Indexed OCR Text
Pages 201-220
تقدمة المصنف / باب شهادة الأئمة للشافعي ، رحمه الله - ٢٠١
قال زكريا : فذكرت ذلك للريَّاشي ، فقال: ما أنكره ، قرأتها على
الأصمعي ، فقال : أُنْشَدنيها رجلٌ من قريش بمكة .
٣٨١ - وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي ، قال : أخبرنا علي بن عمر
الحافظ ، قال : حدثنا عمر بن الحسين بن علي القَرَاطِيسي ، قال : حدثنا ابن
أبي الدنيا ، قال :
حدثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي ، قال : قلت لعمي يا عمّاه ، عَلَى من قرأت
شعر هُذَيل ؟ فقال : على رجل من آل المطلب ، يقال له : محمد بن إدريس .
٣٨٢ - أخبرنا أبو سعد الماليني ، قال : أخبرنا أبو أحمد بن عدي الحافظ ،
قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني، قال : حدثنا صالح بن أحمد
ابن حنبل ، قال :
سمعت أبي يقول: سمعت ((الموطأ)) من محمد بن إدريس الشافعي ، لأني
رأيت فيه ثَبْتاً ، وقد سمعته من جماعة قبله .
٣٨٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال : أخبرنا أبو الوليد الفقيه ، قال :
حدثنا إبراهيم بن محمود ، قال :
سمعت الزَّعْفراني يقول : ما رأيت مثل الشافعي : أفضل ، ولا أكرم ، ولا
أسخى ، ولا أتقى ، ولا أعلم منه .
٣٨٤ - أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي ، قال : أخبرني الحسن بن رشيق
إجازةٌ ، قال : ذكر زكريا بن يحيى ، عن علي بن عثمان ، قال :
سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام ، يقول : ما رأيت ( رجلاً ) (١) أعقل من
الشافعي (٢).
٣٨٥ - قال الشيخ أحمد : حكايات السلف والخلف في فضائل الشافعي ،
رحمه اللّه، ومناقبه - كثيرة ، وهذا الموضع لا يحتمل أكثر من هذا .
(١) الزيادة من ( ص ) .
(٢) البداية والنهاية (١٠ : ٢٥٣).
باب
ذكر مولد الشافعي ، رحمه الله تعالى ، وتاريخ وفاته
ومقدار سنه ، وبيان نسبه ، وشرف أصله على وجه الاختصار
٠
٣٨٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرني الحسين بن علي الدارمي
قال : حدثنا عبد الرحمن بن محمد الحنظلي ، قال : حدثنا أبو عبد الله : أحمد
ابن عبد الرحمن الموهبي ، ابن أخي عبد اللّه بن وهب ، قال :
سمعت محمد بن إدريس الشافعي ، يقول : ولدت باليمن ، فخافت علي أمي
الضَّيْعَة ، وقالت : الحق بأهلك فتكون مثلهم ، فإني أخاف أن تُغْلَب على
نسبك . فجهّزتني إلى مكة ، فقدمتها وأنا يومئذ ابن عشر أو شبيها بذلك ،
فصرت إلى نسيب لي ، وجعلت أطلب العلم ، فيقول : لا تشتغل بهذا وأقبل
على ما ينفعك. فجعلت لذتي في العلم وطلبه ، حتى رزقني الله منه ما رزق (١).
٣٨٧ - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ، قال : سمعت أبا بكر : محمد
ابن جعفر المزكي ، يقول : سمعت أبا بكر : محمد بن إسحاق ، يقول : سمعت
محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، يقول :
سمعت الشافعي ، يقول : ولدت بغزة ، وحملتني أمي إلى عسقلان (٢).
قال : وسمعت أبا بكر : محمد بن إسحاق ، يقول : سمعت الربيع ، يقول :
٣٨٨ - مات الشافعي سنة أربع ومئتين ، وهو ابن أربع وخمسين سنة .
٣٨٩ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : سمعت أبا العباس محمد بن
يعقوب : يقول :
(١) تاريخ بغداد (٢: ٥٩)، ومناقب الشافعي (١٧:١)، وطبقات السبكي (١٩٢:١).
(٢) سير أعلام النبلاء (١٠ : ٦).
٢.٢
٠
تقدمة المصنف / باب ذكر مولد الشافعي ، رحمه الله تعالى ، وتاريخ وفاته - ٢.٣
سمعت الربيع بن سليمان المرادي ، يقول : دخلت على الشافعي وهو مريض ،
فسألني عن أصحابنا . فقلت: إنهم يتكلمون. فقال لي الشافعي: (( ما ناظرت
أحداً قط على الغلبة، وبِوُدِّي أنَّ جميع الخلق تعلموا هذا الكتاب - يعني
كتبه - على أن لا ينسب إليَّ منه شيء )). قال هذا الكلام يوم الأحد ، ومات
هو يوم الخميس ، وانصرفنا من جنازته ليلة الجمعة ، ورأينا هلال شعبان سنة
أربع ومئتين (١) .
٣٩٠ - قال: وسئل الربيع عن سن الشافعي ، فقال : نيف وخمسون سنة.
كذا في هذه الرواية ، وقيل : مات يوم الجمعة .
٣٩١ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو زكريا بن أبي إسحاق ، وأبو بكر
ابن الحسن ، وأبو عبد الرحمن السلمي ، قالوا : حدثنا أبو العباس : محمد بن
يعقوب ، قال : أخبرنا الربيع بن سليمان ، قال :
أخبرنا الشافعي : محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب
ابن عُبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن
مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن
مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن الهميسع (٢) .
٣٩٢ - ابن عم رسول الله عَادٍ .
٣٩٣ - قال أبو عبد الله: فحدثني الفضل بن أبي نصر : أنه قرأ هذا
النسب بعينه ، بمصر ، في مقابر بني عبد الحكم ، في الحجر منقور ، مكتوب
على قبر الشافعي ، وزاد فيه : ابن عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن بنت
إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن .
٣٩٤ - کنیته : أبو عبد الله .
٣٩٥ - وأخبرنا أبو سعد الماليني، قال : أخبرنا أبو أحمد : عبد الله بن
عدي الحافظ ، قال :
(١) مسند الشافعي ( ١١٣ ).
(٢) مسند الشافعي ( ١٢٢ ).
٢.٤ - مَعْرِفَةُ السُّنُنِ والآَارِ / ج ١
قرأت على قبر محمد بن إدريس الشافعي ، بمصر ، على لوحين من حجارة ،
أحدهما عند رأسه ، والآخر عند رجليه - نسبته إلى إبراهيم الخليل . ثم ذكر ما
رأى مكتوبا عليها من الشهادة ، وتاريخ الوفاة .
