Indexed OCR Text
Pages 201-220
أئمة الأحاديث بالمشهور - أي عند المحدثين - لوضوحه، وقد يطلق المشهور على ما اشتهر على الألسنة فيشمل ما له إسناد واحد فصاعداً. وعلى ما ليس له إسناد أصلا، بل قد يشتهر على الألسنة وهو موضوع، وقد صنف السخاوي في ذلك كتابا جيدا - سماه المقاصد الحسنة - في بيان كثير من الأحاديث الدائرة على الألسنة. وقولنا: ((وفي الأعلام من قال)) الخ أي [أن](١) من العلماء - وهم جماعة من الفقهاء - قالوا: إن هذا هو [المستفيض يسمى بذلك لانتشاره - من فاض الماء يفيض فيضا - ومنهم من غاير بين](٢) المستفيض والمشهور، [بأنَّ](٣) الأول: يكون في ابتدائه وانتهائه سواء، والمشهور أعم من ذلك. ومنهم من غاير على كيفية أخرى وهي: أن الأول ما تلقته الأمة بالقبول دون اعتبار عدد، وقال الصيرفي: «إنه هو والمتواتر واحد)) انتهى. ولذا قال الحافظ: ((إنه على هذه الكيفية ليس من مباحث هذا الفن؛ لأنه صار كالمتواتر[وهو] (٤) ليس من مباحثه كما عرفت. وقولنا: ((ثانيها له العزيز وسما)) أي ثاني الثلاثة الأقسام، من الآحاد، وهو الثالث: بالنظر إلى قسم المتواتر وقد أتى ((له)) أي لهذا القسم الذي له طرق محصورة بأكثر من اثنين لفظ العزيز وسما أي اسما وعلامة قيل: يسمى بذلك إما لقلة وجوده فإنَّه يعز أن يستمر لكل راو راويان من أوله إلى آخره وإما لكونه عزَّ - أي: قوي - لمجيئه من طريق أخرى. وَقَدْ رُمِيْ مَنْ قَالَ بِالْثَّوَهُم (١٤) وَلَيْسَ شَرْطَاً لِلصَّحِيْحِ فَاعْلَم أي: ليس هذا القسم - وهو: العزيز - شرطا لصحيح البخاري، كما قاله القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي في أوائل شرح البخاري فإنه: ادعى أن ذلك شرط البخاري ورد عليه العلماء [ذلك](6) و[ذكروا] (٦) أنه وهم. قال ابن رشد في كتاب ((ترجمان التراجم)): ((ولقد كان يكفي القاضي (١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب) (٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٣) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٤) صورة ما بين الحاصرتين في النسخة (أ) هي: [وهذه]. (٥) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٦) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ). ٢٠١ في بطلان ما ادعى أنه شرط البخاري أول حديث مذكور فيه - أي في صحيح البخاري - يعني فإنه مروي بالآحاد يريد به: حديث ((إنما الأعمال بالنيات))(١) فإنه تفرد به محمد بن إبراهيم عن علقمة، ثم تفرد به يحيى بن سعيد عن محمد، وتفرد به أيضاً عمر)). (قلت): قد تنبه ابن العربي [لهذا] (٢) فقال: ((فإن قيل حديث الأعمال بالنيات فرد لم يروه عن عمر إلا علقمة قلنا: قد خطب به عمر على المنبر بحضرة الصحابة فلولا أنهم يعرفونه لأنكروه))، كذا قال. وتعقب بأنه لا يلزم من كونهم سكتوا عنه أن يكونوا سمعوه من غيره، وبأن هذا لو سُلِّم في عمر منع في تفرد علقمة، ثم في تفرد محمد بن إِبراهيم عن علقمة، ثم [في](٣) تفرد يحيى بن سعيد به عن محمد، وقد أُوْرِدَ عليه أيضاً آخر حديث في البخاري وهو حديث: ((كلمتان خفيفتان على وتفرد به عنه أبو زرعة، وتفرد به اللسان)»(٤) فإنه تفرد به أبو هريرة عنه عمارة بن القعقاع، وتفرد به عنه محمد بن فضيل، وعنه انتشر فبطل قول ابن العربي، فلذا قلنا: ((وقد رُمي من قال)) أي: بأن العزيز شرط الصحيح بالتوهم، فإنه قول مبني على التوهم [أنّ ذلك شرطه](٥) لا على التحقيق على أنه حكى الحازمي عن الحاكم، وهو من أجل علماء الحديث أن شرط الشيخين العدد. (قلت): وقد حققنا ذلك في شرح ((تنقيح الأنظار)) ويأتي الكلام في ذلك. وقد زعم ابن حبان أن رواية اثنين عن اثنين لا توجد أصلاً، قال (١) أخرجه البخاري (١) (٢٥٢٩) (٣٨٩٨) (٥٠٧٠) (٦٦٨٩) (٦٩٥٣) ومسلم (١٩٠٨) وغيرهما، وقد ألفت حول هذا الحديث مؤلفات ومن أحسن من تكلم عليه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١١/١ - ٢٣). (٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٣) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ). (٤) أخرجه البخاري (٦٤٠٦)، ومسلم (٢٦٩٤). (٥) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [على أنَّه شرطه]. ٢٠٢ الحافظ ابن حجر: قلت: ((إن أرادوا اثنين فقط عن اثنين فقط [إلى أن ينتهي] لا توجد أصلاً؛ فيمكن أن يسلم وأمَّا صورة العزيز الذي حررناه فموجودة بأن لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين)) (١). ومثاله: ما رواه الشيخان(٢) من حديث أنس، والبخاري وحده من قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون حديث أبي هريرة أن رسول الله أحب إليه من والده وولده)) الحديث قلت: تمامه: ((والناس أجمعين)) رواه عن أنس قتادة وعبدالعزيز بن صهيب ورواه عن قتادة شعبة وسعيد [ورواه عن عبدالعزيز](٣) إسماعيل