Indexed OCR Text

Pages 321-340

قال الحافظ: ((وقد حكم النسائي وغيره على هشيم بالخطأ فيه،
وعندي أنه رواه من حفظه بلفظ ظن أنه يؤدي معناه، فلم يصب، فإن اللفظ
الذي أتى به أعم من اللفظ الذي سمعه، وسبب ذلك أن هشيماً سمع من
الزهري بمكة أحاديث ولم يكتبها وعلق بحفظه بعضها فلم يكن من
الضابطين عنه، ولذلك لم يخرج الشيخان عنه شيئاً))(١).
فالبخاري ومسلم لم يخرجا هذا الحديث لأنه معلول، وظهرت علته
بمخالفة هشيم لسائر أصحاب الزهري في سياق لفظه، إضافة إلى ذلك أن
رواية هشيم عن الزهري ليست قوية، لأنه لم يكتب الأحاديث التي سمعها
من الزهري، وإنما اعتمد على حفظه فكان أحياناً يروي على سبيل التوهم،
أي يروي الشيء ويظن أنه يؤديه بالمعنى فيقع في الوهم والخطأ.
وينبغي التنبيه هنا إلى أن هذا المتن ((لا يتوارث أهل ملتين)» قد ورد
من غير هذا الطريق (فقد رواه الترمذي من حديث جابر(٢)، ورواه أبو يعلى
من حديث عائشة، ورواه أصحاب السنن الأربعة (٣) من طريق عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده، وسند أبي داود فيه إلى عمر صحيح)(٤).
المثال الثاني:
قال البخاري: ((حدثنا حفص بن عمر قال: حدثنا شعبة عن قتادة عن
أنس: ((أن النبي ◌َل﴿ وأبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - كانوا يستفتحون
(١) النكت ص٢٧٥.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه في كتاب الفرائض، باب إبطال ميراث المسلم من الكافر،
وقال عقبه: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي ليلى ج٣ ص ١٨٣ (مع
التحفة) وابن أبي ليلى قال فيه الحافظ في التقريب: صدوق سيء الحفظ جداً.
(٣) رواه أبو داود في سننه، كتاب الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر ج٢ ص١٩،
وسنده صحيح إلى عمرو، ورواه ابن ماجه في كتاب الفرائض، باب ميراث أهل الإسلام
من أهل الشرك (٣٧٣١)، ج٢ ص٩١٢، وفي سنده عبدالله بن لهيعة وهو ضعيف.
(٤) فتح الباري : ج٩ ص٥٢.
٣٢١

الصلاة بالحمد لله رب العالمين))(١).
فهذا الحديث رواه عن أنس جماعة من الرواة منهم: قتادة(٢)، وحميد
الطويل(٣)، وإسحاق بن أبي طلحة(٤) وغيرهم بهذا اللفظ ..
وفي رواية لمسلم من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن قتادة
أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: صليت خلف
النبي قل# وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب
العالمين، لا يذركون باسم الله الرحمن الرحيم، في أول القراءة، ولا في
آخرها)»(٥) .
فهذه الرواية مخالفة للرواية الأولى في سياق متنها، إذ في الأولى
إخبار بأن افتتاح القراءة كان بالحمد لله رب العالمين دون تعرض لنفي قراءة
البسملة أو إثباتها، أما الرواية الثانية فهي نافية الرواية قراءة البسملة.
فرواية الأوزاعي، من طريق الوليد بن مسلم مخالفة لرواية غيره كشعبة
وأيوب وأبي عوانة وقد حكم كثير من الأئمة على رواية الوليد بن مسلم عن
الأوزاعي بالوهم.
(١) الجامع الصحيح، كتاب الآذان، باب ما يقول بعد التكبير، رقم (٧٤٣) ج٢ ص ٢٦٥
(مع الفتح).
(٢) رواية قتادة أخرجها البخاري، ومسلم (٥٠) من طريق شعبة، ج١ ص٢٩٩، والترمذي
من طريق أبي عوانة، في كتاب الصلاة، باب افتتاح القراءة بالحمد لله رب العالمين ج١
ص٢٠٥ (مع التحفة)، والنسائي، في كتاب الافتتاح، باب البداءة بفاتحة الكتاب قبل
السورة (٩٠١) ج٢ ص ٤٧٠ . ط دار المعرفة، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة
فیھا (٨١٣) ج١ ص٢٦٧.
(٣) أخرجها مالك في الموطأ موقوفة، كتاب الصلاة باب العمل في القراءة (٣٠): ج١
ص ٨١.
(٤) ساق مسلم سندها ولم يسق لفظها ج١ ص ٣٠٠، وساقها البخاري في جزء القراءة: خلف
الإمام رقم (١٢٠) ص٣٢ من طريق الوليد بن مسلم وليس فيه زيادة (لا يذكرون
باسم الله ... ).
(٥) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب من قال لا يجهر بالبسملة (٥٢)، ج١ ص٢٩٩.
٣٢٢

