت مع الموج .
١١٦٤٥ - قال : ولم يختلف أهل العلم به أنه كما وصفوا ، وقد زعم بعض
أهل العلم به أنه لا تأكله دابة إلا قتلها ، فيموت الحوت الذي يأكله فينبذه البحر ،
فيؤخذ فيُشَقُّ بطنه فيُسْتَخْرَج منه .
١١٦٤٦ - قال : فما تقول فيما اسْتُخْرِج من بطنه ؟
قلت : يُغْسل عنه شيء إن أصابه من أذاه ، ويكون حلالا أن يباع ويتطيب به من
قبَلِ أنه مستجسد ، واحتج بخبر ابن عباس في العنبر ، وقد مضى في كتاب
الزكاة .
(١) رواه الشافعي في الأم (٣ : ١١٤).
(٢) رواه مسلم في الألفاظ من الأدب (٢٢٥٢) باب ((استعمال المسك)) (٤ : ١٧٦٦)،
والترمذي في الجنائز (٩٩١) باب ((في ما جاء في المسك للميت)) (٣ : ٣١٧)، والنسائي في
الجنائز (٤: ٣٩) باب ((المسك)).
(٣) هذه المناظرة إلى نهاية هذا الباب ذكرها في الأم (٣: ١١٤).
٠

٦٠ - باب الإقالة في السّلم (*)
١١٦٤٧ - أخبرنا أبو بكر ، وأبو زكريا ، وأبو سعيد ، قالوا : حدثنا أبو
العباس ، أخبرنا الربيع ، أخبرنا الشافعي ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن سلمة بن
موسى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : ذلك المعروف أن يأخذ بعضه
طعاما وبعضه دنانير (١) .
٠
١١٦٤٨ - وأخبرنا أبو سعيد، قال : حدثنا أبو العباس ، أخبرنا الربيع ،
أخبرنا الشافعي ، أخبرنا سعيد بن سالم ، عن ابن جريج : أن عطاء كان لا يرى
بأسا أن يقبل رأس ماله منه أو ينظره ، أو يأخذ السلعة وينظره بما بقي (٢).
١١٦٤٩ - وبإسناده أخبرنا الشافعي ، قال : أخبرنا سعيد بن سالم ، عن ابن
جريج ، أنه قال لعطاء : سلفت دينارا في عشرة أفراق ، فحلتْ ، أفأقبضُ منه إن
شئتُ خمسةَ أفراقٍ ، وأكتب نصف الدينار عليه دينا ؟ ، فقال: نعم (٣).
وبإسناده قال : أخبرنا الشافعي ، أخبرنا سعيد بن سالم ، عن ابن جريج ، عن
عمرو بن دينار : أنه كان لا يرى بأسا أن يأخذ بعض رأس ماله ، وبعض طعامه ،
أو يأخذ بعض طعامه ، ويكتب ما بقي من رأس المال .
(*) المسألة : - ٧٧٩ - قال جمهور العلماء : إذا أخذ رب السلم بعض رأس ماله وبعض
المسلم فيه بعد حلول الأجل أو قبله برضا صاحبه فإنه يجوز ، ويكون إقالة للسلم فيما أخذ من رأس
المال ويبقى السلم في الباقي ؛ لأن أخذ رأس المال إقالة ، ولو أقاله في الكل جاز اتفاقا .
واتفقوا على أنّه لو أخذ رب السلم جميع رأس المال برضا صاحبه ، أو أقال جميع السلم ، أو تصالحا
على رأس المال ، فإنه يكون إقالة صحيحة وينفسخ السلم .
(١) رواه الشافعي في مسنده (٢: ١٤٨)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى ( ٦: ٢٧)،
ورواه عبد الرزاق في المصنف في البيوع (١٤١.٢) باب ((السلف في شيء فيأخذ بعضه))
(٨ : ١٣) .
(٢) رواه الشافعي في الأم (٣: ١٣٢)، وكذلك البيهقي، وانظر السنن الكبرى (٦: ٢٧).
(٣) رواه الشافعي في الأم (٣ : ١٣٢).
٢.٢

١٣ - كتاب البيوع / .٦ - باب الإقالة في السلم - ٢.٣
٠ ١١٦٥ - أخبرنا أبو سعيد، قال: حدثنا أبو العباس ، قال : أخبرنا الربيع،
قال : أخبرنا الشافعي ، قال : أخبرنا سعيد بن سالم ، عن ابن جريج ، عن عطاء ،
قال : إذا سلّفت فأتاك حقّكَ بالذي سلّفت فيه كما اشترطت ، ونقدت ، فليس لك
خيار إذا وُفِّيت شرطك وبيعك (١).
(١) رواه الشافعي في الأم ( ٣: ١٣٤).
.

