Indexed OCR Text

Pages 141-160

وأما اعتذاره بأنه قتل طلحة متأولاً فعذر لا يبقى معه لعاص معصية،
بل يُدّعى له التأويل، وهو كتأويل من ادَّعَى لمعاوية في ((فواقره)) أنه مجتهد
أخطأ في اجتهاده، مع أنه [قد](١) نقل العلّامة العامري الإجماع على أنه
باغ، والباغي غير مجتهد في بغيه.
وفي ((العواصم)): وقد اعترف أهل الحديث بأجمعهم أن المحاربين
لعلي (رضي الله عنه](٢) [معاوية ومن تبعه - بغاة عليه وأنه صاحب الحق
وأما قبول](٣) روايتهم عن البغاة فلما عرفت من الإجماع على قبولهم، وأنه
ليس مدار الرواية إلا على ظن الصدق، وأحسن من قال:
في الاجتهاد وأخطا فيه صاحبُهُ
قالوا النواصب قد أخطا معاوية
وفي أعالي جنان الخلد رَاكِبُهُ
والعفو في ذاك مرجوٌّ لفاعله
في النار قاتل عمَّار وسالبُه
قلنا كذبتم فَلِم قال النبي لنا
ثم قوله: ((فلا يعرّج على من تكلم فيه إن ثبتت الرؤية))، مراده: لا
إذا لم تثبت فيقبل [فيه](٤) القدح، [وقد نقضه آخراً](٥) لما قال: ((إنما روى
عنه مَنْ روی قبل خروجه على ابن الزبير)).
إلا أن يقال: المراد له به: وإن سلمنا أنه سمع فيه القدح، فيجاب
عنه بأنه لا يضر ذلك لأن الرواية عنه قبل وقوع ما جُرح به [فلا](٦) يخدش
ذلك في الرواية عنه قبل ذلك، وقد خالف المحدثين ابنُ حجر، فإنهم
صرحوا بفسق من له رؤية كبسر بن أرطاة.
قال الدارقطني: كانت له صحبة، ولم تكن له استقامة بعد
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٢) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (أ) هي: [عليه السلام].
(٣) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٤) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٥) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [فلا يفضه آخره] !!!.
(٦) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (أ) هي: [وما].
١٤١

رسول الله ﴾، وقال ابن عبدالبر: كان ابن معين يقول: إنه رجل سوء،
قال ابن عبدالبر: وذلك لعظائم ارتكبها في الإسلام.
وكذلك الوليد بن عقبة، قال الذهبي في ((النبلاء)) في ترجمته: كان يشرب
الخمر، وحد على [شربها] (١) وروي [شعره في](٢) شربها، قال: وهو الذي صلى
بأصحابه الفجر أربعاً وهو سكران ثم التفت إليهم وقال: أزيدكم؟
وقد ذكر المحدثون في كتب معرفة الصحابة من ارتد وكفر من
الصحابة بعد إسلامه، والكفر أعظم الكبائر.
والقصد من هذا بيان أن قول الحافظ ابن حجر: ((إن ثبتت رؤية
لمروان فلا يعرج على من تكلم فيه)) في أنه جعل الرؤية كالعصمة، وكلامه
خلاف ما عليه أئمة الحديث.
ولا يقال: من ارتد فقد استثنوه من اسم الصحبة، لأنا نقول: ليس
مرادنا إلا أن الرؤية ليست [بمانعة](٣) عن ارتكاب المعاصي، ولا يقال
فيها: إن ثبتت فلا يعرج على كلام من تكلم في صاحبها، فإن هذا أصل لا
يوافق قائله عليه ولا يطابق ما عُرِفَ من كلام أئمة الحديث.
وإذا أحطت بما أسلفناه فهاهنا فوائد هي كالنتائج والفروع عمَّا قدمناه:
- الأولى: أنَّ التوثيق ليس عبارة عن التعديل [باصطلاحهم] (٤)، بل
أن الموثَّق اسم مفعول صادق [لا](٥) يكذب مقبول الرواية، كما سمعت من
توثيقهم من ليس بعدل.
فالعدالة - في اصطلاحهم - أخصّ من التوثيق، ووجود الأعم لا
يستلزم وجود الأخص.
(١) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [شرابها].
(٢) ما بين الحاصرتين فيه تقديم وتأخير في النسخة (ب).
(٣) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [مانعة].
(٤) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ).
(٥) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي (على مَنْ لم].
١٤٢

- الثانية: التعديل بأنه أخرج له الشيخان، كما يقولونه كثيراً، أو
أحدهما، أو احتجا به أو أحدهما، ليس تعديلاً، بل هو توثيق أيضاً.
فقول الشيخ أبي الحسن المقدسي في الرجل الذي يخرج عنه في
((الصحيح)): هذا جاز القنطرة يعني لا يلتفت إلى ما قيل فيه، كأنه يريد:
كثيراً منهم جازها، وإلا فكيف يجوزها النواصب وغلاة الشيعة وأهل
الإرجاء والمبتدعة ممن هم في ((الصحيح))؟.
- الثالثة: قدح المبتدع في المبتدع لا يقبل على أصلهم، كما
[قاله](١) الحافظ في ردِّه على الجوزجاني في قدحه على إسماعيل بن أبان
بالتشيع، وهذه فائدة جليلة تؤخذ من غضون الأبحاث، وقد صرح بها
الأصوليون، حيث قالوا: لا يقبلان إلا من عدل.
لكنه لا يتم لمن عد ترك البدعة من ماهية العدالة، كما فعله الحافظ
وابن الحاجب، لا كما فعله صاحب ((غاية السؤل)) فإنه حذف فيه الابتداع
ولم يبين في ((شرحه)) وجه حذفه، [كأنه لما قاله السعد في ((شرح الشرح)):
إن في كون البدعة مخلة بالعدالة نظر، انتهى](٢) ولم يبين وجه النظر إلا
يكون الغزالي لم يذكرها في رسم العدالة ولم يتكلم صاحب ((جواهر
التحقيق)) على هذا.
وقد عرفت مما أسلفناه أن الأولى ترك قيد الابتداع إلا أن يدرج في
الكبائر لما عرفت من نهوض الأدلة على أنه منها، وقد عدَّه صاحب
((الزواجر)) منها، وهو صادق عليه، حدها بأنها [ما](٣) تَؤُعِّدَ عليه بعينه كما
في ((الفصول)) و((جمع الجوامع)) فما نظره السعد غير صحيح، إلا أن يريد
أنها قد دخلت في قيد من [قيود حد](٤) العدالة ولا يصح أن هذا مراده،
فإنه جعل محل النظر [إخلالها](*) بالعدالة.
(١) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [قال].
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٣) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٤) ما بين الحاصرتين فيه تقديم وتأخير في النسخة (ب).
(٥) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [خلالها] !!!.
١٤٣