قال الدارقطني: ((إن المحفوظ عن قتادة وغيره عن أنس أنهم كانوا
يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، ليس فيه تعرض لنفي البسملة»(١).
وقال البيهقي: ((إن أكثر أصحاب قتادة رووه عن قتادة كذلك، وهكذا
رواه إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة وثابت البناني عن أنس))(٢).
وقال ابن عبدالبر، بعد أن روى هذا الحديث من طريق أيوب وشعبة،
وهشام الدستوائي وشيبان بن عبدالرحمن وسعيد بن أبي عروبة، وأبي عوانة
((فهؤلاء حفاظ أصحاب قتادة ليس في روايتهم لهذا الحديث ما يوجب
سقوط باسم الله الرحمن الرحيم من أول فاتحة الكتاب))(٣).
فهذه الرواية معلولة لأنها مخالفة للروايات الأخرى، مع قرائن انضمت
إلى ذلك، وقد أشار إلى هذه القرائن بعض المتأخرين.
قال العراقي: ((إن رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي التي أخرجها
مسلم معلولة لأن الوليد يدلس تدليس تسوية)) (٤).
وقد تعقبه الحافظ ابن حجر في ذلك، بأنه قد ورد تصريح الوليد بن
مسلم بالسماع في طريق أخرى، وبين أن الأقوى تعليله بأن قتادة ولد أكمه،
وهو لا يكتب، فيكون قد أمر غيره بالكتابة له وحينئذ فذلك الغير مجهول
الحال عندنا، ولو كان قتادة يثق به، فلا يكفي ذلك في ثبوت عدالته إلا
عند من يقبل التزكية على الإبهام»(٥).
وقال السيوطي: ((إن لحديث مسلم السابق (حديث الوليد بن مسلم
عن الأوزاعي) تسع علل: المخالفة من الحفاظ والأكثرين، والانقطاع،
وتدليس التسوية من الوليد، والكتابة، وجهالة الكاتب، والاضطراب في
(١) سنن الدارقطني: ج١ ص٣١٦.
(٢) السنن الكبرى: ج٢ ص٥١.
(٣) نقله العراقي في التقييد والإيضاح ص٩٩.
(٤) المصدر نفسه ص ١٠٠.
(٥) النكت ص٣١٩.
٣٢٣

لفظه، والإدراج، وثبوت ما يخالفه عن صاحبه، ومخالفة لما أرواه عدد
(١)
التواتر)»(١) .
إذن فرواية الوليد بن مسلم وهم، والسبب في وقوع هذا الوهم هو أن
الراوي روى هذا الحديث بالمعنى الذي فهمه (فالراوي ظن حين سمع قول:
أنس - رضي الله عنه - صليت خلف النبي 8# وأبي بكر وعمر وعثمان -
رضي الله عنهم - فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، نفيها بذلك
فنقله مصرحاً بما فهمه، وقال لا يذكرون باسم الله الرحمن الرحيم في أول
القراءة ولا في آخرها، وفي لفظ فلم يكونوا يفتتحون القراءة ببسم الله،
وصار بمقتضى ذلك حديثاً مرفوعاً، والراوي لذلك مخطىء في ظنه)(٢).
وممن صرح بأن سبب الوهم من الراوي هو روايته لهذا الحديث.
بالمعنى، الإمام ابن الصلاح(٣) والحافظ ابن حجر(٤).
فهذا المعنى الذي فهمه الراوي خطأ، والمعنى الصحيح هو كما بيّنه
الشافعي - رحمه الله - قال: ((معناه: أنهم كانوا يبتدئون بقراءة فاتحة الكتاب
قبل السورة، وليس معناه أنهم لا يقرؤون باسم الله الرحمن الرحيم))(٥)
وقد ورد في رواية مسلم من طريق شعبة عن قتادة فلم أسمع أحداً:
منهم يقرأ باسم الله الرحمن الرحيم(٦) ولا يلزم من نفي السماع عدم
الوقوع، بخلاف الرواية المتقدمة(٧) .
ومن القرائن التي ذكرها الإمام ابن الصلاح وغيره من العلماء على أن
(١) تدريب الراوي: ج١ ص٢٥٥.
(٢) فتح المغيث: ج١ ص٢٤٩.
(٣) علوم الحديث ص ٨٣.
(٤) النكت ص٣٢٤ ..
(٥) نقله الترمذي في جامعه: ج١ ص٢٠٦ (مع التحفة).
:
(٦) صحيح مسلم كتاب الصلاة، باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة: (٥٠) ج١ ص٢٩٩.
.(٧) التقييد والإيضاح ص١٠٠.
٣٢٤