٦١ - التَّسْعِيرُ ()
١١٦٥١ - كتب إليّ أبو نعيم الإسفرائيني ، أخبرنا أبو عوانة ، حدثنا المزني ،
حدثنا الشافعي ، أخبرنا الدراوردي ، عن داود بن صالح التمار ، عن القاسم بن
محمد ، عن عمر رضي اللّه عنه : أنه مرّ بحاطب بسوق المصلى وبين يديه غرارتان
فيهما زبيب ، فسأله سعرَهُمَا، فسَعَّرَ له مدَّيْن لكل درهم ، فقال عمر: قد حُدِّثْتُ
بعيرٍ مقبلة من الطائف تحملُ زبيبًا وهم يعتبرون بسعرك ، فإمّا أن ترفع في السعر ،
(*) المسألة : - ٧٨٠ - إنّ المبدأ الاقتصادي في الإسلام هو الحرية الاقتصادية التي يراعي
فيها المسلم حدود النظام الإسلامي ومن أهمها العدالة والقناعة والتزام قواعد الربح الحلال بأن كان في
حدود الثلث، لقوله عليه الصلاة والسلام: ((دعوا الناس يرزق اللّه بعضهم من بعض)). رواه
الطبراني عن أبي السائب. نيل الأوطار (٥ : ١٦٤).
واتفق الفقهاء على أن الأصل عدم التسعير ، ولا يسعر حاكم على الناس ، فقال الشافعية
والحنابلة : هذا الأصل ، وقال الحنابلة أيضا : ليس للإمام أن يسعر على الناس بل يبيع الناس
أموالهم على ما يختارون ، أضاف الشافعية : يحرم التسعير ، ولو في وقت الغلاء ، بأن يأمر الوالي
السوقة ألا يبيعوا أمتعتهم إلا بكذا للتضييق على الناس فى أموالهم ، وذلك لا يختص بالأطعمة ولو
شعر الإمام ، عزر مخالفه بأن باع بأزيد مما سعر لما فيه من مجاهرة الإمام بالمخالفة ، وصح البيع ، إذا
لم يعهد الحجر على الشخص في ملكه أن يبيع بثمن معين .
وأجاز ابن الرفعة الشافعي وغيره التسعير في وقت الغلاء .
واستدل مانعو التسعير بحديث أنس قال: غلا السعر على عهد رسول اللّه ﴾ فقالوا: يارسول الله
لو سعرت، فقال: إنّ الله هو القابض الباسط الرازق المسعر إلى آخر الحديث الذي رواه الإمام أحمد
وأصحاب السنن سوى النسائي وصححه الترمذي نيل الأوطار (٥ : ٢١٩).
وأجاز المالكية والحنفية للإمام تسعير الحاجيات دفعا للضرر عن الناس إذا تعدى أصحاب السلعة
عن القيمة المعتادة تعديا فاحشا ، فلا بأس حينئذ بالتسعير بمشورة أهل الرأي والبصر رعاية لمصالح
الناس والمنع من إغلاء السعر عليهم، ومستندهم في ذلك القواعد الفقهية: )) الضرر يزال))،
و «يتحمل الضرر الخاص لمنع الضرر العام».
وانظر في هذه المسألة: مغني المحتاج ( ٢: ٣٨)، بدائع الصنائع (٥: ١٢٩)، الدر المختار
(٥ : ٢٨٣)، المغني (٤: ٢١٧)، القوانين الفقهية ص (٢٥٥).
٢.٤

١٣ - كتاب البيوع / ٦١ - باب التسعير - ٢.٥.
وإما أن تُدْخِل زبيبَكَ البيتَ ، فبعتَه كيف شئت ، فلما رجع عمر حاسب نفسه ، ثم
أتى حاطبا في داره ، فقال له : أن الذي قلت ليس بعزمة مني ، ولا قضاء ، إنما
هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فَبِعْ، وكيف شئت فَبِعْ (١) .
١١٦٥٢ - قال الشافعي : وهذا الحديث فعسى ليس بخلاف لما روى مالك ،
ولكنه روى بعض الحديث أو رواه من روى عنه ، وهذا إليّ بأول الحديث وآخره ،
وبه أقول .
١١٦٥٣ - قال أحمد: إنما أراد حديث مالك ، عن يونس بن يوسف ، عن
سعيد بن المسيب : أن عمر بن الخطاب مرّ بحاطب بن أبي بَلْتعَةً وهو يبيع زبيبا له
بالسوق ، فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر ، وإما أن ترفع من سوقها .
أخبرناه أبو أحمد المهرجاني ، قال : أخبرنا أبو بكر بن جعفر المزكي ، حدثنا
محمد بن إبراهيم ، حدثنا ابن بكير ، حدثنا مالك، فذكره (٢) .
١١٦٥٤ - وروينا عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : أن
رجلا جاء فقال: يا رسول اللَّه سَعِّرْ، فقال: ((بَلْ أُدْعُو اللَّه)) ثم جاءه رجل آخر
فقال: يا رسول اللّه سَعِّر، فقال: ((بل اللَّه يَخْفِضُ ويَرْفَعُ، وإنّي لأرجو أن ألقى
اللَّه وليس لأحد عندي مَظْلَمَةٌ » .
أخبرناه أبو الحسين بن الفضل القطّان ، حدثنا أبو بكر محمد بن عثمان بن ثابت
الصيدلاني ، حدثنا عبيد بن شريك ، حدثنا أبو الجماهر ، حدثنا سليمان بن بلال ،
حدثنا العلاء بن عبد الرحمن ، فذكره (٣).
١١٦٥٥ - وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل ، حدثنا أبو سهيل بن زياد القطان ،
حدثنا أبو إسحاق بن الحسن الحربي ، حدثنا عفّان بن مسلم ، حدثنا حماد بن سلمة ،
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى ( ٦: ٢٩).
(٢) رواه مالك في الموطأ البيوع (٥٧) باب ((الحكرة والتربص)) (٢: ٦٥١)، والبيهقي في
الكبرى (٦: ٩)، ورواه عبد الرزاق في المصنف في البيوع (١٤٩.٥) باب ((هل يسعر)) (٨:
٢.٧) .
(٣) رواه أبو داود فى البيوع (٣٤٥٠) باب ((في التسعير)) (٣: ٢٧٢).