بن علية، وعبدالوارث، ورواه عن كلِّ جماعة انتهى، ونسبوا إلى أبي علي الجبائي المعتزلي القول: ((بأن هذا شرط كون الحديث صحيحاً)). (مَسْأَلَةُ الْغَرِيْب) (١٥) ثَالِثُهَاْ يَدْعُوْنَهُ الْغَرِيبَأ والْكُلُّ أَحَادٌ تَرَى ضُرُوْبَأْ هذا ثالث أقسام الآحاد - وهو رابع أصل القسمة بالنظر إلى المتواتر - وهذا هو الذي يتفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد في السند - على ما سيقسم إليه الغريب المطلق والغريب النسبي كما يأتي. وقولنا: ((والكل آحاد)) أي: الأقسام الثلاثة آحاد، وهي: المشهور، والعزيز، والغريب كل واحد منها من أخبار الآحاد. وخبر الواحد في اللغة: ما يرويه (١) نزهة النظر (ص٢٦ - ٢٧)، وما بين الحاصرتين مثبت من الأصل المنقول عنه وهو كتاب نزهة النظر المشار إليه آنفاً. (٢) أخرجه البخاري (١٥)، ومسلم (٢٠٦/٢ - نووي) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً، وأخرجه البخاري كما ذكر المؤلف (١٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ (فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده) ا. هـ. (٣) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ). ٢٠٣ واحد، وفي الاصطلاح مالم يجمع شروط التواتر، وإن رواه أكثر من واحد وقولنا: ((ترى ضروبا)) جمع ضرب، وهو: المثل، كما في القاموس ويفسره ما بعده من الأبيات. واعلم: أنه استدل السيد محمد رحمه الله في ((مختصره)) للعمل بالآحاد بقوله: ((والعمل به واجب لإجماع الصحابة المعلوم ولإرساله ( المسلمين على قبوله ولحسن العمل بالظن عقلاً) انتهى. الآحاد وتقريره فهذه أربعة أدلة، فيها ردّ [على](١) من زعم، ((إنها لا تقبل أخبار الآحاد)) والقائل بذلك الإمامية، والبغدادية، والظاهرية والخوارج. فالدليل الأول: إجماع الصحابة على العمل بأخبار الآحاد، وشيوع ذلك بينهم من غير نكير، - والقضايا فيه لا تدخل تحت حصر - ولذا قال: ((المعلوم)) أي: أنه إجماع معلوم - [لا أنَّه](٢) مظنون والقول بأن عمر لم يقبل خبر أبي موسى في الاستئذان ولا قبل أبو بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة، حتى أتيا معهما بمن يشهد لهما. فالجواب أن هذا - بعد الإتيان بمن شهد لهما - لم يخرج عن خبر الآحاد وقد [عمل به عمر في غيره - أي في غير خبر الاستئذان](٣) بأخبار عدة من الآحاد وإنما استثبت في ذلك، فلا يتم فعل عمر دليلاً لمن منع قبول الآحاد؛ بل هو دليل لمن قبلها. وكذلك ما رُوِيَ عن أن أمير المؤمنين علياً - رضي الله عنه - كان يستحلف الراوي، فإِن حلف قبل روايته؛ فإنه مجرد استثبات منه - لا لريبة في روايته - فإنه لا يدفعها يمينه؛ لجواز أنه فاجر فيها. وإنما كان - عليه السلام - يرى الأخذ بالأقوى من الظن، وقبول الرواية مع اليمين أقوى ظنا من قبولها مع عدمها، ومع ذلك فلم يخرج العمل بها - [بعد] (٤) اليمين - عن الآحاد، فهو دليل لنا على قبول الآحاد. (١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ) (٢) صورة مابين الحاصرتين في النسخة (ب) هي: [لأنه]. (٣) ما بين الحاصرتين من النسخة (أ) والموجود في النسخة (ب) هو: [عمل عمر] فقط. (٤) صورة مابين الحاصرتين في النسخة (ب) هي: [مع]. ٢٠٤ والثاني إرساله صلى الله عليه وآله وسلم للآحاد إلى الملوك وغيرهم يدعونهم إلى الإيمان ويعلمونهم الشرائع، وهذا أيضاً معلوم، يعرفه - يقينا - من غرف السنن النبوية والسير المحمدية - وكانت تقوم بذلك الحجة على المرسل إليه، ويقبل خبر الرسل الآحاد بإِخبارهم بإسلام من أسلم وامتناع من امتنع، ويرتب [1](1) على ذلك الأحكام الشرعية في الفريقين، ولم يقل أحد ممن أرسل إليه® الآحاد هذا خبر واحد لا يجب عليّ العمل به»، وقد أشرنا إلى هذين الدليلين في بغية الآمل، حيث قلنا: وما أتى عن صحبه الأمجاد ((لبعثة المختار للآحاد وشاع فيهم عملا وذاعاً فكان إذا لم ينكروا إجماعا» والمسألة مبسوطة في أصول الفقه. المسلمين على قبوله فإنه لا يشك الثالث: قوله: وتقريره [ناظرٌ] (٢) أنه كان يعلم عمل أصحابه بأخبار الآحاد في عدة قضايا - لا تنحصر - ولم ينكر عليهم، بل يقرهم [على ذلك](٣) فهذان دليلان من السنة فِعْلُهُ ﴿ وتقریرُه. والرابع: قوله: ((ولحسن العمل بالظن عقلا)) وهذا دليل عقلي بعد الثلاثة النقلية - وتقريره: أنا نعلم بالضرورة أن من أحضر إليه طعام وأخبره من يظن صدقه أن فيه سمَّاً، أو في الطريق - التي يريد سلوكها - سبعاً أو لصاً، فإِنَّ العقل يقضي بحسن ترك ذلك الطعام أو الطريق، وأنه إن أقدم على ذلك لامَهُ العقلاء، وحَسُنَ ذمّةُ عندهم. قال السيد محمد: ((ولأن رادَّه - [أي](٤): من رد العمل بالآحاد - تمسك في ردِّه بالظن أي كان دليله على عدم قبوله أدلة ظنية - وإنما فر - أي إنما فر عن العمل بالآحاد - لأنها لا (١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب) (٢) في