رواية الوليد بن مسلم وقع فيها وهم (أنه ثبت عن أنس أنه سئل عن الافتتاح
بالتسمية فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئاً عن رسول الله وَلي)(١).
وهكذا يتضح لنا كيف تكون الرواية بالمعنى سبباً لوقوع الراوي في
الوهم، فيكون حديثه معلولًا، لذا نرى أن الإمام البخاري تجنّب رواية هذا
الحدیث في صحيحه.
أما بالنسبة للإمام مسلم فإنه أورد هذا الحديث من طريق شعبة أولًا،
مما يدل على أنه الأصح عنده ثم أورد حديث قتادة من طريق الوليد بن
مسلم عن الأوزاعي.
أمثلة لما لا تكون فيه الرواية بالمعنى سبباً للتعليل:
هناك أحاديث رويت بالمعنى، ولم تتطرق إليها العلة، وذلك أن
الرواية بالمعنى لم تغيرها عن سياقها، وهذا النوع الذي يختلف فيه الرواة،
ولا يكون فيه تغيير للمعنى، وإثبات لحكم جديد، يورده الإمام البخاري في
صحيحه، وفيما يلي أمثلة لذلك:
المثال الأول:
حديث ابن عمر - رضي الله عنه - أنه كان نذر اعتكاف ليلة في
الجاهلية فسأل النبي وغير فأمره بير أن يفي بنذره، وفي رواية اعتكاف يوم،
وهذه روايات هذا الحديث في صحيح البخاري.
قال البخاري:
((حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن عبدالله أخبرني نافع عن ابن
عمر - رضي الله عنهما - أن عمر سأل النبي وَ# قال: كنت نذرت في
الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: أوف بنذرك))(٢).
(١) علوم الحديث ص٧٣.
(٢) كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف ليلًا (٢٠٣٦)، ج٤ ص٣٢١.
٣٢٥

وقال أيضاً:
((حدثنا عبدالله بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن عبدالله عن نافع عن
ابن عمر أن عمر نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام قال: أراه
قال ليلة فقال له رسول الله مَله: أوف بنذرك))(١).
۔۔
وقال البخاري أيضاً:
(حدثنا محمد بن مقاتل أبو الحسن، أخبرنا عبدالله أخبرنا عبيدالله بن
عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر قال: يا رسول الله إني نذرت في
الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: أوف بنذرك)) (٢).
وقال أيضاً:
((حدثنا أبو النعمان حدثنا محمد بن زيد عن أيوب عن نافع أن
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: يا رسول الله إنه كان علي اعتكاف
يوم في الجاهلية، فأمره أن يفي به.
ورواه معمر عن أيوب عن ابن عمر في النذر، ولم يقل (يوم)))(٣)
وحديث معمر هذا أورده البخاري في صحيحه قال:
((حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبدالله، أخبرنا معمر عن أيوب عن
نافع عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: لما قفلنا من حنين سأل عمر .
النبي * عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف، فأمره النبي لة
بوفائه»(٤) .
(١) كتاب الاعتكاف أيضاً، باب إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم (٢٠٣٤)، ج٤ ص ٣٣٣.
(٢) كتاب الأيمان والنذور، باب إذا نذر أو حلف أن لا يكلم إنساناً في الجاهلية ثم أسلم
(٦٦٩٧)، ج١١ ص٩٠°.
(٣) كتاب الخمس، باب كان يعطي النبي لة المؤلفة قلوبهم من الخمس ونحوه (٣١٤٤)
ج٦ ص٢٨٨.
: (٤) كتاب المغازي، باب قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٌ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ.
ج٧ ص ٦٣٠.
.﴾ (٤٣٢٠)،
٣٢٦

فقد اختلف على نافع في هذا الحديث، فعبيدالله بن عمر يقول:
اعتكاف ليلة، وأيوب يقول: اعتكاف يوم في رواية حماد بن زيد عنه.
أما معمر في روايته عن أيوب مجملة لم يذكر مدة الاعتكاف وهو
اختصار لا يضر بأصل الحديث وكل من أيوب، وعبيدالله بن عمر من ثقات
أصحاب نافع.
وقد سئل الدارقطني عن أثبت أصحاب نافع فقال:
((عبيدالله بن عمر، ومالك، وأيوب السختياني)) (١).
فلما كان المختلفان حافظين ساق البخاري رواية كل منهما لأنه لا
تعارض في المعنى بينهما. وبيّن الحافظ ابن حجر كيفية الجمع بين هاتين
الروايتين فقال :
((والتحقيق في الجمع بين هاتين الروايتين أن عمر - رضي الله عنه -
كان عليه نذر اعتكاف يوم بليلته فسأل النبي وَلير عنه فأمره بالوفاء به، فعبر
بعض الرواة بيوم وأراد بليلته، وعبر بعضهم بليلته، وأراد يومها.
والتعبير بكل واحد من هذين عن المجموع من المجاز الشائع الكثير
من الاستعمال، فالحمل عليه أول من جعل القصة متعددة))(٢).
وقد ذهب الإمام النووي إلى أنهما واقعتان: كان على عمر نذران،
ليلة بمفردها، ويوماً بمفرده، فسأل عن هذا مرة، والآخر أخرى (٣). وقد رد
هذا على النووي كل من الحافظ العلائي وابن حجر وحملا ذلك على
الرواية بالمعنى (٤)، وهو الصواب - إن شاء الله -.
(١) سؤالات ابن بكير للدارقطني ص٥٤.
(٢) النكت ص٣٤١.
(٣) شرح النووي لصحيح مسلم: ج١١ ص١٢٤.
(٤) المصدر السابق .
٣٢٧