٢.٦ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالآثَارِ / ج ٨.
قال : حدثنا ثابت ، وقتادة ، وحميد ، عن أنس بن مالك ، قال : غلا السعر
بالمدينة على عهد النبي * فقال الناس: يا رسول الله! غلا السعر، فسَعِّرْ لنا،
فقال رسول اللّه : ((إنّ اللَّه هو المُسْعِّرُ القابض الرازق، وإني لأرجو أن ألقى
اللّه وليس أحد منكم يَطْلُبُنِي في دمٍ ولا مالٍ)) (١).
١١٦٥٦ - أما الحكرة فقد ثبت عن معمر بن أبي معمر، عن النبي ◌َّ أنه قال:
((من احْتَكَرَ فهو خاطىء)). وإنما أراد والله أعلم: إذا احتكر من طعام الناس ما
یکون فيه ضرر علیھم دون ما لا ضرر فيه .
١١٦٥٧ - فقد روي عن معمر هذا أنه كان يحتكر ، وهو إنما يحتكر على غير
الوجه المنهي عنه ، فدلّ على أن الحديث على خاصٍّ، والله أعلم (٢).
(١) رواه أبو داود في البيوع (٣٤٥١) باب ((في التسعير)) (٢٧٢.٣)، والترمذي في البيوع
(١٣١٤) باب ((ما جاء في التسعير)) (٣: ٦.٥ - ٦.٦)، وابن ماجه في التجارات (٢٢.٠)
باب ((من كره أن يسعر)) (٢: ٧٤١) وقال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وفي الباب عن غير
أبي هريرة وأنس ، عن أبي جحيفة وابن عباس وأبي سعيد الخدري عند الطبراني في معاجمه الثلاثة .
انظر («مجمع الزوائد)) (٤ : ٩٩ - ١٠٠).
(٢) روى مسلم في صحيحه حديث معمر بن أبي معمر في المساقاة (١٦.٥) باب ((تحريم
الاحتكار في الأقوات)) ( ٣ : ٢٢٧) عن القعبني، عن سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن
سعيد بن المسيب ، عنه .
والحكرة : هو الجمع والإمساك ، قال النووي : الاحتكار المحرم هو في الأقوات خاصة بأن يشتري
الطعام في وقت الغلاء للتجارة ، ولا يبيعه في الحال ، بل يدخره ليغلو ، وأما غير الأقوات فلا يحرم
فيه الاحتكار .