وإذا عرفت أنه لا يُقبل مبتدع في مبتدع، فقد قلّ من خلا عن الابتداع
من الجارحين لغيرهم، فلا ينبغي على ما قالوا: إنه يقبل قول جارح حتى
يعلم خلوه من البدعة بجميع أنواعها لإطلاقهم إياها في الرسم.
- الرابعة: من يقبل فساق التأويل وينقل الإجماع على قبولهم كالأمير
الحسين صاحب ((الشفاء)) (١) فإنه قال في كتابه ((شفاء الأوام)) في كتاب
الوصايا: وأَما فاسق التأويل فإنَّا لا نبطل كفاءته في النكاح كما تقدم،
[ونقبل](٢) خبره الذي نجعله أصلاً للأحكام الشرعية لإجماع الصحابة على
قبول أخبار البغاة على أمير المؤمنين عليه السلام وإجماعهم حجة.
لا يعاب عليه روايته عن المغيرة بن شعبة أول حديث في كتابه،
وغيره ويعاب عليه قدحه في جرير بن عبدالله وردّه لخبره بعين ما جعل غيره
مقبولاً معه وهو البغي؟!
- الخامسة: قول الأصوليين: من طرق التعديل رواية من لا يروي
إلا عن عدل، طريقة عزيزة الوجود، بل عديمته، فإن هذين الشيخين
صاحبي ((الصحيح)) هما أحسن الناس رجالاً، وكذلك النسائي، قال الذهبي
وابن حجر: إنه يتعنت في الرجال، ليسوا ملتزمين لذلك، بل قد سمعت ما
في كتبهم ممن ليس بعدل وغيرهم أبعد [وأبعد](٣) عن ذلك الالتزام وبه
تعلم أن قول الحافظ ابن حجر: إن شرط الصحيح أن يكون راوية معروفاً
بالعدالة فمن زعم أن أحداً منهم أي ممن في الصحيحين مجهول العدالة
فكأنه نازع المصنف في دعواه أنه معروف، ولا شك أن المدعي لمعرفته
(١) هو الحسين بن محمد بن أحمد بن يحيى اليحوي - من ذرية يحيى بن الحسين بن
القاسم - من كبار علماء الزيدية وفاته سنة ٦٦٢هـ، وكتابه شفاء الأوام المميز بين
الحلال والحرام توفي ولم يكمله، وأكمله ابن أخته، وقد ألف العلّامة عبدالعزيز
الضمدي تخريجاً عليه كذلك ألف الإمام محمد بن علي الشوكاني حاشية عليه سماها .
وبل الغمام - ممن ترجم له الزركلي في الأعلام (٢٥٥/٢) والحبشي في مصادر الفكر
(ص٤٢).
(٢) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [ويقبل].
(٣) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
١٤٤

مقدم على من يدعي عدم معرفته لما مع المُثبت من زيادة العلم، انتهى.
مُسلَّم في هذا النوع لكن كيف يتم فيمن عرف بعدم العدالة
كعمران بن حطان ومروان فإنه من رجالهما، لما عرفت من اعتماد مالك
عليه واعتماد الشيخين على مالك؟ وقولهم: ليس لمروان في مُسْلِم مُسَلَّم
لكنَّ مالك من رجال مسلم [و](١) ربَّما كان فيه من حديث مروان من
طريقه، وقد تقرر أن الجارح أوْلَى من المعدل، لأن عنده زيادة علم، ولأن
قبوله عمل بالجارح والمعدل، والإعمال خير من الإهمال.
إن قلت: ما روى ملتزم الرواية عن العدول إلا عن عدل في ظنه،
ولعله لم يطلع على قدح من قدح فيه مِن رواته أو أنه اطلع لكن لم يكن
عنده تلك الخلة التي قدح بها فيمن عدَّله قادحة في نظره لاختلاف أنظار
التُّظار في ذلك.
قلت: معلوم أن هذا مراد الملتزم وعذره إلا أنَّا نقول: [بعد](٢) تتبع
النقاد لرواة ذلك الملتزم ووجودهم في رواية المجروحين وغير العدول
شكَّكَ ذلك على الناظر في عدالة من روى [عنهم](٣) هؤلاء الملتزمون
للعدالة في ذلك، أي في كل من رووا عنه لا في التزامهم فإنه معلوم لكنهم
ما وفوا به وحينئذ حصل التجويز بأن من رووا عنه ولم يخرج غير ذلك
دليل التجويز ظهور غير العدل في [رواتهم](٤) وحينئذ فلا تبقى مجرد الرواية
[عن](٥) ملتزم العدالة تعديلاً وإلا كان تعديلاً مع الشك وهو [أوضح] (٦)
ويأتي هذا في الفائدة العاشرة.
- السادسة: من البعد عن الإنصاف قول ابن القطان: إن في رجال
((الصحيحين)) من لم يعلم إسلامه، فضلاً عن عدالته، وكم بين هذا
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ).
(٢) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [مع].
(٣) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ).
(٤) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [روايتهم].
(٥) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [من].
(٦) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [واضح].
١٤٥