المثال الثاني:
قال البخاري: ((حدثنا عبيدالله بن موسى قال: أخبرنا حنظلة بن أبي
سفيان عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعت
رسول الله ◌َّله يقول: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن
محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان))(١).
هذا أحد ألفاظ الحديث التي ساقها البخاري.
وساقه بلفظ آخر ونصه كما يلي: (( ... عن نافع أن رجلا أتى ابن
عمر فقال: يا أبا عبدالرحمن ما حملك على أن تحج عاماً وتعتمر عاماً،
وتترك الجهاد في سبيل الله عز وجل، وقد علمت ما رغب الله فیه؟ قال : يا
ابن أخي بني الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله، والصلوات الخمس،
وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت ... ))(٢).
هذه ألفاظ هذا الحديث في صحيح البخاري، ويلاحظ أن فيها تغايراً
في الألفاظ والعبارات كما يلاحظ اختلاف في التقديم والتأخير، حيث قدّم
الحج على الصوم في الرواية الأولى، بينما أخّر في الرواية الثانية، وقدمت
الزكاة عن الحج والصوم في الرواية الثانية، بينما أخرت على الصوم وقدمت
على الحج في الرواية الثانية.
:
وأما الإمام مسلم فقد ذكر هذا الحديث من طرق مختلفة:
١ - عن أبي مالك الأشجعي عن سعيد بن عبيدة عن ابن عمر عن
النبي وَّ قال: ((بني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله، وإقام
الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج)»، فقال رجل: الحج
وصيام رمضان، قال: ((لا، صيام رمضان والحج)) هكذا سمعته من
رسول الله
(١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب دعاؤكم إيمانكم، رقم (٨)، ج١ ص٦٤.
(٢) كتاب التفسير، باب ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَقَّ لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ... ﴾ رقم (٤٥١٤): ج٨
ص٣٢.
٣٢٨

٢ -... عن سعيد بن طارق قال حدثني: سعد بن عبيدة السلمي، عن
ابن عمر، عن النبي 18َّ قال: ((بني الإسلام على خمس: على أن
يعبد الله ويكفر بما دونه، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت،
وصوم رمضان)) .
٣ - ... وعن عاصم (هو ابن محمد بن زيد بن عبيدالله ابن عمر) عن
أبيه قال: قال عبدالله: قال رسول الله وَالر: ((بني الإسلام على خمس:
شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة،
وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان.
٤ - ثم ساقه من رواية عكرمة بن خالد، ولفظه مثل لفظ البخاري(١).
ونلاحظ أيضاً أن فيها اختلافاً في الألفاظ، واختلافاً في التقديم
والتأخير بين الحج والصيام.
وقد حاول الإمام النووي كعادته أن يوفق بين هذه الروايات بتعدد
الواقعة أي أن ابن عمر سمع الحديث من النبي محلّ على الوجهين(٢).
وقد استبعد الحافظ هذا الحمل فقال :
((ولا شك في أن مثل هذا هنا بعيد جداً، فإنه لو سمعه على
الوجهين، لم ينكر على من قال أحدهما، إلا أن يكون حنيئذ ناسياً أن
النبي ول# قاله على الوجه الذي أنكره والظاهر القوي أن راوي هذه الطريق
قدم فيها الحج على الصيام، رواه بالمعنى فقدم وأخر ولم يبلغه نهي ابن
عمر - رضي الله عنهما - عن ذلك محافظة على كيفية ما سمعه من
النبي ) فهذا الحمل - وهو رواية بعض الرواة لهذه الطريق على المعنى
أولى من تطرق النسيان إلى ابن عمر - رضي الله عنهما - أو الإنكار للفظ
الذي سمعه النبي وَلِيرٍ))(٣).
(١) الجامع الصحيح للإمام مسلم: ج١ ص ٤٥.
(٢) شرح النووي لصحيح مسلم: ج
ص.
(٣) النكت ص٣٤٢.
٣٢٩

وقال الحافظ في الفتح في شرحه لحديث ابن عمر من طريق حنظلة
عن عكرمة :
((ووقع هنا تقديم الحج على الصوم، وعليه بنى البخاري ترتيبه، لكن
وقع في مسلم من رواية سعد بن عبيدة، عن ابن عمر، بتقديم الصوم على
الحج، قال: فقال رجل والحج وصيام رمضان، فقال ابن عمر: لا، صيام :
رمضان والحج، هكذا سمعت رسول الله آچ.
ففي هذا إشعار بأن رواية حنظلة التي في البخاري مروية بالمعنى، إما
أنه لم يسمع رد ابن عمر على الرجل لتعدد المجلس، أو حضر ذلك ثم
نسيه، ويبعد ما جوزه بعضهم أن يكون ابن عمر سمعه من النبي ◌َّ على:
الوجهین، ونسي أحدهما عند رده على الرجل.
ووجه بعده أن تطرق النسيان إلى الراوي عن الصحابي أولى من تطرقه
إلى الصحابي، كيف وفي رواية مسلم من طريق حنظلة بتقديم الصوم على
الحج، ولأبي عوانة من وجه آخر عن حنظلة أنه جعل صوم رمضان قبل،
فتنويعه دال على أنه روى بالمعنى.
ويؤيده ما وقع عند البخاري في التفسير بتقديم الصيام على الزكاة
أفيقال إن الصحابي سمعه على ثلاثة أوجه؟ هذا مستبعد - والله أعلم -)) (١).
وفي ختام هذا المطلب نخلص إلى ما يلي:
إن الرواية بالمعنى تكون سبباً لتعليل الحديث إذا غيرت معناه كلياً عن
المعنى الأصلي ولا تكون سبباً للتعليل إذا لم تخرج عن المعنى الأصلي،
وذلك بتغير الألفاظ بمرادفتها، أو التعبير عن اللفظ بما يتجوز عنه به، أو
بالتقديم والتأخير، ونحو ذلك.
(١) فتح الباري: ج١ ص ٦٥ - ٦٦.
٣٣٠