٦٢ - من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره (*)
١١٦٥٨ - أخبرنا أبو سعيد ، قال : حدثنا أبو العباس ، قال : أخبرنا الربيع ،
قال : أخبرنا الشافعي ، قال : ويُروى عن ابن عمر ، وأبي سعيد ، أنهما قالا :
من سلّف في بيع فلا يصرفه إلى غيره ، ولا يبيعه حتى يقبضه .
١١٦٥٩ - قال أحمد : أما حديث أبي سعيد فقد رواه عنه عطية العوفي
(مرفوعا) إلى النبي ◌َّ؛ ((من أُسْلَفَ في شيء فلا يصرفه إلى غيره)).
وهو في سنن أبي داود (١) .
وقد أخبرناه أبو بكر بن الحارث ، قال : أخبرنا عليّ بن عمر ، قال : حدثنا
يحيى بن محمد بن صاعد ، قال : حدثنا أبو سعيد الأشج ، قال : حدثنا أبو بدر ،
قال : حدثنا زياد بن خيثمة ، عن سعد الطائي ، عن عطية ، عن أبي سعيد ، عن
النبي # ، فذكره.
٠ ١١٦٦ - وأما حديث ابن عمر، فرواه حصين، عن محمد بن زيد بن خليدة ،
قال : سألت ابن عمر عن السلف، فقال : أسلم في كل صنف ورقاً معلومةً ، فإنْ
أعْطَاكَهُ ، وإلا فَخُذْ رأسَ مالِكَ ، ولا تَرُدُّهُ في سلعةٍ أخرى (٢).
(*) المسألة : - ٧٨١ - إذا أسلف دينارا في قفيز حنطة إلى شهر فحل الأجل فأعوزه البر
فإن أباحنيفة يذهب إلى أنه لا يجوز له أن يبيعه عوضا بالدينار ولكن يرجع برأس المال عليه قولا بعموم
الخبر وظاهره، وعند الشافعي يجوز له أن يشتري عرضا بالدينار إذا تقايلا السلم وقبضه قبل التفرقة
لئلا يكون دينارين ، فأما الإقالة فلا تجوز وهو معنى النهي عن صرف السلف إلى غيره عنده.
(١) في البيوع (٣٤٦٨) باب ((السلف لا يحول)) (٣: ٢٧٦)، وكذلك رواه ابن ماجه في
التجارات ( ٢٢٨٣) باب ((من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره)) (٢: ٧٦٦).
(٢) رواه عبد الرزاق في مصنفه في البيوع بمعناه عن معمر عن قتادة عن ابن عمر ( ١٤١.٦) باب
((الرجل يسلف في الشيء هل يأخذ غيره)) (٨: ١٤).
٢.٧

٢.٨ - مَعْرِفَةُ السُنَنِ والآثارِ / ج ٨
١١٦٦١ - أخبرنا أبو سعيد ، قال : حدثنا أبو العباس ، قال : أخبرنا الربيع ،
قال : أخبرنا الشافعي ، قال : أخبرنا سعيد بن سالم ، عن ابن جريج ، عن عطاء ،
أنه سُئِلَ عن رجل ابتاع سلعة غائبة ، ونقد ثمنها ، فلما رآها لم يرضها ،
فأرادا أن يحولا بيعهما في سلعة أخرى قبل أن يقبض منه الثمن ؟ ، قال :
لا يصلح (١) .
١١٦٦٢ - قال الشافعي: كأنه جاءه بها على غير الصفة وتحويلهما بيعهما
في سلعة غيرها بيع السلعة قبل أن يقبض (٢) .
١١٦٦٣ - وبإسناده قال : أخبرنا الشافعي ، قال : أخبرنا سعيد ، عن ابن
جريج، أنه قال لعطاء : رجل أسلف بَزًا في طعام فدعاه إلى ثمن البَرَّ يومئذ فقال:
لا ، إلا رأس ماله، أو بَزّه (٣).
١١٦٦٤ - قال الشافعي : مذهب عطاء في هذا القول أن لا يباع البزّ أيضا
حتى يستوفي ، وكأنه يذهب مذهب الطعام (٤).
١١٦٦٥ - وبإسناده قال: أخبرنا الشافعي ، قال : أخبرنا سعيد بن سالم ، عن
ابن جريج ، أنه قال لعطاء : طعام سلفت فيه فحلّ ، فدعاني إلى طعام غيره ، فرق
بفرق ليس للذي يُعْطيني على الذي كان لي عليه فضل ؟ .
١١٦٦٦ - قال: لا بأس بذلك، ليس ذلك ببيع، إنما ذلك قضاء (٥).
١١٦٦٧ - قال الشافعي: هذا كما قال عطاء إن شاء الله، وذلك أنه سلفه في
صفة ليست بعين ، فإذا جاءه بصفته فإنما قضاه حقه (٦).
(١) رواه الشافعي في الأم ( ٣ : ١٣٣).
(٣) رواه الشافعي في الأم ( ٣: ١٣٢).
(٥) رواه الشافعي في الأم ( ٣ : ١٣٢).
(٢) قاله في الأم ( ٣ : ١٣٣).
(٤) قاله في الأم ( ٣ : ١٣٢).
(٦) قاله في الأم ( ٣ : ١٣٣).