٣٩٦ - حدثنا أبو بكر: محمد بن إبراهيم الفارسي في (( كتاب التاريخ
للبخاري)) قال : أخبرنا أبو إسحاق الأصبهاني ، قال: ( أخبرنا ) (١)
أبو أحمد : محمد بن سليمان بن فارس ، قال : قال محمد بن إسماعيل :
محمد بن إدريس ، أبو عبد الله ، الشافعي ، القرشي ، سكن مصر . مات
سنة أربع ومئتين . سمع مالك بن أنس . حجازي (٢).
٣٩٧ - قال الشيخ أحمد : نسب الشافعي في قريش ، ثم في بني عبد المطلب
ابن عبد مناف - مشهور ، وهو في التواريخ والأشعار مذكور .
٣٩٨ - وكان ببغداد يعرف بالمطلبي.
وحين دخل على الخليفة وابن دأب عنده ، فقال له ابن دأب : هذا والله
ابن المطلب بن عبد مناف ، الذي كان أبواه أبويك ، وأخواه : هاشم وعبد شمس
يتوسطانه لشرفه في الجاهلية ، يضع له هذا رداءَه فيتكي، عليه ، فإذا أُعْيا
وضع له الآخر رداءه فاتكأ عليه .
٣٩٩ - ولما أدخل على الرشيد فسمع كلامه، قال : أكثر اللّه في أهلي
مثلك .
٤٠٠ - وحين أخبر هارون باحتجاجه على غيره وقطعه إياه ، فقال : صدق
الله ورسوله - قالها ثلاثا - قال رسول اللّه على: ((تعلموا من قريش ولا
تعلموها)). فذكر الحديث (٣) وقال: ما ينكر لرجل من بني عبد مناف أن يقطع
« فلانا)).
(١) في (ص): ((حدثنا)).
(٢) التاريخ الكبير (٤٢:١:١)، ومناقب الشافعي للبيهقي، وسير أعلام النبلاء (٦.٥:١٠).
(٣) تقدم تخريجه، فقرة (٢١١)، ص (١٥٢ - ١٥٣).
تقدمة المصنف / باب ذكر مولد الشافعي ، رحمه الله تعالى ، وتاريخ وفاته - ٢٫٥
٤.١ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال:
قد روينا من رهط الشافعي ، عن : السائب بن عبيد بن عبد يزيد ، وعبد الله
ابن السائب ، وهو أخو شافع بن السائب ، وركانة بن عبد يزيد ، وعبد الله بن
علي بن السائب ، وطلحة بن ركانة ، ويزيد بن طلحة ، والعباس بن عثمان بن
شافع ، ومحمد بن العباس ، وهو عم الشافعي ، ومحمد بن علي بن شافع ،
والسائب بن يزيد بن ركانة ، وعلي بن السائب ، ومحمد بن علي بن يزيد بن
ركانة .
٤.٢ - قال الشيخ أحمد: وأخوه عبد الله بن علي .
٤.٣ - قال أبو عبد الله: وعبد الله بن إدريس بن العباس ، أخي الشافعي،
وإبراهيم بن محمد بن العباس الشافعي ، ابن عمه ، واخوه : عبد الله بن محمد .
٤.٤ - وذكر شيخنا أبو عبد الله - الرواية عن كل واحد منهم .
٤.٥ - ومن جملتهم: ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب (١). والسائب
ابن عبيد بن عبد يزيد (٢) ، وعبد الله بن السائب بن عبيد، صحابيون .
٤.٦ - فركانة بن عبد يزيد، هو الذي طلّق امرأته أُلْبَتَّةً، فسأل النبي ◌َّم.
٤.٧ - والسائب بن عبيد ، هو الذي أُسر يوم بدر ، مع العباس بن
عبد المطلب، فأتى به النبي عَّه، فقال فيما روي عنه : هذا أخي ، وأنا أخوه
يعني السائب .
٤.٨ - وكان السائب يُشبِّه بالنبي عَله.
٤.٩ - وعبد الله بن السائب (٣)، هو الذي روى عن النبي عليه، صلاته
بمكة ، وافتتاحه بسورة المؤمنين (٤).
(١) ترجمته في الإصابة، وتهذيب التهذيب ( ٣ : ٢٨٧).
(٢) ترجمته في الإصابة ، ومناقب الشافعي للبيهقي .
(٣) ترجمته في الإصابة، وتهذيب التهذيب (٥: ٢٢٩)، ونسب قريش (٣٣٣)، والجرح
والتعديل (٢: ٢: ٦٥).
(٤) أسد الغابة (٣ : ١٧٠).
٢.٦ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثَارِ / ج ١
٤١٠ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو الفضل: محمد بن
إبراهيم الهاشمي ، قال حدثنا أحمد بن سلمة بن عبد الله ، قال :
سمعت مسلم بن الحجاج ، يقول : عبد الله بن السائب ، والي مكة ، صحابي ،
الصحيح حديثه ، وهو أخو الشافع بن السائب ، جد محمد بن إدريس .
٤١١ - قال الشيخ أحمد : فحل الشافعي من هذا النسب الشريف المحل
الذي لا يخفى إلا على جاهل .
٤١٢ - ومن جَدَّات آبائه ، جدات ينسبن إلى هاشم بن عبد مناف.
ولأمه - أيضاً - انتساب إلى العلويين ، فيما روي عن يونس بن عبد الأعلى .
فهو هاشمي الجدة والأم، مُطُلبي الأب (١) .
٤١٣ - وروى عن الجارود، عن أبي الأحوص، عن عبد اللّه، قال :
قال النبي ◌َّ: ((لا تسبوا قريشاً فإنَّ عالمها يملأ الأرض علماً. اللَّهم إنك
أذقت أولها عذاباً ووبالاً، فأذق آخرها نوالاً)) (٢).
٤١٤ - وهو فيما حدثناه الشيخ أبو بكر : محمد بن الحسن بن فورك ،
قال : أخبرنا عبد الله بن جعفر ، قال : حدثنا يونس بن حبيب ، قال : حدثنا
أبو داود ، قال : حدثنا جعفر بن سليمان ، عن النَّضر - يعني ابن حُمَيد أو
ابن معبد (٣) عن الجارود .
(١) تاريخ بغداد (٢: ٥٨)، وأسد الغابة (٢: ٣١٧)، ومناقب الشافعي (١ : ٧٩ -
٨٠)، وتوالي التأسيس (٤٥)، والإصابة (٢: ١١).