المطلب الثالث
الإدراج وأثره في التعليل
قبل بيان أثر الإدراج في تعليل الأحاديث، نتحدث عن تعريفه لغة
واصطلاحاً، ثم دوافعه، ثم نتطرق إلى كيفية تعامل الإمام البخاري مع
الأحاديث المدرجة في صحيحه.
تعريف الإدراج لغة:
الإدراج: لف الشيء بالشيء، والدرج لف الشيء، يقال: درجته،
وأدرجته، والرباعي أفصحها، ودرج الشيء في الشيء درجاً، وأدرجه: طواه
وأدخله(١).
تعريفه اصطلاحاً:
(هو أن يدخل في كلام رسول الله صل# شيئاً من كلام بعض الرواة
فيتوهم من سمع الحديث أن هذا كلام رسول الله (وَلآت))(٢).
دوافع الإدراج:
الذي يحمل الرواة على الإدراج أمور كثيرة من أهمها(٣):
١ - بيان حكم شرعي.
٢ - استنباط حكم شرعي.
٣ - شرح لفظ غريب في الحديث.
ويعرف الإدراج بأمور (٤) منها:
(١) لسان العرب: ج١ ص٢٦٩.
(٢) انظر نزهة النظر ص ٤٥.
(٣) تيسير مصطلح الحديث ص ١١٥، وانظر تدريب الراوي ص ١٧٧.
(٤) النكت ص٣٤٧.
٣٣١

١ - أن يستحيل إضافة ذلك للنبي قوله.
٢ - أن يصرح الصحابي أنه لم يسمع تلك الجملة من النبي اَلّ.
٣ - أن يصرح بعض الرواة بفصل المدرج عن المتن المرفوع، بإضافة
اللفظ المدرج إلى قائله ..
فالإدراج إذن سبب لتغير سياق الحديث سواء في سنده أو متنه،
ويكون سبباً للاختلاف بين الرواة، فبعض الرواة يميز الحديث المرفوع عما
فيه من إدراج، والبعض يتوهم أن الألفاظ المدرجة من متن الحديث فيرويه
كذلك دون تمييز، فيكون بذلك حديثه معلولًا .
كيفية تعامل الإمام البخاري مع الأحاديث المدرجة في صحيحه:
إن الأحاديث المدرجة نوع من أنواع الأحاديث المعلولة، وبما أن
الإمام البخاري قصد من «كتابه)) جمع الأحاديث الصحيحة السليمة من العلل :
على اختلاف أنواعها وأجناسها، فهو من هذا المنطلق يستبعد الأحاديث
المعلولة، ومن ذلك الأحاديث المدرجة، ومع ذلك نجد الإمام البخاري
يخرج في صحيحه الأحاديث التي وقع فيها الإدراج بكيفيات مختلفة
نحصرها فيما يلي:
١ - تخريج الحديث المرفوع دون ما وقع فيه من إدراج.
٢ - تخريج الحديث من الطريق المميز فيها الإدراج.
٣ - تخريج الأحاديث المدرجة لوضوح الإدراج فيها، أو مع الإشارة إليه
إذا كان خفياً.
ونضرب أمثلة لكل حالة من الحالات من صحيح البخاري.
تخريج الحديث المرفوع دون ما فيه من إدراج:
هذا هو الأصل عند الإمام البخاري - رحمه الله - في صحيحه هو
تخريج الأحدايث الصحيحة دون ما فيها من أوهام سواء أكانت تلك الأوهام :
٣٣٢