٦٣ - كيف الكيل ؟ (*)
١١٦٦٨ - أخبرنا أبو سعيد ، قال : حدثنا أبو العباس ، قال : أخبرنا الربيع ،
قال : أخبرنا الشافعي ، قال : أخبرنا مسلم بن خالد ، عن ابن جريج ، عن عطاء
أنه قال: ((لا دَقَّ، ولا رَدْمَ، ولا زَلْزَلَةً)) (١).
١١٦٦٩ - قال الشافعي: من سَلّف في كيل، فليس له أن يَدُقَّ ما في المكيال ،
ولا يُزَلْزِلُهُ، ولا يكيف بدنه على رأسِهِ (٢)، وله ما أُخَذَ المكيال .
١١٦٧٠ - قال أحمد: وروينا عن سماك بن حرب ، عن سويد بن قيس ، قال :
جلبت أنا ومحرفة العبديّ بَزّاً من هجر أو البحرين ، فلما كنا بمنى أتانا رسول اللّه
◌َّ، فاشترى منّا سراويل، قال: وَثَمِّ وَزَانٌ يَزِنُ بالأجْرِ، فدفع إليه رسول اللّه تَّهـ
الثمن ثم قال: «زِنْ وَأُرْجِحْ)) .
أخبرناه أبو عبد الله الحافظ ، قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق الخزاعي بمكة ،
قال : حدثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة ، قال : حدثنا عبد الله بن يزيد المقري ،
قال: سمعت سفيان بن سعيد الثوري ، عن سماك بن حرب ، فذكره (٣) .
(*) المسألة - ٧٨٢ - في هذا الباب دليل على جواز أخذ الأجرة على الوزن والكيل وفي
معناهما أجرة القسام والحاسب ، وكان سعيد بن المسيب ينهى عن أجرة القسام وكرهها أحمد بن حنبل ،
وفي الباب دليل على أنّ وزن الثمن على المشتري فإذا كان الوزن عليه لأن الإيفاء يلزمه فقد دل على
أن أجرة الوزان عليه فإذا كان ذلك على المشتري فقياسه في السلعة المبيعة أن تكون على البائع .
(١) رواه الشافعي في الأم (٣: ١٠٢)، ومن طريقه رواه البيهقي في السنن الكبرى (٦: ٣١).
(٢) في الأم : ولا يكنف بيديه على رأسه .
(٣) رواه أبو داود في البيوع (٣٣٣٦، ٣٣٣٧) باب (في الرجحان في الوزن)) (٣: ٢٤٥)،
والترمذي في البيوع (١٣.٥) باب ((ما جاء في الرجحان في الوزن)) ( ٣: ٥٩٨)، وقال:
حسن صحيح ، ورواه النسائي في البيوع ( ٧: ٢٨٤) باب ((الرجحان في الوزن))، وابن ماجة في
التجارات (٢٢٢٠) باب ((الرجحان في الوزن)) (٢: ٧٤٨).
٢.٩

٢١٠ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثَارِ / ج ٨
١١٦٧١ - وفي هذا الحديث دلالة على جواز الوزن بالأجرة ، وفي معناه الكيل
والقسم والحساب .
١١٦٧٢ - وفي مخاطبة النبي ﴾ إياه بالوزن دلالةُ على أنّ الأجرة على الموفي .
١١٦٧٣ - وفيه دلالةٌ على جواز هبة المشاع ؛ لأن الرجحان يجري مجرى الهبة ،
والله أعلم .

٦٤ . إذا أتاه بحقه قبل محله
ولا ضرر عليه في أخذه (*)
١١٦٧٤ - أخبرنا أبو سعيد ، قال : حدثنا أبو العباس ، قال : أخبرنا الربيع ،
قال : قال الشافعي : أُخْبِرَنَا أنَّ أنس بن مالك كاتَبَ غُلاما له على نجوم إلى أجل ،
فأراد المكاتبُ تعجيلها ليُعْتَق ، وامتنع أنس عن قبولها ، وقال : لا آخذها إلا عند
محلّها ، فأتى المكاتب عمر بن الخطاب ، فذكر ذلك له ، فقال عمر : إن أنسا يريد
الميراث ، وكان في الحديث : فأمره عمر بأخذها منه، وأعتقه (١).
(*) المسألة : - ٧٨٣ - إذا كاتب الرجل عبده على شيء يؤديه إليه في أوقات معينة ، فأحب
العبد أن يعجل بوفاء هذا الحق قبل موعده ، ورفض السيد القبول إلا في المواعيد رجاء أن يموت
المكاتب فيرثه ، أجبر على قبولها ، وعتق المكاتب .
(١) انظر الأم ( ٣ : ١٣٧)، وسنن البيهقي الكبرى (١٠: ٣٣٤)، والمحلي (٩: ٢٤٥).
٢١١