و[بين](١) قول الحافظ السابق آنفاً، وكلام ابن القطان وإن تلقاه بعض
محققي المتأخرين(٢) بالقبول فليس بمقبول، إذ من المعلوم أنه لا يروي أحد
من أهل العلم كلام رسول الله
عن غير مسلم فلا بالإفراط ولا بالتفريط
وكلا طرفي قسط الأمور ذميم.
- السابعة: قول الذهبي: ((إن أهل البدعة الكبرى الحاطِّين على
الشيخين، الدعاة إلى ذلك، لا يقبلون ولا كرامة)) غير صحيح، فقد أخرج
الجماعة من أهل هذا القبيل كعدي بن ثابت، وتقدم لك أنه قال فيه
الدار قطني : رافضي غال.
وأخرج الستة لأبي معاوية الضرير، قال الذهبي: إنه غال في التشيع،
ووثقه العجلي، ولا [يحصى] (٣) من وثقوه من أهل هذه الصفة.
ولا تراهم يعولون إلا على الصدق، كما قال البخاري في أيوب بن
عائذ بن مدلج: كان يرى الإرجاء إلا أنه صدوق، وقد وثقه من سلف.
والعجب من قبول غلاة الشيعة وردّ مثل الحارث الأعور(٤) والقدح فيه
بالتشيع، حتى تكلف مسلم في مقدمة ((صحيحه)) (٥) بذكر أشياء عن الحارث
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٢) يريد بقوله: ((بعض محققي المتأخرين)) الشيخ صالح بن مهدي المقبلي المولود سنة
(١٠٤٧ هـ) والمتوفى سنة (١١٠٨هـ)، ورد ذكر هذا في حاشية النسخة (أ).
(٣) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [يخفى).
(٤) كلام أئمة الجرح والتعديل في جابر الجعفي كالآتي:
قال ابن معين في التاريخ (٣٦٤/٣): ((وكان جابر كذَّاباً) وقال في موضع آخر: ((لا
يكتب حديثه ولا كرامة))، وقال أبو حنيفة كما في الميزان (٣٨٠/١): ((ما لقيت فيمن
لقيت أكذب من جابر الجعفي، ما أتيته بشيء من رأيي إلاّ جاءني فيه بأثر)) وقال
يحيى بن يعلى كما في الميزان (٣٨٣/١): ((سمعت زائدة يقول: جابر الجعفي رافضي
يشتم أصحاب النبي (®))، وقال ابن حبان في المجروحين (٢٠٨/١): ((كان سبئياً من
أصحاب عبدالله بن سبأ، كان يقول: إن علياً يرجع للدنيا»، قال الجوزجاني في أحوال
الرجال (ص٥٠): ((كذّاب)»، وبعد هذه النقولات يتبين لك بُعد الإيراد الذي ذكر
المؤلف رحمه الله حيث أن الطعن في جابر كان بسبب تشيعه المفرط مع كذبه.
(٥) (٥٧/١ - ٥٩ - نووي).
١٤٦

لا تعد قدحاً ولا جرحاً، كقوله: إنه قال: ((تعلمت الوحي في سنتين أو في
ثلاث سنين))، وفي الرواية الأخرى: ((القرآن هين، الوحي شديد)).
قال في ((شرح مسلم)) للنووي(١): ((ذكر مسلم هذا في جملة ما أُنْكِرَ
على الحارث [الأعور](٢) وجرح به، وأخذ عليه، من قبيح مذهبه وغلوه في
التشيع وكذبه)) انتهى(٣).
قلت: العجب من القدح بهذه العبارات التي ما تكاد تبين المراد بها
مع صحة حملها على ما لا ضير فيه كما تسمعه عن الخطابي(٤)، وأعجب
من ذلك قول شارح ((مسلم)): ((إنه من قبيح مذهبه وغلوّه في التشيع))، وأي
مساس لهذه الألفاظ بالتشيع؟ ما هذا بإنصاف. ولقد أحسن القاضي
عياض(٥) حيث قال: [أرجو](*) أن هذا [يعني](٧) الكلام الذي نقله مسلم
عن الحارث من أخف أحواله [لاحتماله](٨) الصواب، فقد [فسره] (٩) بعضهم
(١) هو يحيى بن شرف الحوراني النووي أبو زكريا: العلامة المحدث الفقيه - من مؤلفاته
المنهاج شرح صحيح مسلم وخلاصة، الأحكام وغيرهما - توفي سنة (٦٧٦هـ) ترجم
له ابن تغري في النجوم الزاهرة (٢٧٨/٧) والذهبي في التذكرة (١٤٧٠/٤) والعِبَر
(٣١٢/٥) وابن العماد في الشذرات (٣٤٥/٥).
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ).
(٣) (٥٨/١).
(٤) هو الإمام المحدث العلامة الرحال أبو سليمان حَمْد بن محمد بن إبراهيم بن
الخطاب، البستي الخطابي قال الذهبي : ((كان ثقة ثبتاً من أوعية العلم)) توفي سنة
(٣٨٨ هـ) ترجم له الذهبي في التذكرة (١٠١٨/٣) وابن خلكان في وفيات الأعيان
(٢١٤/٢).
(٥) هو عياض بن موسى بن عياض بن عمرو بن موسى بن عياض، أبو الفضل اليحصبي
السبتي - العلامة الحافظ - توفي رحمه الله سنة (٥٤٤هـ) ترجم له الذهبي في سير
أعلام النبلاء (٢١٢/٢٠) والتذكرة (١٣٠٤/٤) وابن خلكان في وفيات الأعيان
(٤٨٣/٣).
(٦) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٧) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٨) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [لاحتمال].
(٩) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [فسر].
١٤٧