في الأسانيد أم في المتون، وسواء أكان الوهم بسبب الإدراج أم الاختصار،
أم الرواية بالمعنى، أم غير ذلك من الأسباب، ونمثل هنا بأحاديث وقع فيها
إدراج، أخرج البخاري الحديث المرفوع منها فقط دون المدرج.
المثال الأول:
حديث ابن مسعود أن النبي ◌َل# أخذ بيده يعلمه التشهد:
(التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله
وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله))(١).
فهذا الحديث يرويه البخاري وبقية الستة هكذا.
وأخرجه الدارمي وفي آخره (( ... فإذا قلت ذلك فقد تمت صلاتك،
فإن شئت فقم، وإن شئت فاقعد))(٢).
فهذه الزيادة ليست من المرفوع، بيَّن ذلك شبابة بن سوار فيما أخرجه
الدارقطني وغيره وعبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان، فيما أخرجه أبو يعلى
والطبراني في الأوسط (٣).
(١) رواه البخاري في كتاب الأذان، باب التشهد في الأخير رقم (٨٣١) ج٢ ص٣٦٢ ثم
كرره في مواضع كثيرة من صحيحه. انظر الأرقام التالية (٨٣٥) و(١٢٠٢) و (٦٢٣٠)
و(٦٢٦٥) و(٦٣٢٨) و(٧٣٨١)، وأخرجه مسلم في الصلاة باب التشهد في الصلاة رقم
(٥٥) و(٥٦) و(٥٧) و(٥٨)، وأخرجه أبو داود في الصلاة، باب التشهد رقم (٩٢٨)
وأخرجه النسائي في التطبيق، كيف التشهد الأول (١١٦٤) و(١١٦٧) وأخرجه ابن ماجة
في إقامة الصلاة والسنة فيهما، باب ما جاء في التشهد رقم (٨٨٩).
(٢) ووقعت الرواية المدرجة أيضاً في سنن أبي داود في كتاب الصلاة، باب التشهد رقم
(٩٧٠).
(٣) السيوطي: المدرج إلى المدرج - تحقيق صبحي البدري السامرائي، الدار السلفية للنشر -
الجزائر، ص ٢٠.
٣٣٣

المثال الثاني:
حديث عثمان - رضي الله عنه - أن النبي بَّر قال: ((خيركم من تعلّم
القرآن وعلَّمه))(١).
هكذا رواه البخاري ومسلم، ورواه الخطيب وزاد في آخره (وفضل
القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، وذلك أنه منه).
فالمرفوع منه إلى قوله «وعلمه)) وأما قوله ((وفضل القرآن ... إلى:
آخره)» مدرج من كلام أبي عبدالرحمن السلمي، ميزه جماعة من الرواة
منهم: ابن راهويه، وأبو مسعود، وأحمد بن الفرات الرازي، ويحيى بن أبي
طالب(٢) .
المثال الثالث:
حديث أبي جحيفة - رضي الله عنه - قال: ((رأيت النبي ◌َل* وكان
الحسن يشبهه))(٣).
هكذا روى البخاري ومسلم وغيرهما هذا الحديث.
ورواه الخطيب وزاد في آخره وأتى بثوب من النصاب مكتوب عليه
صورة شيطان فرمى به وقال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وقصة الثوب مدرجة لأن أبا جحيفة هو الذي أتى بالثوب، فقد رواها
عنه مفردة إبراهيم بن حميد الرواسي(٤).
(١) سبق تخريجه.
(٢) المصدر السابق ص ٢٣.
(٣) رواه البخاري في كتاب المناقب، باب صفة النبي ص 84* حديث رقم (٣٥٤٣) ج٦.
ص٦٥١ (مع الفتح) ومسلم في كتاب الفضائل، باب شبيه 8# حديث رقم (٢٣٤٣) ج٤
ص١٨٢٢ . والترمذي رقم (٢٨٢٧) ج٥ ص١٢٩ ورقم (٣٧٧٧) ج٥ ص٦٥٩، وأحمد
في مسنده ج٤ ص٣٠٧.
(٤) المدرج إلى المدرج، ص ٣٥.
٣٣٤

وقد يخرج البخاري أحياناً ببعض الأحاديث التي وقع فيها الإدراج من
طريق يميز فيها رواتها المرفوع من المدرج. ولذلك أمثلة نذكر منها ما يلي:
المثال الأول:
حديث عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله وَال: ((من مات وهو
يشرك بالله شيئاً دخل النار، ومن مات وهو لا يشرك بالله دخل الجنة))(١).
هذا الحديث وهم فيه أحمد بن عبدالجبار العطاردي(٢) والمرفوع منه
الجملة الأولى فقط، والثانية موقوفة. كذا ميزه جماعة من الرواة منهم
الأعمش أخرجه الشيخان والنسائي(٣) .
فهذا الحديث رواه البخاري من طريق الأعمش عن ابن مسعود -
رضي الله عنه - قال رسول الله وَله: ((من مات يشرك بالله شيئاً دخل النار))
وقلت أنا: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة)) (٤).
المثال الثاني:
حديث ابن عباس إن رسول الله وَل# خرج إلى مكة عام الفتح فصام
حتى بلغ الكديد ثم أفطر، فأفطر الناس، فكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث
من أمر رسول الله وَل. أخرجه الشيخان.
وقوله فكانوا يأخذون بالأحدث ... ليس من قول ابن عباس، بل هو
(١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى. انظر تحفة الأشراف ج٧ ص٤١.
(٢) هو أحمد بن عبدالجبار بن محمد العطاردي، وأبو عمر الكوفي، ضعيف، وسماعه
للسيرة صحيح، مات سنة ٢٧٢، وله خمس وتسعون سنة، روى له أبو داود: ترجمته
في التقريب ص ١٨ وميزان الاعتدال: ج١ ص١١٢.
(٣) المدرج إلى المدرج ص١٧.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله
رقم (١٢٣٨) ج٣ ص ١٣٣.
٣٣٥