النسخة (أ) صورة مابين الحاصرتين هي: [أحد] (٣) في النسخة (أ) صورة مابين الحاصرتين هي: [عليه] (٤) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). ٢٠٥ تفيد إلا الظن، قلنا: فقد عملت بالظن في ردِّ العمل بها، إذ لا دليل معك قطعي في رد العمل [بهذا])»(١) فهذا ما أشار إليه من الاستدلال - وهو مما زاده على ((النخبة)) كما أفاده قوله في الديباجة: ((إلا ما زدته عليه من الدلائل غيرة على دعاويه العواطل)). وقال إمام الحرمين: وهو - أي الخبر - الآحادي - يوجب العمل - أي - بشروطه من العدالة وغيرها أي يكون سببا في وجوب العمل بمضمونه. واختلفوا، فقيل: إن الوجوب بالعقل وإن دل السمع عليه - أيضاً - وذلك لأنه لو لم يجب العمل به لتعطلت وقائع الأحكام المروية بالآحاد - وهي كثيرة جداً ولا سبيل إلى القول بذلك. وقيل الآحاد - كما قدمناه - ولعمل الصحابة بالسمع دون العقل؛ وذلك لبعثه إلى آخر ماسقناه وساقه(٢) شارح ((الورقات)) ولمّا قلنا: ((ضروبًا)) بينا ذلك بقولنا : إِذْ هِيَ فِي الأَحْكَام لا تُفِيْدُ (١٦) فِيْهَا أَتَى الْمَقْبُوْلُ وَالْمَرُدُودُ وَطَرْحٍ مَنْ ضُعْفَ مِنْ رُوَأْتِهَا (١٧) حَتَّى يَتِمَّ الْبَحثُ عَنْ ثِقَأْتِهَا هذا بيان قوله: ((ضروبا)) فالمقبول - وهو: من عُدِّلَتْ رواته - ضرب من الآحاد والمردود، وهو - الذي لم يرجح صدق المخبر به - ضرب، والمتوقف فيه ضرب. قال الحافظ: وإنما وجب العمل بالمقبول منها؛ لأنها إما أن يوجد فيها أصل صفة القبول، وهو: ثبوت صدق الناقل أو أصل صفة الرد، وهو: كذب الناقل، أو لا، فالأول: يُغَلِّبُ على الظن صدق الخبر لثبوت صدق ناقله - فيؤخذ به، والثاني: يغلب على الظن كذب الخبر - لثبوت كذب ناقله - فيطرح والثالث: إن وجدت قرينة، تلحقه بأحد القسمين، التحق، وإلا فيتوقف فيه)) انتهى(٣). وقد عرفت أن المتوقف فيه، في حكم المردود، فقد شمل البيتان الثلاثة الضروب والحاصل: أن كل خبر يحتمل (١) ما بين الحاصرتين صورة في النسخة (أ) هي: [لها]. (٢) يوجد في النسخة (أ) قبل قوله: ساقه كلمة: [قد]. (٣) نزهة النظر (ص ٢٨). ٢٠٦ الصدق والكذب - من حيث أنه خبر، فلا بد لترجيح أحد الاحتمالين من مرجح، كما أشير إليه، وإذا فُقِدَ، بقي على الاحتمال. (مَسْأَلَةُ: إِفَأْدَةِ الآخَاْدِ الْعِلْمَ النَّظَرِي بِالْقَرَأْئِن) إِذَا أَتَتْ قَرَأْتِنٌ لِلْخَبَرٍ (١٨) وَقَدْ تُفِيْدُ الْعِلْمَ أَعْنِي النَّظَرِيْ وقد تفيد - أي: أخبار الآحاد، المنقسمة إلى الثلاثة - العلم النظري، هذا إشارة إلى أن الخبر الآحادي لا يفيد إلاّ الظن، وفيه خلاف، قد أوضحناه وبسطنا القول [فيه](١) في شرح تنقيح الأنظار وفي قوله: ((قد تفيد)) إشارة إلى قلة إفادته العلم، وقد عرفت أن العلم: نظري وضروري - فالمراد هنا: الأول، كما قيدناه به، وعرفت أنا قيدنا إفادة التواتر العلم بنفسه، وبالضروري، فخرج المقيد له بالقرائن عن التواتر والمراد من القرائن هي الزائدة على القرائن التي لا تنفك عن الخبر، وهي ما يلزمه عادة من أحوال في نفس الخبر: كالهيئات المقارنة الموجبة لتحقق مضمونه، وفي المخبر، [أي] (٢) المتكلم ككونه موسوماً بالصدق مباشراً للأمر الذي أخبر به، والمخبر عنه - أي: الواقعة التي أخبروا بوقوعها - لكونه أمراً قريب الوقوع فيحصل أي: العلم بعدد أقل، وبعيده فيفتقر إلى أكثر، فإنه من المتواتر، وإن كان العلم [بمعونة](٣) مثل هذه القرائن، ـ وبذلك يتفاوت عدد التواتر، هذا حاصل ما في العضد وحاشيته وغيرهما، ولكن كلامنا في القرائن غيرها، وهي: ما اشتهر المثال بها، وهو: خبر ملك بموت ولد له مشرف على الموت، وانضم إليه قرائن الصراخ، والجنازة، وخروج المخدرات على حال منكرة، وغير معتادة، دون موت مثله، وخروج الملك، وأكابر مملكته، فإنا (١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ). (٣) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [بمضمونه]. ٢٠٧ نقطع بصحة ذلك الخبر ونعلم به موت الولد - نجد ذلك من أنفسنا وجدانا ضروريا لا يتطرق إليه الشك. - واعترض بأن العلم بذلك لم يحصل بالخبر، بل بالقرائن. - وأجيب: بأنه حصل بضميمة القرائن، إذ لولا الخبر، لجوزنا موت [شخص] (١) آخر. ويحصل العلم بغير القرائن كالعلم بمضمون الخبر بالضرورة، كقولنا : الواحد نصف الاثنين أو بالنظر كقولنا: ((العالم حادث)). وقال السيد محمد في مختصره: (ويعزُّ وجوده) أي: الخبر المحفوف بالقرائن. [(قلت)](٢): بل قال عضد الدين في شرح المختصر: (([إن](٣) ذلك لا يوجد في الشرع، وإنه لا يشترط عدالة المخبر فيما يعلم بالقرائن)). انتھی . (قلت): وقد عدَّ الحافظ للخبر المحتف بالقرائن أنواعاً، منها: (ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، مما لم يبلغ حد التواتر - فإنه احتفت به قرائن، منها: جلالتهما