(٢) في إسناده: أبو الجارود وهو النضر بن حميد: متروك، كما قال ابن أبي حاتم في الجرح
والتعديل ( ٤: ١ : ٤٧٦)، وذكره العقيلي في الضعفاء الكبير (٤: ٢٨٩).
(٣) في (م) و(ح): ((ابن سعد)) وهو تحريف، وترجمة النضر بن معبد في ثقات
ابن حبان ( ٥ : ٤٧٥)، والتاريخ الكبير (٤: ١ : ٤٧٦ - ٤٧٧)، والجرح والتعديل
(٤: ٤٧٤:١)، وميزان الاعتدال (٤: ٢٦٣).
تقدمة المصنف / باب ذكر مولد الشافعي ، رحمه الله تعالى ، وتاريخ وفاته - ٢,٧
٤١٥ - وروى معناه في عالم قريش ، في حديث روي عن ابن عباس ، عن
علي، مرفوعاً (١).
٤١٦ - وفي حديث آخر روي عن أبي هريرة، مرفوعاً (٢).
٤١٧ - وقد حمله جماعة من أئمتنا على أن هذا العالم الذي يملأ الأرض
علماً من قريش، هو الشافعي . روي ذلك عن أحمد بن حنبل (٣)، وقاله
أُبر نعيم : عبد الملك بن محمد الفقيه الاسترَابَاذِي ، وغيرهما .
٤١٨ - ولا يجوز أن يكون المراد بقوله: ((فإن عالمها يملأ الأرض علماً))
كل من كان عالماً من قريش ؛ فقد وجدنا جماعة منهم كانوا علماء . ولم ينتشر
علمهم في الأرض ، فإنما أراد بعضهم دون بعض .
٤١٩ - فإن كان المراد به كل من ظهر علمه، وانتشر في الأرض ذكره من
قريش - فالشافعي ممن ظهر علمه ، وانتشر ذكره ، فهو من جملة الداخلين في
الخبر .
٤٢٠ - وإن كان المراد به زيادة ظهور وانتشار، فلا نعلم أحداً من قريش
أحق بهذه الصفة من الشافعي ؛ فهو الذي صنّف من جملة قريش في الأصول
والفروع ، ودوِّنت كتبه ، وحفظت أُقاويله ، وظهر أمره ، وانتشر ذكره ، حتى
انتفع بعلمه راغبون ، وأفتى بمذهبه عالمون ، وحكم بحكمه حاكمون ، وقام
بِنُصْرَة قوله ناصرون ، حين وجدوه فيما قال مصيباً ، وبكتاب الله متمسكاً ،
ولنبيه على، مُتَّبعاً ، وبآثار أصحابه مقتدياً ، وبما دلُّوه عليه من المعاني مهتدياً
فهو الذي ملأ الأرض مِنْ قريش علمًا، ويزدادُ على ممر الأيام تَبَعًا. فهو إِذا
(١) حديث ابن عباس عن علي رواه المؤلف في مناقب الشافعي (١: ٢٦)، وهو في مناقب
الشافعي للرازي ( ٢٥)، وتوالي التأسيس ( ٤٧).
(٢) حديث أبي هريرة في تاريخ بغداد (٢: ٦١)، ومناقب الشافعي للبيهقي (١: ٢٧)،
والبداية والنهاية (١٠: ٢٥٣)، وتوالي التأسيس (٤٦)، ومناقب الشافعي للرازي (١٣٥)،
والديباج المذهب ( ٢٢٩).
(٣) مناقب البيهقي (١: ٥٤)، وتوالي التأسيس (٤٨)، والحلية (٩: ٦٥)، وتاريخ بغداد
(٢ : ٦٠ - ٦١)، ومناقب الرازي (١٢٦).
٢.٨ - مَعْرِفَةُ السُّنُنِ والآثارِ / ج ١
أولاهم بتأويل هذا الخبر، ودخوله فيما يروى عن النبي ◌َّه: «الأئمة من قريش.
قدموا قريشا، ولا تَقَدِّموها وتعلموا من قريش ولا تعلموها)). وقوله («الفقه
يمان والحكمة يمانية)).
٤٢١ - و((مولده)): بغزَّة، وهي وإن كانت من الأرض المقدسة فَعدَادُها
في اليمن ؛ لنزول بطون أهل اليمن بها . ومنشؤه بمكة والمدينة ، وهما يمانيتان .
٤٢٢ - وأخبرنا أبو سعد الماليني، قال: أخبرنا أبو أحمد : عبد الله بن
عدي الحافظ ، قال : أخبرنا أبو العباس بن محمد بن العباس البصري ، والقاسم
ابن عبد الله بن مهدي، بإخميم ؛ قالا : حدثنا عمرو بن سواد السَّرْحِى. قال
أبو أحمد : وحدثنا محمد بن يحيى بن أُخي حرملة ، قال : حدثنا حرملة
ابن يحيى . قال أبو أحمد : وأخبرنا محمد بن هارون بن حسان ، ومحمد بن علي
ابن الحسين ؛ قالا : حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب ، قالوا : أخبرنا
ابن وهب ، قال : حدثني سعد بن أبي أيوب ، عن شَراحيل بن يزيد المعَافِرِي ، عن
أبي علقمة، عن أبي هريرة - فيما أُعلم - عن رسول اللَّه عَّه، أنه قال: ((إن
اللّه تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدِّد لها دينها)) (١).
٤٢٣ - قال أبو أحمد : قال محمد بن علي بن الحسين : سمعت أصحابنا
يقولون : كان في المئة الأُولى : عمر بن عبد العزيز ، وفي المئة الثانية : محمد
ابن إدريس الشافعي .
٤٢٤ - قال الشيخ أحمد : وروينا عن أحمد بن حنبل ، أنه قال : فكان عمر
ابن عبد العزيز على رأس المئة ، وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المئة
الأخرى (٢).
(١) تاريخ بغداد (٢: ٦٢)، وحلية الأولياء (٩: ٩٧)، وتوالي التأسيس (٤٨)،
والبيهقي في المناقب (١ : ١٣٧)، واستدركه الحاكم (٤: ٥٢٢)، وإسناده قوي كما قال الحافظ
ابن حجر في توالي التأسيس .
(٢) مناقب الشافعي للبيهقي (١ : ١٣٧، ١٣٨)، البداية والنهاية (١٠: ٢٥٣)، توالي
التأسيس (٤٨).