مدرج من قول الزهري بينه معمر فيما أخرجه البخاري(١) وابن إسحاق فيما
أخرجه أحمد، ورواه ابن خزيمة من طريق ابن عيينة فقال: لا أدري هل هو
من قول ابن عباس أو من قول عبدالله أو من قول الزهري (٢).
المثال الثالث:
حديث ابن عمر: إن رسول الله نهى عن القران إلا أن يستأذن الرجل
أخاه قال الخطيب: الاستثناء بالاستئذان من قول ابن عمر لا مرفوع، بينه
آدم بن أبي إياس عن شعبة أخرجه البخاري (٣) وتابع آدم على فصل الوقوف
من المرفوع شبابة بن سوار عن شعبة أخرجه الخطيب وعاصم بن علي عن
شعبة، أخرجه الخطيب، وقد فصله أيضاً عن شعبة سعيد بن عامر:
(٤ )
الضبعي (٤) .
والحاصل أن أصحاب شعبة اختلفوا فأكثرهم رواه عنه مدرجاً، وطائفة
منهم رووا عنه التردد في كون هذه الزيادة مرفوعة أو موقوفة، وشبابة فصل:
عنه، وآدم جزم عنه بأن الزيادة من قول ابن عمر، وتابعه سعيد بن عامر.
وقد رجح الحافظ أنه لا إدراج في هذا الحديث واستدل لذلك بأن
البخاري اعتمد هذه الزيادة وترجم عليها في كتاب المظالم(٥)، وفي الشركة،
ولا يلزم من كون ابن عمر ذكر الإذن مرة غير مرفوع، أن لا يكون مستنده
(٦)
فيه الرفع(٦).
وقد يخرج البخاري الأحاديث التي وقع فيها الإدراج ولا يبينه إذا كان:
(١) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة الفتح في رمضان رقم (٤٢٧٦) ج٧:
ص ٥٩٥ (مع الفتح).
(٢) المدرج إلى المدرج ص ٢٥.
(٣) كتاب الأطعمة باب القرآن في التمر حديث رقم (٥٤٤٦) ج٩ ص٤٨٢ (مع الفتح)
(٤) انظر الفتح: ج٩ ص٤٨٣ والمدرج ص٣١.
(٥) باب إذا أذن إنسان لآخر شيئاً جاز رقم (٢٤٥٥) ج٥ ص١٢٨.
(٦) الفتح: ج٩ ص ٤٨٢.
٣٣٦٠

واضحاً، أو يشير إليه ويصرح به إذا كان خفياً. وفيما يلي أمثلة على ذلك:
المثال الأول:
حديث عائشة رضي الله عنها في بدء الوحي " ... وكان يخلو بغار
حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد الليالي ذوات العدد ... ))(١).
فتفسير التحنث ليس من قول عائشة وإنما هو مدرج من كلام
الزهري(٢) ولم يصرح البخاري بذلك لوضوح الإدراج فيه.
المثال الثاني:
حديث أبي سعيد أن رسول الله وَلّ نهى عن المنابذة: وهي طرح
الرجل ثوبه بالبيع إلى رجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه. ونهى عن الملامسة،
والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه(٣).
فتفسير المنابذة والملامسة من قول الصحابي(٤).
المثال الثالث:
حديث ابن عمر، أن رسول الله وَله نهى عن المزابنة، والمزابنة اشتراء
التمر بالتمر كيلاً، وبيع الكرم بالزبيب كيلًا(٥).
وتفسير المزابنة من كلام الصحابي(٦).
(١) كتاب بدء الوحي، باب (٣) ج١ ص٣٠ (مع الفتح).
(٢) المصدر نفسه ص٣١ والمدرج ص٣٨.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب بيع الملامسة، رقم (٢١٤٤) ج٤ ص ٤٢٠.
(٤) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب بيع الزبيب بالزبيب والطعام بالطعام رقم (٢١٧١)
ج٤ ص ٤٤١.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب البيوع/ باب بيع بيع الزبيب بالزبيب، والطعام بالطعام رقم
(٢١٧١) ج٤ ص٤٤١ ورواه مسلم رقم (١٥٤٢) ج٣ ص١١٧١.
(٦) الفتح: ج٤ ص ٤٥٠.
٣٣٧