٦٥ - بيع رباع مكة وكرائها (*)
١١٦٧٥ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال: أخبرنا أبو الوليد الفقيه ، قال :
حدثنا أبو جعفر محمد بن علي العمري ، قال : حدثنا أبو إسماعيل محمد بن
إسماعيل ، قال : حدثنا إبراهيم بن محمد الكوفي - وكان من الإسلام بمكان -
قال: رأيت الشافعي بمكة يفتي الناس ، ورأيت إسحاق بن إبراهيم ، وأحمد بن حنبل
حاضرين ، قال أحمد بن حنبل لإسحاق : يا أبا يعقوب تعال أريك رجلا لم تر عيناك
مثله ، فقال له إسحاق: لم تر عيناي مثله ؟! قال: نعم ، فجاء به فأوقَفَهُ على
الشافعي ، فذكر القصة إلى أن قال : ثم تقدم إسحاق إلى مجلس الشافعي ، وهو
مع خاصَّتِهِ جالسٌ فسأله عن سكنى بيوت مكة ، أراد الكراء .
فقال له الشافعي: عندنا جائز؛ قال رسول اللّه على: «وهل ترك لنا عقيل من
دار؟)) (١)، فقال له إسحاق بن إبراهيم: أتأذن لي في الكلام ، قال : تكلّم .
١١٦٧٦ - فقال : حدثنا يزيد بن هارون ، عن هشام ، عن الحسن أنه لم يكن
يرى ذلك .
١١٦٧٧ - وأخبرنا أبو نعيم وغيره ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ،
أنه لم یکن یری ذلك ، وعطاء ، وطاوس لم يكونا يريان ذلك .
١١٦٧٨ - فقال الشافعي لبعض من عرفه : من هذا ؟ فقال : هذا إسحاق بن
إبراهيم الحنظلي بن راهويه الخراساني .
(*) المسألة : - ٧٨٤ - يجوز عند الشافعية والحنفية بلا كراهة بيع بناء بيوت مكة
وأرضها لأن البناء مملوك لبانيه، والأرض مملوكة لأهلها ، ويكره عند الحنفية إجارة بيوت مكة في أيام
الموسم، في الحج ، ويرخص لهم الإجارة في غير الموسم لقوله تعالى: ﴿ سواء العَاكِف فيه والباد ﴾
( الحج: ٢٥) وهكذا كان الفاروق عمر بن الخطاب ينادي أيام الموسم ويقول : يا أهل مكة ، لا تتخذوا
لبيوتكم أبوابا ، لينزل البادي حيث شاء ، ثم يتلو الآية .
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٦ : ٣٤)، وسيأتي تخريجه بعد قليل .
٢١٢

١٣ - كتاب البيوع / ٦٥ - باب بيع رباع مكة وكرائها - ٢١٣
فقال له الشافعي : أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم ، قال إسحاق :
هكذا يزعمون .
قال الشافعي : ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك فكنت آمر بِعَرَكِ أذنيه.
أنا أقول : قال رسول اللّه على، وأنت تقول: عطاء، وطاووس، والحسن، هؤلاء
لا يرون ذلك، وهل لأحد مع رسول اللَّه ◌َّى حجّةٌ .
١١٦٧٩ - فذكر قصة إلى أن قال :
فقال الشافعي: قال اللّه عزّ وجلّ: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ
دِيَارِهِمْ﴾ (الحشر: ٨).
فنسب الديار إلى المالكين أو إلى غير المالكين ؟ .
قال إسحاق : إلى المالكين .
١١٦٨٠ - فقال له الشافعي: قول اللَّه عزّ وجلّ أصدق الأقاويل، وقد قال
رسول اللَّه : «مَنْ دخلَ دارَ أبي سفيان فهو آمنٌ)) نسب الدار إلى مالك أو
إلى غير مالك ؟ .
قال إسحاق : إلى مالك .
١١٦٨١ - فقال له الشافعي : وقد اشترى عمر بن الخطاب دار الحَجّامين
فأسكنها، وذكر له جماعة من أصحاب رسول الله عمله .
فقال له إسحاق: اقرأ الآية. قال اللّه تعالى: ﴿سَوَاءَ العَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ﴾
(الحج : ٢٥) .
١١٦٨٢ - فقال له الشافعي: اقرأ أول الآية. قال: ﴿وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِي
جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءِ العَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (الحج: ٢٥).
ولو كان هذا كما يزعم لكان لا يجوز أن ننشد فيها ضالة ، ولا نتّجر فيها
البُدْنَ، ولا ننثر فيها الأرْواث ؛ ولكن هذا في المسجد خاصة .
١١٦٨٣ - قال : فسكت إسحاق ولم يتكلم ، فسكت عنه الشافعي .

٢١٤ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج ٨
١١٦٨٤ - قال أحمد: وأما الذي روي عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ،
عن أبيه، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي عليه: ((مكة
مناخ(١) لا تُباعِ رِبَاعُها، ولا تؤَجَرُ بُيُوتُها)) (٢).
١١٦٨٥ - فإسماعيل بن إبراهيم هذا ، وأبوه ضعيفان .
١١٦٨٦ - وروي عن عبيد الله بن أبي زياد، عن أبي نجيح، عن عبد الله بن
عمرو أنه قال : إنّ الذي يأكلُ كِرَاءَ بيوت مكَّة إنما يأكلُ في بطنِهِ نارا .
١١٦٨٧ - فهكذا رواه عنه جماعة موقوفا .
١١٦٨٨ - وروي عنه مرفوعا: ((مكَّةُ حرامٌ، وحرامٌ بيعُ رباعِهَا، وحرامٌ أجرُ
بيوتِهَا )).
١١٦٨٩ - ولو صحّ مثل هذا لقلنا به، إلا أنه لا يصحّ رفعه ، وفي ثبوته عن
عبد الله بن عمرو أيضا نظر .
١١٦٩٠ - وأما الذي روي عن علقمة بن نَضْلَةَ الكِنَانِي أنه قال: كانت بيوت
مكة تُدْعى السّوائِب ، لم تُبَعْ رباعها في عهد رسول اللَّه عَّه، ولا أبي بكر ، ولا
عمر ، من احتاجَ سَكَنَ، ومَنْ اسْتَغْنَى أُسْكَنَ (٣).
١١٦٩١ - فهذا خبر عن عاداتهم الكريمة في إسكانهم ما اسْتَغْتَوا عنه من
بيوتهم.
١١٦٩٢ - وأما جواز البيع وجريان الإرث فيها ، فقد روينا عن عبد الرحمن بن
فروخ ، أنه قال : اشترى نافع بن عبد الحارث من صفوان بن أمية دار السجن لعمر
ابن الخطاب (٤).
(١) في (ح): مباح، وما أثبتنا من ( ص ) والسنن الكبرى .
(٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى ( ٦: ٣٥).
(٣) رواه البيهقي في الكبرى ( ٦: ٣٥).
(٤) رواه البيهقي في الكبرى ( ٦ : ٣٤).