تقدمة المصنف / باب ذكر مولد الشافعي ، رحمه الله تعالى ، وتاريخ وفاته - ٢٫٩
٤٢٥ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : سمعت أبا الوليد : حسان بن
محمد ، الفقيه ، غير مرة ، يقول (١) :
سمعت شيخاً من أهل العلم يقول لأبي العباس بن سريج : أبشر أيها القاضي
فإِنِ اللَّه، تعالى ذِكْره ، بعث عمر بن عبد العزيز على رأس المئة، ومَنَّ على
المسلمين به ، فأظهر كل سُنّة، وأمات كل بدعة ، ومَنَّ اللَّه على المسلمين على
رأس المئتين بالشافعي ، حتى أُظهر السنَّة ، وأُمات البدعة ، ومَنَّ اللَّه علينا
على رأس الثلاث مئة بك ، حتى قويت كل سنة ، وضعفت كل بدعة .
٤٢٦ - وقد قيل في ذلك :
عُمرُ الخليفةُ ثم حلف السُّؤددِ
اثنان قد مَضَیَا فَبُورِكَ فیھما
إرث النبوة وابن عم محمد
الشافعي الألمعي المُرْتَضَى
٤٢٧ - قال: وربما قال: ((خير البرية وابن عم محمد)).
٤٢٨ - أُرجو أبا العباس أنك ثالثٌ من بعدهم سُقْيَاً لِتُرِيَةٍ أُحمد (٢)
٤٢٩ قال: فبكا أبو العباس بن سريج حتى علا بكاؤه ، ثم قال : إِن هذا
الرجل نعى إليّ نفسي . قال : فمات في تلك السنة .
(١) الخبر في تاريخ بغداد (٢٨٩:٤)، والمستدرك في كتاب الفتن والملاحم (٤ : ٥٢٢ -
٥٢٣)، وطبقات الشافعية (١.٥/١).
(٢) هو أحمد بن عمر بن سريج ، القاضي ، إمام الشافعية في وقته ، وشارح المذهب وملخصه ،
ومؤلف الكتب في الرد على المخالفين للشافعي من أهل الرأي وأصحاب الظاهر ، روى عن عباس
الدوري وأبي داود السجستاني . وروى عنه سليمان بن أحمد الطبراني. وتوفى سنة ٣.٦ ،
وترجمته في تاريخ بغداد (٢٨٧:٤ - ٢٩٠)، وطبقات الشافعية (٨٧/٢ - ٩٦)، والأبيات
في معجم الأدباء (٣١٤/١٨ - ٣١٥).
٢١٠ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج ١
٤٣٠ - قال : وقرأته بخط شيخنا أبي عبد الله، رحمه الله ، في موضع
آخر :
الشافعي الألمعِيّ محمد إِرْثُ النبوّة وابن عم محمد
٤٣١ - وقال في البيت الثالث: ((أبشر)) بدل: ((أُرجو)) (١).
(١) الإمام الشافعي هو الحلقة الوسطى في الفقه الإسلامي ، وقد نبه على ذلك الحافظ ابن حجر
حيث قال في توالي التأسيس :
انتهت رئاسة الفقه بالمدينة إلى مالك بن أنس ، رحل إليه الشافعي ولازمه ، وأخذ عنه ، وانتهت
رئاسة الفقه بالعراق إلى أبي حنيفة ، فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن الشيباني جملاً ليس فيها
شيء إلا وقد سمعه عليه ، فاجتمع له علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث ، فتصرف في ذلك حتى
أصل الأصول وقعّد القواعد ، وأذعن له الموافق والمخالف.
ففقه الشافعي يمثل :
الفقه الإسلامي في عصر ازدهاره ، وكمال نموه ، فقد جمع فقه علماء الإسلام ، ووضع موازين
لفهم الكتاب والسنة ، وهذا هو السر في انتشار مذهبه وكثرة حملة هذا المذهب عبر السنين .
وإذا جاز لنا أن نستبدل التاريخ السياسي بالتاريخ العلمي لحق لنا أن نطلق على الفترة التي
عاش فيها الشافعي : عصر الشافعي .
وانظر في ترجمة الإمام الشافعي المصادر التالية :
١ - التاريخ الكبير (١:١: ٤٢)
٣ - الجرح والتعديل (٣: ٢: ٢.١)
٥ - حلية الأولياء (٩ : ٦٣)
٧ - مناقب الشافعي للبيهقي .
٩ - تاريخ بغداد (٢ : ٥٦)
١١ - الانتقاء لابن عبد البر (٦٥)
١٣ - ترتيب المدارك (٢: ٣٨٢)
١٥ - تاريخ ابن عساكر (١٤: ٣٩٥)
١٧ - مناقب الشافعي للرازي
١٩ - تهذيب الأسماء واللغات (١ : ٤٤)
٢١ - اللباب لابن الأثير (٢: ٥)
٢ - التاريخ الصغير (٢ : ٣.٢)
٤ - الفهرست لابن النديم (٢.٩)
٦ - طبقات الشافعية للبغداي (٦)
٨ - طبقات الفقهاء الشيرازي (٤٨)
١٠ - طبقات الحنابلة (٢٨٠:١)
١٢ - وفيات الأعيان (٤ : ١٦٣)
١٤ - الأنساب للسمعاني (٧ : ٢٥١)
١٦ - صفة الصفوة (٢ : ٩٥)
١٨ - معجم الأدباء (١٨ : ٢٨١)
٢٠ - المختصر في أخبار البشر (٢: ٢٨)
٢٢ - تذكرة الحفاظ (١ : ٣٦١)
تقدمة المصنف / باب ذكر مولد الشافعي ، رحمه الله تعالى ، وتاريخ وفاته - ٢١١
= ٢٣ - سير أعلام النبلاء (١٠ : ٥)
٢٤ - الوافي بالوفيات للصفدي (٢ : ١٧١).
٢٥ - الديباج لابن فرحون (ص٢٢٧)، والطبعة الجديدة (٢ : ١٥٦)
٢٦ - مرآة الجنان (٢ : ١٣)
٢٧ - غاية النهاية لابن الجزري (٢ : ٩٥)
٢٨ - طبقات الشافعية للسبكي ( انظر الجزء الأول )
٢٩ - البداية والنهاية (١٠ : ٢٥١)
٣٠ - طبقات الشافعية لابن هداية (٢ : ٢)
٣٢ - تهذيب التهذيب (٩ : ٢٥)
٣٤ - النجوم الزاهرة (٢ : ١٧٦)
٣١ - طبقات النحاة لابن قاضي شهبة (١ : ٢١)
٣٣ - توالي التأسيس لابن حجر العسقلاني .
٣٥ - حسن المحاضرة (١ : ٣.٣)
٣٧ - مفتاح السعادة (٢ : ٨٨)
٣٩ - شذرات الذهب (٢: ٩)
٣٦ - طبقات المفسرين (٢ : ٩٨)
٣٨ - تاريخ الخميس (٢ : ٣٣٥)
.٤ - الرسالة المستطرفة (١٧)
٤١ - مقدمة تحقيقنا لكتاب ((السنن المأثورة عن الشافعي)).