هذه أمثلة لأحاديث كثيرة (١) وقع فيها الإدراج ورواها البخاري في
صحيحه دون بيان له لوضوحه وأكثر هذه الأحاديث مما وقع فيه الإدراج
لتفسير كلمات غريبة في المتن من الصحابي، أو ممن دونه وأحياناً يبين
الإمام البخاري الإدراج - وهو أمر قليل جداً - فمن ذلك: ما رواه البخاري
في صحيحه قال:
(حدثنا عبد الله بن الصباح حدثنا المعتمر، قال: سمعت عوفاً قال:
حدثنا محمد بن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله النار: ((إذا
اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ورؤيا المؤمن جزء من ستة
وأربعين جزءاً من النبوة، وما كان من النبوة، فإنه لا يكذب)» قال محمد:
وأنا أقول هذه. قال: وكان يقال الرؤيا ثلاث: حديث النفس، وتخويف
الشيطان، وبشرى الله. فمن رأى شيئاً يكرهه فلا يقصه على أحد، وليقم
فليصل، قال: وروى قتادة ويونس وهشام، وأبو هلال عن ابن سيرين عن
أبي هريرة عن النبي ◌َّر وأدرجه بعضهم كله في الحديث عوف أبين.
وقال يونس: لا أحسبه إلا عن النبي وَل# في القيد(٢).
فقد أشار البخاري إلى الاختلاف الواقع في هذا الحديث من أصحاب
ابن سيرين، فقتادة ويونس بن عبيد وهشام بن حسان، وأبو هلال محمد بن
سلم الراسبي رووا أصل الحديث ومنهم من رواه منهم من اقتصر على
بعضه، وهشام في روايته عن أدرج الموقوف في المرفوع. وأما عوف
الأعرابي فقد ميز في رواته الموقوف عن المرفوع (٣).
(١) انظر أمثلة في المدرج إلى المدرج للسيوطي ص٣٩ - ٤٣.
(٢) كتاب التعبير، باب القرد في المنام ج١٢ ص ٤٢٢.
: (٣) انظر تخريج هذه الروايات: في الفتح ص٤٢٢.
٣٣٨

المبحث الرابع
زيادات الثقات وموقف البخاري منها
المطلب الأول: موقف العلماء والطوائف من زيادة الثقة.
المطلب الثاني: نماذج لزيادات مقبولة عند الإمام البخاري.
المطلب الثالث: نماذج لزيادات مردودة عند الإمام البخاري.
تمهيد:
إن من أهم المسائل التي لها علاقة مباشرة بتعليل الأحاديث مسألة
((زيادات الثقات))، وفي واقع الأمر أن هذه المسألة هي فرع عن مسألة
المخالفة، لأن الراوي، إذا خالف غيره، فتارة ينقص عليهم، وتارة يزيد في
السند أو في المتن.
وقد اعتنى المحدثون والفقهاء بزيادات الثقات اعتناءً بالغاً، فجمعوا
الطرق، وفتشوا الأسانيد والروايات. ليتمكنوا من الوقوف على تلك الزيادات
لما لها من آثار مهمة في الفقه والحديث. ولأهمية المسألة أفردتها بمبحث
خاص حتى أساهم في الإجابة على إشكال كبير طالما يواجهه المشتغلون
بالحديث والتخريج، فكثيراً ما يجدون في الأحاديث المروية أصولها في
الصحيحين زيادات من طرف رواة ثقات ويترتب على هذه الزيادات مسائل
فقهية مهمة. لكن يفاجؤون لعدم ورودها في الصحيحين، رغم صحة
أسانيدها، وأهمية متونها. فيقعون في الحيرة والتذبذب، فمنهم من يبادر إلى
٣٣٩

قبولها بناء على صحة ظاهر الإسناد، وحال الراوي الذي انفرد بتلك الزيادة
مدعمين موقفهم هذا بأن الشيخين لم يقصدا استيعاب كل الأحاديث
الصحيحة. ومنهم من يردها ويرتاب في صحتها على أساس عدم ورودها في
أصول دواوين الإسلام. ومنهم من يتلون فيقبلها تارة إذا وافقت مذهبه ومشربه
ويردها إذا خالفت هواه. ويجد كل واحد من هؤلاء في كتب الحديث
ومصطلحه ما يدعم به موقفه من الآراء المختلفة المنقولة عن العلماء.
وأصبحت القواعد المقررة في علوم الحديث لا تكفي لرفع الخلاف لأن
(القواعد المقررة في مصطلح الحديث، منها ما يذكر فيه خلاف، ولا يحقق
الحق فيه تحقيقاً واضحاً. وكثيراً ما يختلف الترجيح باختلاف العوارض التي
تختلف في الجزئيات كثيراً، وإدراك الحق في ذلك يحتاج إلى ممارسة طويلة
الكتب الحديث والرجال والعلل مع حسن الفهم وصلاح النية)(١).
فمن الصعوبة بمكان الوقوف على قواعد المحدثين في مسألة ما من
هذا العلم دون النظر في كتبهم المصنفة في الصحيح والعلل، ودراسة ذلك
دراسة متأنية ومتبصرة من غير مقررات مذهبية سابقة تحول دون الوصول إلى
تقرير الحق.
وقد أرشد إلى هذا الإمام الحاكم النيسابوري إذ يقول:
((إن الصحيح لا يعرف بروايته فقط. وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة
السماع، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل العلم
والمعرفة. ليظهر ما يخفى من علة الحديث، فإذا وجد مثل هذه الأحاديث
بالأسانيد الصحيحة غير مخرجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم. لزم
صاحب الحديث التنقير عن علته، ومذاكرة أهل المعرفة به لتظهر علته))(٢).
ففي هذه الفقرة من الفوائد العلمية ما يكشف بعض الجوانب عن
منهج الأئمة النقاد ونذكر منها ما يلي : ..
(١) عبدالرحمن المعلمي: مقدمة تحقيق الفوائد المجموعة ص (ح).
(٢) علوم الحديث ص٥٩ - ٦٠
٣٤٠