١٣ - كتاب البيوع / ٦٥ - باب بيع رباع مكة وكرائها - ٢١٥
١١٦٩٣ - روينا عن عمرو بن دينار أنه سئل عن كراء بيوت مكة، فقال : لا
بأس به ، الكراء مثل الشِّرَى ، وقد اشترى عمر بن الخطاب من صفوان بن أميّة دارا
بأربعة آلاف درهم (١) .
١١٦٩٤ - وروينا عن عبد الله بن الزبير أنه كان يعتدُّ بمكة ما لا يعتدّ بها أحد ،
أوصت له عائشة بحجرتها ، واشترَى حُجرةَ سودةَ (٢).
١١٦٩٥ - وقال الزبيري : باع حكيم بن حزام دار النّدْوَة من معاوية بن أبي
سفيان بمائة ألف (٣) .
١١٦٩٦ - وقد حدثنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس محمد بن
يعقوب ، قال : حدثنا بحر بن نصر ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني
يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، قال : أخبرني علي بن حسين ، أن عمرو بن
عثمان أخبره عن أسامة بن زيد أنه قال : يا رسول اللّه أُتَنْزِلُ في دارك بمكة ، قال :
((وهل تركَ لنا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أو دُورٍ؟))، وكان عقيل وَرِثَ أبا طالب هو وطالبٌ ،
ولم يرثه عليٌّ ولا جعفر شيئا ؛ لأنهما كانا مسلمين ، وكان عقيلٌ وطالبٌ كافرين .
أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح من حديث ابن وهب (٤) .
١١٦٩٧ - أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق ، قال: أخبرنا أبو الحسن الطرائفي ،
قال : حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي ، قال : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن
(١) رواه البيهقي في الكبرى (٦: ٣٤).
(٢) رواه البيهقي في الكبرى ( ٦ : ٣٥).
(٣) رواه البيهقي في الكبرى ( ٦ : ٣٥).
(٤) البخاري في الحج (١٥٨٨) باب ((توريث دور مكة وبيعها وشرائها)) الفتح (٣: ٤٥٠).
ومسلم في الحج ( ١٣٥١) باب ((النزول بمكة للحاج وتوريث دورها)) (٢: ٩٨٤).

٢١٦ - مَعْرِفَةُ السُّنْنِ والآثارِ / ج ٨
معاوية بن صالح ، عن عليّ بن أبي طلحة ، عن ابن عباس، في قوله: ﴿سَوَاءٌ
العَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادٍ ﴾ ، يقول : نزل في أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام .
١١٦٩٨ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن ،
قال : حدثنا إبراهيم بن الحسين ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا ورقاء ، عن ابن
أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿سَوَاءُ العَاكِفُ فِيهِ وَالِبَادٍ ﴾ . العاكف فيه :
يعني الساكن بمكة ، والباد : يعني الجالب . يقول : حقّ اللَّه عليهما سواء.

.
كتَابُ الرَّهْن
.