هنا بالكتابة ومعرفة الخط، قاله الخطابي، [يقال](١): أوحى ووحى: إذا
كتب. وعلى هذا ليس على الحارث في هذا درك، انتهى.
إن قلت: قد قدحوا فيه بالكذب، قلت: تعجبنا من القدح فيه بالتشيع
ومن إثباتهم كلاماً ليس فيه من قدح ولا تشيع.
- الثامنة: أن أهل الحديث اتفق لهم في مخالفة فروعهم لأصولهم
مثلما اتفق لأهل سائر الفنون، أصلوا أنه لا يقبل داعية وسمعت قبولهم
[له](٢) وأصلوا أنه لا يقبل [غلاة الروافض](٣) وسمعت قبولهم لهم،
وأصلوا أنه لا يقبل أهل الإرجاء وتراهم يقبلونهم، وأصلوا [أنه لا يقبل](٤)
أهل القدر وتراهم يقبلون من اتصف [به](٥)، وهذا كله مما يرشدك إلى ما
قررناه من أنه لا يلاحظ إلا ظن الصدق وأنه مدار الرواية.
التاسعة: كلام الأقران والمتعادين في المذاهب والعقائد لا ينبغي
قبوله، فقد فتح باب التمذهب عداوات وتعصبات قل من سلم منها إلا من
عصمه الله [تعالى] (٦)، قال الحافظ الذهبي في ترجمة أحمد بن عبدالله بن
أبي نعيم الأصفهاني (٧) ما لفظه: كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به،
لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد لا ينجو منه إلا من
عصمه الله [تعالى] (٨) وما علمت أن عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك
سوى النبيين والصديقين، فلو شئت سردت لك كراريس انتهى.
(١) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [فقال].
(٢). ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [لهم] !!.
(٣) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٤) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [أنهم يقبلونهم].
(٥) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [بهذا].
(٦) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٧) هو أحمد بن عبدالله بن أحمد بن إسحاق - الحافظ الكبير - ولد سنة (٣٣٦هـ) وتوفي
سنة (٤٣٠ هـ) ترجم له الذهبي في تذكرة الحفاظ (١٠٩٢/٣) وابن العماد في شذرات
الذهب (٢٤٥/٣).
(٨) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
١٤٨

[هذا](١) كلام الذهبي ونصه، وقد عيب عليه ما عابه على غيره، قال
ابن السبكي في ((الطبقات)) نقلاً عن الحافظ صلاح الدين العلائي ما لفظه:
الشيخ شمس الدين الذهبي، لا أشك في ديانته وورعه وتحريه فيما يقول،
ولكنه غلب عليه منافرة التأويل والغفلة عن التنزيه، حتى أثر ذلك في طبعه
انحرافاً شديداً عن أهل التنزيه وميلاً قوياً إلى أهل الإثبات، فإذا ترجم
[لأحد] (٢) منهم أطنب في محاسنه وتغافل عن غلطاته، وإذا ذكر أحداً من
أهل الطرف الآخر - كالغزالي وإمام الحرمين(٣) لا يبالغ في وصفه ويكثر من
قول من طعن [فيه](٤)، وإذا ظفر لأحدهم بغلطة ذكرها.
وكذا في أهل عصرنا إذا لم يقدر على التصريح، يقول في ترجمته:
والله يصلحه، ونحو ذلك، وسببه: المخالفة في العقائد [انتهى](٥).
قال ابن السبكي: ((وقد وصل - يريد الذهبي - من التعصب - وهو
شيخنا - إلى حد [يسخر به منه](٦)، وأنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب
علماء المسلمين، والذي أفتي به أنه لا يجوز الاعتماد على شيخنا الذهبي
في ذم أشعري ولا مدح حنبلي)).
وأقول: الصلاح العلائي وابن السبكي شافعيان إمامان كبيران، والذهبي
إمام كبير الشأن حنبلي المذهب، وبين هاتين الطائفتين في العقائد - في
الصفات وغيرها - تنافر كلي، فلا يقبلان [عليه](٧) بعين ما قالاه.
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٢) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (أ) هي: [أحداً].
(٣) هو عبدالملك بن عبدالله بن يوسف بن محمد الجويني - نسبة إلى جوين من نواحي
نيسابور - أبو المعالي - قال ابن خلكان: أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي على
الإطلاق، جاور بمكة أربع سنين فلقب بإمام الحرمين، ومكث مدة بالمدينة يفتي ويدرس،
من مؤلفاته: البرهان في أصول الفقه - توفي سنة (٤٧٨ هـ) ترجم له ابن خلكان في وفيات
الأعيان (٣٧٣/١) والذهبي في سير أعلام النبلاء (٤٦٨/١٨) وغيرهما.
(٤) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (أ) و (ب) هي: [عليه].
(٥) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٦) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [يُستحيا منه].
(٧) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
١٤٩

وقال ابن السبكي: قد عقد ابن عبدالبر باباً في حكم قول العلماء
بعضهم في بعض، بدأ فيه بحديث الزبير: ((دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم:
الحسد والبغضاء)»(١). قال ابن السبكي: وقد عيب على ابن معين كلامه في
الشافعي، وتكلم أيضاً في [مالك بن أبي ذئب وغيره](٢).
قلت: إذا كان الأمر كما سمعت فكيف يكون حال الناظر في كتب
الجرح والتعديل وقد غلب التمذهب والمخالفة في العقائد حتى يوصف
الرجل بأنه حجة ويوصف بأنه دجال باعتبار اختلاف حال الاعتقادات
والأهواء؟
فمن هنا كان أصعب شيء في علوم الحديث: الجرح والتعديل، فلم
يبق للباحث طمأنينة إلى قول أحد أئمتها بعد قول ابن السبكي: إنه لا يقبل
الذهبي في مدح حنبلي ولا ذم أشعري.
وقد صار الناس عالة على الذهبي وكتبه، ولكن الحق أنه لا يقبل على
الذهبي [لما ذكره هو، ولما ذكره الذهبي](٣) أنهم لا يقبلون الأقران
المتعاصرون في قرن واحد والمتساوون في العلوم، وهو مشكل، لأنه لا
يعرف حال الرجل إلا ممن عاصره، ولا يعرف حاله من بعده إلا بأخبار من
قارنه .
إن أريد الأول وإن أريد الثاني فأهل العلم هم الذين يعرفون أمثالهم،
ولا يعرف أولي الفضل إلا ذوو الفضل، فالأَوْلَى إناطة ذلك بمن يعلم أن
بينهما تنافساً أو تحاسداً أو شيئاً يكون سبباً لعدم الثقة بقول بعضهم في
بعض، لا لكونه من الأقران، فإنه لا يُعْرَفُ عدالته ولا جرحه إلا مِنْ
أقرانه، وأعظم ما فرق بين الناس هذه العقائد والاختلاف فيها، فليحذر عن
قبول المختلفين فيها بعضهم في بعض وسنقرر آخراً ما يكشف هذه الغمة.
(١) أخرجه الترمذي (٢٥١٢) وأحمد (١٦٧/١) وغيرهما.
(٢) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [مالك وابن أبي ذئب وغيره !! ].
(٣) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [لما ذكره هو الذهبي].
١٥٠