في هذا الشأن وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، إلاّ أن هذا يختص بما لم ينتقده أحدٌ من الحفّاظ مما في الكتابين، وبما لم يقع التخالف بين مدلوليه مما وقع في الكتابين حيث لا ترجيح، لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته. فإن قيل: إنما اتفقوا على وجوب العمل لا على صحته منعناه، وسند (١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ). (٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٣) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ) ٢٠٨ المنع أنهم متفقون على وجوب العمل بكل ما صح [و](١) لو لم يخرجه الشيخان - فلم يبق للصحيحين في هذا مزية، والإجماع حاصل على أن لهما مزية فيما يرجع إلى نفس الصحة، وممن صرح بإفادة ما خرَّجه الشيخان، العلم النظري، الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني، ومن أئمة الحديث: أبو عبدالله الحميدي، وأبو الفضل بن طاهر وغيرهما، ويحتمل أن يقال: المزية المذكورة كون أحاديثهما أصح الصحيح انتهى [كلام الحافظ](٢) (٣). [و](٤) اعلم أنه قال ابن الصلاح: ((ما أخرجه الشيخان مقطوع بصحته والعلم اليقيني النظري واقع به - خلافاً لمن نفى ذلك محتجاً بأنه لا يفيد بأصله إلّ الظن، [وإنما تلقته الأمة بالقبول، لأنه يجب عليهم العمل بالظن](٥) والظن قد يخطئ وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويا ثم بَأنَ لي أن المذهب الذي اخترناه أولا هو الصحيح، لأن [ظنَّ](٦) من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ. ولهذا كان الإجماع المبتنى على الاجتهاد حجة مقطوعاً بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك))، قال النووي: ما قاله ابن الصلاح خلاف ما قاله المحققون والأكثرون فإنهم قالوا: أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن، فإنها آحاد والآحاد إنما يفيد الظن على ما تقرر ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك، وتلقي الأمة - إنما أفاد وجوب العمل بما فيهما من غير توقف على النظر فيه بخلاف غيرهما، فلا يعمل به حتى ينظر، ويوجد [فيه](٧) شرط الصحيح - ولا يلزم من إجماع العلماء على ما فيهما: إجماعهم على ) وحُكي تغليط مقالة ابن الصلاح عن ابن القطع بأنه كلام النبي (١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٣) نزهة النظر (ص ٢٩ - ٣٠) (٤) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب) (٥) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب) (٦) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب) (٧) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). ٢٠٩ برهان [وكذا عابه ابن عبدالسلام](١) (قلت): وقد أشار النووي إلى مزية الصحيحين على غيرهما أنه وجوب العمل بما فيهما من غير توقف على النظر فيه فهذه هي المزية التي قال ابن حجر: ((إِنَّ الإجماع حاصل أن لهما مزية ((لا ما قاله)) مِنْ أنها إفادة العلم)) انتهى ما قاله الهروي. ولا يخفى أن الحافظ ابن حجر قد جعل أحاديث الصحيحين - غير ما استثناه - مما يفيد العلم النظري لاحتفافهما بالقرائن: وأعظمهما تلقي الأمة قال: فإنه أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، فقد جعل التلقي - كما جعله ابن الصلاح - طريق إفادة العلم بأحاديثهما. وقد علَّله ابن الصلاح بأن الأمة معصومة في إجماعها من الخطأ، وقال النووي: ((إن الأمة إنما أجمعت على وجوب العمل بما فيهما)). (قلت): الإجماع على وجوب العمل يقضي بأن أحاديثهما صحيحة أو حسنة إذ لا يجب العمل إلّ بذلك فهو إجماع بأنه كلام النبي *) إذ لا يجب العمل بكلام غيره من أفراد الأمة. واعلم أن السيد محمد جعل الْمُتَلَقَّى بالقبول قسيما للمعلوم بالقرائن، وأنه مما يعلم بالنظر فقال: إن الحديث: إما أن يعلم صحته بكثرة رواته فهو المتواتر، أو بالقرائن - على قول - فهو المعلوم بالقرائن، ويعزُّ وجوده في الشرع، أو بالنظر، وهو: ما حكم بصحته المعصوم - ظنا على قول - وهو المتلقى بالقبول. والصحيح الذي عليه المحققون أنه ظني كما عزاه النووي إلى المحققين والأكثرين(٢). قال(٣): ((سر المسألة، هل تجويز الخطأ في ظن المعصوم يناقض العصمة والحق أنه لا يناقضها حيث يكون خطأه فيما طلب، لا فيما وجب ولا يوصف خطأه حينئذ بقبح: كتحري القبلة، ووقت (١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب) في هذا الموضع وهي موجودة بعدها بسطرين بعد قوله: [إفادة العلم ... ]. (٢) في تقريبه (ص ٨٠ - تدريب). (٣) القول لا يزال لابن الوزير - رحمه الله - . ٢١٠ الفطر والصلاة، وعدالة الشاهد، ورمي الكافر لنا، لو وجب القطع بانتفائه [لبطل](١) كونه ظنا، والفرض أنه ظن - هذا خلف - ولوجوب الترجيح عند تعارض المتلقى بالقبول، ولا ترجيح مع