١ - باب الرهن (*)
١١٦٩٩ - أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو ، قال : حدثنا أبو العباس الأصمّ ،
قال : أخبرنا الربيع ، قال : أخبرنا الشافعي ، قال: قال الله تبارك وتعالى: ﴿ إذا
تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أُجَلٍ مُسَمَّى فَاكْتُبُوهُ﴾، وقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا
كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةً .... ﴾ [البقرة: ٢٨٢ - ٢٨٣].
١١٧.٠ - قال: فكان بَيِّنًا في الآية الأمر بالكتاب في الحضر والسفر.
١١٧.١ - وذكر الله الرهن إذا كانوا مسافرين، ولم يجدوا كاتبا ، فكان
معقولا والله أعلم أنهم أُمِرُوا بالكتاب والرَّهْنِ احتياطا لمالك الحقّ بالوثيقة ،
(*) المسألة - ٧٨٥ - الرهن هو الحبس لقوله تعالى: ﴿ كلُّ نَفْسٍ بما كسبتْ رَهِينة﴾
[ المدثر: ٣٨] أي محبوسة بما قدمته، ومنه قوله : ((نفس المؤمن مرهونة بدينه حتى يقضى عنه)).
فمعنى مرهونة : محبوسة .
أمّا في الشرع : فهو جعل عين لها قيمة مالية في نظر الشرع وثيقة بدين بحيث يمكن أخذ الدين ، أو
أخذ بعضه من تلك العين .
وحكم الرهن الجواز مثل البيع وقد ثبت دليله بالكتاب والسنة والإجماع : أما الكتاب فقد قال تعالى :
﴿ وإن ◌ُنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: ٢٨٣] وأما السنة فلما روي في
الصحيحين من أن النبي #: «رهن درعه عند يهودي يقال له: أبو الشحم على ثلاثين صاعا من
شعير لأهله))، وفي هذا الحديث دلالة على ما كان عليه نبينا # من الانصراف عن مظاهر الحياة
الفانية وزخارفها والزهد في حطامها، فرسول اللّه# الذي كانت تهتز لذكره عروش القياصرة
والأكاسرة ، وكانت الأموال تجبى إليه كومات مكدسة ، يرهن درعه من أجل الشيء اليسير الذي
تقتضيه ضرورات الحياة ، ماذاك إلا لأن نفسه الكريمة تأبى أن يكنز شيئا من المال ولو يسيرا ، فيقسم
كل ما يأتي إليه بين الناس ولا يأخذ منه لا قليلا ولا كثيرا، ألا إنه لرسول الله حقا وصدقاً، وفي
الرهن عند اليهودي دلالة على جواز معاملة أهل الكتاب .
وأما الإجماع : فقد أجمع أئمة الدين على جواز الرهن ، ووضعوا له شروطا وأركانا على ما سيأتي
في المسائل التالية .
٢١٩

٢٢٠ - معرفةُ السُّنُنِ والآثارِ / ج٨
والمملوك عليه بأن لا ينسى وأن يذكر ، لا أنه فرض عليهم أن يكتبوا ولا يأخذوا
رهنا؛ لقوله: ﴿فَإِنْ أُمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أُمَانَتَهُ ... ﴾ [ البقرة:
٢٨٣ ] .
١١٧.٢ - وكان معقولا أن الوثيقةَ في الحقِّ في السفرِ، والأعواز غير محرمة،
والله أعلم في الحضر، وغير الأعواز (١).
١١٧.٣ - أخبرنا أبو بكر، وأبو زكريا، وأبو سعيد، قالوا : حدثنا أبو
العباس، قال : أخبرنا الربيع ، قال : أخبرنا الشافعي ، قال : أخبرنا الدِّرَاوَرْدي ،
عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قال : رَهَنَ رسول اللَّه ◌َّهِ دِرْعَهُ عندَ أبي الشّحْم
اليهودي (٢) .
١١٧.٤ - قال الشافعي في رواية أبي سعيد : وروى الأعمش عن إبراهيم ،
عن الأسود ،
عن عائشة، أن رسول اللَّه ◌َ﴾ مات ودرْعُهُ مَرْهُونَةُ.
١١٧.٥ - أخبرناه أبو عبد الله الحافظ ، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن نصير
الخالدي ، قال : حدثنا الحارث بن محمد التميمي ، قال : حدثنا يزيد بن هارون ،
قال : أخبرنا سفيان بن سعيد ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن
عائشة، قالت : قُبِضَ رسول اللَّه عَّه ودرعه مرهونة بثلاثين صاعا من شعير.
أخرجه البخاري في الصحيح من حديث سفيان، وأخرجاه من أوجه عن الأعمش(٣).
(١) رواه في الأم ( ٣ : ١٣٨).
(٢) رواه الشافعي في الأم (٣: ١٣٩]، ومن طريق الشافعي رواه البيهقي في الكبرى (٦: ٣٧).
(٣) أخرجه البخاري في الجهاد (٢٩١٦) باب ((ما قيل في درع النبي #)) الفتح (٦: ٩٩).
وفي البيوع (٢.٦٨) باب ((شراء النبي #& بالنسيئة)) الفتح (٤: ٣.٢) ورواه في عدة مواضع
أخرى بالبيوع وفي السلم وفي الرهن وفي الاستقراض .
وأخرجه مسلم في المساقاة (١٦.٣) باب ((الرهن وجوازه في الحضر والسفر)) (٣: ١٢٢٦).
والنسائي في البيوع ( ٧: ٢٨٨)، باب ((الرجل يشتري الطعام لأجل ويسترهن البائع منه بالثمن
رهنا)) و (٧: ٣.٣) باب ((مبايعة أهل الكتاب))، وابن ماجه في الرهون (٢٤٣٦)، باب
((حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة)) (٢: ٨١٥).