{ مقصود المؤلف وسببه
وفضل مذهب الشافعى } (١)
٤٣٢ - قال الشيخ الإمام أبو بكر: أحمد بن الحسين البيهقي ، غفر الله له
ولوالديه :
هذه فصول قدمتها فيما انتهى إلينا من مذهب أبي عبد الله : محمد بن
إدريس الشافعي ، رحمه الله ، في الأصول ، وما انتشر من شرف أصله ، وكبر
محله في أنواع العلوم ، ولكل فصل منها كتاب مشتمل على ما قال وقيل فيه ، وإنما
أشرت في هذا الكتاب إلى ما يظهر منه مرادي ، ويتضح به مقصودي ، وهو :
٤٣٣ - أني مذ نشأت ، وابتدأت في طلب العلم ، أكتب أخبار سيدنا
المصطفى ﴾، وعلى آله أجمعين، وأُجمع آثار الصحابة الذين كانوا أُعلام
الدين ، وأُسمعها ممن حملها ، وأُتعَرِّف أحوال رُواتها من حفّاظها ، وأجتهد في
تمييز صحيحها من سقيمها ، ومَرْفُوعِها من مُوْقُوفِها ، وموصولها من مُرْسلها .
٤٣٤ - ثم أُنظر في كتب هؤلاء الأئمة الذين قاموا بعلم الشريعة ، وبنى كلُّ
واحدٍ منهم مذهبَه على مبلغ علمه من الكتاب والسنة ، فأُرى كلِّ واحدٍ منهم ،
رضي اللَّه عن جميعهم ، قَصَدَ قصْدَ الحقِّ فيما تكلّف ، واجتهد في أداء ما
كلْف، وقد وَعَدَ رسولُ اللَّه عَّه، في حديث صحيح عنه ، لمن اجتهد فأصاب
أُجرين، ولمن اجتهد فأخطأ أجراً واحداً، ولا يكون الأجرُ على الخطإِ ، وإنما يكون
على ما تكلّف من الاجتهاد، ويُرْفَعُ عنه إِثْمُ الخطأ ، بأنه إنما كُلِّفَ الاجتهادَ في
الحكم على الظاهر دون الباطن ، ولا يعلم الغيبَ إِلاَّ اللَّه، عزَّ وجلّ .
(١) ما بين الحاصرتين زيادة لم ترد بكل النسخ الخطية للكتاب ، بيد أني أثبته من هامش
النسخة ( ص)، ورأيت مناسبته كعنوان لهذا الفصل ، والله أعلم .
٢١٢
تقدمة المصنف / مقصود المؤلف وسببه وفضل مذهب الشافعي - ٢١٣
٤٣٥ - وقد نظر في القياس فأدّاه {القياسُ} (١) إلى غير ما أُدَّى إِليه
صاحبه ، كما يؤديه الاجتهادُ في القبلة إلى غير ما يؤدِّي إِليه صاحبه ، فلا
يكون المخطىء منهما عَيْنَ المطلوبِ بالاجتهاد - مَأْخُوذًا، إن شاءَ اللَّه، بالخطأ،
ويكون مأجوراً ، إن شاءَ اللّه، على ما تكلّف { من الاجتهاد} (٢).
٤٣٦ - ونحن نرجو أن لا يُؤخذَ على واحدٍ منهم أنَّه خالفَ كتاباً نصًا، ولا
سنَّةٌ قائمة ، ولا جماعةٌ ، ولا قياساً صحيحاً عنده . ولكن قد يجهل الرجلُ
السنةً، فيكون له قولٌ يخالفها ، لا أُنَّه عمد خلافها . وقد يغفل المرءُ ويخطىء
في التأويل . وهذا كله مأخوذ من قول الشافعي ، رحمه اللَّه ، ومعناه .
٤٣٧ - قال الشيخ أحمد : والذي يدل على هذا أني رأيت كلّ من له من
هؤلاء الأئمة، رحمهم الله، قولاً يخالفُ سنَّةً أُو أثراً - فله أقوالٌ توافق سنناً
وآثاراً . فلولا أنه غفل عن الحديث الذي خالفه ، أو عن موضع الحجة منه ، أو
من الكتاب - لقال به ، إن شاءَ اللَّه ، كما قال بأمثاله .
٤٣٨ - وقد قابلت ، بتوفيق الله تعالى ، أقوالَ كلّ واحد منهم ، بمبلغ علمي
من كتاب الله ، عز وجل ، ثم بما جمعت من السنن والآثار ، في الفرائض
والنّوافل ، والحلال والحرام ، والحدود والأحكام - فوجدت الشافعي، رحمه اللّه
أكثرهم اتباعاً، وأقواهم احتجاجاً، وأُصحهم قياساً ، وأوضحهم إِرشاداً .
وذلك فيما صنف من الكتب القديمة والجديدة في الأصول والفروع بأبْيَنِ بيان ،
وأفصح لسان .
٤٣٩ - وكيف لا يكون كذلك وقد تَبَحْرَ أُولا في لسان مَنْ خَتَمَ اللَّه النُّبوةَ
به ، وأُنزل به القرآن، مع كونه عربيٌّ اللسان، قرشي الدار والنسب ، مِنْ خیرِ
قبائل العرب ، من نسل هاشم والمطلب .
. ٤٤ - ثم اجتهد في حفظ كتاب الله، عز وجل، {وسنة نبيه عَّ، وآثار
الصحابة وأقوالهم ، وأقوال من بعدهم في أحكام الله عز وجل } (٣) حتى عرف
(١) سقطت من ( ص ) .
(٢) الزيادة من ( ص ).
(٣) الزيادة من ( ص ) .
٢١٤ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج ١
الخاص من العام، والمُفَسَّر من المُجْمَل. والفَرْض من الأدب، والحَتْمَ من النَّذْب ،
واللازم من الإباحة والناسخ من المنسوخ ، والقوي من الأخبار من الضعيف .
والشاذ منها من المعروف ، والإجماع من الاختلاف .
٤٤١ - ثم شَبَّه الفرع المختلف فيه بالأصل المتفق عليه، من غير مناقضة منه
للبناء الذي أُسَّسَهُ، ولا مخالفةٍ منه للأصل الذي أُصَلّه فخرجت - بحمد الله
ونعمته - أُقوالُه مستقيمةٌ وفتاويه صحيحة .
٤٤٢ - وكنت { قد } (١) سمعت من كتبه الجديدة ما كان مسموعاً لبعض
مشايخنا ، وجمعت من كتبه القديمة ما وقع إلى ناحيتنا .