القطع. ومن السمع قول يعقوب في قصة أخي يوسف: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبِرٌ جَمِيلٌ﴾(٢) كما قال ذلك في قصة يوسف وقوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ﴾ (٣) وحديث ((إنما أقطع له قطعة من نار)) (٤) وأحاديث سهو النبي (®) في الصلاة(٥). ولا يمتنع أن يدخل الظن في استدلال الأمة ثم يجب القطع باتباعهم: كخبر الواحد وطرق الفقه ولذلك يسمى الفقه علما فبطل القطع بأن حديث البخاري ومسلم معلوم كما ظنه ابن الصلاح وابن طاهر وأبو نصر)). انتهى كلامه رحمه الله تعالى. وإذا عرفت ما ذكره فهو محتاج إلى إيضاح وتحقيق الحق: وقد كنت بسطت الكلام على كلامه هذا في رسالة (حل العقال عمَّا في رسالة الجلال في الزكاة من الإشكال) لأنه نقل (٦) كلام السيد محمد هذا، ورتب عليه (١) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [بوجب] !!!. (٢) (يوسف/ ١٨). (٣) (الأنبياء/ ٧٩) (٤) أخرجه البخاري (٦٩٦٧) ومسلم (١٧١٣) من حديث أم سلمة رضي الله عنها مرفوعا . (٥) راجعها في نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار (١٢٢/٣ - ١٣٩) للشوكاني. (٦) الضمير المستتر في الفعل [نقل] عائد إلى الجلال وهو: الإمام المحقق العلامة الحسن بن أحمد الجلال، مولده بمدينة رغافة في رجب سنة ١٠١٣ هـ - أخذ عن جماعة من أبرز علماء عصره كالقاضي عبدالرحمن الحيمي والسيد محمد بن عز الدين المفتي حتى تبحر في العلوم - مما جعله يقول: لولا محبة أسوتي بمحمد زاحمت رسطا ليس في أبوابه لكنني أولى الورى بمقامه فأنا ابنه وأسير في أعقابه وقد ألف الكتب النافعة القوية منها ضوء النهار المشرق على صفحات الأزهار، ونظام الفصول، وعصام المحصلين، وغيرها - وفاته بالجراف ليلة الأحد ٢٢/ ربيع الثاني/ سنة ١٠٨٤ هـ، ممن ترجم له الشوكاني في البدر الطالع (١٩١/١ - ١٩٤)، وزباره في نشر العرف (٨٣/٣ - ٩٦). ٢١١ بحثه في كلامه ولننقل خلاصة ما كتبنا عليه، فأقول: المراد من قوله: (هل يجوز الخطأ في ظن المعصوم) أراد بهم أهل الإجماع، فإن الأمة معصومة وذكره للرسل عليهم السلام استطراداً وإلا فالبحث في عصمة أهل الإجماع، وإنما ذكر الرسل وما وقع لهم من الخطأ، لأنه يعلم أن وقوعه من الأمة أولى، ثم إنه قسم العصمة إلى أمرين: بالنظر إلى المطلوب: فقال: العصمة إنما هي عن مخالفة المعصوم فيما أوجبه الله عليه لا عن مخالفته ما طلبه. مثاله: الرسول وجب عليه أن يحكم بين الخصمين بالبينة، فهذا قد عصم عن مخالفته فإنه لا يحكم إلّ حكماً جامعاً لشرائط الصحة، وأما المطلوب له - وهو موافقة الحق في نفس الأمر - فهذا لم يعصم عن مخالفته؛ لأنه يجوز (١) أن يكون الحكم على خلاف ذلك، ولذلك قال: ((فإنما أقطع له قطعة من نار)) وكذلك مَنْ تحرى القبلة - الواجب عليه: التحري والمطلوب له [بيان] (٢) العين، والممتنع وقوعه من المعصوم مخالفته الأول، دون الثاني. وخلاصته أنه عصم ـ عما وجب عليه - أن يخل به ولم يعصم عن الإخلال بما يطلبه، ويريده من الإتيان بالواجب على الوجه المطابق لما في نفس الأمر، فإنه يطلب الإتيان به عليه [لكنه](٣) لم يعصم عن أن يخطئه . (قلت) ولك أن تقول من أين أن المطلوب له ما في نفس الأمر [بل] (٤) مطلوبه ما أرشد إليه الدليل طابق أو لم يطابق واعلم أن المدعى فيه جواز الخطأ من الرسل هو: فيما كان عن اجتهاد لا ما كان عن وحي من الله يبلغونه إلينا؛ فإِنَّه لا يجوز فيه عليهم الخطأ ولا يقول أحد بجوازه بالبينة التي نص الله عليها بقوله: (قلت) ومن هنا نقول حكم الرسول ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾(٥) الآية ليس من الاجتهاد، بل من النص (١) يوجد بعد قوله: يجوز في النسخة (ب) كلمة: [له] (٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب) (٣) صورة ما بين الحاصرتين في النسخة (ب) هي: [لكونه] (٤) يوجد في مكان ما بين الحاصرتين في النسخة (أ) ما لفظه: [لم لا يكون] (٥) (البقرة / ٢٨٢) ٢١٢ : ((فإنما أقطع له قطعة من نار)) ليس إعلاماً فلا يجري فيه الخطأ، وقوله إعلاماً بأن الله ناط الأحكام الشرعية بأنه قد يخطئ في حكمه بل قاله بأمر ظاهر ليس فيه اطلاع على حقيقة ما في نفس الأمر، فلا يغتر من حكم له ببینة یعرف المحكوم له عدم صحتها أنه قد صار ما حكم له به حلالاً، هذا، [وأقول:](١) قول يعقوب يحتمل أن مراده ما نسبتم إليه من قولكم ﴿إِنَّ أَبْنَكَ سَرَّقَ﴾(٢) من تزيين النفس وتسويلها لكم لا أنه سرق حقيقة كما جزمتم به - وقد كان كذلك، فإنه لم يسرق، بل وُضِعَ الصواع في متاعه ووجدانه فيه لا يدل على سرقته له فما كان لهم أن يجزموا ويقولوا ﴿إِنَّ أَبْنَكَ سَرَقَ﴾(٣) ويقولوا ليوسف: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخْ لَّهُ مِن قَبْلٌ﴾ (٤) فهذا كله يشعر أنه من تسويل نفوسهم وأنه كان [فيها](٥) شيء