- العاشرة: وجود الحديث في ((الصحيحين)) أو أحدهما لا يقضي
بصحته بالمعنى الذي سبق، لوجود الرواية فيهما عمن عرفت أنه غير عدل،
فقول الحافظ ابن حجر أن رواتهما قد حصل الاتفاق على تعديلهم بطريق
اللزوم، محل نظر وقوله: إن الأمة تلقت الصحيحين بالقبول، وهو قول
سبقه إليه ابن الصلاح وأبو طاهر المقدسي (١) وأبو عبدالرحيم بن عبدالخالق،
وإن اختلف هؤلاء في إفادة هذا التلقي: العلم أو الظن.
وبسط السيد محمد بن إبراهيم سبب الخلاف في كتبه، وأنه جواز
الخطأ على المعصوم في ظنه، وطول الكلام في ذلك، ولنا عليه أنظار
أودعناها: حل العقال.
وأقول: لابد من سؤال، الاستفسار في الطرفين الأول: هل المراد
أن كل الأمة من خاصة وعامة تلقتهما بالقبول، هذا غير مراد بل المراد
علماء الأمة المجتهدين، إلا أنه لا يخفى أن هذه دعوى على كل فرد
فرد من أفراد مجتهدي الأمة أنه تلقَّى الكتابين بالقبول، لابدَّ من البرهان
عليها وإقامته على هذه الدعوى من المتعذرات عادة، كإقامة البينة على
دعوى الإجماع الذي جزم أحمد بن حنبل وغيره أن من ادّعاه فهو
كاذب .
وإذا كان هذا في عصره قبل عصر تأليف ((الصحيحين)) فكيف من بعده
والإسلام لا يزال منتشراً وتباعد أطراف أقطاره.
والذي يغلب به الظن أن من العلماء المجتهدين من لم يعرف
الصحيحين، إذ معرفتهما بخصوصهما ليست شرطاً في الاجتهاد، وبالجملة
[تمنع](٢) الدعوى ويطالب في دليلها.
السؤال الثاني: على تقدير تسليم الدعوى الأولى: ما المراد من التلقي
(١) كذا ورد في النسختين (أ) و(ب) والذي يظهر أنَّه ابن طاهر المقدسي الآتية ترجمته،
والله أعلم.
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
١٥١

بالقبول هل تلقي أصل الكتابين وجملتهما وأنهما [لهذين] (١) الإمامين
الحافظين؟ فهذا لا يفيد إلا الحكم بصحة نسبتهما إلى مؤلفيهما.
ولا يفيد المطلوب أو المراد بالتلقي بالقبول لكل فرد من أفراد أحاديثهما،
وهذا هو المفيد للمطلوب إذ [هي التي رتب عليها](٢) الاتفاق على تعديل
[روايتهما](٣) فإن المُتَلَّقَّى بالقبول هو ما حكم المعصوم بصحته ظناً كما رسمه
بذلك السيد محمد بن إبراهيم وهو الذي يلاقي قول الأصوليين:
إنه ما تكون الأمة بين عامل به ومتأول له، إذ لا يكون ذلك إلا لما
صحّ لهم.
ويحتمل أنه يدخل [فيه](٤) الحسن، فلا يلاقي رسمه رسمهم، إلا أنه
لا يخفى عدم صحة هذه الدعوى، وبرهان ذلك ما سمعت مما نقلناه من
كلام العلماء من عدم عدالة كل من فيهما، بل بالغ ابن القطان فقال: إن
فيهما من لم يعلم إسلامه، وهذا تفريط [وإن تلقاه بعض محققي المتأخرين
بالقبول كما أسلفناه، وإنما قلنا: إنه تفريط](٥) لما علم أنه لا يروي أحد من
أئمة المسلمين عن غير مسلم أحاديث رسول الله # كما أن دعوى عدالة
كل من فيهما إفراط وإذا كان كذلك فمن أين التلقي بالقبول؟
إلا أنه قد استثنى ابن الصلاح من [التلقي](٦) بالقبول لأحاديثهما: [ما
انتقده](٧) الحفاظ كالدارقطني وأبي مسعود الدمشقي(٨) وأبي علي الغساني،
قال الحافظ ابن حجر: وهو احتراز حسن.
(١) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [لهذان] !!!.
(٢) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (أ) هي: [هي الذي رتب عليه].
(٣) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (أ) هي: [رواتهما].
(٤) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ).
(٥) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٦) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [المتلقى].
(٧) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (أ) هي: [لما انتقد].
(٨) هو أبو مسعود إبراهيم بن محمد بن عبيد الدمشقي - الحافظ - كان صدوقاً ديِّناً ورعاً
فهماً - توفي سنة (٤٠١ هـ) ترجم له الذهبي في تذكرة الحفاظ (١٠٦٨/٣) والخطيب
في تاريخ بغداد (١٧٢/٦).
١٥٢