٤٤٣ - فنظرت فيها ، وخَرَّجْتُ - بتوفيق الله تعالى - « مبسوط كلامه في
كتبه بدلائله وحججه )» على { ترتيب} (٢) مختصر «أبي إبراهيم: إسماعيل
ابن يحيى المُزَني)) (٣) رحمه الله، ليرجعَ إِليه، إن شاءَ اللّه، من أراد
الوقوف على مبسوط ما اختصره ، وذلك في تسع مجلدات .
٤٤٤ - سوى ما صنفت في الأصول بالبسط والتفصيل .
٤٤٥ - ثم خرجت بعون الله، عز وجل، ((سنن المصطفى))، #، وما
احتجنا إليه من آثار أصحابه ، رضي الله عنهم ، على هذا الترتيب ، في أكثر
من مئتي جزءٍ ، بأجزاء خفاف .
(١) ليست في ( ص ).
(٢) ما بين الحاصرتين من (ص ) .
(٣) هو الإمام العلامة فقيه الملّة، علم الزهاد، أبو إبراهيم ، إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل
ابن عمر بن مسلم المزني المصري تلميذ الشافعي (١٧٥ - ٢٦٤).
حدث عن الشافعي ، وعن علي بن معبد بن شداد ، ونعيم بن حماد ، وغيرهم ، وكان أهم تلاميذ
الشافعي وأخلص أتباعه ، وكان يقول: ((أنا خلقَ من أخلاق الشافعي )» :
قال الشافعي : المزني ناصر مذهبي .
وكان زاهداً ، عالماً ، مجتهداً ، مناظراً، محجاجاً ، غواصاً على المعاني الدقيقة، صنّف كتباً
كثيرة، منها: ((المختصر)) وطبع على هامش كتاب ((الأم)) للشافعي ، ويعد هذا الكتاب أحد
الكتب الخمسة الأصلية لمذهب الشافعي، وألف أيضاً كتاب ((عقيدة أحمد بن حنبل)» ولا يزال
مخطوطاً، وروى كتاب ((السنن المأثورة)) عن الشافعي . وذكر السبكي في طبقات الشافعية أنه
ألف كتاب ((نهاية الاختصار)) بيّن فيه آراء التي استقلّ فيها عن الإمام الشافعي.
تقدمة المصنف / مقصود المؤلف وسببه وفضل مذهب الشافعي - ٢١٥
٤٤٦ - وجعلت له مدخلاً في اثنى عشر جزءاً، لينظر - إن شاءَ - في كلِّ
واحد منهما مَنْ أُراد معرفة ما عرفته من صحة مذهب الشافعي ، رحمه اللّه ،
على الكتاب والسنة .
٤٤٧ - وقد وقع الكتاب الأول وهو (( المبسوط )» إلى أستاذي في الفقه :
الشيخ الإمام الشريف أبي الفتح : ناصر بن الحسين العُمَرِي (١)، رضي اللَّه
عنه، فرضيه وحمد أُثري فيه .
٤٤٨ - ووقع الكتاب الثاني وهو (( كتاب السنن)) إلى الشيخ الإمام
أبي محمد : عبد الله بن يوسفَ الْجُوَيْنِي (٢)، رضي اللّه عنه، بعد ما أنفق
على تحصيله شيئاً كثيراً . فارتضاه وشكر سعيي فيه . فالحمد لله على هذه
النعمة حمداً يُوازِيها ، وعلى سائر نعمته حمداً يُكَافيها .
٤٤٩ - وقد يَسَّر الله تعالى، وله الحمد والمنة ، مع هذا تصنيف كتب فيما
يستعان به من الأخبار والآثار ، في أصول الديانات، وما ظهر على نّبينا، عَّ من
المعجزات . واللّه ينفعنا والناظرين فيها ، بما أودعتها ، بفضله وسعة رحمته .
= ترجمته في :
- الفهرست ، لابن النديم (٢١٢) .
- مروج الذهب ، للمسعودي (٨ : ٥٦)
- طبقات الشافعية ، للعبادي (٩)
- وفيات الأعيان ، لابن خلكان (١ : ٨٨)
- الانتقاء ، لابن عبد البر (.١١)
- العبر (٢ : ٢٨)
- سير أعلام النبلاء (١٢ : ٤٩٢)
- طبقات الشافعية ، للسبكي (٢ : ٩٣)
- اللباب (٢ : ٢٫٥)
- البداية والنهاية (١١ : ٣٦)
- مرآة الجنان (٢ : ١٧٧)
- شذرات الذهب (٢ : ١٤٨)
- النجوم الزاهرة (٣ : ٣٩)
- طبقات الشافعية ، لابن قاضي شهبة (١ : ٧)
- معجم المؤلفين (٢ : ٣٠٠)
(١) ينتهي نسبه إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب. كان محدثاً فقيهاً ورعاً مصنفا. توفى
بنيسابور سنة ٤٤٤. وترجمته في طبقات الشافعية والعبر (٣: ٢.٨) ، وشذرات الذهب
(٢٧٣/٣) .
(٢) هو والد إمام الحرمين . كان يلقب بركن الإسلام. كان فقيهاً أصولياً نحوياً أديباً مفسراً ،
توفى سنة ٤٤٨. وكان قد شرع في تأليف كتاب سماه ((المحيط)) عزم فيه على عدم التقيد بمذهب ،
ولا يعزو الأحاديث . وقد قرأ البيهقى الأجزاء الثلاثة التي خرجت منه ، فانتقد عليه فيها أوهاماً
حديثية . وأرسل إليه رسالة ممتازة ، تشتمل على فوائد مهمة ، وتدل على عظم قدر البيهقي ، وقد
ساقها السبكي بكمالها في طبقات الشافعية .
وترجمته في العبر (١٨٨:٣)، والبداية والنهاية (٥٥:١٢) وتبيين كذب المفتري (٢٥٧).
{ سبب تأليف كتاب معرفة السنن والآثار}(١)
. ٤٥ - ثم إني رأيت المُتَفَقِّهةَ من أصحابنا يأخذهم الملال من طول الكتاب ،
فخرّجتُ ما احتجِّ به الشافعي ، رحمه اللّه، من الأحاديث بأسانيده في الأصول
والفروع ، مع ما رواه مستأنساً به غير معتمد عليه ، أو حكاه لغيره مجيباً عنه ؛
على ترتيب ((المختصر))، ونقلت ما وجدتُ من كلامه على الأخبار بالجرح
والتعديل ، والتصحيح والتعليل .