على أخيهم سيما بعد قولهم ﴿وَمَا كُنَّا سَرِقِينَ﴾(٦) أي: ليس من شأننا الاتصاف بذلك. في الصلاة يقال الكلام في جواز وقوله: وأحاديث سهو النبي الخطأ في الاجتهاد، - والنسيان ليس من ذلك - وإن كانت عبارته في قوله: (تجويز ظن الخطأ) عامةً، لكن الخطأ - غير النسيان لقوله : ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) أو نحو هذا اللفظ(٧). ثم لنا ههنا بحث وهو: أنا نسلم جواز خطأ المعصوم لما ذكره السيد (١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب) (٢) (يوسف /٨١) (٣) (يوسف /٨١). (٤) (يوسف /٧٧). (٥) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [فيه]. (٦) (يوسف /٧٣). (٧) أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥) والحاكم (١٩٨/٢) من حديث ابن عباس مرفوعاً، والحديث تخريجه مفصلا في إرواء الغليل رقم (٨٢) للألباني، وقد ذكر - أن الحديث بلفظ: ((رفع عن أمتي الخطأ .... )) الحديث. لا يصح وأن الحديث يصح بلفظ: ((إن الله تجاوز .... )) إلخ الحديث - وذكر نحو هذا الشيخ بكر أبو زيد في كتابه التأصيل (١٤٨/١). ٢١٣ محمد - رحمه الله - من الأدلة [ولكنّا نقول إنه لا يخفى أن](١) اتباع المعصوم قطعي الوجوب على المكلفين سواء أصاب ما في نفس الأمر أو أخطأه، لا فرق في وجوب الاتباع، فإنَّ مناطه: ثبوت المعجزة لمدعي النبوة وثبوت دليل عصمة الأمة في حجية الإجماع فاتباعه قطعي الوجوب اتفاقا - فيما كان عن الله - كذلك اتباعهم فيما جوزنا أنه غير مطابق لما في نفس الأمر، وكان عن اجتهاد، لأن اتباعهم واجب قطعا، معلوم من ضرورة الدين - سواء كان عن وحي أو اجتهاد كما يدل له ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَهُ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(٢) وقوله: ﴿وَمَآ ءَاتَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ﴾(٣) ولم يقيده بوحي ولا اجتهاد، ولذا قال السيد [إبراهيم: (٤) في (الفصول): (وأما مخالفته - أي: المعصوم - إذا جوَّز خطأه فيحرم إجماعاً) انتهى [إذا عرفت هذا عرفت أولاً أنَّه لا وجه لتجويزنا خطاءه و ثانيا - على تقدير الخطأ أنه لا فرق في وجوب الاتباع أفعل كذا بين الأمرين، وأنه قطعي فيهما، وأن من قال له الرسول وجب عليه امتثاله قطعا سواء قاله عن اجتهاد أو عن وحي، وأما النظر إلى إصابة ما في نفس الأمر أو عدمها فلا تكليف به](٥). وإذا عرفت هذا فقد جعل السيد محمد: عصمة الأمة كعصمة الرسل، فالحكم واحد فيما أَجْمِعَ عليه، وفيما صدر عن الرسل، لأنَّ الكل حجة. (١) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [فلا يخفى أن]. (٢) (النور/ ٦٣) (٣) (الحشر/٧). (٤) ترجم له الشوكاني رحمه الله في البدر الطالع (٣١/١ - ٣٢) فقال: العلامة الكبير مصنف الهداية والفصول اللؤلؤية ولد تقريبا سنة ٨٦٠هـ ستين وثمان مائة ثم ذكر جماعة من شيوخه .... إلى أن قال: ((وبرع في جميع الفنون وصار المرجع في عصره والمشار إليه بالفضيلة وله مصنفات أشهرها وأجلها ما تقدم)) ا.هـ، وذكر الحبشي في مصادر الفكر (ص١٦١): ((أنه توفي سنة ٩١٤)). قلت: وقد شرح العلامة لطف الله غِيَأْث كتاب الفصول اللؤلؤية ولم يكمله وأكمله صلاح بن أحمد المهدي. ا. هـ من مصادر الفكر (ص١٦١). (٥) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). ٢١٤ ثم [إن] (١) الأصل في حكم المعصوم مطابقته لما في نفس الأمر - للعلم القطعي - [بأن ما طابق] (٢) ما في نفس الأمر من أفعال الرسل أكثر مما خالف، فإن المخالف أندر شيء بالنسبة إلى ما طابق. على أنه لا سبيل لنا [إلى العلم](٣) بأن المعصوم أخطأ ما في نفس الأمر - إلّ بوحي. ولا يخفى أن كلامه هنا في عصمة الإجماع وأنه يجوز فيه الخطأ. وقد علمت أنه لا إجماع إلاّ بعد عصر النبوة كما علم من حقيقة الإجماع، وحينئذ فلا يعلم ولا يظن خطأ إجماع لما طلب أصلا، - والأصل المطابقة - وبعد تحقيقك ما قررناه تعلم أن هذا السر الذي ذكره السيد محمد في كتبه لا طائل تحته، ومراده الرد على من ذكره - من القائلين - بأن ما أخرجه الشيخان مقطوع بصحته. فإنهم استدلوا - [بأن ظن] (٤) من هو معصوم من الخطأ، لا يخطئ والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ. والسيد محمد - رحمه الله - رد هذا الدليل بتجويز خطأ المعصوم في ظنه وأورد ما دل على وقوعه من الرسل مع عصمتهم - يريد والخطأ يجوز في الإجماع فإنه لم يناف العصمة (قلت): وإن لم يعلم وقوعه من الأمة - لما عرفت من أنه لا يعلم خطأ المعصوم إلّ بالوحي، ولا إجماع إلاّ بعد انقطاعه وعلمت وجوب اتباع المعصوم وحجية ما قاله على الأمة - وإن جوز أنه خطأ -. وهذا قد أفاده قول السيد محمد، ولا يمتنع: أن يدخل الظن في الاستدلال - ثم يجب القطع باتباعهم، فيقال حينئذ(٥): قد وجب القطع (١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٢) صورة ما بين الحاصرتين في النسخة (ب) هي: [بالمطابق] (٣) صورة ما بين الحاصرتين في النسخة (أ) هي: [إلا أنا لا نعلم] (٤) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [بظن). (٥) بعد قوله: حينئذ يوجد في حاشية النسخة (أ) ما لفظه: [أي بإجماع الأمة]. ٢١٥ باتباع الأمة في تلقيها أحاديث الصحيحين بالقبول، سواء قلنا برأي ابن الصلاح أو برأي النووي فلا فرق. فضاع إبداء هذا السر ولم ينفع فيما أريد نفعه - فتأمل - (قلت): إلّ أن لنا هاهنا أبحاثا : الأول: أن أحاديث عصمة الأمة إنما وردت بما يفيد عصمتها عن الضلال، - لا عن الخطأ، ــ كما عُرِفَ من مجموعها - وقد ساقها أئمة الأصول في بيان حجية الإجماع، وهذا سهل، لأنه بعد ثبوت حجية الإجماع يجب اتباعه وإن جوز أنه خطأ. الثاني: ظاهر كلام الجميع ممن قدمنا ذكره من الأعلام: أن الأمة - أي: مجتهديها، لأنهم المعتبرون في الإجماع - تلقوا كل حديث من أحاديث الصحيحين بالقبول ولذا قال الحافظ: ((وهذا أي التلقي يختص بما لم ينتقده أحد من الحفاظ .... )) إلى آخره(١) ويقال عليه: [إنه لا بدَّ] (٢) من إقامة البينة على هذه الدعوى، وهذه هي دعوى الإجماع الذي قال فيه أحمد بن حنبل: ((إن من ادعاه فهو كاذب))، ثم إنه يغلب في الظن أو يحصل القطع: بأن في مجتهدي الأمة من لا يعرف أحاديث الصحيحين فإن معرفتهما بخصوصهما ليست شرطاً في الاجتهاد قطعاً، بل صرح إمام الشافعية الغزالي: (أنه يكفي فيه سنن أبي داود) وصرح السيد محمد في كتابه - القواعد(٣) - إنه يكفي فيه [التلخيص الحبير] (٤) فكيف تروج دعوى: (أن كل مجتهد في مشارق الأرض ومغاربها وجنوبها و[عدنها](6) قد فتش (١) نزهة النظر (ص٢٩) (٢) صورة ما بين الحاصرتين في النسخة (ب) هي: [لأنه]. (٣) مخطوط: بالجامع الكبير (٩٦ - مجاميع)، وذكر مؤلف مصادر الفكر العربي الإسلامي في اليمن (ص ١٥٩): أنه مخطوط بمكتبة الحبشي وتوجد مخطوطة أخرى له في المكتبة التيمورية - بدار الكتب المصرية أ هـ (٤) وردت تسميته في النسختين ب - [تلخيص الحبير] والتصويب من عندي، وذلك لكونه الاسم الصحيح لهذا الكتاب. والله أعلم. (٥) هكذا صورة هذه الكلمة في النسختين (أ) و (ب) ويظهر أن المراد: [ومدنها] والله أعلم. ٢١٦ عن كل فرد فرد من أحاديث الصحيحين ثم تلقاه بالقبول، بأن يكون عاملا به أو متأولا له، إذ هذا معنى التلقي بالقبول عند أهل الأصول والسيد محمد رسمه في كتبه بأنه ما حكم المعصوم بصحته ضمناً وهو يوافق رسمهم لأنه لا عمل ولا تأويل إلاّ لما صحَّ، وقد بسطنا هذا في شرح (التنقيح) و[رسالة](١) (ثمرات النظر في علم الأثر) ولا تستطيل ما ذكرناه فإنا رأينا تطبيق الأئمة الجهابذة النقاد على ذلك فاستبعدناه. الثالث: أنه لو تم الدعوى لَمَا تم الجزم بالصحة لأن الحسن يعمل [به](٢) كما يأتي فالتلقي بالقبول شمله فيدل التلقي على الصحة أو الحسن لا على الصحة خاصة، ولعلّه يأتي في بحثه. (مَسْأَلَةُ: الْغَرِيْبِ الْمُطْلَقْ وَالْغَرِيْبِ النِّسْبِي) (١٩) هَذَأْ عَلَى الْمُخْتَارِ وَالْغَرَأْبَةُ قِسْمَأْنِ فِيْمَأْ قَأْلَ ذُوْ الإِصَابَةُ قد عرفت أن الغريب أحد الثلاثة الآحادية، وهو: ما تفرد بروايته شخص واحد في أي موضع من السند. وإذا قد عرفت ذلك فإن الغرابة انقسمت إلى قسمين الأول أفاده قولنا : فَسَمِّهِ الْمُطْلَقَ وَالْثَّانِيْ وَرَدْ (٢٠) الأَوَّلُ الْحَاصِلُ فِي أَصْلِ الْسَّنَذْ وَهُوَ قَلِيْلٌ ذِكْرُهُ فِي الْكُتْبِ (٢١) فِيْمَا عَدَأْهُ سَمْهِ بِالنَّسْمِيْ المراد بأصل السند، الموضع الذي يدور عليه الإسناد ويرجع ولو تعددت الطرق إليه وهو طرفه الذي فيه الصحابي وذلك بأن يرويه تابعي واحد عن صحابي ولا يتابعه غيره في روايته عن ذلك الصحابي، سواء تعدّد ٤) فليس الصحابي في تلك الرواية أو لا، وأما انفراد الصحابي عن النبي (١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). ٢١٧ غرابة إذ ليس في الصحابة ما يوجب قدحا فهذا القسم يُسَمَّى بالغريب المطلق قال السيد محمد في - مختصره - : ((ويقل وجوده)) انتهى. (قلت): ولم أجد هذا في غيره [و](١) قال ابن حجر: (إن أمثلة الفرد المطلق كثيرة) وساق منها في كتابه - النكت - كثيراً فينظر في كلام السيد، ثم قال الحافظ هنا: ((ومثَّلوه بحديث (النهي عن بيع الولاء و[عن](٢) هبته)(٣) تفرد به عبدالله بن دينار عن ابن عمر وقد يتفرد به راو عن ذلك المنفرد كحديث (شعب الإيمان) تفرد به أبو صالح عن أبي هريرة وتفرد به عبدالله بن دينار عن أبي صالح ولفظه: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها: قول لا إله إلاّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان)»(٤). قال الحافظ: ((وفي مسند البزار والمعجم الأوسط للطبراني أمثلة لذلك كثيرة)). انتهى(٥) قلت: وقد قسَّمُوه