وقال: وعِدَّةُ: ما اجتمع لنا من ذلك مما في كتاب البخاري وشاركه
مسلم في بعضها مئة وعشرة أحاديث، وتتبعها الحافظ ابن حجر في مقدمة
((الفتح)) (١) وأجاب عن العلل التي قدح بها وبسط الأجوبة.
وقال آخراً: ليست كلها واضحة، بل أكثرها الجواب عنه ظاهر والقدح
فيه مندفع، وبعضها الجواب عنه محتمل، واليسير منه في الجواب عنه
تعسف انتهى معنى كلامه.
وأقول فيه: إن المدعي تلقي الأمة بالقبول، وهو أخص من الصحة إذ
قد ذهب الأكثر - منهم ابن حجر - إلى إفادته العلم (٢)، بخلاف ما حكم
بمجرد الصحة فغاية ما يفيد الظن ما لم ينضم إليه غير ذلك فيفيده، وهذه
الأحاديث مخرجة عن الصحيح لا عن التلقي بالقبول وإن كان ما لم يصح
غير متلقى، فالقياس أن يقال: غير [صحيحة](٣) لا غير [متلقاة] (٤) بالقبول
إذ ليس كل صحيح متلقى بالقبول - إذ يوهم أن هذه غير [متلقاة](*) بالقبول
- مع كونها صحيحة وليس الأمر كذلك.
وأما قول السيد محمد بن إبراهيم: ((إن الأمة تلقتهما بالقبول، وإن
صاحب(٦) ((الكشاف)) والأمير الحسين ذكرا الصحيحين بلفظ الصحيح ونقل
عنهما ذلك)).
ففي الاستدلال بهذا الإطلاق توقف عندي، لأن لفظ ((صحيح
(١) الموسومة بهدي الساري (ص٤٦٩ - ٥١٢).
(٢) يوجد بعد قوله: ((العلم)) في النسخة (أ) كلمة: [به].
(٣) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [صحيح].
(٤) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [متلقا].
(٥) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [متلقا].
(٦) هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري - نسبة إلى زمخشر
من قرى خوارزم من علماء اللغة والتفسير - وكان داعية إلى الاعتزال - من مؤلفاته
((الكشاف)) و((أساس البلاغة)) وغيرهما توفي في سنة (٥٣٨هـ) ترجم له ابن خلكان في
وفيات الأعيان (١٦٨/٥) وابن المرتضى في طبقات المعتزلة (ص ٢٠).
١٥٣

البخاري)) و((صحيح مسلم)) [صارا](١) لقبين للكتابين، فإطلاق ذلك عليهما
من إطلاق الألفاظ ولا يلزم [منه] (٢) الإقرار بالمعنى الأصلي الإضافي.
نعم، لا شك أن الصحيحين أشرف كتب الحديث قدراً وأعظمهما
ذكراً، وأن أحاديثهما أرفع الأحاديث درجة في القبول من غيرهما لخصائص
اختَصَّا بها، منها جلالة مؤلفيهما وإمامتهما في هذا الشأن، وبلوغهما غاية
في الديانة والإتقان.
ثم ما رزق هذان الكتابان من الحظ والقبول عند أئمة هذا الشأن
وفرسان ذلك الميدان، فبحثوا [عن](٣) رجالهما [وتكلموا على كل ذرة فيهما
بما لهما وعليهما، فغالب أئمة الإسلام وأعلام](٤) الأعلام ما بين خادم لهما
بالكلام إما على رجالهما أو على معانيهما أو على لغتهما أو على إعرابهما،
أو [مختصر منهما](٥) أو مخرج عليهما.
فهما أجل كتب الحديث، وأحاديثهما السالمة عن التكلم فيها أقرب
الأحاديث تحصيلاً للظن، ونفس العالم إلى ما فيهما أكثر سكوناً إلى ما في
غيرهما، هذا شيء يجده الناظر من نفسه إن أنصف، وكان من أهل العلم،
إنما لا يدعى لهما زيادة على ما يستحقانه، ولا يهضم منهما ما هما أهل
له .
وأما قول البخاري: ((لم أخرج في هذا [الكتاب](٦) إلا صحيحاً،
وما تركت من الصحيح أكثر))، وقوله: ((ما أدخلت في كتابي الجامع
إلا ما صحَّ)، فهو كلام صحيح، إخبار عن نفسه أنه تحرى الصحيح
في نظره.
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ).
(٣) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٤) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٥) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [مختصرهما].
(٦) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
١٥٤

وقد قال زين الدين(١): إن قول المحدثين: هذا حديث صحيح،
مرادهم: فيما ظهر لنا، عملاً بظاهر الإسناد لا أنه مقطوع بصحته في نفس
الأمر لجواز الخطأ والنسيان على الثقة، انتهى. قلت: فيجوز الخطأ والنسيان
على البخاري نفسه، فيما حكم بصحته، وإن كان تجويزاً مرجوحاً إلا أنه
بعد تتبع الحفاظ لما في كتابه، وإظهار ما خالفه من الشرائط في كتابه
ينتهض التجويز، ويقود العالم الفطن النظار إلى زيادة الاختبار [وهذا هو ما
وعدنا به في آخر الفائدة الخامسة](٢).
على أن البخاري ومسلماً لم يذكرا شرطاً للصحيح، وإنما استخرج
الأئمة لهما شروطاً بالتتبع لطرق رواتهما، ولم يتفق المتتبعون على شرط
معروف، بل اختلفوا في ذلك اختلافاً كثيراً. يعرف ذلك من مارس كتب
أصول الحديث، ومن الجائز أنهما لا يعتمدان إلا الصدق والضبط [كما
اخترناه وصرح به](٣) الحافظ ابن حجر أنه لا أثر للتضعيف مع الصدق
والضبط، وأنه لا يراد بالعدل سوى ذلك. إن ثبت عنه أنه شرط أن لا
تكون الرواية إلا عن عدل، سلمنا ثبوت اشتراطهما العدالة في الراوي، فمن
أين علم أن معناها عندهما ما فسرتموها به [فيما](٤) أسلفناه في رسمهما.
قال ابن طاهر(٥): شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المجمع
على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور، قال زين الدين: ليس ما قاله بجيد،
(١) هو عبدالرحيم بن الحسين بن عبدالرحيم بن أبي بكر - أبو الفضل الكردي الأصل
الشافعي - الإمام الحافظ الكبير ولد سنة (٧٢٥هـ) من مؤلفاته الألفية في أصول
الحديث وشرحها وتخريج أحاديث الإحياء توفي سنة (٨٠٦ هـ) ترجم له الشوكاني في
البدر الطالع (٣٥٤/١ - ٣٥٦).
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٣) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [وهو الذي اخترناه كما قال].
(٤) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [مما].
(٥) هو أبو الفضل محمد بن طاهر بن علي المقدسي ويعرف بابن القيسراني الشيباني -
أحد الحفاظ له كتاب في رجال الصحيحين هو ((الجمع بين رجال الصحيحين)) وغيره،
توفي سنة (٥٠٧هـ) ترجم له الذهبي في تذكرة الحفاظ (١٢٤٢/٤) وابن العماد في
شذرات الذهب (١٨/٤).
١٥٥