٤٥١ - وأُضفتُ إِلى بعض ما أُجْمَلَه من ذلك مِنْ كلام غيره ما فسَّرَه ، وإِلى
بعض ما رواه من رواية غيره مَا قَوَّاه؛ ليستعين باللَّه تعالى، مَنْ تفقَّد بفقه
الشافعي ، رحمه اللّه، في كَتْبِهِ هذا الكتاب ، وحفظه وسماعه ، ليكون على
وثِيقَةٍ مما يجب الاعتماد عليه من الأخبار ، وعلى بصيرة مما يجب الوقوفُ عليه
من الآثار ، ويعلم أنَّ صاحبنا ، رحمنا اللَّه وإِياه ، لم يُصَدِّر باباً برواية
مجهولة ، ولم يبن حكمًا على حديث معلول ، وقد يورده في الباب على رسم
أهل الحديث ، بإيراد ما عندهم من الأسانيد . واعتماده على الحديث الثابت ،
أو غيره من الحجج . وقد يَثِقُ ببعض من هو مختلف في عدالته ، على ما يُؤدِّي
إليه اجتهاده كما يفعله غيره .
٤٥٢ - ثم لم يَدَعْ لرسول اللّهُ عَّه، سنّة بلغته وثبتت عنده حتى قلَّدها. وما
خفي عليه ثبوته علَّق قولَه به ، وما عسى لم يبلغه أُوْصَى مَنْ بلغه باتباعه ،
وترك خلافه . وذلك بَيِّن في كتبه ، وفيما ذكر عنه من أقاويله .
٤٥٣ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا العباس : محمد بن
يعقوب ، يقول : سمعت الربيع بن سليمان ، يقول :
سمعت الشافعي ، وروى حديثاً ، فقال له الرجل : تأخذ بهذا يا أبا عبد الله؟
(١) العنوان من هامش (ص ).
٢١٦
تقدمة المصنف / سبب تأليف كتاب معرفة السنن والآثار - ٢١٧
فقال : متى رويت عن رسول اللَّه عَّ ، حديثاً صحيحاً ولم آخذ به ، والجماعة -
فأشهدكم أنّ عقلي قد ذهب ، وأشار بيده إلى رءُوسهم (١) .
٤٥٤ - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدثنا أبو العباس ، قال :
سمعت الربيع بن سليمان ، يقول :
سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنّة رسول اللَّه عَليه ،
فقولوا بسنة رسول اللّه عَّى، ودعوا ما قلت (٢).
٤٥٥ - قال الشيخ أحمد: هذا منه، رضي الله عنه اتباعٌ لرسول اللّه عَّه
فيما أُخذ في البيعة من النُّصح لكلّ مسلم . وقد رواه ، وروى ما في معناه
فيما قصد من إِرشاد غيره بما وضع في ((كتاب الرسالة)).
٤٥٦ - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر القاضي وأبو زكريا المُزَكِّى
وأبو نصر : أحمد بن علي بن أحمد الفَامي ؛ قالوا : حدثنا أبو العباس ، قال :
أخبرنا الربيع ، قال : أخبرنا الشافعي ، قال : أُخبرنا سفيان بن عيينة ، عن
زياد بن علاقة ، قال : سمعت جرير بن عبد الله ، يقول :
بايعت النبي عَّ على النصح لكل مسلم.
أخرجه مسلم في الصحيح من حديث ابن عيينة .
وأخرجه البخاري من حديث الثوري ، وغيره ، عن زياد (٣).
٤٥٧ - أُخبرنا أبو عبد الله، وأبو بكر ، وأبو زكريا ، وأُبو محمد بن
يوسف ؛ قالوا : حدثنا أبو العباس ، قال : أخبرنا الربيع ، قال :
(١) آداب الشافعي ومناقيه (٦٧، ٩٣).
(٢) آداب الشافعي ومناقبه (٦٨، ٩٣).
(٣) رواه البخاري في الإيمان، باب ((الانصات للعلماء)»، وفي الشروط - باب ((ما يجوز
من الشروط في الإسلام والأحكام والمبايعة))، ومسلم في الإيمان باب ((بيان أن الجنة لا يدخلها
إلا المؤمنون ... ))، والنسائي في البيعة، باب ((البيعة على النصح لكل مسلم)).
٢١٨ - مَعْرِفَةُ السُّنُنِ والآثارِ / ج ١
أخبرنا الشافعي ، قال : أخبرنا ابن عيينة ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن
عطاء بن يزيد اللَّيْئِي ، عن تميم الدَّارِي قال :
قال رسول اللَّه عَلّ : الدين النصيحة. الدين النصحية. الدين النصيحة: لله
ولكتابه ، ولنبيه ، ولأئمة المسلمين وعامتهم .
أخرجه مسلم في الصحيح من حديث سفيان وغيره ، عن سهيل (١) .
٤٥٨ - أُخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : أخبرنا أبو زكريا العنبري ، قال
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم العَبْدِي (٢) فيما ذكره من فضائل
الشافعي ، رحمه اللَّه ومناقبه ، قال :
ثم بلغ من حرصه - يعني من حرص الشافعي - رحمه الله - على إفهام
المسترشدين أني سمعت ربيعًا، يقول: قال الشافعي، رحمه اللّه: «وَدَدتُ لو
أُنّ الناس نظروا في هذه الكتب ثم نَحَلُوها غيري)» طلبًا منه للنصيحة لهم ، وأُنّ
قصده إنما كان من وضع الكتب وتَسْييرِها في الناس [ إلى } (٣) أُنْ يفهموها
ليدُلّهم البيان فيها على الأرجح من المذاهب ، التي هي الأُتْبَعُ للكتاب والسنَّة ،
وما أشبه الكتاب والسنة ، تبريا (٤) إلى اللّه، جل ذكره ، من حوله وقوته ،
غير ملتمس بها ذِكْرًا ، ولا في الدنيا شَرَفاً . وهذه صحة النية ، ومَشْكور
الطَّوية ، وما يُحْمَد من الصالحين من الصبر والعزيمة .
(١) رواه مسلم في كتاب ((الإيمان)) (١: ٧٤) طبعة عبد الباقي، باب ((بيان أن الدين
النصيحة)) وأحمد في المسند (٤: ١.٢).
(٢) هو محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي العبدي ، الفقيه الشافعي ، وزعم الذهبي أنه كان
مالكياً . وكان محدثاً ثقة. سمع من الربيع وأحمد بن حنبل . ولد سنة ٢.٤ ومات سنة .٢٩.
وترجمته في طبقات الشافعية (١٨٩/٢ - ١٩٥) .. وطبقات الحنابلة لأبي يعلى (٢٦٤/١ -
٢٦٥)، ولابن رجب ص (١٩٦)، وتذكرة الحفاظ (٢٥٧/٢ - ٢٥٩)، وتهذيب التهذيب (٩ :
٨ - ١٠) والوافي بالوفيات (٣٤٢/١).