إلى غريب السند وغريب المتن وإلى صحيح وغير صحيح. ومثال الصحيح ما رواه ابن وهب متفرداً به، فقال: أخبرني محمد يعني الرعيني عن ابن جريج عن ابن شهاب عن يحيى بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: سأل أناس رسول الله (1) عن الكهان فقال: ((ليسوا بشيء))(٦). وأمثال هذا من أفراد الصحيح، وأما الغريب الذي ليس بصحيح فكثير وهو الذي حذَّر منه الأئمة كما قال الإمام أحمد: (لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب، فإنها مناكير وأكثرها عن الضعفاء) وأمثلة ذلك كثيرة. (١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب). (٣) أخرجه البخاري (٢٥٣٥) (٦٧٥٦) ومسلم (٣٨٧/١٠ - ٣٨٨ - نووي) بألفاظ. (٤) أخرجه البخاري (٩) ومسلم (١٩٤/٢ - ١٩٥ - نووي). (٥) نزهة النظر (ص ٣١). (٦) أخرجه البخاري (٦٢١٣) وتمامه (قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون أحياناً بالشيء يكون حقا؟ فقال رسول الله م﴾: ((تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فَيَقُرُّهَا في أذن وليه قرَّ الدجاجة فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة)) اهـ. ٢١٨ وقد عدوا من أنواع الغريب غريب ألفاظ الحديث، قالوا: وأوَّلُ من صنَّفَ فيه النضر بن شميل، وقيل: أبو عبيدة معمر بن المثنى. وما زال التأليف فيها وأجمَعُها (النهاية) لأبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير، وصنف بعد النهاية كتاباً فائقاً في شرح غريب الأحاديث والآثار الطوال ونحوها سماه (منال الطالب في شرح طوال الغرائب) ذكر هذا ابن ناصر الدين في كتابه: (علوم الحديث) ويأتي بحث غريب ألفاظ الحديث، هذا. والثاني هو ما أفاده قولنا: (والثاني ورد .... إلى آخره) فهذا هو القسم الثاني من الغريب ويسمى : - بالنِّسبي - بكسر النون وسكون السين المهملة وموحدة ومثناة تحتية مشددة في آخره سموه: نسبياً، لكون التفرد حصل بالنسبة إلى شخص معين وإن كان الحديث في نفسه مشهوراً بأن يكون مروياً من أوجه أُخَر لم ينفرد فيها راو. قال الحافظ: (ويقل إطلاق الفرد عليه) ولذا (قلنا) وهو قليل ذكره في الكتب - أي: على الفرد النسبي - بل يقال له: الغريب غالباً، قال: (لأن الغريب والفرد يترادفان لغةً واصطلاحاً، إلاّ أن أهل الاصطلاح غايروا بينهما، من حيث كثرة الاستعمال، وقلته، فالفرد: أكثر ما يطلقونه على الفرد المطلق، والغريب: أكثر ما يطلقونه على الفرد النسبي هذا من حيث إطلاق [الاسمية](١) عليهما، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق، فلا يفرقون فيقولون في المطلق والنسبي: تفرد به فلان أو أغرب به فلان) انتهى. (٢) زاد هنا السيد محمد فإن وافقه - أي: الفرد النسبي - غيره فهو: (المتابع) بكسر الموحدة وإن وجد متن يشبهه، (فالشاهد) وتتبع الطرق لذاك (الاعتبار) انتهى. ويأتي تحقيقها. (١) ما بين الحاصرتين مثبت من الأصل المنقول عنه، وصورته في النسختين (أ) و (ب) هي: [الاسم]. (٢) نزهة النظر (ص٣١). ٢١٩ (مَسْأَلَةٌ: فِيْ الصَّحِيْحِ، وَتَعْرِيْفِهِ، وَأَقْسَأْمِه) فِيْ ضَبْطِ مَا يُزْوَى عَنِ الأَعْلامِ (٢٢) وَهُوَ بِنَقْلِ الْعَدْلِ ذِيْ الثَّمَأْمِ لأ عِلَّةٌ وَلاَ شُذُوْذٌ فِيْهِ (٢٣) مُتَّصِلاَ إِسْتَأْدُ مَا يَزْوِئِهِ لِذَأْتِهِ وَإِنْ نَظَرْتَ الْوَصْفَأ (٢٤) يُذْعَى الْصَّحِيحَ فِي الْعُلُؤْمِ عُرْفَأْ قوله: (وهو). أي: خبر الآحاد، وهذا أول تقسيم المقبول(١) إلى أربعة أنواع: لأنه إما يشتمل من صفات القبول على أعلاها، أو لا، الأول: الصحيح لذاته، وهو: فعيل بمعنى فاعل، من الصحة وهي: حقيقة في الأجسام، واستعمالها [فيه](٢) مجازاً واستعارة. والثاني: إنْ وجد ما يجبر ذلك القصور ككثرة الطرق فهو الصحيح أيضاً لكن لا لذاته - وحيث لا جبر، فهو الحسن لذاته وإن قامت قرينة ترجح جانب قبول ما[يتوقف فيه](٣) فهو الحسن أيضاً - لكن لا لذاته - وقدم الصحيح لذاته لعلو رتبته. والمراد بالعدل على ما قاله الحافظ ابن حجر: [من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروة - والمراد بالتقوى - اجتناب الأعمال السيئة: من شرك، أو فسق، أو بدعة انتهى كلامه] (٤). واعلم أنا قد كتبنا [على](٥) تفسير الحافظ للعدالة كغيره بما ذكر رسالةً سميناها (ثمرات النظر في علم الأثر)(٦) ولنشر إلى شيء مما اشتملت عليه وإلا فهي بسيطة مشتملة على فوائد شريفة فنقول: (١) في النسخة (ب) زيادة [وهو ينقسم] بعد قوله: (المقبول). (٢) هكذا في النسخة (أ) أما في (ب) فيوجد ما لفظه (في غير الأجسام). (٣) هكذا في النسخة (أ) أما في (ب) فيوجد ما لفظه (يتوقف منه). (٤) نزهة النظر (ص٣٣). (٥) ما بين الحاصرتين ليس موجوداً في النسخة (ب) وبدون كلمة على المذكورة في النسخة (أ) لا يستقيم الكلام. (٦) سبق وأن حققنا هذه الرسالة والحمد لله. ٢٢٠