لأن النسائي ضعف جماعة أخرج لهما الشيخان أو أحدهما. قال السيد
محمد بن إبراهيم: ليس هذا مما اختص به النسائي، بل قد شاركه غير
واحد في ذلك من أئمة الجرح والتعديل كما هو معروف في كتب هذا
الشأن، ولكنه تضعيف مطلق غير مبين السبب، وهو غير مقبول، انتهى.
قلت: ليس ما أطلقه السيد محمد بصحيح، فكم [من](١) جرح في
رجالهما مبين السبب كما سمعت فيما سلف، ولئن سُلُّم فأقل أحوال الجرح
المطلق أن يوجب توقفاً في الراوي وحثاً على البحث عن تفصيل أحواله وما
قیل فيه.
ولا شك أن هذا يفت في عضد الصحة.
فإن قلت: إذا كان الحال ما ذكرت من أنه لا يقبل الأقران بعضهم في
بعض ولا المتمذهبة في غير أهل مذهبهم، فقد ضاق نطاق معرفة أهل
الجرح والتعديل، ولا بد منهما للناظر لنفسه، وأهل المذاهب في هذه
الأزمنة كل حزب بما لديهم فرحون، وكل فريق في غيرهم يقدحون.
قلت: إذا شددت يديك بما أسلفناه لك من الأدلة على أنه ليس
الشرط في قبول الرواية إلا ظن صدق الراوي [وضبطه هان عليك هذا
الخطب الجليل، وحصل لك في باب الراوية](٢) أصل أصيل، وذلك أن
غالب الجرح والتضعيف بمثل القول بالقدر والرؤية والإرجاء [وبغلو](٣)
التشيع [وغيرها] (٤)، مما يعود إلى العقائد والمذاهب كخلق القرآن ومسألة
الأفعال.
وليست هذه عندنا قوادح في الراوي من حيث الرواية، وإن كان
بعضها قادحاً من حيث الديانة، فباب الرواية غير باب الديانة، وإذا كان قد
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٣) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [غلو].
(٤) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [وغيرهما].
١٥٦

تحقق الإجماع على قبول رواية من سفك دماء أهل الإسلام، كسفك دماء
عَبَدَةِ الأوثان وأقدم عليهم بالسيف والسنان، وأخاف إخوانه من [أعيان](١)
أهل الإيمان لأجل ظن صدقه في الرواية وتأويله في الجناية، وإن كان تأويلاً
ترده العقول، ولا يقبله الفحول كتأويل معاوية أن قاتل عمَّار هو علي
رضي الله عنه لأنه الذي جاء به إلى بين رماحهم، وألقاه بين حربهم
وكفاحهم، ولذا ألزمه عبدالله بن عمرو بأن قاتل حمزة رسول الله
فأفحمه.
فبالأولى قبول من يرى الإرجاء والقدر ونحوهما، فإنه لم يعتقد ذلك
ويدعو إليه إلا لاعتقاده أنه دين الله الذي قامت عليه الأدلة، فلم يبق القدح
عندنا إلا بالكذب أو سوء الحفظ أو الوضع وما لاقاه في معناه، مع أن
الكذب عنه وازع طبيعي في الجبلة، ولذا قيل: يطبع المؤمن على كل خلق
ليس الخيانة والكذب، وليس بحديث كما قد يُوهم.
وإذا كان [يتنزه](٢) عنه أشر [خلق الله](٣) كالتسعة الرهط الذين
يفسدون في الأرض ولا يصلحون، ﴿لَتُبَيِّنَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِّهِ، مَا شَهِدْنَا
مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَدِفُونَ﴾(٤) فإنه كما قال جار اللـه(٥): في هذا دليل
قاطع على أن الكذب قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ولا
يخطر ببالهم.
ألا ترى أنهم قصدوا قتل نبي الله ولم يرضوا لأنفسهم أن يكونوا
كاذبين حتى سَوَّوْا للصدق في خبرهم حيلة يتصونون بها عن الكذب؟
انتھی .
وفي خبر أبي سفيان مع هرقل الذي ساقه البخاري في أول
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٢) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [تنزه].
(٣) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [الخلق].
(٤) (النمل/٤٩).
(٥) في الكشاف (١٤٧/٣).
١٥٧

((صحيحه)) (١) أنه ترك الكذب، لئلا يؤثر عنه، هذا معناه، فكيف لا يتنزه
فإن الراوي قد يلابس
المسلمون [عنه](٢) بل أعيانهم وهم رواة كلامه
بعض ما ينكر عليه، ولا يصدر عنه الكذب في رواية وهذا الزهري(٣) كان
يخالط خلفاء الأموية ويلبس زي الأجناد ويفعل ما عابه عليه نظراؤه من أهل
العلم في عصره وعدَّوْهُ قبيحاً عليه، ولما ذكر له بعضٍ خلفائهم كلاماً في
قوله تعالى: ﴿وَلَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ .
الآية(٤)، وكذَّبَ الزهري لما ذكر
له الحق، قال ما معناه: ((والله لو كان إباحة الكذب بين دفتي المصحف،
أو نادى منادٍ من السماء بإباحته لما فعلته))، انتهى.
فتحرز عن الكذب وبالغ في التنزه عنه مع غشيانه لما عيب به.
وأما حديث: (ثم يفشو الكذب)) فلا ينافي أن تكون(٥) طائفة من الأمة
[متحرزة](٦) عنه، فقد ثبت أنها: ((لا تزال طائفة من الأمة على الحق لا
يضرهم من خالفهم»(٧) وأي حقٍ أعظم من رواية حديثه
ويؤيد ذلك حديث: ((إنه يحمل هذا العلم من كل خلف عُدُوْلُهُ))
صححه ابن عبدالبر وروي [عن](٨) أحمد أنه قال: [إنه](٩) حديث
(١) (٢٤/١) رقم (٧) وفيه ((فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذباً لكذبت عنه ...
الخ)».
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ).
(٣) هو محمد بن مسلم بن عبدالله بن شهاب الزهري المدني الإمام حافظ أهل زمانه توفي
سنة (١٢٤ هـ) ترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء (٣٢٦/٥) وابن خلكان في وفيات
الأعيان (١٧٧/٤) وغيرهما.
(٤) (النور/١١).
(٥) يوجد بعد قوله: (تكون)) في النسخة (ب) كلمة: [من] !!!.
(٦) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (أ) هي: [متحرزين].
(٧) أخرجه البخاري (٧٣١١) (٧٤٥٩) ومسلم (٦٧/١٣ نووي) من حديث المغيرة بن
شعبة مرفوعاً، وقد جاء الحديث عن جماعة من الصحابة غير المغيرة بألفاظ
متماثلة . أ.هـ.
(٨) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [عنه].
(٩) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
١٥٨