(٣) الزيادة من ( ص ).
(٤) في (م): ((تقرباً)) وهو تصحيف .
تقدمة المصنف / سبب تأليف كتاب معرفة السنن والآثار -٢١٩
٤٥٩ - قال الشيخ أحمد ، رحمه الله: وحين شرعت في هذا الكتاب ، بعث
إلي بعض إخواني من أهل العلم بالحديث ، بكتاب لأبي جعفر الطَّحَاوي (١)
رحمنا اللَّه وإياه، وشكا فيما كتبَ إِليَّ ما رأى من تضعيفٍ أُخبار صحيحة عند
أهل العلم بالحديث حين خالفها رَأَيُه ، وتصحيح أخبار ضعيفةٍ عندهم حين وافقَها
رَأَيُه ؛ وسألني أُن أُجيب عما احْتَجِّ به فيما حكم به من التَّصْحيح والتَّعليل في
الأخبار . فاستخرت اللّه تعالى ، في النظر فيه ، وإضافة الجواب عنه إلى
ما خَرَّجته في هذا الكتاب ، ففي كلام الشافعي ، رحمه اللَّه ، على ما
احتجِّ به أُو ردَّه من الأخبار - جَوَابٌ عن أكثر ما تكلّف هذا الشيخ من
(١) هو الإمام العلامة الحافظ الكبير ، محدث الديار المصرية وفقيهها ، أبو جعفر أحمد بن
محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك الأسدي الحجْريّ المصري الطحاوي الحنفي ، صاحب
التصانيف من أهل قرية طحا من أعمال مصر - قرية بصعيد مصر - ، مولده في سنة تسع وثلاثين
ومئتين - كما ذكر ذلك عن نفسه - ، وكان أول شيخ له خالد أبو ابراهيم اسماعيل المزني أحد
تلاميذ الشافعي المشهورين .
وسمع من: عبد الغني بن رفاعة، وهارون بن سعيد الأيلي ، ويونس بن عبد الأعلى ، وإبراهيم
أبن منقذ ، والربيع بن سليمان المرادي ، وبكّار بن قتيبة ، وغيرهم .
وقد برز في علم الحديث وفي الفقه ، وترك خاله ، وانضم إلى العالم الحنفي : أحمد بن
أبي عمران ، وجمع وصنف .
وفي سنة ثمان وستين ومثتين ارتحل إلى الشام ، وسمع هناك من شيخ القضاة : عبد الحميد بن
عبد العزيز ، أبو خازم ، وتفقّه أيضاً عليه ، ولكنَّه رجع بعد ذلك إلى مصر وانتهت إليه رئاسة
أصحاب أبي حنيفة وصنف ((اختلاف العلماء))، وقيل: إنه: ((اختلاف الفقهاء )» في بعض
المصادر، و((الشروط)) و(معاني الآثار))، و((أحكام القرآن)) وكتاب ((العقيدة))،
وغيرها .
قال الذهبي : من نظر في تواليف هذا الإمام علم محلّه من العلم وسعة معارفه .
وقد روى عن خالد المزني مسند الشافعي أيضاً كما روى هذا الكتاب . له ترجمه في : تهذيب
تاريخ ابن عساكر (٢: ٥٤)، ((الأنساب)) ( ٨: ٢١٨)، ((وفيات الأعيان)» (بولاق)
(٢٣:١)، ((تذكرة الحفاظ)) (٣: ٨.٨) ((العبر)) (٢: ١٨٦)، ((سير أعلام النبلاء»
(١٥: ٢٧)، ((مرآة الجنان)) (٢: ٢٨١)، ((البداية والنهاية)) (١١: ١٧٤)، («الجواهر
المضية للقرشي)) (١: ١.٢)، ((لسان الميزان)) (١: ٢٧٤)، ((النجوم الزاهرة)» (٣ : ٢٣٩)، ١
((الحاوي في سيرة الإمام أبي جعفر الطحاوي» لمحمد زاهد الكوثري - القاهرة ١٣٦٨ هـ.
٢٢٠ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ والآثارِ / ج ١
« تَسْوِيَةِ الأخبار)» على مذهبه ، وتضعيف ما لا حيلةَ له فيه بما لا يَضْعف به ،
والاحتجاج بما هو ضعيفٌ عند غيره .
٠ ٤٦ - وأنا أستعين بالله، عزّ وجل، في إتمامه، استعانةً من لا حيلة له
دون إِنعامه . وأُستغفره لذنوبي كلّها استغفارَ من يعترف بخطيئته ، ويعرف أنه
لا ينجيه من عقوبته إِلا سعةُ رحمته .
٤٦١ - وأسأله أن يصلي على رسوله محمد وعلى آله، كلَّما ذكره الذاكرون،
وغفل عن ذكره الغافلون .
٤٦٢ - أخبرنا أبو عبد اللَّه بن فنْجَوَيِه الدِّينَوَرِي، قال : حدثنا الفضل بن
الفضل الكندي ، قال : حدثنا زكريا بن يحيى السّاجي ، قال: قلت لأبي داود
السجستاني : مَنْ أصحاب الشافعي ؟
قال : أُولهم عبد الله بن الزبير الحُمَيْدي ، وأحمد بن حنبل ، ويوسف بن يحيى
أبو يعقوب البُوَيْطِي، والربيع بن سليمان، وأُبو ثَوْر : إِبراهيم بن خالد ،
وأبوالوليد بن أبي الْجَارُود المكِّي ، والحسن بن محمد الزعفراني . والحسين بن
علي الكرابيسِي ، وإِسماعيل بن يحيى المُزني، وحرْمَلةُ بن يحيى .
٤٦٣ - قال: ورجل ليس بالمحمود: أبو عبد الرحمن: أُحمد بن يحيى ،
الذي يقال له الشافعي ، وذلك أنه بدل وقال بالاعتزال .
هؤلاء ممن تكلم في العلم وعرفوا به من أصحابه .
٤٦٤ - قال الشيخ أحمد: وله أصحاب سوى هؤلاء، أخذوا عنه ، وتعلموا
منه ، وإِنما سمى أبو داود المعروفين ، واللّه يغفر لنا ولهم برحمته .
٤٦٥ - [ أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم بن عبدان، قال: } (١)
أُنشدنا عبد الحميد وحده ، عن عبد الجبار ، قال :
{ أُنشدنا شيخ السنة أبو بكر: أحمد بن الحسين البيهقي، قال: } (٢)
(١) و (٢) ما بين الحاصرتين سقط من نسخة (ص).