صحیح(١).
واعلم أنه ليس مرادنا من هذا نفي وقوع الكذب من [الرواة](٢) بل قد
تحقق وقوعه بلا ريب، بل مرادنا أنه لا يقبل القدح بالكذب والوضع إلا
فيمن علم خلاعته وتساهله في الدين وارتكابه العظائم، فإنه لا يقدم على
إلا مَنْ كان لا ديانة له محققة.
الكذب عنه
ولا يقال: يعارض ما ذكرت من الوازع عنه الداعي إليه، وهو ما في
النفوس من محبة الرئاسة بالتسمي بالمحدث والترفع والدعوى الباطلة بأنه
حافظ للأحاديث راوٍ لها، صاحب الروايات، حافظ العصر، ونحو ذلك من
الألقاب القاطعة للأعناق الحاملة على تحلي الإنسان بغير ما هو أهله.
فإنَّ هذا لا يكون لمن له إلمام بمخافة الله وتقواه السامع للوعيد فيمن
ما لم يقله.
تَقَوّلَ على المصطفى ◌َ
ولا يصدر هذا إلا عن خليع تفضحه خلاعته وتنفر عنه وعن الرواية
عنه وعن قبوله.
ولا يخفى على ناقد حقيقة حاله، ومثل هذا بحمد الله لا يكون مقبولاً
عند أحد من طوائف الرواة ولا يقبل ترويجه، بل هو أقرب إلى الافتضاح
فهو مأمون دخوله في الرواة الذين قبلهم أساطين الحفاظ المفتشين [عن](٣)
كل ذرة [المتتبعين] (٤) كل لفظة.
ولا يكون الكذب إلا لخليع لا يبالي بالهتك. كما قال بعض الخلفاء،
وقد عوتب على الكذب: لو غرغرت به لهواتك ما فارقته، وكما قيل
لكذاب: هل صدقت قط؟ قال: لولا أني صادق في قولي (لا)) لقلتها.
(١) قال الهيثمي في مجمعه (١٤٠/١): ((وفيه عمرو بن خالد كذبه يحيى بن معين
وأحمد بن حنبل ... الخ))، والحديث له طرق أخرى عن جماعة من الصحابة إلا أنها
لا تخلو عن مقال.
(٢) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [الرواية].
(٣) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٤) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (أ) هي: [المنتقين].
١٥٩

وأمثال هؤلاء، [و](١) قد صان الله [تعالى](٢) أحاديث الرسول
رونقاً وطلاوة وحلاوة
عن أن يكونوا من رواتها، وقد جعل الله لكلامه
يكاد يعرف الممارس لأحاديثه كلامه من كلام غيره، فإنه قد أوتي جوامع
الكلم وأوتي من الفصاحة والبلاغة ما لم يُؤْتَ أحدٌ من العالمين، ولمعاني
كلامه ومقاصده ما يعرف به كلامه من كلام غيره في الأغلب.
وقد أخرج أحمد وأبو يعلى (٣) عن أبي أسيد وأبي حميد مرفوعاً: ((إذا
سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم وتلين له أشعاركم وأبشاركم وترون أنه
قريب منكم فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر
عنه أشعاركم وترون أنه بعيد عنكم فأنا أبعدكم منه))(٤) وإن كان قد ضعف
فمعناه حسن. إن قلت: إذا كان أئمة الجرح والتعديل قد قيل فيهم ما قيل،
فكيف يأمن الناظر لدينه أن يقولوا فيمن خالف [مذاهبهم](6): كاذب أو
وضَّاع؟ وليس كذلك، فكيف الثقة بهم؟
قلت: قد عرفنا من تتبع أحوالهم الإنصاف فيما يقولونه، ألا تراهم
يقولون: ثقة إلا أنه [يتشيع](٦)، كان حجة إلا أنه كان يرى القدر، ثقة كان
مرجئاً، كان مائلاً عن الحق، ولم يكن يكذب في الحديث، كان يرى القدر
وهو مستقيم الحديث؟
(١) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (أ).
(٢) ما بين الحاصرتين ساقط من النسخة (ب).
(٣) هو الحافظ أحمد بن علي بن المثنى بن يحيى بن عيسى بن هلال التميمي
الموصلي - ولد سنة (٢١٠ هـ) وتوفي سنة (٣٠٧هـ) ترجم له الذهبي في تذكرة
الحفاظ (٧٠٧/٢).
(٤) أخرجه أحمد (٤٩٧/٣) (٤٢٥/٥) وغيره عنهما مرفوعاً، والحديث حسنه الألباني (في
الصحيحة) [٢/ رقم (٧٣٢)] والوادعي في الصحيح المسند (٢٦٤/٢، ٢٧١) وإن كان
الشوكاني قد مال إلى إقرار ابن الجوزي بذكر هذا الحديث في الموضوعات وذلك في
كتابه الفوائد المجموعة (ص ٢٨١ - ٢٨٢) فقد أجاب عليه المعلمي - رحمه الله - في
تحقيقه عليه بما يكفي. أ.هـ.
(٥) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [مذهبهم].
(٦) ما بين الحاصرتين صورته في النسخة (ب) هي: [متشيع].
١٦٠